لقد تغلبنا على اناطول الغرب بأناطول العرب . . لم يكن عاديا أو ظالما . . وانما كان حر الفكر . . . لم يزل نقد المنفلوطى اكثر من ارهاصات أولية حتى جاء توفيق الحكيم . . المنفلوطى شيخ ادباء النشر في النقد . . وتوفيق الحكيم صاحب مذهب قائم في كوكبان لمعا فى سماء الادب العربى فغمرا الارض بنورهما !
. . احببته على ريق العمر . . فأخذت بكتبه مدارسة وممارسة . . وتجاوزت الطفولة فاذا انا اليوم أكتب عن كاتبى ..!
ولئن سبقني الكتاب على كثرتهم في التصنيف عنه لداعية مائة عام مرت على مولده . . أو لسوانح تسنح لهم في ادب هذا الفنان المصرى الذى خلد على الزمان . . فما واحد منهم وقف كاتبا عن نقده للمجتمع . . وهل كان المنفلوطى الا ناقدا للمجتمع في كل فنه وعميم نثره ؟ ! لقد عرضوه فنانا . . وجلوه شاعرا . . لكن لم يظهروه ناقدا . . فلا على ، اذا جئت اوفي صاحب حقه وانا الذى اخذت منه الكثير . .
لقد انقد دنياه وسكانها . . والأكوان ودورانها . . ففند الجماعات . . ونقر فى العادات . . ولم ينج من صيب نقده رجل . . ولا نجت امرأة . . لقد عرض شمائل الاوساط . . وصور اخلاق الناس . . عروضا وصورا
ابدا تبقى خالدة وهو رميم فى ثراه .
ذلك الفتى الريفى الفقير الذى قهر ظروف حياته وبئته . . واستطاع ان يلزم الكتاب فى ريفه ويحفظ القرآن وهو فى الحادية عشرة من سنيه . . ثم يبرح قريته الى القاهرة ويدخل الازهر فيتلقي فيه علوم الدين واللغة منذ عشر سنوات . .
ولننظر أكانت نشأته وحياته سببا فى نقد الجماعة ، وهل كان زمنه وتجاريبه عاملين على اذكاء اهذا النقد في نفسه . . وباعثين على تعهده واثماره ؟
كانت نفسه - وهو فى الازهر - تهفو الى الادب . . ولم يجد فى الازهر منه ما يروى
أوامه . . فأخذ يطلب على الكتب التى تقع فى يده على غفلة من شيوخه لما هم عليه من مجافاة الدروس الادبية . . لا يأذنون بها فى حلقاتهم . . فتعرض غير مرة للتعنيف والعقاب . . فكان يتحمل ما يلقى منهم صابرا راضيا . . ولا يقلع عن اقتراف الذنب تلو الذنب كلما أتيح له الحصول على كتاب ادبى او ديوان شعر . . حتى خرج من الازهر فلزم حلقة المصلح الكبير الشيخ محمد عبده فأخذ عنه طرفا من الادب والاخلاق والحكمة . . ثم عاد الى ريفه فأقام به سنتين يكتب مقالاته ويبعث بها الى جريدة - المؤيد - فتنشرها له . . فنبه ذكره . . والتفت اليه جمهرة القراء . . . فرجع الى القاهرة يوالى الكتابة فى الصحف ويعانى من التأليف حتى جاء يوم اصبح فيه يوفى حقه اذا قيل انه اديب كبير
ولا يكاد القائل يصدق ان كاتبا - على طرازه - مهما يكن شأنه قد وصل الى الجماهير المثقفة وغير المثقفة كما وصل هو اليها . . فلم تكد كتبه تنزل الى الاسواق الراكدة حتى نفدت ووصلت الى قلوب - الناشئين خاصة- كما يصل الفاتح فى المدينة التى يقهرها فيستأثر بها الاستئثار كله . .
قد يسأل سائل . . كيف تأتى له كل ذلك والرجل لم يكن ذا ثقافة واسعة ولاقديم عهد بالكتابة ؟؟
. . فلتكن عبقريته الفذة . . ولتكن مقدرته الفردية . . ولتكن ارادته القوية الصامدة . . ولكنه يظل مع ذلك احد إقلامنا الكريمة . . ودليلا لا يدحض على خصوبة ملكاتنا . . خصوبة كريف بلادنا العربية اذ ينبت فى احد ارياف الصعيد مثل هذه النبتة المباركة .
كيف لا ؟ وهو الاديب الذي تأتى أدبياته باسلوب قصصى تروقك طلاوته وحسن ادائه . . وان تكن عناصر القصة فيه ضعيفة . .
