الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "المنهل"

المنهج القضاني في الإسلام

Share

الى من يرون النور بقلوبهم وابصارهم ، الى الامة التى تنشيد الخير والفلاح ، وتريد  سبيل الرشاد دربا لها . فالخير من حيث هو خير لابد ان يكون صفة لامة خيرة . والخير

فيما جاء به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والأخيار هم أتباع ملته .

(( ايها المسلم )) ان الأنظمة الدستورية غير معصومة من الخطـأ ، وكل قانون من الوضع البشرى لا بد ان يطرقه الخطأ وذلك لان الانسان غير معصوم من الخطأ ، اللهم الا الانبياء عليهم السلام فهم معصومون . اذن فما هو طريقهم ؟ ان طريقهم الاسلام ومنهجهم مثله وتعاليمه ، فمن يعدل عن ذلك فقد خسر السلام .

الاسلام شريعة الله :

ان شريعة الله التى بعث بها سيدنا محمدا ( ص ) وهى العاصمة للناس من كل دنس صالحة لاى مكان باق صلاحها فى كل زمان من الازمان . عاصمة للبشرية من جرائم الفوضى التى يدعو اليها الفوضويون بكل تلبيس وتزويق وخداع لقصد واحد : انتحار الاسر باجمعها )) بمخلبى الديمقراطية والاشتراكية . ومخالب هذه الضروب النفسية او الغرضية المقنعة بالعطف على الفقراء او على الكادحين والمحاربة للفضيلة ، وقناع ذلك العطف من لغة ( الوسواس الخنساس

الذي يوسوس في صدور الناس ( ومتى كان للإنسانية أن تبيع كرامتها وشرفها وما هو ثمن الشرف ان فقدت الفضيلة .

ولا فرق بين دعاة الديمقراطية المعتدلة  بل المنحرفة ولا بين الاشتراكية المتطرفة أو المبسطة ، كلها لون من موت حياة الحرية والكرامة للانسانية وما أصدق قول القائل: (تنوعت الأسباب والموت واحد )

لكن هناك مدخل لأبناء الوسواس الخناس قد يلجون منه  من منافذ اللاشعور فى توجيه دعايتهم بتحريم الاحتكار وعرض أضرار الاحتكار ونحن نرد عليهم أن الاسلام يحرم الاحتكار وجاء فى الحديث ( لا يحتكر إلا خاطئ ) وفى أثر آخر ( المحتكر ملعون ) .

ونص على تحريم الكنز في القرآن الكريم : (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم) الى آخر الآية ٣٤ من سورة التوبة .

وسبيل الله تعنى المصالح العامة للمسلمين ومنها الجهاد ومنها تطوير الحركة الإصلاحية بمسلكيها : العمرانى والثقافى . والانفاق عليها هو فى سبيل الله اذ أن العدو يتفوق علينا فى هذه الناحية فيجب ان نبذل الجهد ونتفوق عليه.

لنعد إلى تفسير كلمة شريعة الله بمعناها الصحيح :

أهى جنة ووقاية ؟ قلت : نعم وقاية من الفساد الخلقى الشديد الوطأة . والانسانية بدون تحكيم الشريعة ، لا يستقر لها قرار .

فالله وحده هو صاحب الحاكمية المطلقة وهو المبدع للانسان والعالم بما فيه من كل الأسرار وجعل من حكمته الشريعة الصالحة لقيادة مودع تلك الأسرار.

انظروا ايها المؤمنون الى دعوة الله لكم . يقول الله تبارك وتعالى (يا أيها الذين

آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم علي ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ) سورة المائدة .

دعوة كريمة من الله الى عباده المؤمنين أن يكونوا قوامين له بالقسط .

دعوة كريمة ملؤها العدل النابع من منابع العقيدة التى تصغر أمامها العواطف والاهواء .

تتضاءل بجانبها دعائم العصبية . أن الإنسان متى آمن إيمانا كاملا كان عاملا من عوامل نفع الإنسانية فلا ينفرد عنهم بتخمة ميسور غنائه الفاحش وهو يرى أخوة له ورفاقا تنضوى صبيتهم من الحرمان ، بل ولا ينفرد بطود بنائه الشامخ دون أن يساعد بما تبقى معه من لبنات لبناء مجتمع يسعد بالنظر إليه ومهما امتلأت بعض البطون فان ذلك الامتلاء يختفى حينما يشاهد فجأة بعض بطون كأنها رموس المقبرة والصحيح لا يسعد بصحته فى دار اطبق فيها وباء وقد يساهم بمقدوره فى دفع الوباء .

