تستهدف هذه الدراسة استجلاء المنحي الفلسفى فى كتاب الامتاع والمؤانسة لابي حبان التوحيدى ( 312 ه - 414 ه ( وذلك بمحاولة تقصى القضايا الفلسفية التى عالجها المؤلف في هذا الاثر وتبين منهجه فى عرضها وتفهم طبيعة المواقف التى تبناها واخيرا نسعى الى التعرف على مدى مساهمته فى البحث الفلسفى فى عصره .
وتستدعي معالجة هذه القضية بادىء ذى بدء ان نشير الى ان كتاب الامتاع والمؤانسة لا يعد كتابا فلسفيا خالصا سعى فيه أبو حيان الى وضع مذهب فلسفى او عرض نظرية فلسفية متكاملة الاطراف متماسكة البناء او خصه لتمحيص بعض الاراء تمحيصا انتهى به - بعد المناقشة والتدبر - الى تبنى هذه الاراء او دحضها .
والحق أن أبا حيان لم يكن يرمي الى تحقيق هذه الغايات الفلسفية من تصنيف هذا الكتاب بل انصرف الى تدوين ما دار بينه وبين ابن سعدان الوزير من مسامرات طوال اربعين ليلة مستجيبا فى ذلك الى رغبة صديقه أبي الوفاء المهندس حتى يطلع على جميع ما تحاور فيه ابو حيان مع ابى عبد الله العارض ومع اننا لا نود فى هذا المجال ان نناقش قيمة هذا الهدف ومدى دلالته عن علاقة التوحيدى بعلماء عصره ووزرائه وحسبنا ان نذكر ان مضمون هذا المسامرات لم يكن مقتصرا على اثارة بعض القضايا الفلسفية الخالصة وانما تناول فى هذه الاحاديث موضوعات شتى لا تخضع " الى تبويب او ترتيب " بل عالج التوحيدى مسائل تتصل بالادب والعلم واللغة والدين والمجتمع والسياسة ونقد بعض الاشخاص وتصوير العادات وتسجيل احاديث المجالس حتى ان القفطي قال فى شأنه " انه خاض كل بحر وغاص كل لجة " ومع ذلك فان
دراسة الكتاب تجعلنا نقرر بلا مبالغة بان المشاغل الفلسفية احتلت فيه مكانا خاصا واستقطبت اهتمام التوحيدى وابن سعدان على حد سواء . ونستدل على مدى هذا الاستقطاب بما تناوله ابو حيان من مسائل فلسفية متعلقة بالنفس والروح والجسد وطبيعة العلاقة بينهما وعالج فيه ايضا مشكلة صلة الشريعة بالفلسفة ومسألة الجبر والاختيار ومنزلة الانسان فى الوجود وعلاقة الحس بالعقل وكنه المعرفة الانسانية والاخلاق والجمال والحقيقة . وتكشف جملة هذه القضايا عن وجود اتجاه فلسفى فى كتاب الامتاع والمؤانسة . " واذا كان البعض قد ادخل كتاب المقابسات فى عداد كتب التوحيد الفلسفية فى حين ادرج كتاب الامتاع تحت اثاره الادبية فقد يكون الادنى الى الصواب الا نفصل بين اثار التوحيدى الفلسفية واثاره الادبية لان فى المقابسات أدبا كما فى الامتاع فلسفة زكريا ابراهيم ابو حيان اديب الفلاسفة وفيلسوف الادباء ص 257 .