فلا سعة فى الخيال . . ولا دقة فى مراقبة الأشياء وحسن تصويرها . . ولا براعة فى التحليلات النفسية التى تجعل الاشخاص أرواحا لا أشباحا . . وتجعل الاهواء والعواطف تتراءى طبعية لا تقتسر اقتسارا . . ولا يتحكم فيها المؤلف كما يشاء .
ولكن ، له ايضا من جمال الديباجة . وحلاوة التعبير . . وحسن التوقيع . والتظرف فى سرده واوصافه ما يجعل القارئ ابدا يقبل عليه ويأنس بالجلوس اليه ويجد متعة فى قراءة ادبه وتذوق انشائه . . بل انى اذهب الى ابعد من هذا فأقول : الحق انه واحد من ادبائنا القلة الذين كان لهم الفضل الاكبر فى بعث الحياة فى اوصال ادبنا العربى الحديث . . واثرائه بألوان فنية جديدة غير المتعارف عليها قديما . . فهووطه حسين وعباس محمود العقاد وتوفيق الحكيم وعزيز اباظه ويحيى حتى ومحمود تيمور وحسين فوزى ومحمد فريد ابو حديد ونجيب محفوظ وزكى مبارك والمازنى والرافعى ومحمد مندور وفتحى رضوان . . كل منهم يمثل وجها من وجوه ثقافتنا العربية الحديثة . . ومعلما بارزا من معالم حضارتنا وشخصيتنا القومية . .
لونه جديد وان مات ولم يزل لونه اكثر من ارهاصات اولية فى علاج المجتمع بعصية محمد عبده ، وحمية محمد عبده ، وغيرة محمد عبده . . فقد كانت لتعاليم الشيخ وقع بليغ فى نفسه . . فكأني بها وقد وجهته الى الاصلاح الخلقى والاجتماعى . . ووافقها ما كان فى مصر آنذاك من سوء الحال ، وانتشار المفاسد مما ينذر بتدهور الاخلاق والانحدار الى هوة سحيقة من الظلمات والدياجير . . فحياة الاسرة فى خطر مخيف يهددها بالتمزيق لما
هو عليه الزوج من فسق وادمان الخمر والقمار ، والزوجة من النشوز وفساد الخلق والاولاد من الطيش والاستهتار بالمعاصى .
وهنا ما انفك المنفلوطى ينثر نقداته بين الفينة والفينة ، ونشط الى الكتابة يبعث بها بها الى - المؤيد - مقالات اجتماعية ، فكان منها كتاب ( النظرات ) فى ثلاثة اجزاء يصور بها احوال المجتمع المصرى فى بؤسه وشقائه وانحطاط اخلاقه . فكثر عنده التحدث عن سقوط الفتيان والفتيات ، والخيانات الزوجية ، والفضائح البيتية . . فمن عاشق انتحر من يأسه ، وطالب حاول الانتحار لسقوطه فى الامتحان ، وزوج استسلم الى شهواته فغفل عن مراعاة زوجه واولاده فما سلمت من السقوط وما سلموا من الضلال ، وفتاة اغراها فتى ووعدها بالزواج فخدعت به ، وألقت بنفسها عليه لتحمل فى احشائها ثمرة العار والبؤس . .
هاجمته هذه الغوائل والآفات كلها . . فلجأ الى معتزل . . كما يلجأ الهارب من الاخطار . . واتخذ الكتابة جنة وكنا ، ثم جعلها دريئة وحصننا . . ينضح الناس من كواها بنبال النقد . . ويرميهم من أسوارها بالمساوىء والمثالب . . فلربما دفع البلية , وكشف الخطب باصلاح ما أفسد الشقى فيعود الخائن الى ضحيته وينقذها وطفلها من براثن الفاقة والجوع والعذاب . . فتحسن النتيجة . . ويرتق الفتق . . وتطمئن النفوس والاخلاق كما تجد في قصة ( التوبة ) خبر القاضى المتهتك الذى خدع فتاة ثم تركها ، حتى اذا وقفت تقاضيه فى محكمته تنبه ضميره النائم وعاد اليها . .
