الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

المنهج العلمي في البحث هو ملك للإنسانية ، ملك لكل مفكر مبدع

Share

توطئة وتقديم

. هذه القضية أريد أن اعرضها على جمهور قراء " مجلة الفكر " وطريقتى فى بسط هذا الموضوع هو انى سأوجز بادئ ذى بدء عرض المشكلة كلها فى تاريخ الانسانية كلها سواء كانت عربية او أوربية لان هذا الموضوع : " موضوع المنهجية فى البحث " تطرق اليه بالدراسة والتحليل سائر الباحثين منذ فجر اليونان ومنذ أيام الرومان وتلاهم المسلمون ثم الاوربيون . وفي دراستى سأتعرض الى المنهج الحديث الذى لمع على يد الفيلسوف " ديكارت " كما انى سأتعرض بالدراسة والتحليل لبعض فلاسفة العرب فى " المنهج العلمى فى البحث " مثل ابن سينا وابن الهيثم وجابر بن حيان وغيرهم . .

وفى دراستى هذه لم أتعصب الى هذا والى ذاك ، فسأكون حكما بين " المناهج العلمية المختلفة فى البحث " على اختلاف أجناسها ونحلها ، وقد أنهيت بحثى بخلاصة توصلت اليها : هي ان المناهج العلمية ليست مقفلة تعيش داخل جزيرة مغلقة فهي تأخذ من هذا ومن ذاك وهى فى متناول كل باحث تتجدد ملكيتها بالخلق والابداع وباعمال العقل لا باجترار القوالب والاساليب البالية فهى تتجدد وتأخذ سمات جديدة شأنها فى ذلك شأن العملة التى لها رصيدها وصلاحيتها .

ديكارت والعلماء العرب

هذه القضية أثارها الغربيون فى العصر الحديث ويرجعون الى ان الذى

أسسها هو الفيلسوف الفرنسي " ديكارت " ويمكن أن نلخص مذهبه باختصار فى أربع قواعد :

أولها : وضوح الرؤية فى إعمال العقل ،

وثانيها : التحليل فى البحث وتجزئته .

وثالثها : التدرج في كل قضية مع التفكير فيها بانتظام

ورابعها : الاستقصاء والشمول وعدم اهمال أى جزئية .

وهذه الطريقة فى البحث العلمى قائمة فى مجموعها على أساس الانصاف والنزاهة واطراح التعصب والهوى الشخصى .

والحقيقة ان العرب والمسلمين عرفوا " المنهج العلمى فى البحث " على غرار المنهج " الديكارتي " ووضعوا قواعده وأسسه ، وطبقوها تطبيقا منصفا فى كل ما اتصل بهم من قضايا الفكر والبحث وان هذا الفكر لو درسناه دراسة علمية وراجعنا النصوص الخاصة بهذا الموضوع لرأينا ان العرب فى أوج ازدهارهم هم الذين ابتدعوا الاسس الاصلية للبحث العلمي في أيام نهضتهم وعلى الرغم من ذلك . . .  فقد وجه نقد للفكر العربى فى مجموعه بأنه فكر غيبى وأنه ينقصه المنهج العلمي لكني سأعرض بالنصوص والوثائق مدى صحة هذه الفكرة . لو رجعنا إلى الفكر الاسلامي لرأينا ان المسلمين فى ايامهم الاولى قد دعوا الى " البرهان " فى كل قضية " قل هاتوا برهانكم " ومن هنا نشأ فى مجال الفكر الاسلامي ما يسمى بالبحث عن الدليل والنهى عن التقليد وعدم الثقة بالنص الا بعد مطابقته للعقل واقرار مصدره . وعندما ترجمت آثار اليونان لم يأخذها المفكرون المسلمون مسلمة ولكنهم ناقشوها وراجعوها ، وقبلوا منها ورفضوا ومن بين هؤلاء على سبيل المثال ، " ابن سيناء " و " ابن الهيثم " و النظام " و " جابر بن حيان " و " ابن حزم " .

