الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

المنهج القانوني للتنظيم العائلي

Share

كلما حفزتنى الدواعى الاجتماعية الى تناول مشكلة التنظيم العائلي بالسبر والبحث من الجانب القانونى وانسياباته المباشرة وغير المباشرة ضمن الجوانب الاخرى من الحياة القومية والدولية . شعرت بالتردد بين التآلف حينا مع هذه الدعوة المستحدثة الى التنظيم العائلى ، وتثبيت أسسها ، واجلاء مضامينها من كل لبس أو زيف أضيف اليها والتجافى حينا آخر مع دعاتها فيما ينذرون به من تهويل متشائم وتعميم مشبه قد ينافى بعض المسلمات التاريخية أو الآفاق الاقتصادية المتواجدة أو معطيات سلم رحدات الهيكل الاجتماعى للامة .

حتى أنست بهذه المادة وارتأيت فيها منهجا قد يفسر كل تناقض فكرى حولها ويجعل منها ضرورة اصلاحية لاى تشكيل اجتماعى سليم ، يتناول بناء الأسرة وروابطها بالضبط والترتيب ، اذا ما أحسن عرضها واختيرت أسانيد تركيزها بحسب فئة المخاطبين بها ، وكيفت مواطن نشاطها بما يضمن للامة نجاعتها فى المستقبل القريب والبعيد وبلورت عناصرها واختياراتها فى صيغ تشريعية شاملة وواضحة .

لذلك سأتعرض بالتحليل والتقييم : 1 ) للاستجابات النفسية التى تجابه فكرة التنظيم العائلى سلبا وايجابا .

2 ) للعوامل الفاعلة والمتوارثة التى تحدد نوع الاستجابة ومداها .

3 ) للاشكال التى تقمصتها هذه الفكرة تاريخيا فى المستويين القومى والدولى .

4 ) للتشريعين الشخصى والتنظيمى اللذين عالجا هذا الموضوع وحددا مداه وجوانبه مع بيان ما اعتراهما من نقص .

فكرة التنظيم العائلى : حدودها وتطورها .

فالتنظيم العائلى فكرة أساسية لبناء كل مجتمع سليم تتكامل فيه الطاقات البشرية وتتوازن مع الامكانيات الاجتماعية المتوافرة ، مادية كانت أو معنوية ، بما يضمن استمرار الفاعلية فى الكيان الاجتماعى للامة والتركيب المثالى للهيكل الاسرى .

وهى تقوم على مبدئين : أ ) عدد يرمى لتحديد طاقات الانجاب بما يحفظ للاسرة الاستمرار فى كنف امكانياتها الذاتية المتنوعة

ب ) وكيفى يسعى لبناء الفرد على أساس من المجانسة بين عناصر تكوينه واعداده وبين السنن التنظيمية أو الاعتقادية والاهداف البعيدة والقريبة التى تستأثر باهتمام الاسرة والمجتمع .

وهى فكرة تفترض قيام ـــ تلاقح عضوى بين الوحدة العائلية فى رغباتها ومناهجها الذاتية والوحدة الاجتماعية فى تنظيماتها وامكانياتها الاستعابية وتهيآتها المصيرية ـــ وقد اتخذت هذه الفكرة أشكالا فلسفية ونظرية توائم الآمال القومية والمحيط الحضارى لكل أمة من الامم ، فاعتمدها الاسبارطيون لتحقيق مجتمع الفتوة والقوة ونادى بها المفكرون الآثينيون لبناء مجتمع الفضيلة النفسية والتجرد الصوفى وكرسها الاسلام لتركيز الفضيلة الاخلاقية والسمو الاعتقادى والتشريع التنظيمى ، وكانت الأسرة تمثل الارضية الفعلية لتطبيق هذه المبادىء واخصابها ، وذلك بما لها من قدرة على التكيف مع ما تستحدثه هذه المدارس الفكرية من محتوى جديد لمفهوم الحقوق والواجبات التى تنظم هيكل الأسرة وعلاقاتها الداخلية والخارجية على نحو قد يؤدى الى الاكثار من النسل كما هو الحال فى الاسلام أو الى تحديده كما هو الامر فى المسيحية ، والى تدعيم الروابط العائلية أو اضعافها والى تلوين شخصية الفرد بالسمات الاجتماعية التى يسعى النظام الى نشرها ، مما يؤكد بالتالى أن التنظيم العائلى يمتاز بأنه مفهوم :

1) شامل لكل عناصر البناء الاسرى كيفا وكما . وقادر على استيعاب كل تفاعل يحدث بينها وبين المؤثرات التنظيمية التى تسلط عليها .

2 ) قابل للتناقضات المذهبية وغير مانع لاحتواء أى منهج ثورى أو اصلاحى ستهدف تنظيم العائلة على نسق من المثل المقابلة للتنظيم القائم داخل الامة أو خارجها .

3 ) وحافز مرافق لتحقيق التطور الاجتماعى السليم لكل مجتمع يمر بمرحلة التحول الحضارى المتصاعد .

4 ) مستحدث يتخذ طابع الجدة والغرابة فى كل مرة يبعث فيها للوجود بلون خاص يتسم بمقابلة الموروث والمألوف من العادات المدخل عليها .

5) مقارنة  بموجة من النفى لمبرراته والتشكيك فى أسالسب تطبيقه والجداوى المنتظرة منها . وذلك تحت تأثير مجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية

6 ) مهىء لتعديل السلم الاجتماعى بين فئات المخاطبين به بصورة تحقق نوعا من العدالة الاجتماعية والتحول الثقافى بينها .

لذلك كان محتوى مفهوم التنظيم العائلى يعم التحوير الجزئى أو التحوير الشامل الذى يمس بمألوف السنن العائلية ومعتادها فى أى منحى من مناح نشاطها . الامر الذى يجعل المخاطبين به يواجهونه بمجموعة من الاحترازات التى تلاءم نوعا وكما ظروف الفئة التى ينتمون اليها ، ومدى تسلط ذلك التنظيم عليها .