وتحقق هذا المنحي الفلسفي يبرز مدى تلازم الحركة الادبية والفلسفية وترابطهما فى القرن الرابع بل إن ما جاء فى هذا التأليف من معالجات فلسفية لا يمثل الا صدى المشاغل الفكرية السائدة حينئذ . ومن ثم يعد التوحيدى بحق اديب الفلاسفة وفيلسوف الادباء وعلى هذا الاساس يحق لنا ان نطرح هذا السؤال : ما هي الطريقة التى توخاها التوحيدى فى عرض هذه القضايا الفلسفية ؟ انصرف المؤلف الى تسجيل المناقشات التى كانت تجرى بين فلاسفة العصر وآية ذلك مناظرة أبي سعيد الصرافى ومتى ابن يونس تلك المناظرة التى وقعت في مجلس الوزير ابن الفرات حول المفاضلة بين المنطق والنحو العربي واثبت في هذا المجال ما كان يدور من نقاش بين اخوان الصفاء وأهل السنة في خصوص علاقة الشريعة بالفلسفة مبرزا موقف استاذه منها يدلنا كل ذلك ان ابا حيان كان متصلا اتصالا وثيقا بهذه الحركات الفكرية التى اخذت تنتشر بين الناس وكان موقعه الاجتماعى من حيث اتصاله بطبقات المجتمع يؤهله للاطلاع على صدى تلك الاراء ويعينه على معرفة مدى ذيوعها ألم يسائل الوزير ذات ليلة ان يطلعه عن اراء ابن يعيش الرقى فى الفلسفة ألم يطلب منه ان ينقد كتاب العامري الموسوم بانقاذ البشر من الجبر والقدر والح عليه مرارا ان يعرفه بمذاهب ابى سليمان المنطقي فى شتى المسائل الفلسفية . وتجدر الملاحظة ان الوزير لم يكن يحرص على معرفة النشاط الفلسفي السائد عندئذ بقدر ما كان يسعى الى استطلاع المناخ الفكرى وما يجرى فيه من اراء ونظريات لها مساس بالحركات السياسية والاجتماعية تلك
الحركات التى اخذ مدها يتفاقم واضحت تنذر بحدوث انفجارات حادة واهتزازات خطيرة في كيان المجتمع العربى الاسلامى فى القرن الرابع الهجرى .
ولم يقتصر دور التوحيدى فى الامتاع على عرض النظريات الفلسفية وبسط اراء فلاسفة العصر وانما تجاوز فى بعض الاحيان الى النقد والمناقشه والرفض والتزم في كل ذلك مواقف تتسم فى جملتها بكثير من الحذر فى ابداء الراي الصريح واستطاع ان يتجنب الاعلان عن افكاره الشخصية ازاء التيارات الفلسفية فهو مثلا ينصرف الى مجرد عرض النظريات عرضا يحرص فيه على الصدق والامانة فيجد فى الرواية خير اسلوب يتيح له التوقى من الاصداع بالرأى فيستعين بآراء أساتذته كأبى سليمان المنطقي أو يحيى ابن عدى فينسب النقد مثلا لمذهب اخوان الصفاء الى ابى سليمان ويجتهد فى بعض الاحيان ليوفق بين الاراء المتعارضة . فلما ساءله الوزير عن كتاب العامري وطلب منه ان ينقده اتخذ موقفا مزدوحا " قال الوزير تكلم فى هذا الباب ) الجبر والقدر ( بشىء يكون غير ما قاله العامري وانقد له ان كان الحق فيما ذهب اليه ودل عليه فكان الجواب : ان من لحظ الحوادث والكوائن والصوادر والاواتى من معدن الالالهيات أقر بالجبر اما من نظر إلى هذه الاحداث والكائنات والاختيارات ، والارادات من ناحية المباشرين الفاعلين المحدثين اللائمين الملومين المكلفين فانه يعلقها بهم ويلصقها برقابهم ) ولم يكن هذا النقد من جانب اخر منعزلا عن ظروف الحياة الاجتماعية والصراع الفكرى القائم يومئذ فحين تعرض بالنقد الى رسالة ابن يعيش الرقي اليهودى التى ألفها هذا الاخير الى عضد الدولة تولى التوحيدى كشف العلاقة بين وضع هذا المفكر المعاشى وبين محتوى رسالته الفلسفية فراح يصور حياته المادية ويميط القناع عن الهدف من تصنيف هذه الرسالة . يقول :
قد عرفت مذهب ابن يعيش فى هذا الباب وهو جارى وكتب هذه الرسالة على هذا الطراز بالامس الى الملك السعيد سنة سبعين وتقرب بها ونفعته بالمسألة والتفقد فانه شديد الفقر ، ظاهر الخصاصة ، لاصق بالدقعاء ) .