أما ابن سينا فيذكر في منهجه العلمي للبحث أنه كثيرا ما يخالف ارسطو وأفلاطون وغيرهما من فلاسفة اليونان فى كثير من نظرياتهم وارائهم ونراه لا يتقيد بها ويأخذ منها ما يقتنع به ويوافق مزاجه الاسلامى ويضيف اليها الكثير من آرائه الخاصة ، وعنده ان الفلاسفة يصيبون ويخطئون كسائر الناس وهو مع ذلك لا يتقيد بآراء من سبقه بل يبحث فى هذه القضايا

ويدرسها ويعرضها على " المنطق " و " العقل " ومختلف خبراته ، وجعل للتجربة مكانا خاصا به ومن أشهر أقواله فى تكوين فلسفة خاصة بالعرب والمسلمين : " حسبنا ما كتب من شروح لمذاهب القدماء وقد آن لنا ان نضع فلسفة خاصة بنا . "

أما ابن الهيثم فيمضى في طريقه للبحث العلمي خطوات أكثر عمقا واتساعا ، وله رأى واضح ونظرية كاملة يقول : إنه يبتدئ فى البحث باستقراء الموجودات ويتصفح أحوال المبصرات ويميز خواص الجزئيات ثم يستقرئ الأشياء الخاصة بالبصر والتى لا تتغير ثم يرتقى فى البحث على أساس التدرج والتدريب مع فقد المقدمات مع التحفظ من الاخطاء أثناء النتائج وفي تقييمه للأشياء يتبع طريق الحق والعدل لا التعصب الشخصى .

اما العلامة النظام : فسار في طريقه للبحث والمنهج العلمي على طريق الشك والتجربة وهذان الركنان قائمان الآن فى النهضة الحديثة وقد سبق النظام " ديكارت " فى منهج الشك والتجربة .

أما جابر بن حيان : فيذكر ان واجب المشتغل بالكيمياء ، أن يعتمد أولا وبالذات على اجراء التجربة وان المعرفة لا تحصل الا بها .

أما ابن حزم : فقد كذب نظريات الفلكيين والجغرافيين التى ادعوا فيها ان الكواكب تعقل وترى وتسمع فابطل نظرياتهم وادعي انها من اصناف الجماد ومن طبيعة الجماد انه لا يسمع ولا يعقل . . وقد رد أيضا ابن حزم على زعم بعض اليهود من العامة حول نظريتهم التى يرجعون فيها ان نهر النيل ودجلة والفرات تخرج من الجنة فابطل ادعائهم وقال : " ان لهذه الانهار منابع ثابتة ومعروفة لدى الجغرافيين ، وتقول نظرية ابن حزم على المنهج العلمي على ثلاثة أشياء " .

أولا : شهادة الحواس بالاختبار ، ثانيا : شهادة العقل من استعمال الحواس الخمس . ثالثا : شهادة البرهان من قريب او بعيد عن طريق الحواس وأولها العقل

موقف بعض المستشرقين من المنهج العربي

. . . هذه المنهجية العالمية لدى أشهر أعلام العرب قدمتها لدى القراء وهى منهجية تقوم أولا وبالذات على استعمال العقل والتجربة فى البحوث العلمية ،

وهي منهجية تقف مع المساواة مع منهجية " ديكارت " ان لم تكن اسبق منها فى ظهور من الناحية التاريخية وبعد ان لمحت لهذه الظاهرة لدى التفكير العربى الاسلامى . . بقي شئ آخر فى الموضوع وهو موقف الاوربيين من هذه القضية ان من يدرس التفكير الاوربى حول موضوع المنهجية العربية فى البحث يرى هناك من وقف ضدها - وهناك من وقف مساندا لها - وهناك من اعتدل في الحكم ، أما الذين وقفوا ضدها اعتبروا ان التفكير العربى هو تفكير قاصر وضعيف وقد أريد بهذه الحملة هدم قيمنا وقتل مقوماتنا الاساسية وتشويه ملامح شخصيتنا وحضارتنا العلمية والفكرية والاقرب الى الموضوعية نظرية هؤلاء المعتدلين من المستشرقين الذين ينتسب اليهم العلامة " كاجورى " الذى اعترف بحق العرب في ميدان البحث العلمى واعترف بانهم هم الذين اخترعوا علم الجبر والحسابيات وعلم المثلثات ، واكتشفوا ايضا الصفر ، وذكر ان كثيرا من النظريات المتأخرة جاءت على السنة علماء العرب وذكروها فى مصنفاتهم كالتشابه الواضح بين نظرية انشتاين فى الجاذبية وآراء الفارابي فيها . كما ان العرب اشتهروا فى الميادين التجريبية كالطب والتشريح للجثث فى قاعات مريحة خصصت لذلك فى جامعة صقلية ، وقد تمكن أيضا ابن النفس من اكتشاف الدورة الدموية للانسان .