فمجلة الاحوال الشخصية التى أحدثت تحويرا عميقا على نوع الروابط التى تشد الكيان العائلى وعلى طبيعة الحقوق والواجبات المخولة لكل عنصر من عناصره . على نحو جعلت معه ، كل ما هو محل جدل وتأول ، واضحا فى حدوده متميزا عما يلابسه فى نوعه . مقررا لحقوق الانسان الاساسية بغض النظر عن جنسه أو قوته ، مكلفا أعضاء الاسرة كل بحسب موقعه منها واختصاصاته فيها . بما جعل الجم من العائلات المحافظة تواجهه بالاحتراز والانتقاد ، لما أحدثه هذا التنظيم على هياكلها القديمة من تغيير جسيم يمس بركائزها الفكرية وتفريعاتها التشريعية التى تنعكس على سلوك أعضاء الاسرة ومواقعها منها ، فى حين كانت مواجهة الفئات العمالية والمثقفة لهذا التشريع الشخصى الجديد أقل حدة باعتبار تهيؤها التلقائى لقبول ما جاء به . ضرورة أن ظروفها وبيئتها أكثر مجانسة لمقتضيات العصر وتفتحا على تياراته .

لذلك فان الدول الاشتراكية والدول المتطورة لم تتردد فى اصدار التشاريع المتوجبة لمعالجة هذا الموضوع في أدق عناصره وأوفرها جدلا ألا وهو الاجهاض ومنع الحمل انطلاقا من رغبتها فى التوقى من انتشار الامراض الوراثية ومن تكاثر الاطفال ذوى العاهات الجسمية أو العقلية التى تنتج عن تعرض الجنين للعدوى بأمراض معينة أو عن جراعات خطرة من الاشعاع أو عقاقير تناولتها الام كعقار ( الثالث وميد ) كما هو الحال بالنسبة لتشاريع الدول الاسكندينافية ودول أوروبا الشرقية وابريطانيا . وسنغفورة . واستراليا واليابان وكوبا وتركيا وبعض ولايات أمريكا .

أو انطلاقا من محاولة انقاذ شرف الانثى وشرف الاسرة من الحمل الناتج عن الاغتصاب أو الحمل من محرم أو وقاع قاصرة أو ضعيفة العقل . كما أكدت ذلك تشاريع الاردن ولبنان وكلومبيا .

فارلندا التى أباحت الاجهاض لدفع الخطر عن الحامل منذ 1935 أخذت فى تقديرها لحالة الخطر ضمن تشريعها بغزارة الانجاب وتقارب الولايات . وتفاقم الاعباء المنزلية الناشئة عن كثرة العيال ، وللضيق الاقتصادى للاسرة أو مرض بعض افرادها .

وقد نسجت على منوالها مجموعة من الدول الغربية الاخرى فقد أباح القانون السويدي لسنة 1946 المعدل لقانون 1938 والقانون الدنماركى المعدل لقانون 1937 . والقانونين الفنلنديين لسنة 1950 ـــ 1970 الاجهاض عندما يفترض أن الظروف المعيشية للمرأة يمكن أن تجعل من انجاب الطفل أثرا سيئا على حالاتها الجسمية أو النفسية ، ولو لم يبلغ الى درجة المرض  .

وقد عبر القانون النرويجى لسنة  1960 عن ذلك ( بأن أية قابلية خاصة لدى المرأة للمرض الجسمى أو النفسي ينبغى أن تؤخذ فى الاعتبار لاجراء الاجهاض بالاضافة الى ظروفها المعيشية أو أية ظروف أخرى من المحتمل أن تؤثر على صحتها فتفضى الى انهيار صحتها )

فى حين أن اليابان تبيح الاجهاض لحماية المرأة من الارهاق الصحى أو الاقتصادى ، أما بريطانيا فى قانونها لسنة 1967 وولاية أوريجون فى قانونها لسنة1969 وجنوب استراليا فى قانونها لسنة 1970فانها توجب لتقدير مدى توقع الخطر على المرأة ( النظر الى البيئة التى تعيش فيها فعلا ، والى البيئة التى قد تعيش فيها فى المستقبل المنتظر ) .

بينما أخذت الدول الاشتراكية كبلغاريا ورومانيا والمانيا الشرقية . والدنمارك وتشيكو سلو فاكيا بمبدء اباحة الاجهاض اذا ما توافر للمرأة عدد يتراوح بين الثلاثة والخمسة أطفال ـــ على اختلاف فى التقدير بين هذه التشاريع

وذلك بالاضافة الى ما قرره التشريع التشيكوسلوفاكى من اباحة الاجهاض لو فاة الزوج أو عجزه ولتمزق شمل الاسرة ووقوع مسؤولية العيال على كاهل المرأة وحدها أو لحصول حرج للمرأة غير المتزوجة من جراء الحمل .

وقد أضيفت لهذه الاباحات مجموعة من الشروط والوقود التى تهم سن المرأة وموافقة الوالدين أو الزوج لها عند الاقتضاء ، أو عرض طلب فى الامر بها لجنة مختصة ، على خلاف بين التشاريع فى فحوى هذه الحدود ومضمونها مما لا فسحة معه للتعرض اليها الآن . وان كان معضمها ينطلق من التسليم بقدرة الطب على معالجة مختلف الحالات الاجهاضية ومواجهة المضاعفات الناشئة عنها ، وبحرية الفرد فى تقرير ما يدخله على نفسه من إضافات طبية .

أما فى البلاد الاسلامية فلم تقصر بعض الحكومات أو الهيئات الدينية عن الاهتمام بهذا الموضوع وابداء آرائها فيه واصدار قراراتها بشأنه منذ أمد بعيد .

واذا كان القدامى من اطباء المسلمين كأبى بكر الرازي فى كتابه الحاوى وعلى ابن العباس فى كتابه كامل الصناعة الطبية وابن سينا فى كتابه القانون فى الطب قد أولوا موضوع الحمل المزيد من عنايتهم الخاصة لاسباب طيبة وصية محضة دون كبير اهتمام بالدواعى الاقتصاديه أو الاجتماعية ، الا ما كان على سبيل الافتراض النظرى أو التمثيل التحليلى .