والحق ان تحاشى التوحيدى فى الامتاع والمؤانسة من التصريح بارائه المتعلقة بالصراع الفكرى الدائر انذاك يرجع الى خوفه من فقدان المنزلة التى احتلها بجوار الوزير ابن سعدان اذا ما جاهر بمواقفه الفكرية فى هذه الظروف فقد فرضت عليه ظروف الحياة الجديدة ان يتجنب ما استطاع الى ذلك سبيلا توضيح مواقفه الشخصية تجاه الصراع الفلسفي الاجتماعى والسياسي . ذلك
ان الفكر الفلسفي لم يكن في يوم من الايام منفصلا عن التطاحن الاجتماعى والسياس بل ان تبني موقف ما يعبر عن انتماء سياسي قائم فى صلب المجتمع . ويظهر ان ابا حيان كان واعيا بهذه الحقيقة وعيا كافيا جعله يتفادى إلى حين المحن السياسية وضمن له الى امد حياة رغيدة فى كفاله الوزير بن سعدان . وظن انه بذلك أى بالتدارى وراء اصحاب النظريات الفلسفية يستطيع ان يؤمن حياته من الفقر والبؤس . وما كاد سلطان الوزير ابن سعدان ينهار حتى ادرك التوحيدى ان الحياة اسلمته الى المحنة القاسية والقت به الى الواقع المرير فراح يبكى حظه ويندب مصيره .
ولم يتأكد هذا المنحي الفلسفي فى الامتاع والمؤانسة بعرض نظريات الفلاسفة وارائهم في شتى القاضايا ومحاولة نقدها - نقدا يتسم بكثير من الحذر فحسب وانما اتجه كذلك في هذا المجال الى تحديد بعض المفاهيم الفلسفية . والاهتمام بهذه الناحية يعتبر من صميم العمل الفلسفي وهو يدعم النزعة الفلسفية فى كتاب الامتاع . فتطور الحركة الفلسفية تستدعى تدقيق المفاهيم التى يتعامل بها الفلاسفة وقد ساعد المنطق اليونانى على ضرورة القيام بهذا العمل . وقد أولي التوحيدى هذا الجانب اهمية بالغة فى الامتاع . فقد سأله الوزير فى المسامرة التاسعة ان يحدد بعض المفاهيم الاخلاقية كالشجاعة والجبن والسخاء والبخل والخير والشر وطلب اليه ان يدقق معنى السكينة فى الليلة الرابعة عشرة وحثه على تعريف ماهية النفس والروح والعقل والحس الى غير ذلك من المصطلحات الفلسفية - وفي المجال ايضا ينصرف التوحيدى اذا ما استعصى عليه الجواب الى اساتذته لشرح الفروق بين هذه المفاهيم . وهو يعترف ( بان ما يستشهد به انما هو فى الحقيقة منسوب الى ابى سليمان او احد فلاسفة اليونان او الى ابن يعيش الرقي يقول " وانا آتى بما احفظ وارويه والرأى بعد ذلك الى العقل الناصح والبرهان الواضح " وسأله الوزير عن النفس فقال :
" املى علينا ابو سليمان كلاما فى حديث النفس .
وجرى مرة كلام فى الممكن فحكيت عن ابن يعيش الرقي فصلا سمعته بقوله ولا بأس برسمه فى هذا الموضع " ) الليلة 15 ص 216 ( .