ونعيد القول :

الانسان متى آمن ايمان الصديقين الايمان الكامل ، دفعه شعوره بالخوف والوجل حينما يصاب بمرض جريمة ما يأتي الى المحكمة وكأن القاضى طبيب في عيادته يأتى الى المحكمة بدافع نزعته القوية ليتطهر مما اصابه من حد الجريمة او جنحة الخطيئة. ولم يكن يساق من قبل بوليس الاخلاق بل يسوقه حبه للتطهر والعفاف ويقينه النابع من ذلك الحب . وفى قصة ( ما عز ) المشهورة خير دليل ، وفى قصة اقامة عمر بن الخطاب الحد على ولده : برهان انصع من ذلك :

والقضاء الاسلامى اذا كان المؤمنون به اليوم كاولئك الاخيار فسوف يرون ما يقدمه للبشرية من أمن واستقرار له مكانته الاصلاحية

فى نفوس المؤمنين : اما الذين فى قلوبهم مرض فهم الذين يرون رحمته جورا وهم فى مرئياتهم الخاطئة يرتكبون الجور والعياذ بالله

الاسلام يحرم استغلال السلطة:

ما من شك في ان جبلة البشرية بضعفها تحاول اكتساب جانب الاقوى لما في ذلك الجانب من قوة . والقاضى المسلم الحاذق لا يدع لمثل اولئك الضعفاء نفسيا فجوة تتساقط فيها نفوس المنخدعين كتساقط الفراش على محترق السراج .

فهذا عمر بن الخطاب يعلم عن أحد ابنائه ان معه ذودا من الابل يتركها ترعى مع ابل الصدقة ويدرك عمر الجليل ، عمر الحكيم عمر الفطين ، عمر الذكى ، عمر الواعى ان ابل ابن امير المؤمنين وبمجرد اضافة اسم امير المؤمنين لملكية هذه الابل ستكون لها حصانة تحفها كما تحف العروس فى ليلة الزفاف فيحاول الجميع ان يقربوا لها الكلأ والماء لا للابل بالذات ، ولكن لان مالكها ابن امير المؤمنين.

وينادى مناديه ويأمر ابنه بارجاع الابل الى أبل الصدقة ، ويعوضه بثمن بخس بمقدار يوم شرائها . أما ما تضخمت به الابل من السمنة والشحوم واللحوم فمرجعه يعاد لبيت المال ، لان اللحم تغذى من منابت عز السلطان وشرب من تيار السلطة : فماذا يجب عليك ايها القاضى المسلم وانت ف زمان غير زمان عمر بن الخطاب ومجتمع يبعد فى الشبه عن مجتمع عمر بن الخطاب بمسافة ١٣٨٩ سنة . بمقدار بعد الزمن بعدنا عنهم.

مسؤولية القضاء وشروطه :

ان تحمل مسؤولية القضاء ليست بالامر الهين ، بل هى مسؤولية خطيرة ، فالالوف

البشرية مسوقة إلى سلطة صاحب عده الوظيفة ( فهو راع ) اذن فالمسؤولية خطيرة واكبر من كلمة خطيرة وجسيمة وتثقل عن معنى جسيمة باضعاف مضاعفة . صاحب هذه الوظيفة يعلم انه راع ومسؤوليته ليست كمسؤولية العبد فى انعام سيده فمسؤوليته جد خطيرة شاقة ودقيقة ، فلا تسند لغير البالغ اذ ان غير البالغ تحت ولاية غيره فلا يمكنه ولاية أمور الآخرين وكذلك يشترط أن يكون رجلا لان الوظائف العقلية للمرأة لا تتحمل كثرة مشاكل القضاء وفى الحديث ( ما افلح قوم ولوا أمرهم امراة ) وكما ورد فى الحديث النساء ناقصات عقل ودين.

وشرط تساهل فيه كثير من الناس فى كثير من الازمان فى بعض بلاد الدنيا الاسلامية ، وهذا الشرط العلم ( العلم شرط للقاضى فى وظيفته ).

