الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

المنهج والمنطلقات، فى بعض اعمال محمد مزالى، وجهات نظر ودراسات )

Share

ان دراستى هذه ستكون لا محالة جزئية وغير منصفة . فليس من الهين أن يستجلى المرء المنهج المستعمل فى انتاج فكرى كما ( 45 مقالا و 15 دراسة ) وكيفا ( منتوجات الشباب ومنتوجات النضج ) وزمانا ( ربع قرن ) وموضوعا ( بعدد المقالات والدراسات ) . والأعوص منه ان يحاول الكشف عن المقدمات او المنطلقات الفلسفية التى يرتكز عليها ذلك العمل الفكرى . لكن ذلك لا بد منه ، وان كان فى البداية محاولة ، قد يليها تعميق وتنظيم

ان الاستاذ مزالى نفسه يقول : " ولئن افتقر هذا الكتاب ( يعنى كتاب مواقف ) فى الظاهر الى وحدة الموضوع ، فان المتأمل فى كل ما احتواه من مقالات قد يتبين الخط الواضح الذى يربط بينها جميعا ويدرك الاتجاه الفكرى والاخلاقى التى تصدر جميعها عنه وتنتمى له ، بل قد يستشف النظرة المنطقية الشاملة الهادفة الى الواقع المتغير والاحداث المختلفة المتقلبة ، لذلك رأيت ان يكون عنوان الكتاب : مواقف ! وآثرت ، على وحدة الموضوع ، انتساب المواضيع جميعها الى اتجاه واحد ، واخضاعها الى غاية واحدة ، والوفاء بها الى سلم قيم واحد ونظرة الى الوجود واحدة " ( مواقف ص 10 ). ويصح هذا القول فى الكتابين اللذين هما موضوع هذه الدراسة ، وان كان الاستاذ قد عنى به كتاب مواقف فقط . وهكذا فان الاستاذ ، بصيغة العنوان ، ثم صراحة ، لا ينكر صعوبة ادراك الوحدة فى منتوجه الفكرى ، وهو اذا حاول بيان ما تتمثل فيه وجدنا ذلك ينحصر فى عامل واحد عبر عنه بكلمات مترادفة هى : الخط الواحد - الاتجاه الفكرى والاخلاقى - النظرة المنطقية - الغاية الواحدة - سلم القيم الواحد - واخيرا نظرة للوجود واحدة . اى ان المؤلف نفسه ، لا يجد لمؤلفاته من وحدة ، الا ثوابت سلوكه كذات خلقية وفكرية وروحية . وهو يصرح بانه آثر ذلك على وحدة الموضوع . ولقد عممت ذلك على كتابى اليوم ، اذ هو يقول ايضا ، فى وجهات نظر ص 7 : " وحددت موقفى منها ( اى القضايا المعروضة

فى الكتاب ) بصدق ، رائدى الوفاء لما ازل اومن به من قيم روحية واخلاقية وانتسب اليه من مبادئ وطنية ، واناظل فى سبيله من اختبارات ثقافية " فصيغة الجمع التى تفيد التعدد توجد فيهما معا ، وان كانت الاشارة فى " الدراسات " أميل للموضوع منها للذات ، فان " الوجهات " تشير الى الذات اكثر مما تشير الى الموضوع . وهكذا فان عامل التوحيد - وبوعى من المؤلف - يبقى ثوابت سلوكه الخلقى والفكرى

فهل لنا ان نقنع بما يتوقف عنده المؤلف ، فلا نبحث عن عوامل اخرى ، تتجلى فيها وحدة هذين المؤلفين ؟ ثم ما هى الثوابت السلوكية الخلقية والفكرية التى تنبنى عليها وحدة هذا الانتاج ؟ للمساهمة فى الحل اطرح السؤالين التاليين :

I) السؤال الاول : ما هو المنهج المستعمل فى هذا المنتج الفكرى ، ان كان  واحدا . وما هى ان تعددت ؟ .