على ان الخوض في غمار القضايا الفلسفية فى الامتاع والمؤانسة يرد فى بعض المسامرات بين ابي حيان والوزير فى سياق نقد الممارسات السياسية
لبعض رجال الحكم وما طرأ على أسلوب ادارة شؤون البلاد من فساد فى علاقة الحكام بالمحكومين واستغل التوحيدى فرصة خبر جاء فى عرض السمر لينتقد سلوك ابن سعدان نفسه بطريقة غير مباشرة . ومؤدى هذا الخبر ان احد وزراء كسرى كتب رقعة يذكر فيها أنوشروان بان فى ادمان الملك ضررا على الرعية والوجه تخفيف ذلك فانطلق ابو حيان مستشهدا بنظرية ابى سليمان فى طبيعة العلاقة بين الملك والرعية يحلل النموذج المثالي لسيرة الملك فى المجتمع وفهم بن سعدان مقصد التوحيدى وراح يبرر سلوكه ازاء ردود فعل الرعية والغرض من الاستدلال لهذه الحال ان نتبين ان معالجة القضايا الفلسفية لم يكن غاية فى حد ذاته وانما ثمة ظروف دفعت التوحيدى الى اثارة مثل هذه المسائل ونلمس هذه الظاهرة ايضا فى الليلة التى اورد فيها رايا للفيلسوف اليونانى ديوجنوس مضمونه ان الدنيا لا تطيب الا اذا تفلسف ملوكها وملك فلاسفتها وانبرى الوزير يكشف عن خطر هذه النظرية . فلا نستطيع حينئذ القول بان ابا حيان يتخفى وراء اراء اساتذته ليتجنب ابداء ارائه الفلسفيا المتعلقة بالاوضاع السائدة بل نجده يستغل الموقف الفلسفي ليعلن عن رأى متصل بالحالة السياسية ساعيا الى اصلاح الوزير مثله فى ذلك مثل بيدبا الفيلسوف حين رام اصلاح الملك دبشليم
وتشكل العلاقة بين ابى حيان الفيلسوف وابن سعدان الوزير جوهر مشكلة الامتاع وتظل المسائل المتعلقة بالثقافة السائدة ومدى ابراز هذا الكتاب لها او القضايا الاجتماعية جوانب ثانوية ازاء هذه القضية الخطيرة وفي هذا الاطار بالتدقيق يتنزل المنحي الفلسفى فى هذا الاثر على اساس انه يمثل خطا بارزا فى تفكير ابى حيان من خلال الامتاع والمؤانسة ولا يعتبر هذا الاتجاه مجرد بحث نظرى بقدر ما يكشف عن درس لمجموعة من المسائل المرتبطة بصلب الحياة فى ذلك العصر
وتفهم هذه العلاقة يدفعنا الى التساؤل عن دور أبى حيان فى حقل البحث الفلسفى فى نطاق كتاب الامتاع والمؤانسة فملازمة التوحيدى لفلاسفة العصر امثال أبى سليمان المنطقى وابن زرعة وابن يعيش ويحيى بن عدى وأبى حامد المروروقي وأبى سعيد الصرافى وزيد بن رفاعة والمقدسي وكلاهما من جماعة اخوان الصفاء ومخالطته لأهل التصوف جعلته يسوعب امهات المسائل الفلسفية ويتمثلها ويستحضرها في مسامراته مع بن سعدان . فالمامه بثقافة العصر وتبحره فى فروع المعرفة المتعارفة إذ ذاك يهئ لنا القول بان أبا حيان
يعتبر من كبار المثقفين بل انه من رواد الفكر الفلسفي الادبى فهو على حد تعبير زكرياء ابراهيم " قد احال التراث الفلسفي الى ثقافة شعبية " .
بحيث يرشحه هذا الامر ان يكون الى الفلاسفة اقرب منه الى الادباء فاقتدر على صياغة القضايا الفلسفية فى اسلوب ادبى دقيق العبارة واضح الفكرة وطوع اللغة للتعبير عن الطف المعاني واعمقها وتصرف في اساليب البيان بحسب مايقتضيه اداء الاراء المتشعبة من سيطرة على الالفاظ والتراكيب والمعاني والمفاهيم على حد سواء فحقق بذلك المعادلة بين صيغ التعبير والمضامين الفلسفية .
فلا جدال اذن في ان الامتاع والمؤانسة يتضمن منحي فلسفيا يبدو فى كثير من الاحيان غير متكامل الاطراف فما يمثله فى الحقيقة الا مرحلة من مراحل التطور الفلسفي في فكر ابى حيان ولا يكاد يمضى وقت طويل حتى يتحقق هذا الاتجاه في مؤلفاته اللاحقة بفضل وعي حاد يقوم على اعتبار ان التفكير الفلسفي لا ينبع من تلقى النظريات ومغالطة الفلاسفة وانما يتفجر من صميم حياة الانسان الساعى إلى إدراك الحقيقة الواقعة فى الوجود الانسانى ولن يدرك التوحيدى هذه الغاية المنشودة بانطواء على النفس والرحيل فى سراديب الذات الغريبة عن الوحود العيني بل ظل انسانا يفكر ويبحث عن الجوهر الوجودى تتناهبه قوي الحس والعقل وتتجاذبه معطيات الروح والجسد متمزقا بين عالم الواقع الملييء تناقضات وعالم الباطن المشحون بالقلق والحيرة والعذاب