فان نظرة عموم المجتمعات الاسلامية قد تغيرت نحو هذا الموضوع خلال القرن الحالى . فقد استفتى مفتى الديار المصرية خلال عام 1937 عما اذا كان من الجائز دينيا منع الحمل أو اباحة الاجهاض لاسباب اجتماعيه أو طبية ، وقد أجاب حينئذ بما اختصره الدكتور على شعبان فى بحثه عن منع الحمل فى الاسلام المنشور ب ج 2 من كتاب الاسلام وتنظيم الاسرة : 1 ) بأن للزوجين أن يتخذا الاجراءات الضرورية لمنع الحمل لاسباب طبية أو اجتماعية  موافقة كلا الطرفين ليست ضرورية ، 2 ) قبل مضى 16 اسبوعا من تاريخ لحمل يمكن اتخاذ الاجراءات أو العقاقير المهيئة للاجهاض دون أن تعرض الأم

لاى خطر وعل أن يتم ذلك بعد توفر ارشاد معقول وناجع ، 3 ) اتفق أئمة المسلمين على أنه لا يجوز أبدا اجراء الاجهاض بعد تلك الفترة (1) .

وقد كانت هذه الفتوى منطلقا للاهتمام الذى أبداه الاتحاد الطبى المصرى بالموضوع من خلال الحلقة الدراسية التى نظمها فى تلك السنة ولاول مرة فى بلاد اسلامية لمعالجة التنظيم العائلى فى ابعاده الاجتماعية والقانونية والطبية والاحصائية .

ولم يلبث هذا الاهتمام أن تبلور على النطاق الوطنى سنة 1954 باحداث المجلس الاعلى للخدمات الوطنية ثم سنة 1966 عندما شرعت الهيئة التنفيذية للمجلس الاعلى لتنظيم الاسرة فى بث شبكة مراكز نشاطه الطبى والاجتماعى التى بلغت حين ذاك 1991 مركزا ثم اتسعت الى أن بلغت 3030 مركزا فى موفى سنة 1970 تمكنت من النزول بنسبة زيادة السكان السنوية من 22،4 خلال سنة 1969 الى 19،6 خلال سنة 1970 .

وقد واكبت كثير من البلاد الاسلامية حركة التنظيم العائلى خلال القرن الحالى ، وانتهجت سياسة متباينة المنحى بشأنها . ( فالتنظيم العائلى حكومى فى بعض البلاد وتطوعى تقوم به منظمات خاصة فى بلاد اخرى ، والارشادات الى منع الحمل هى طيبة صرفة فى البلاد التى لا تكون زيادة السكان فيها مشكلة  فى حين أنها تمثل فى البلاد الاخرى اجرءا اجتماعيا ذا صبغة وقائية ضد تزايد السكان . والاجهاض عموما مشروع فى بعض البلاد الاسلامية ان كان فى الاسابيع الاولى من الحمل ولدواعى طبية محضة . الا انه حدث خلال الفترة الاخيرة تطور فى هذا الصدد أدى فى بعض البلدان مثل المغرب وايران وتركيا الى الاهتمام بمرحلة ما قبل الولادة ضمن برامج واسعة لتنظيم الاسرة دعمتها الصناديق الدولية كمنضمة الصحة العالمية ومجلس السكان فى الولايات المتحدة الامريكية ومؤسسة فورد والاتحاد العالمى لتنظيم الوالدية ، وتعتمد عادة على استعمال الحبوب الواقية من الحمل ، أما التعقيم العام فلا يلجأ اليه الا قليلا كما لا يسمح باستعمال اللولب الا باشراف الموظفين الطبيين ) .

والملاحظ عموما أن البلاد الاسلامية ـــ كما يرى الدكتور عبد الرحيم عمران فى بحثه عن الاجهاض فى المرحلة الانتقالية للتوالد فى الاقطار الاسلامية

المنشور ب ج 2 من كتاب الاسلام وتنظيم الاسرة ـــ تنزع الى معالجة التنظيم العائلى بروح اسلامية مشبعة باعتبارات علمية أساسية معينة ومشخصة فى :

1) الضغط السكانى الملزم .

2 ) والتخطيط الواقعى لافاق المشكلة وارضيتها

3 ) مراعاة الجوانب الانسانية

4 ) المرونة الدينية فى الاسلام .

وذلك بالاستناد الى مجموعة من العوامل الضاغطة التى يتأكد اعتبارها فى تصميم كل سياسة يراد انتهاجها فى هذا الصدد ، وهى أن ديناميكية عملية التغير السكانى المعقدة التى تدفع الناس بسرعة الى ممارسة الاجهاض انما تنزع الى أن تكون وظيفة لعاملين كبيرين أولهما شدة الرغبة فى تحديد النسل لدى قطاعات كبيرة من السكان والثانى مدى توافر موانع الحمل الفعالة ودرجة تقبلها اجتماعيا ومدى استعمالها .

وتمر عملية التغير السكانى بستة مراحل وهي :

انتشار العوامل الداعية لانخفاض نسبة المواليد ومنها التبعات الاقتصادية المتزايدة للاطفال ، وتحرير المرأة ومساهمتها فى الحياة العامة ، وتزايد مظاهر التطور والتحضر المعاصر ، وازدياد الوعى القومى بالعوائق الاقتصادية ، وبالأخطار الناجمة عن الارتفاع الشديد فى نسبة المواليد ، وذلك بالإضافة الى انتشار معايير تحديد حجم العائلة الصغيرة ونمو فعالية المؤسسات المساندة لبث فكرة تحديد النسل ، واعادة تنظيم الاسرة فى العالم الاسلامى ، وتعرف أغلبية الازواج المقتنعين بالتنظيم العائلى على الطرق التقليدية والمستحدثة لمنع الحمل بالتجربة والاختبار ، ومسارعة المشرعين الى اتخاذ مجموعة من القوانين المتحررة ازاء اباحة الاجهاض وتلافى أخطار عمليات الاجهاض غير الشرعى ، وأخيرا تعزيز الجهود الرامية الى منع الحمل .