2) والسؤال الثانى : ما هى المقدمات او المنطلقات الفلسفية التى يمكن أن ترد اليها جميع العبارات الواردة فى هذين الكتابين ؟ ونختم هذه الدراسة ببيان عوامل الوحدة المنجرة عن المنهج والمقدمات ثم ببيان طبيعة العمل الفكرى الذى يقدمه لنا كتابا الاستاذ مزالى

1 - ما هو المنهج الذى يستعمله المؤلف ؟

يرتكز العمل الفلسفى ، اساسا ، على منهج التحليل المفهومى ، اى على تفكيك المدركات العقلية ، لوعى ما تتضمنه من معان فكرية ، وذلك لتنسيقها فى نظام . اما العمل التجريبى ، فانه يستند على ترجمة التجربة العلمية الى اللغة الرياضية وبنائها بواسطتها . وكل ما عداهما من المناهج مزيج منهما ، يتأرجح بينهما . واذا لم نجد عنصرا منهما فى طريقة ما ، يصبح من الواجب ان نتحدث عن أسلوب فنى أو أدبى وليس عن منهج فكرى يستعمل لمعالجة المشاكل فما هو منهج الاستاذ مزالى ؟ . . ان الجواب عن سؤال كهذا دفعة واحدة أمر متعذر . لكنه بالامكان أن نجزم ، منذ البدء ، بان منهجه ليس فلسفيا خالصا ! وليس تجريبيا خالصا ، وليس اسلوبا فنيا وادبيا خالصا . ولعله يكون مزيجا منها جميعا . فما هى خصائص هذا المنهج ؟

ان تعريف خصائص منهج ما تعتمد على معايير اربعة : طبيعة ادراك المنهج لموضوعه Mode d' apprehension وطبيعة معالجته له Mode de traitement وطبيعة تأويله له Mode d' interpretation ثم أخيرا طبيعة الوسائل المستعملة لتحقيق الادراك والمعالجة والتأويل

أ ) فكيف يدرك منهج الاستاذ مزالى مواضيعه ؟

ان الادراك ، فى هذا العمل ، ليس تفحصا مستقصيا ، نظاميا ، بل هو وليد احداث سنحت ، فقيل أو كتب ما نحن بصدده فيكون الادراك اذن ، ارتسامات أو قراءة تبدو غير مسبوقة ببناء نظامى للظروف المنهجية . أما دليل هذا الزعم فهو تعدد المواضيع ، وتعدد المناسبات ، مع انعدام الرابط بينها فى ذاتها ، اذا نحن نحينا عنها تواجدها فى هذين المؤلفين . ان منطق علاقاتها بعضها بالبعض ليس وليد نوع الادراك بل هو وليد جريان احداث مستقله عن النظام النظرى الذى يرتكز عليه المنهج . وهو اذن منطق خارجى Extrinseque وليس  داخليا Intrinseque أى غير متأت من ذات الشئ المدروس أو من طبيعة المنهج .

ب ) كيف يعالج هذا المنهج موضوعه؟

ليست المعالجة هنا بناء نظريا ، وليست ملاحظة وصفية وبناء تجريبيا : بل هى اساسا ، نظرة تقييمية . ولذلك فان المواضيع ليست موضوع الدراسة ، فى هذا العمل ، بل هى فى الاغلب ، تورد كشواهد أو كأمثلة . لاستخلاص العبر او المغزى او لتوضيح المعنى . ان هذه المعالجة تبين نوع القصدية ، وهى قصدية تتركب من بنية تقييمية  Structure d' uneintentionnalite  normative

ج ) كيف يؤول هذا المنهج موضوعه ؟

ان جميع الاحداث التى هى مواضيع الادراك والمعالجة تؤول بوصفها رموزا او ايات ، تعبر عما يكمن وراءها . وهذا الشئ الكامن هو ، دائما ، من طبيعة نفسية : اى هو شئ ذو نفس فاعلة ، لها مجموعة نوايا وقصود ، جعلت المواضيع ما هى . هو اذن تأويل ، يمكن تسميته بالتأويل النفسانى د ) واخيرا ما هى الوسائل التى حققت بها تلك العمليات ؟

ليست وسائل الادراك والمعالجة والتأويل نظاما من الادوات العلمية S . d' instruments scientifiquse وليست نظاما رمزيا S . Symbolique بل هى  التقرير والتوكيد ثم صيغ الاقناع البلاغية ثم الاستشهاد . ففى الصفحتين 222 و 223 من كتاب وجهات نظر - على سبيل المثال لا الحصر - نجد هذه هذه الوسائل الثلاثة مجتمعة : وسيلة صيغ الاقناع الخطابى = " الم يصنع رجال التاريخ ؟ " . وهو سؤال تقريرى . ثم وسيلة التقرير والتوكيد : لا نزال نؤمن " . ثم وسيلة الاستشهاد : " ومنذ ثلاثة قرون قال باسكال "