ومهما يكن من امر هذه الحوادث . . الا ترى معى انها قاتمة الوجه كثيرة كانت فى
مصر أو قليلة أو لا ترى معى ان أمثال هذه الحوادث يومها لا يخلو منها عصر ولا بلد ، وان صاحبنا كان مغرى بالاسراف فى كلام سقيم . . سيئ العبرة . يحمل من ضعف الاخلاق وتغلب المعاصى والشهوات ما لا يحسن سرده وتفصيله ؟
ولئن كان نقده للجماعة بغية اصلاحها ، فاصلاح المجتمع لا يتم بقصائد تنظم , ورسائل تحبر ، وإسفار تؤلف ، ومقالات تنشر فى الصحف . . فما القول نافعا ، وما القلم مجديا بغير ان يقوم العمل ، وينهض الفعل . .
وان باقعة مثله لا تجود به العصور الا على هاماتها ، ما كان جديرابه وقمينا ، ان يحبس روحه وعقله فقط ليعاين الخليقة . . ويعرضها على التنقير . . فيبين مثالبها . . ويكشف عن عيوبها . . وينقد المجتمع بمياسم كاوية .
لكنها القصص الفرنسية - سامحها الله - فان توفره على كتابة القصص الفرنسية المترجمة وهى فى جملتها من القصص الكئيبة الدامية السطور ، اورثه مرض الكآبة والتشاؤم ، شأن الكتاب الطبعيين المبتدعين . . فخلته لا يأنس الا بتصوير الآلام والآثام ، ولا يبصر من الحياة الا وجهها القبيح الشائه ، وورطه فى ذلك انه كان يستمد ابحاثه من اخبار الصحف وتعليقاتها ومن احاديث الناس وتعليلاتهم ، فجاءت اجتماعياته صدى ، لما يسمع ويقرأ ، يرجعه بلغة انيقة ، واسلوب جميل يسحر الالباب . . ويشنف الاسماع . . فى حلة نقد خلعها على منكب المجتمع لباسا لا ينضوه أحد سجيس الليالى . . لان طبائع الناس واخلاقهم ، وصفاتهم وسجاياهم ما زالت كما هى مذ كانت الدنيا . . ومن ها هنا يخلد المنفلوطى الناقد . . فتظل
خطرات نقده لجماعة عصره ومكانه صادقة على من جاء بعد من الجماعات فى كل مكان .
ولا جرم ان مرام النقد طلب الكمال . . فهل طلب المنفلوطى الكمال لمجتمعه بعد ان نقده ؟ . . لا احسب التنقير فى كل نثره . . فان له ايضاكتابات حسانا ترفع الفضيلة . . وتدعو الى الاحسان ، وتقبح الرذائل ) كالوفاء ( فى المحافظة على الزوجة . . فاذا أصيبت بعاهة او بلاء لا ينبغى للزوج ان يملها ويسئ معاملتها ويرغب فى طلاقها ، و ) يوم العيد ( فى باب الاحسان . . وهو خبر صاحب حانوت يبيع التماثيل فى فى باريس يطرقه الناس ليلة العيد لابتياع اللعب لصغارهم . . وكيف عفا عن امرأة بائسة اختلست تمثالا لطفلها ، و ) عبرة الدهر ( وهى قصة زوج خان امرأته . . واهمل تربية ولده . . فلقى مغبة عمله فى سقوط امرأته . . وفساد اختلاق ابنه ، و ) البائسات ( فى ذكر المرأة المصرية وتزويجها صغيرة السن للتخلص منها . . وما تلاقى فى زواجها من البؤس والعذاب . ولا تستطيع النجاة حتى تلجأ الى الحاكم . .
وله قطع رثائية فى بعض الاشخاص من ذوى المكانة الادبية والسياسية كالشيخ على يوسف وجرجى زيدان ومصطفى كامل . . واحسن رثائه - فى ناظرى - ما قاله فى ولده ) الدفين الصغير ( ورثاؤه لشبابه ) الاربعون ( .
وله ابحاث قريبة التناول . . ان فاتتها الدراسة التحليلية لا يفوتها ايلام النقد والتجريح ! . .