الارضية الديموغرافية بتونس :

وأما بتونس فقد كان الكيان العائلى يعانى اختناقا مزمنا بمفاهيمه الرجعية عن العلاقات الاسرية ومدى الحقوق الانسانية المخولة لكل فرد من الاسرة فيها ، وبجهله لاهمية التنظيم الاسرى فى بناء الامة وأثره الجسيم على تفتحها الحضارى ونموها الاقتصادى خاصة وقد ارتفع عدد سكان البلاد فى أمد 9 سنوات تقريبا بمقدار ينوف عن المليون نسمة اذ كان خلال سنة 1966 يقدر

ب - 4533351 بينما أصبح يعد 5572229 نسمة خلال سنة 1975 مع الملاحظ وأن السن الموسطة بتونس تقدر ب 17 سنة ضرورة أن ثلث سكان البلاد لا يتجاوز عمرهم 14 عاما . الامر الذى جعل المعدل السنوى لزيادة السكان يقدر ب 2.8 وهو الذى جعل متوسط الاسرة الواحدة يتراوح بين 5 و 6 أفراد .

فى حين أن حوالى 227 عائلة يتراوح عدد أفرادهم بين 7 و 11 فردا . وذلك بسبب انخفاض الوفيات وتفاقم الولايات وهو ما يؤدى حتما الى الترفيع من الحاجيات الاقتصادية والاجتماعية للفرد والعائلة خاصة وأن 43 % من السكان لم يبلغ مستوى الدخل السنوى للفرد منهم 50 دينارا وهو المقدار الحيوى الادنى لحياة الفرد بتونس . وبالتالي فان معدل المصاريف السنوية للعائلة يقدر ب 406 دينارا باعتبار أنه يرتفع فى المناطق الحضارية الى 522 دينارا وينخفض فى المناطق الريفية الى 333 دينارا . وتنصرف نسبة 50،3 % من هذه المصاريف الى نفقات القوة التى تختص الحبوب منها بنسببة 32،8 % وهو ما بجعل امكانيات الادخار محدودة لدى المواطن بسبب قلة موارده وقلة نسبة لكهول فى الهيكل السكانى للبلاد .

الاجراءات الاضافية أو العامة لتحديد النسل :

لذلك لم تتردد الدولة فى اتخاذ مجموعة من الاجراءات المالية والضريبية المباشرة وغير المباشرة التى تساعد العائلة التونسية على الرفع من حجمها الاقتصادى لمواجهة تكاليفها المستجدة والمتزايدة عن طريقى :

أ - الاعانة المادية التى تشكل ضمن هياكل وظيفية تلائم أصناف الاحتياجات العائلية وتندرج فى هذا السبيل الاعانات التالية : ـــ المنح العائلية التى تمنح عن الاجر الواحد وعن كل طفل الى الرابع ـــ نظام التقاعد المهيأ لموظفى الدولة وعملتها ـــ نظام التظامن الاجتماعى المعد لاسعاف العجز والمرضى ـــ نظام الضمان الاجتماعى المخصص للعملة ــــ مراكز رعاية الام والطفل ـــ مراكز رعاية ذوى العاهات والمرض ـــ اللجنة القومية للتضامن الاجتماعى ـــ المنح السندة للمعوزين من التلاميذ المتفوقين ـــ المنح المقدمة لطلبة التعليم العالى على اختلاف اختصاصاتهم ـــ الصندوق المشترك لتحسين المسكن ـــ بطاقات التداوى المجانى للمحرومين والمعزين ـــ المآوى التى تعدها الدولة أو تساعد على عدادها لكفالة الاطفال اليتامى وأبناء العائلات المعوزة ـــ مجانية التعليم فى كل المستويات . . . الخ .

ـــ ب ـــ التنظيم الجبائى المتجانس مع البناء العائلى :

وهو منهج يسعى الى تحقيق تلاؤم مطرد بين تزايد الولادات ( الحاصل بنسبة 8،2 % خلال سنة 1969 ) ونمو الانتاج الداخلى الخام ( المتسم بالضعف حيث اقتصر على النمو بنسبة 3،3 خلال نفس السنة ) عن طريق تحديد النسل . بعد أن أدركت الدولة أن السعى للترفيع من نسبة نمو الانتاج لا يمكن أن يواجه حاجيات التكاثر الهندسى لنسب الولادات . اذا ما ترك هذا التكاثر يتفاعل طبيعيا مع نتاجه دون حد مصمم .

لذلك سارع المشرع الى اجراء تخفيضات جبائية عن دخل رب العائلة ، واسناد منح عائلية لاطفالهم حتى الطفل الرابع ، معفاة من الاداء تشجيعا للاسرة على تحديد توالدها بالطفل الاول وعلى الاحتمال الاقصى بالطفل الرابع مولودا كان أو متبنى ، اذ أجرى التخفيض الجبائى عن الطفل الاول بمقدار يوازى تقريبا عشرة أضعاف المقدار المخفض عنه للطفل الثانى وما والاه الى الطفل الرابع .

بالاضافة الى أن المنح التى تخصص لمساعدة العائلة على التحمل برعاية أبنائها الاربع . وان كانت تختلف فى الطفل الاول بالزيادة الى درجة الضعف فيما اذا كان والده موظفا ، عما اذا كان عاملا فانها تتساوى بين الصنفين عند الطفل الرابع .