ان دراسة هذا العمل ، اسلوبيا ، واجبة ؛ وقد تتلو دراسة المنهج ، اذا هى سمحت بالتقدم فى هذا الاتجاه . لكن ما هو هذا المنهج وكيف يمكن ان نخصصه ونحدده ؟ انه منه منهج كلامى ، كما يعرف هذا المنهج كل من الغزالى وابن خلدون : اى هو منهج يعتمد أولا على اعتبار موضوعه المباشر آية أو رمزا لشئ وراء وظيفته ان يدل عليه . وغاية المنهج كشف تلك الدلالة . وهو يعتمد ثانيا على الانطلاق من حقيقة لتدعيمها ولا يذهب الى حقيقة ليكتشفها . ان المؤلف اذن يبلغ حقيقة يمتلكها . وما الاحداث الواردة الا رموز وآيات لما وراءها تدل عليه .

ولا عجب ان يكون الامر كذلك . فطبيعة الموضوع تحدد ، بقدر كبير ، طبيعة المنهج . والمواضيع هنا لا تخلو من ان تكون أحد هذه العناصر : المواقف المعاشة ( سارتر وبوفوار والقضية العربية ) أو بعض الاعمال الادبية ( قصة هكسلى او نظريات فلسفية ( الهيكلية او الوجودية ) او بعض المؤسسات ( التربوية فى تونس ) او اخيرا بعض الاحداث ( غزو الفضاء ) . وكلها تعالج لا كاشياء قائمة بذاتها ، بل فى علاقتها بمن اوجدها ، اى : بوصفها مواقف لاصحابها من الحقيقة التى ينطلق منها المؤلف ، او ادلة عن نوايا وقصود ازاء هذه الحقيقة . لذلك استعملت مفهوم التأويل النفسانى ، باعتبار النسبة لنفس فاعلة قاصدة ، وراء ما يحدث فى الشاهد .

لذلك ، فان هذا المنهج سيكون متسما حتما ، بمحاولات الكشف ، وازاحة الاقنعة ، وكذلك بالجدل والدفاع ورد الفعل Defensif , reactif , polemique وذلك ان كل شئ ينقلب الى صدام بين مواقف ، لا يستند اى منها فى نهاية المطاف ، الا على دعواه امتلاك الحقيقة . ولما كان الاستشهاد عسيرا ، لكثرة ما تردد ذلك فى كل المقالات والدراسات ، فانى الجأ لمعطيات احصائية ، من اعداد تلامذة السنة السابعة آداب 4 ، تبين استحالة الامور الى هذا المصير : ففى دراسة مسؤولية الكاتب ثلاث عشرة استشهادا . وفى دراسة الغاية والوسائل اثنان وعشرون استشهادا . وفى دراسة المواطن والدولة اربعة وعشرون استشهادا وكلها تكاد تنقسم مناصفة بين نوع الاستشهادات المؤيدة لنظرة المؤلف وبين التى لا تؤيدها ، مع غلبة الاولى فى الجملة .

II - ما هى المقدمات او المنطلقات الفلسفية التى يرتكز عليها هذا الانتاج الفكرى ؟

ان استعمال المنهج الذى وصفنا وتأليف القضايا التى يتركب منها هذا الانتاج الفكرى ، يرتكزان على اربع مقدمات فلسفية او اختيارات مبدئية

أ) فاول هذه المقدمات - واليها ترد الثلاث الاخرى تتعلق بتصور الاستاذ مزالى لطبيعة الانسان . فهو يقول فى وجهات نظر الصفحتين 221 - 222 والواقع إن الانسان - منظورا اليه من وجهة علم التشريح او الوظائف او المقارنة مع قوى الطبيعة ونواميس الاقتصاد - كائن ضعيف وايه صدمة بالطبيعة العمياء والقوة المادية الهوجاء قادرة على الفتك به والقضاء عليه - ولكنه ، على ضعفه المادى ، يملك عقلا وشعورا ووعيا وعزما ويملك بالخصوص قدرة عجيبة على تجاوز منزلته الارضية وتكسير اصفاده الاجتماعية والتخلص من حدوده الحياتية فيبدع ويتحرر ويكيف نفسه ومجتمعه بما يراه خيرا وحقا وجمالا " . ان بعد الانسان الروحى - العقل والشعور والوعى والعزم - يعتبر هنا مبدأ ما بعديا و خلقيا ، له فاعلية المبادئ المحركة بل هو اسمى هذه المبادىء . وفى هذا موقف مثالى ارادى Idealisme volontariste