اذ ان الجهال اذا تولوا امر المسلمين ضلوا وأضلوا وذلك من علامات الساعة .

وتفسير المعرفة لصاحب عمل الفضاء هى ان يكون عالما بكتاب الله مدققا لناسخه ومنسوخه وقد روى جلال الدين السيوطى فى كتاب ( الاتقان فى علوم القرآن) أثرا مفاده ان الامام على بن أبى طالب رضى الله عنه سأل قاضيا : هل عرفت الناسخ والمنسوخ ؟ قال : لا ! . . قال : اذن هلكت وأهلكت .

والى جانب معرفة الناسخ والمنسوخ لا بد ان يكون عالما بالعام الباقى على عمومه والعام المراد به الخاص ومعرفة الخاص فى السبب والعام فى الحكم والخاص المراد به الخصوص مع الالمام بالسند الصحيح وطرقه ومراقبة الضعيف ومراتبه وطرقه .

ومع تعلمه من اللغة العربية ما يدرك به اسرار الكتاب العزيز الذي هو دستور عمله

القضائى فمن لا يدرك اسرار الدستور كيف يمكنه الاستنتاج لوصول تطابق الحكم مع مقتضى دليله ، وليست هذه شروطا يتساهل فيها وذلك لاهميتها والعدالة شرط اولى بما في معنى الصلاح فلا ولاية لفاسق او ظالم فى امور المسلمين لقوله تعالى (لا ينال عهدى الظالمين ) ويدخل فى الظلم الجهل فمن جهل الشئ يكون ظالما بعلمه جهله ، وبتوليه ذلك مع علمه بالجهل الذى لا يستطيع معه مزاولة عمله على بصيرة فالدليل الذي لا يعرف الطريق يظلم من يستأجره ليكون دليلا له .

توجيه الكتاب والسنة فى اعداد نفسية القاضى الشرعى : من هو القاضى الشرعى ؟

القاضى الشرعى كأى رجل من الناس يجوز عليه النسيان وتؤثر عليه الغرانز البشرية ويحمل على الخطأ عن غير قصد وله اجر .

ولا يجوز للقاضى بمركزه الرسمى او الاجتماعى ان يكون ذا نفس لينة بمنتهى معنى هذه الصفة المشار إليها فى مجلس الحكم . خشية أن يطمع فى لينه الراغبون فى الحيف .

ومن لوازمه الوصفية أن لا يرتفع فيكون غير ملحوق ولا متقارب للتفاهم ولا يصح منه ان يكون سيفا مرهفا فى كل حين يرتجف منه الظالم والمظلوم وانما يكون سيفا على الظلمة وبردا على المظلومين ( حبذا ان يكون بردا وسلاما على من نكدتهم شقاوة الأقوياء فأصبحوا فى الحق لا يقوى لهم جانب الا م ينظرونه من جانب العدالة الممثلة فى صفة القاضى والصرامة فى الحكم مطلوبة فالتماهل قد تحصل منه مضاعفات فى القضايا ويفتح

لها الشيطان فى كل لحظة فروعا وشعبا وتزداد المشاكل وتصعب الحلول .

وهنا نجد ان القضاء الاسلامى يدرس الحالة النفسية ويعطيها مكانها الاول قبل اصدار الحكم فهو يشترط على القاضي ان لا يدخل فى جلسة القضاء الا وهو غير جائع ولا ظامئ ويكون ريض النفس خاليا من بواعث غريزة الجنس قد أشبع نفسه دونما ان يبقى له رغبة تقلقه موفور الراحة فارغ البال وأن يتوافر فى قاعة الحكم ، الظل الكافى والهواء العادى فلا يحكم فى وهج القيظ ولا عنف تيار البرد القارس . . كل هذه العوامل لها مكانها فى تهيئة خلق الفكر الهادى الموصل للقاضى الى نتائج حلول قضايا الناس بالعدل والانصاف وعدم الاعتساف . وعلى القاضي أن يكون قدوة فى دوامه يحافظ عليه محافظة تامة فكل دقيقة من وقته لها مكان فى حل النزاع بين الخصوم ، فضلا عن اضاعة أيام وأيام ، لا قدر الله فمثل ذلك مدعاة لتراكم المشاكل بين الناس وقد تجر المشكلة الصغيرة ما هو اشد اذا لم تحل كمضاعفة للتماهل فى عدم حلها فالناس هم من البشر ينفعل الواحد منهم اذا لم يتحصل على حل لمشكلته أو مسألته ، ولكل واحد من اصحاب الدعاوى ظروف فمنهم المسافر ومنهم صاحب الضيعة المزارع وصاحب الاسرة .