وعموم هذه الامتيازات قد تقررت أصلا لمساعدة العائلة على التكفل بحاجيات ونفقات العجز والصغار من أفرادها . كما هو الامر بالنسبة للتخفيضات الجبائية الجارية لقاء كفالة كل واحد من الوالدين بنسبة 5 % من الاداء المحمول على المصرح بالضريبة الشخصية بوصفه الكفيل لهما أو كما هو الحال بالنسبة للتصريح المزدوج الذى تنخفض فيه قيمة الاداء الى النصف بالنسبة للزوجة العاملة اذا ما كان التصريح موحدا ، الى أن تقررت مراجعة هذا التنظيم سنة 1963 بمقاييس ديموغرافية مستحدثة تسعى الى تحديد النسل . وان كان هذا التعديل جزئيا الى حد يؤدى الى اعتباره اضافى المحتوى طالما أنه لم يدرج ضمن اجراء جبائى هام يلائم خطورة التنيظم العائلى .

خاصة وأن القانون الجبائى لسنة 1970 قد رفع من نسبة الاداء الموظف على الاجور والمرتبات بما يوازى الضعف . والحال أن المرتبات لم ترتفع خلال

المدة الواقعة بين سنتى 1968-1958 وان كانت الاجور قد ارتفعت فقط خلال تلك المدة بنسبة 5 % فى سنة 1961 10% في سنة 1966 مما يجعل طاقة العائلة الانفاقية محدودة فى مثل هذه الظروف الجبائية المتغيرة الذى تثقل كاهل العائلة تحت ضغط العوامل الاقتصادى العامة بأعباء ضريبية ضخمة لا ينظر معها الى الاعفاءات البسيطة المجراة على الدخل لقاء تحديد أطفال الاسرة بأربع فقط . الا بصورة ثانوية لا ترتفع الى درجة اقامة حافز فعال لمقاومة تزايد النسل ، لذلك كان من المتوجب اجراء مراجعة عامة ومنسقة على السياسة الجبائية المتواجدة الآن حتى يكون لها التأثير الواضح ، بالاضافة الى تأثير العوامل الاقتصادية والاجتماعية العامة ـــ على تنمية حوافز الازواج فى تحديد عدد الولادات .

ولم يقف المشرع التونسى علاج معالجة موضوع تحديد النسل بهذه الصورة الجانبية . بل عمد الى ضبط خطة سكانية طويلة المدى تقتضى تطبيق المنهاج التالى : ـــ تخفيض نسبة الحمل من 162 بالالف عام 1971 الى 138 بالالف عام 1981 ثم الى 66،4 بالالف سنة الفين ـــ

ـــ تخفيض نسبة انجاب البنات اللاتى تلدهن المرأة فى مرحلة خصوبتها من 3،1 الى 2،4 سنة 1981 والى ، 1 سنة ألفين ـــ

ـــ تخفيض نسبة الولادات من 38 الى 34 بالالف سنة 1981 والى 22 بالالف سنة ألفين .

ـــ تخفيض نسبة الوفيات من 13 الى 11 بالالف سنة 1981 والى 8 بالالف سنة الفين وهو ما يؤدى بحسب هذه القديرات الى الترفيع من عدد السكان بمقدار مليون و 350 ألف نسمة خلال الفترة الممتدة من الآن وحتى سنة 1981 بيكون فى سنة ألفين 10 ملايين نسمة بدلا من 13 مليون ونصف المليون نسمة .

وقد اتخذت الدولة لتحقيق ذلك مجموعة من التدابير التشريعية والاجراءات التطبيقية والاعلانية التى تؤكد حرص المجتمع على تحقيق توازن ديموغرافى واقتصادى يلائم امكانيات البلاد وحاجياتها على الرغم مما قد تثيره تلك التدابير الجريئة من جدليات دينية وأخلاقية حينا اجتماعية وتربوية حينا آخر

فهى من الناحية التشريعية :

- أ - قد واجهت مجموعة التشاريع القديمة التى انتحلها المشرع التونسى ـــ بحكم الاتباعية السياسية المفروضة عليه ـــ من التشاريع الفرنسية التى كانت تحث على تزايد النسل وتكاتفه لمواجهة الخسائر البشرية والحاجيات الاقتصادية التى لاقتها فرنسا عقب الحربين العالميتين السابقتين ، وعقب التطور الاجتماعى الذى طرأ على نظامها الاجتماعى ذى الطابع الطبى ، والتي كان من أبرزها قانون 31 جويلية 1920 الذى تبناه أمر 18 سبتمبر 1920 القاضى فى فصله الثالث ( بمعاقبة كل من بين أو أفشى أو وعد باذاعة وسائل من شأنها منع الحمل أو بتسهيل استعمال الطرق المذكورة وذلك بتعاطى احدى الوسائل المقررة بالفصلين 1 ـــ 2 بقصد منع الحمل وذلك بالسجن من شهر الى ستة أشهر وبخطية من 500 فرنك الى 5000 فرنك ، ويعاقب بنفس العقاب كل من يتعاطى نشر وسائل ابطال الحمل وايجاد الاولاد ، وذلك باحدى الوسائل المقررة بالفصل 23 من الامر المؤرخ فى 14 اكتوبر 1884 ) وجاء بالفصل الرابع أنه ( يعاقب بالعقوبات المذكورة كل من باع أو أشهر للبيع أو بذل أدوية سرية عليها كتائب أو علامات تنبىء أن من شأنها منع الحمل ، ولو كانت تلك الكتائب أو الا علامات المذكورة مكذوبة )

وقد تأيد هذا الاتجاه فى مختلف مضامينه بأوامر عديدة لاحقة منها أمر 22 جوان1923 المتعلق بمنع استيراد وسائل منع الحمل مهما كان نوعها وأمر 1 جوانفي 1942 المتعلق بمنع وتحجير اشهار مواد منع الحمل أو تيسير الاجهاض ، وقضى بمعاقبة المخالف طبق احكام الفصل 214 من ق ج . كما أباح لامناء الاسر بصورة استثنائية أن يفشوا الاسرار المرتبطة بكل مخالفة لهذا الامر طبق أحكام أمر 25 أفريل 1940 ) كما أعلن في أمر 8 جوان 1944 المتعلق بالمنح العائلية .