وهو القائل فى سقوط الفنيات : ) ان كنتم تريدون ان تسلموا بناتكم الى هذه
المدنية الغربية تتولى شاأنهن . . وتكفل لكم تربيتهن . . فانتزعوا من جنوبكم قبل ذلك غرائز الشهامة والعزة والاباء والانفة . . حتى إذا رزاكم الدهر فيهن . . وفجعكم فى اعراضهن . . وقفتم امام ذلك المشهد هادئين مطمئنين . . لا تتعذبون ولا تتألمون ! (
وهو القائل فى الفضيلة : ) يقولون ان الفضيلة لا تزال تجد فى صدور الكثير من الناس صدرا رحبا وموردا عذباء . . وانى قائل لهم قبل ان يقولوا كلمتهم : اني لا انكر وجود الفضيلة ، ولكنى أجهل مكانها فقد عقد رياء الناس امام عيني سحابة سوداء أظلم بها بصرى ، وحتى ما اجد فى صفحة السماء نجما لامعا ولا كوكبا طالعا
وهو القائل فى النفس العالية كما احفظها مذ كنت صبيا وارددها كالببغاء لا افهم معناها العميق : ) حسب المرء من الجمال ان يكون شريف النفس . . مستقيم الخطة . . لا يكذب . . ولا يتلون . . ولا يداهن . . ولا يتملق . . وان تكون نفسه نقية بيضاء غير ملوثة بأدران الرذائل والعيوب . . فمن فاته الوجه الجميل الا , الثوب المفوف ، والوسام اللامع . . فلا يفوته شرف المذهب . . ولا عزة النفس . . ولا اباء الضيم (
يا لهذه الحكم . . ما ابلغها . . بوركت من حكم . . وبورك قائلها . . ولكأنى بها لا يذكر اسمه الا وتذكر معه ، حتى كتبه من - ماجدولين - او - تحت ظلال الزيزفون - وهى قصة عاطفية ترجمت له عن اللغة الفرنسية فصاغها باسلوبه ، ومن النظرات - وهى مجموعة مقالات ، ومن - العبرات - وهى مجموعة قصص . . الى قصة - الفضيلة
وقصة - الشاعر - وقصة - فى سبيل التاج وكلها مترجمة . . لا يذكر اسمه الا وتذكر معه . . كأنى بها بقية من اسمه . . وكأنى به يقول : اتعرفون لماذا ؟ لانها خرجت من قلبى مباشرة كطلقات الرصاص . . فكان ان استقرت فى قلوب الناس !
وما دمنا قد تعرضنا لكتبه فلا بد من ذكر ما قيل فيها . . قيل ان من اراد ان يخرج صورة صحيحة عنه ، تتجلى فيها ابحاثه الاجتماعية قصصية وغير قصصية وعلى اختلاف اغراضها وتشابه ألوانها ، فعليه أن لا يلتفت البتة الى غير - النظرات - لان مؤلفته الاخرى ليست من اختراعه ، وانما هى من المترجم المنقول ، هذا إذا كنت مشغوفا بمعرفة الكاتب فى تفكيره وتعبيره معا ، وفى مقدار استطالته على الاختراع والاستنباط ، وفى مبلغ ما وصلت اليه ابحاثه الاجتماعية واقاصيصه الموضوعية من القوة والضعف .
وقيل ايضا ان فى - النظرات - ايضا ما هو مستوحى ومنقول .
أما بالنسبة للنقد فانى لاجد بينه وبين - فولتير - من ادباء فرنسا توافقا وتشابها فى النقد الدينى والاجتماعى . . واجد بينهما وبين - اناطول - من أدباء فرنسا ايضا انسجاما ومحاكاة . . أما - فولتير - فكان لذاعا مشهورا باسلوبه التهكمى ولا يكاد يخلو له اثر من لمزات السخرية حتى عرف في الادب الغربى بالكاتب الساخر . . وأما - أناطول - فكفى بنقده مشاهد من المسيحية بواسطة اعمال اجراها واقوال قالها دليلا . . واما صاحبنا المنفلوطي فقد كان أبعد من ذلك
وكان سباقا الى نقدى أروع ، وسخرية اجتماعية أروع . . فنقد مشاهد اسلامية ، فقد كان باحثا اسلاميا كبيرا رمى الى الدفاع عن الاسلام ، والدعوة الى تطهيره من الشوائب والعيوب التى دخلت عليه وليست منه . . ولم يكن فى اكثر سخريته وتهكمه عاديا او ظالما ، وانما كان حر الفكر . . كغيره من رجال الفكر الذين خلدوا فى جبين التاريخ . . قالوا حقا . . ولم يتهيبوا عنت المؤاخذين . .
ولقد ضحى بعمره الطويل فى سبيل فكره النبيل . . فاتخذ النثر اداة لنقد نقائص المجتمع ومثالبه ، وكان داعية اصلاح لامته خاصة والامة العربية جمعاء عامة . . فوق ما كتب له من رقة الحال ، وقلق البال ، فانه خرج من الدنيا وقد ادى مهمته . خرج ولم يزل لونه اكثر من ارهاصات أولية فى علاج المجتمع . . وانا لا أرى غير الحق حين أقول : ان هذه الارهاصات ظلت فى حاجة الى التطوير لتتحول الى لون جديد مكتمل العناصر . . وكان - توفيق الحكيم - هو صاحب هذا التطوير الذى ارسى لهذا اللون مكانا راسخا في أدبنا العربى . . ولم يكن توفيق الحكيم ليوفق الى شىء من ذلك لولا تلك الارهاصات التى سبقته ومهدت لظهوره . .