هذا الى جانب اعتراف بعض الاوربيين بدور العرب في اختراع المنهج العلمي لتسيير آلة " الاسطرلاب " الدقيقة ، حيث حققوا مواقع كثيرة من النجوم ، وحسبوا طول السنة الشمسية وبحثوا فى الشمس والكواكب والاقمار ، وتعتبر المراصد الجوية والاسطرلابات الحديثة تعود فى تكوينها ومنهجها الى أسس عربية ثابتة . . .  هذا الى جانب اشتهار العرب بفن الجغرافيا والرحلات والاكتشافات . . فقد قدمت أول خريطة خطية للكرة الارضية إلى الملك " روجار " ملك صقلية وقد صنعها الادريسى اليه ، كما ان العرب اكتشفوا خطوط الطول والعرض . كما انهم اكتشفوا " الساعة " و " البوصلة " وبحثوا فى شؤون " الطيران " واشتهروا " بالكيمياء " واكتشفوا " البلور " والعدسات ، وبحثوا فى " ملوحة البحر " ، واكتشفوا أمريكا قبل " كريستوف كولونب " ، واخترعوا المنجانيق والبارود الى غير ذلك من المكتشفات التى لا تحصى ولا تعد . .

المنهج العلمي في البحث هو ملك لكل مفكر مبدع :

. . . وعلى كل فان المنهجية العربية فى البحث والعلم تلقاها الاوربيون واخذوا عنها وربطوا بين أعمدة التراث اليونانى والرومانى والمسيحي دون ان

يعترفوا بانفصال بين الفكر الحديث وقاعدته الاصلية . . . فنهضوا بذلك فى مختلف الميادين فى الصناعة والتكنولوجيا والكيمياء ، بينما نحن العرب بدانا فى النهوض حيث وجدنا أنفسنا نريد التطلع الى المدنية الحديثة . . . هذا الى جانب أن تراثنا الماضى لم تكتشف معالمه وما زال الكثير الذى لم ينفض عنه الغبار الى حد الآن حيث لم تفهرس كتبه ومخطوطاته - وها نحن اليوم نتخبط بين الماضى والحاضر والمستقبل ، رغم هذا الخلط والتداخل نحن سائرون من حسن الى أحسن وفي طريقنا هذا يجب علينا ان نربط حضارتنا الجديدة بأعمدة التراث العربى الاسلامى لانه نابع من شخصيتنا وماضينا وقيمنا ، ،  لان هذه القيم ما زالت حية تتفاعل مع فكرنا وثقافتنا ، ، وقد كان لفكرنا فى الماضى رسالة انسانية نحو البشرية فى مشارق الارض ومغاربها ، ، الى جانب ذلك يجب علينا ان نفتح نوافذنا على العالم الغربي ونطلع على ما يجري فيه من اكتشافات جديدة ومناهج فى البحث فى مختلف الاصناف والانواع فى العلوم الصحيحة والبيولوجية والانسانية الاقتصادية والاجتماعية .

. . . فالغرب ربط ماضيه بحاضره وخطط لمستقبله وما زال يخطط دائما لانشاء مستقبل أفضل . . . كل هذا لا يحدث إلا بايجاد منهج علمي منظم .

. . . وصفوه القول : ان المناهج العلمية فى ظنى ليست ملكا لاحد سواء " للعرب " او " للأوربيين " وانما هى ملك " للانسانية كلها " ملك لمن يبحث بفكره ووجدانه ويخلق ويبدع ويكرس جهوده فى دراسة المؤلفات العديدة التى تلقح " الفكر " وتعطيه دائما زادا حيا لا ينضب متفاعلا مع المنهج الذي يبحث فيه ، فالعرب مثلا تأثروا بالدراسات اليونانية والهندية والفارسية وأبدعوا فى إيجاد منهجية " عربية " خاصة بهم

والأوربيون درسوا ايضا المنهجية اليونانية والرومانية والعربية والمسيحية فابدعوا أيضا فى أجود منهجية أوربية فى " البحث " خاصة بهم أيضا . وعلى كل نحن العرب كنا شمعة فى الماضى تستضئ بها الامم واليوم تدور هذه الشمعة دورة الفلك وتصبح لدى الاوربيين وهذا شأن كل حضارة ومدنية . . فالعلم ومناهجه المختلفة ليس هو ملكا لاحد . . ولا يمكن بأي حال من الاحوال ان نقفل حدوده فى جزيرة مغلقة . . لان عصرنا اليوم عصر الاتصال عبر الاقمار الصناعية وعصر التلفزة التى تغزو أفكارنا وعقولنا ونحن جالسون على مقاعدنا فى بيوتنا فنطلع بيسر وبسهولة عن كل مكتشفات العلم والاختراعات الحديثة فى العالم أجمع .

اشترك في نشرتنا البريدية