ان المنحة تصرف لكل وليد أنسله مستحق المنحة مهما كان عدد المواليد ) . وذلك على الرغم من أن مثل هذه الاجراءات لا تلائم خصائص البيئة التونسية وظروفها وخاصة فى فترة الحماية الاستعمارية لما امتازت به الظاهرة الديموغرافية آنذاك من تخلف وخصاصة وسوء تنظيم عائلى ب : قد اتخذت سياسة تشريعية مستجدة تمتاز بمراجعة الاتجاه السابق فى السعى الى النمو السكانى . والعدول عنه الى ما يلائم المصلحة العليا للمجتمع التونسى فحسب وبالمرحلية فى اتخاذ سبل التحديد من النسل بحسب الضرورة العامة والتهيؤ النفسى للمخاطبين وبالمزاوجة بين مقتضيات ، حاجة الهيئة العامة الى التنظيم

العائلى . وحق الفرد فى اختيار الكم الذى يشاء لافراد أسرته . وباحداث قانون أساسى لمعالجة حالات الافراد وقضاياهم الاسرية ، وباحتناب الاكراه النفسى أو التحكم الآلى ازاء الا مقتنع بتحديد النسل ، وباقحام تحديد النسل ضمن السياسة العامة للتنظيم العائلى .

لذلك بادر المشرع عقب اعلان الاستقلال مباشرة الى تدعيم منهجه فى السعى الى تحديد النسل ، وذلك بمجموعة من التدابير التشريعية التى تنطلق من هذا المبدأ وتهم بالخصوص الجوانب التالية : اعادة النظر فى التنظيم العام لبناء الاسرة وعلاقات افرادها . وتوظيف المنح العائلية الى الطفل الرابع ، واجازة ترويج واستيراد المواد المانعة للحمل ، واباحة الاجهاض ، واحداث هيكل اشراف ادارى على التنظيم العائلى .

فقد اصدر المشرع فى 13 أوت 1956 قانونا باعادة تنظيم الاحوال الشخصية للافراد والاسرة على أسس ومعطيات جديدة تلائم تطلعات الامة الحضارية ونهوضها الفكرى والاجتماعى استكملت بمجموعة من النصوص الاضافية والتنقيحية التى ورد بها أمر 27 سبتمبر 1957 المنقح والمعوض لامر 12 جويلية 1956 المتعلق بضبط الاحوال الشخصية للتونسيين من غير المسلمين واليهود وهى ما اصطلح عليها بالاحوال الشخصية للاجانب . وأمر 22 ماي 1926 المتعلق بتعيين أركان جريمة اهمال العيال وضبط العقاب المستوجب عنها ، وقانون 24 ماي 1962 ـــ الضابط لجريمة عدم احضار المحضون . وقانون 4 مارس 1964 المتعلق بالولاية العمومية والكفالة والتبنى وأمر 18 جويلية 1957 الضابط لتراتيب تسمية المقدمين ومراقبة تصرفاتهم وحساباتهم وقانون غرة أوت 1957 المتعلق بتنظيم الحالة المدنية للافراد . وقانون 4 جويلية 1958 المتمم له ، وقانون 3 نوفمبر 1964 الضابط للشهادة الطبية السابقة للزواج وقانون 30 جوان 1967 المتعلق باحداث الدفتر العائلى ، وقانون 26 ماي 1959 القاضى وجوبا باجراء لقب عائلى لكل تونسى ، ومرسوم 20 فيفرى 1964 المتعلق بتنقيح الفصل الخامس من مجلة الاحوال الشخصية . الخاص بتعيين أهلية الزواج ، وما يلى ذلك من نصوص تنقيحية أدخلت على القانون الاساسى للاحوال الشخصية والمدنية فى فترات متوالية بحسب ظروف التطور التى تطرأ على كيان الفرد وسلوكه وأخلاقه . وسيقع التعرض لهذا القانون فى الجزء الموالى من البحث بالسبر والتحليل لتحديد أهدافه ووسائله وآثاره وخاصة ما تعلق منها بملحظ تحديد النسل فى الفصول 5ـــ 18ـــ 31 ـــ من قانون الاحوال الشخصية ذلك الملحظ الذى لم يلبث المشرع أن أولاه اهتماما خاصا ، وأحدث به سبلا جريئة وأطرا واسعة فتحت آفاقا فسيحة أمامه .

فقد اصدر المشرع في 1964/12/14 قانونا يتعلق باحداث صندوق الضمان الاجتماعى قصر فيه صرف المنح العائلية للموظف والعامل على أطفاله الاربع الاول فحسب . سواء كانوا من صلبه أو متبنين منه طالما أنهم فى كفالته ولم يبلغول سن الحرمان المقررة بالقانون طبق ما ورد بالفصل 52 منه .

كما أصدر فى 9 جانفي 1961 قانونا يتعلق باباحة استعمال الوسائل الواقية من الحمل ، وتقتضى اخضاع الاستيراد والاشهار والبيع للمنتوجات والادوية الواقية من الحمل للتراتيب المتعلقة بالتنظيمات الصيدلية العامة التى وردت بمرسوم 16 مارس 1960 ، بعد وضع التأشيرات عليها والغاء الاحكام التى جاءت بها النصوص السابقة فى حدود نطاق مضادتها لهذا القانون ، وخاصة احكام أمر 18 سبتمبر 1920 التى وردت بالعقوبات المقررة لمن يقوم باشهار أدوية أو مواد او آلات واقية من الحمل ، واحكام أمر 22 جوان 1923 الواردة بتحجير استيراد المنتوحات والادوية الواقية من الحمل ، واحكام أمر غرة جانفى 1942 المتعلقة بالاشهار الطبى ومراقبة الاختصاصات الصيديلية .

وكان ذلك بمثابة التوطئة والتهيئة للقانون الموالى الذى صدر باقرار نظام الاجهاض الاجتماعى فى غرة جويلية 1965 ضمن حدود أوليه . روعى فى ضبطها الاعتبار الدينى الذى لا يتنافى مع رغبة المشرع فى التخفيف من حدة الصرامة التى كان يواجه الاجهاض اللاشرعى بالرغم من تأثير التطور فى تكثيف وحداته لاسباب يطول شرحها .