والسخرية والتهكم فن لا يؤتاه الا لوذعى بصير بمداخل ومسارب الفكر . . وقد اصبح توفيق الحكيم بالفعل فى ادباء النثر اليوم شيخ هذه الطريقة اللاذعة . . فظهرت فى ادبه اقوال التهكم . . بعضها خفى وبعض ظاهر . . وظل هذا الفن ملاحة بيانه وحلاوة معانيه . . مع ان ادب العرب لم يكن فى يوم من الايام محروما من فن التهكم . . ولكنه كان
نزوات على اسلات الاقلام بين الصفحة والصفحة ) ١ ( ، ان ابياتا تجىء بين القصيدة والقصيدة ، او جملا يندبها الكلام فى مطاوى الخطب او مراحل الحديث ، او خروجا على مألوف التهكم الذى عرفته العرب فى جاهليتها واسلامها . . اقذع كلام . . وشتائم . . وسباب
أما توفيق الحكيم فقد كان كسلفه يبطن معانيه العميقة اللاذعة فى نسيج من الكلم . . ساخرا حينا سخرية ظاهرة . . وآونة خفى السخر دقيق التهكم . . انما حنكة المنفلوطى فى دخائل الكلام لم تحرمه هذا الفن . . ففى مقالاته وادبياته ازاهير سخرية وتهكم لكنها قليلة نادرة . . وتوفيق الحكيم جاء فأتقن هذا الفن . . ورب كلمة منه ذات سخرية لاسعة تنفذ فيما لا تنفذ الابرة . . ولا تقوم مقامها القصيدة الطويلة الابيات فى الهجاء والتجريح . . كيف لا ؟ . . وهو الفنان العارف بمواطن السخرية ومكامن التهكم .
ولم يقتصر توفيق الحكيم فى بث تهكمه خلال اقصوصاته او - قصمقالاته - كما يحلو لى ان اسميها . . لكنما بدا له تهكم فى سياق مسرحياته وخلال بعض مقالاته . . زد على ذلك انه صاحب مذهب قائم فى فنه ، قد أثبته القدر الكافى من آثاره الفنية . . فيقول : ) لا ينبغى ان نملى على الفن اتجاها بعينه ،
ولا يجوز لنا ان نوصية بارتداء لباس الحكمة الرزينة او رداء الاصلاح الوقور . . الا ان يشاء هو ويرضى ( .
هذا رأى واضح لمذهب يرتضيه توفيق الحكيم . . وله ان يعتنقه وان يدعو اليه . . فلا كان فن ، ولا كان أدب لا يشعر صاحبه بحريته . . فليس يضيره ، بل مما يرفع قدره ، ان تكون له رسالة اصلاحية ، أفلا يسمى ما كتبه برنارد شو ، وابسون ، وولز مثلا أدبا ؟ . . أقول قولى هذا ردا على من ذهب الى تقرير أن أمثاله ممن جعلوا الادب فى مصر اداة تسجيل وتوجيه لشؤون المجتمع والاقلام ابواقا توقظ النائمين ، لا يمكن بحال تسميتهم ادباء . . وكتاباتهم ادبية . . ولكنهم غير ذلك . . وكتاباتهم معازف ينعس على أنغامها المترفون . .
ثم ، ماذا نسمى - اذا لم نسمه ادبا رائعا - ذلك الفن التاريخى الذي تفاعل فى حياة الأدب العربى حتى وصل الى يد الكاتب القصاص توفيق الحكيم ؟ . . ثم ماذا استحدثه كاتبنا العظيم فى هذه الحياة الأدبية الزاخرة على ذلك الفن ؟ . . ألم يعتل فيه توفيق الحكيم الفنان منبر الوعظ والارشاد باسلوبه الفريد لامته ، بما تحمده له امته ، وبما يتمتع به قارئه ، وبما ترتفع به اخلاقه ؟
فيا توفيق الحكيم . . ومن قبل يا مصطفى المنفلوطى . . يا أيها الكوكبان اللذان لمعتما في سماء بلاد الادب العربى . . أبدا تبقى مياسمكما خالدة ، لان نقدكما المجتمع يصلح لكل زمان . . وينزل فى كل مكان .
) مكة المكرمة (