هذه نماذج من دراسة احوال الناس وهم سائرون على بساط الحياة ، دون قصد منهم الى عرض أو توصية فربما يكون أصحاب هذا العمل حريصين عليه أكثر من التوصية وهم فى ادائه من الفضيلة فى القمة ومن تشمير العزيمة أرفع للهمة .

وقد حث الكتاب العزيز بتوصية الحكام بالعدل ، فقال تبارك وتعالى :

( ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الفاسقون )

وتعريف الفاسق : الخارج عن الطاعة والعياذ بالله .

٢ - جاء فى الحديث قوله ص :

(اذا حكم الحاكم فاجتهد ثم اصاب فله أجران واذا حكم فاجتهد ثم أخطا فله أجر أخرج الحديث (م )

٣ - عن أبى بكرة رضي الله عنه قال سمعت الرسول ص يقول : (لا يحكم احد : بين أثنين وهو غضبان ) (م ت )

٤ - عن على بن ابى طالب رضي الله عنه قال : قال رسول الله (( ص )): ( اذا تقاضى اليك رجلان فلا تقض للاول حتى تسمع كلام الآخر فسوف تدرى كيف تقضى) ( رواه أحمد)

ومن هنا نعلم أن لائحة الحكم فى القضاء الاسلامى فيها سلطان الحق على من يقوم بقسطاس الحكم . الا فليتصور كل قاض انه امام محكمة الله . . جاء فى الحديث عن عائشة رضى الله عنها قالت : سمعت رسول الله ( ص ) يقول :

( يدعى بالقاضى العادل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى انه لم يقض بين اثنين فى عمره) ( الحديث رواه ابن حبان )

وفى حديث آخر عن جابر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله ((ص)) يقول : كيف تقدس أمة لا يؤخذ من شديدهم لضعيفهم.) (الحديث رواه ابن حبان )

٥ - عن ابن ابى مريم الأزدى رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : (من ولاه الله شيئا من أمور المسلمين فاحتجب عن حاجاتهم وفقيرهم احتجب الله عنه يوم القيامة ) أخرجه ابو داود ، والترمذي .

٦ - وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله((ص)) :

(لعن الله الراشى والمرتشى فى الحكم ) رواه أحمد والأربعة .

وبعد فان القاضى يشغل المحور القطبى فى كيان الحياة الاجتماعية فقد وضعت له الشريعة سلوكا تربويا يروض نفسه ما استطاع على هضم معناه جديا فى العمل به فهو يعلم انه لا يجوز له ان يحتجب عن حاجة الناس اليه ويعرف موقفه بين يدى الله هو عادل ليس عليه مظلمة ، فيتمنى بعد فراغه من الحساب انه لم يقض بين اثنين .

كيف به وهو مع جموع أو جماعات ، ذا يشده وذا يطلبه وهو مجرد من الشرطة والحراسة والخفارة اللهم الا رقيبا وعتيدا يوم لا يقدم له احد بنعت يطول العمر حيث لا مرجو الا الله .

(( وتجب اجابة دعوة القاضى فورا)) لما جاء في الحديث الشريف :

(من دعى إلى سلطان فلم يجب فهو ظالم لا حق له )

ولما نص به الكتاب الكريم بالاجابة عامة لكافة ولاة الامر من أمراء وقضاة وغيرهم.

يقول الله فى كتابه الكريم :

(انما كان قول المؤمنين اذا دعوا الى الله ورسوله ليحكم بينهم ان يقولوا سمعنا وأطعنا )

وعلى مراسيم نهج القضاء الاسلامى تلتقى سيرة الحاكم والمحكوم فى موكب عدل فى دولة الاسلام فالكل يشعر بمخافة الرحمن .

(ابوعريش)

اشترك في نشرتنا البريدية