فقد أجيز الاجهاض على سبيل الرخصة ان كان الحمل قبل الثلاثة أشهر الاولى ، وواردا بعد الوليد الخامس . الا أنه ما ان ألفت النفوس لمجريات الامر ، تبين المشرع أن دواعى النمو الديموغرافى الكثيف ، وضعف النتائج المرحلية التى أنتجتها رخصة الاجهاض فى تلك الفترة ضمن الاوساط المشبوهة اخلاقيا على الخصوص . لم تكن مواكبة لحاجيات سياسة التنظيم العائلى الى مزيد من ضمانات الحرية والاباحة لهذا الاجراء .

لذلك جاء المرسوم عدد 2 لسنة 1973 الصادر فى 26 سبتمبر 1973 بتنقيح الفصل 214 فقرة ثالثة وما بعدها من القانون الجنائى بما ( يرخص فى ابطال الحمل خلال الثلاثة أشهر الاولى منه من طرف طبيب مباشر لمهنته بصفة قانونية فى مؤسسة استشفائية أو صحية أو فى مصحة مرخص فيها كما يرخص فيه بعد الثلاثة أشهر أن خشى من مواصلة الحمل أن تتسبب فى انهيار صحه الأم أو توازنها العصبى ، أو كان يتوقع أن يصاب الوليد بمرض أو بآفة خطيرة ، وفى هذه الحالة يحب أن يتم ذلك فى مؤسسة مرخص فيها . ان ابطال الحمل

المشار اليه يجب اجراؤه بعد الاستظهار لدى الطبيب الذى سيتولى ذلك بتقرير من الطبيب الذى يباشر المعالجة )

وهو النص الذى فتح آفاقا واسعة لمواجهة العقبات التشريعية التى كانت تواجه سياسة تحديد النسل . بما جعل فى امكان المجتمع ترتيب منهج عملى عام لنشر دعوة التنظيم العائلى في مختلف الاوساط الحضارية والريفية على أرضية واضحة من الواقع والتشريع . لم تستكمل سبل التعريف والاقناع بها كمنهح هادف لتحقيق اصلاح اجتماعي هام ، الا بعد أن تبلور كيانها فى جهاز ادارى منتظم الاهداف والوسائل . هيأ لها الاطر المتنوعة واللازمة صحيا و اجتماعيا وتربويا لتحقيق الاهداف التى رسمها فى هذا الميدان القانون المحدث للديوان القومى للتنظيم العائلى والعمران البشرى فى 23 مارس 1973 . الذى أنيط بعهدته بمقتضى الفصل الثانى من القانون المذكور : أ ـــ القيام بدراسات واجراء بحوث ذات صبغة اقتصادية واجتماعية وفنية غايتها ازدهار السكان ازدهار امتنا سقا وعرض جميع الاقتراحات ذات الصبغة التشريعية أو التنظيمية الرامية الى هذه الغاية على الحكومة .

ب - اعداد جميع برامج العمل ومخططاته الرامية الى احداث توازن الاسرة تنفيذه وتدعيمه ورعاية صحة أفراد الاسرة بمساعدة المنظمات الخاصة والعامة والاتصال بها .

ج ـــ جعل وسائل الاختبار والتدخل من جميع أصنافها تحت طلب الهيآت المختصة استشفائيا وتثقيفيا لتحقيق ذلك الغرض حتى تمكنهم من تحقيق التوازن المنشود وصحة الاسرة .

د ـــ القيام بأعمال التكوين والاعداد الفنى للاطارات الطبية والتجارية والاجتماعية المختصة بالداخل وبالخارج .

ه  ـــ القيام بعمل قار للاخبار وتثقيف السكان فى المستوى العائلى والمهنى .

وانطلاقا من هذا الهيكل الادارى التنفيذى أمكن لخطوط هذه السياسة العريضة أن تحد السبيل الدائم لانجاز مشاريعها المصممة عن طريق التعاون مع المجموعات البشرية المختلفة أيما كان تصنيفها الوظيفى والاجتماعى من جهة . وعن طريق الاقتناع بسمو المبادىء التى تنطلق منها لتحقيق تطور ديموغرافي كمى ونوعى فى الانسان التونسى من جهة اخرى . وعن طريق الادارك العميق بأن حاجة العائلة التونسية الى مزيد من الدعم لتنظيم بنائها

الاسرى وعلاقاتها الاخلاقية والاجتماعية لا يقل أهمية واثارة لها من الدعوى الى تحديد النسل من جهة أخيرا .

ويبرز هذا الجهد المتكاثف على صعيد الاحصاء التحليل ويحسب طبيعة مهام الديوان فى غير مظهر واحد . من أهمها ولا شك . استقطاب اهتمام مختلف القطاعات البشرية حول هذا الموضوع بالرغم من اختلاف هويتها الاجتماعية . وذلك بالنظر لما لمسته من جسامة الامر وخطورة ابعاده بصورة تدعو الى تجميع الجهود البناءة لتحقيق أهداف المشروع وتدعيم أسسه فى الكيان القومى للأمة شأن ما تحملت به طوعا . الجمعية التونسية للتنظيم العائلى ، من اثارة الهمم الفردية لمختلف الفئات . لاتخاذ مواقف جريئة ورائدة ، تعرب عن الاقتناع الداخلى بضرورة المساهمة التلقائية فى تطوير المجتمع من خلال تنظيم أسره كما وكيفا . وقد اصطنعت هذه الجمعية لنفسها مجموعة من السبل التربوية والتثقيفية والاعلامية والصحية التى تعهدت باستعمالها استمرار او احكاما . لبث مبادىء التنظيم العائلى واقناع الناس به . كما تبرز ذلك لوائح مؤتمرها الثانى المنعقد ببورصة الشغل فى 15ـــ 16 نوفمبر 1973 .

والتنظيم العائلى فى حدود ما تبناه من الدعوة لتحديد النسل فحسب . وما نشأ عن ذلك من اثارة لموضوع الثقافة الجنسية والعلاقات الزوجية الخاصة ، والتمييز فى المساعدات الاجتماعية بين الاطفال الاربع الاوائل عن غيرهم من الاواخر ، وتأكيد الاختيار فيما يحصل للانسان من حالات الاخصاب ورد رغائب الاكثار من الذكور وتدعيم العرق القبلى . بما جعل الفئات المستضعفة والمتخلفة أكثر اهتماما به ، لان المخاطبة به وان كانت عامة فان نشر وسائله يكاد ينحصر فى أفرادها .

ذلك أن فئة المثقفين ، انما تقبل على هذا الجانب من التنظيم العائلى بدوافع تلقاتية ، نتيجة لما تتمتع به من وعى عام وقدرة على الانفاق فى سبيل التعقيم الصناعى ، وادراك لما فى تكاثر الاطفال من ارهاق ضاغط لامكانيات العائلة ، ومستوى عيشها ، ومستقبل عناصرها .

فى حين ان عوامل الرفض لمبد أو مناهج التنظيم العائلى ، التى تكمن فى مشاعر الاوساط الشعبية تستمد جذورها من حبها المفاخرة بالاولاد ، وتمسكها بالاحتراز فى عملية الاخصاب ، وطموحها لرفع المستوى العائلى عن طريق الابناء ، وشعورها بنزارة عبء الاطفال على العائلة بعد ان توزعتهم السبل

التعليمية ، وتواجدت المساعدات الطبية والغذائية على تحقيق العيش السليم لهم ، بما دعى الى تركيز المجهود القومى على هذا الجانب من التوعية العائلية ، والى اغفال النظر المتواصل فى بقية الجوانب الاخرى ، اعتمادا على ما اكتساه هذا الجانب خاصة من خطورة : على الامكانيات الاقتصادية والخدمات الاجتماعية المتوفرة فى المستويين القومى والدولى ، وعلى طموح الفرد ـــ بتأييد من حركات الاصلاح الاجتماعى ـــ الى الرفع من مستوى قيمه ، والنهوض به نوعا وعدا ، بالإضافة الى تزايد تكاليف الخدمات العامة ، وتنوع الحاجيات الخاصة ، فى مقابل ندرة المواد الاساسية وانخفاض الثروات القومية عموما . حتى بلورت الدراسات الفنية المتعددة النتائج المنجرة عن تكاثر الولادات وشخصتها فى : قصور الآباء عن تسديد حاجيات الاطفال ، وأهمال رعايتهم عاطفيا وتربويا ، وتواجد الشعور بالنفرة نحو الوسط العائلى . وتفكك العلاقات الحسية المعنوية بين اعضاء الاسرة ، ونمو مظاهر الرفض لقيمها الاصيلة وأحاسيسها الاولية الحالية .

خاصة بعد أن شابت الهيكل العائلى المعاصر مجموعة من الملابسات الدقيقة من مثل نمو حاجيات الفرد الاساسية . والتعليمية والترفيهية والتقنية الاستهلاكية ، وما يستدعيه السعى لتوفيرها من جهد منهك ونفقات باهضة . ينوء بها حمل المنفق العائلى خاصة فى المجتمعات النائية ذات الطابع الاستهلاكى حيث تنخفض الاجور وترتفع الاسعار الا بالنسبة للبلدان ذات المواد الاستثنائية .

وذلك بالاضافة الى تركز اهتمام الابوين بالمشاغل المهنية ذات الطابع الوظيفى وما ينشا عن ذلك من استفراغ لجهدهما العضلى والنفسى فى شؤونها . خلال فترة النشاط البشرى اليومى ، بما جعلهما قاصرين عن احاطة ابنائهما بما يحتاجانه من توجيه تربوى ورعاية تعليمية خاصة بعد ان اتسعت الشقة بين معطيات البناء الحضارى للجيل الجديد ، والجيل السابق عنه وتباينت المفاهيم التربوية فى مبانيها ومناهجها عما كانت عليه فى الماضى . على نحو تعذر معه على الآباء تمثلها أو الانطلاق منها فى مخاطبة ابنائهم وتوجيه سلوكهم . اعتبارا لما أكدته الدراسات العلمية من تعدد الجوانب النفسية التى تؤثر على حياة الطفل التعليمية وترابطها الى درجة التعقد فى منطقتى الشعور واللاشعور بالنسبة اليه .

وهو أمر رافقه تنوع وتوسع علمى نام وكثيف ، يقحم الطفل ضمن مستوى عال ومتطور من الوعى العلمي والاجتماعى ، يستدعى الكثير من الحاجيات

القومية ، والاجتماعية ، ذات الطابع المادى الرفيع التى يعجز الابوان عادة عن تلبيتها . بالرغم من الحاح المدرسة والبيئة الثالثة على توفيرها .

وهى دواعى تحتم ولا شك النظر الى التنظيم العائلى بمزيد التأمل والاعتبار دون اعطاء كثير اهتمام لما يوجه المشككون من القول فيه .

ذلك أن هذا الاتجاه الى اعادة النظر فى الحياة الاسرية الحديثة أصبح ضرورة اجتماعية وانسانية متأكدة ، تبرر كل المخاطر الصحية الاعتقادية التى تنجم بصفة مؤقتة عن قبولها والتي لا تبلغ بأية حال درجة تلك المخاطر التى تتأتى عن تكاثر النسل أو التفوق الجنسى أو فوضى العلاقات الاسرية . خاصة وأن عوامل التطور الطبى لا زالت تسعى كل يوم الى الحد من الانعكاسات السلبية التى تحدث للزوجة أو لكامل الاسرة من اعتماد وسائل منع الحمل ، أو التنظيم فيه . كما ان المراجعات التشريعية التى ترتكز الى نتائج الدراسات الاجتماعية والنفسية المتواصلة لم تتردد فى اتخاذ المواقف الاصلاحية الاكثر ملاءمة لسلامة الاسرة وتطورها .

اشترك في نشرتنا البريدية