ب ) والمقدمة الثانية - وهى تتلو الاولى كنتيجة لها - تتعلق بطبيعة الفعل فى التاريخ . - ففى الصفحتين : 242 - 243 من كتاب وجهات نظر ، يقول الاستاذ مزالى : " ان التاريخ تحرك بسرعة طيلة الاشهر الاربعه الماضية حركته عزيمة الرجال ( 1 ) . فعلى هؤلاء الرجال ان يكونوا فى مستوى التاريخ اى ان يبنوا بمعية شعوبهم وبالتعاون مع كافة القوى الحية فى العالم المصير الافضل الذى سيكون ما يريدونه ان يكون . اذ التاريخ ليس تعبيرا عصريا جديدا عن القضاء والقدر ونواميس الاشياء ، وانما هو جماع جهد الرجال الذين يعيشون من أجل هدف اسمى ويضحون فى سبيل مثل اعلى ، وهو ثمرة جهادهم ودليل حريتهم وعنوان مجدهم وسر عظمتهم فالانسان ببعده الروحى - اى كعقل وشعور ووعى وعزم - هو فاعل التاريخ . والتاريخ هنا ، كما نرى ذلك . دليل على فاعل ، وراءه ، خلقه . وذلك الفاعل هو الانسان ؛ وهو فاعل : بوصفه نفسا وروحا ، اساسا ؛ اذ هو ماديا ، لا يقاس بالاحداث التاريخية فكلها تتعداه فى الثقل والقوة .

ج ) والمقدمة الثالثة - وهى نتيجة الثانية - تتعلق بطبيعة الكتابة ، بوصفها احد انواع الفعل الانسانى ، بل اهم افعاله ؛ اذ هى ، فى جوهرها ، فعل البعد الروحى فى الانسان ؛ اى العقل والشعور والوعى والعزم . يقول الاستاذ مزالى : " وكذلك لا معنى للعبودية من حيث انها عبودية - عند الاحرار والعبيد أنفسهم - ما لم يسمها انسان ويحددها وينعتها بانها شر . . الكتابة اذن ابراز للوجود وتحقيق للممكن وكشف عما كان مجهولا ودعوة للعقل حتى يفكر فيما لم يكن يفكر فيه من قبل ويدرك من الاشياء ما لم يدركه ولم يخطر له أن يدركه " دراسات ص 103 .

د ) اما المقدمة الرابعة - وهى اخيرا نتيجة الثلاث الاولى - فتتعلق بطبيعة الازمة الحالية التى تعانى منها الانسانية . وهنا ، لن اورد استشهادا من المؤلف ، لانها تستشف من كل ما كتب ، ولانه لا يمكن فهم الحلول التى يقدمها الاستاذ مزالى بدون هذا التأويل . ان الازمة الانسانية الحالية روحية ، أصلا ولهذه الازمة ميدانان واربعة وجوه : اما الميدانان فهما : العالم الغربى ، وفيه نتخذ هذه الازمة الروحية شكل الضياع فى المادة ونسيان الروح التى عوضتها العنجهية العلمية والعقلانية ، ثم العالم الثالث ، وفيه تتخذ الازمة الروحية شكل الضياع فى الغرب ونسيان الذات ، التى عوضها التقليد والتزيى بالعصرانية والعلمانية . واما وجوهها الاربعة فهى التالية : وجه خلقى ( وهو استسلام الفرد ) ووجه تربوى ( وهو موت المؤسسة التربوية او صيرورتها تكوينا مهنيا ) ووجه ثقافى ( وهو الانتاج الفكرى المعبر عن العجز والجبرية ) ووجه سياسى ( وهو وليد الوجوه الثلاثة الاولى : ويتمثل فى انعدام الرؤية الشامل ذات المبدأ الارادى ) .

ان هذه المقدمات او المنطلقات الفلسفية الاربعة يرتكز عليها جميع ما عداها . وكل القضايا الاخرى فى عمل الاستاذ مزالى ترد اليها ، اى انها تمثل مرجعها ومصدرها . ان تشخيص الازمة الانسانية كازمة روحية ، يعنى انها ليست شيئا آخر غير نسيان روحانية الانسان . وهذا النسيان ليس شيئا آخر غير الموقف الانسانى الحالى من التاريخ بوصفه قضاء وقدرا . اما الكتابة باعتبارها كشفا لروحانية الانسان وباعتبارها ما به يكون الانسان ، من حيث هو روح معطيا للمعنى وللوجود الفعلى ، اما الكتابة اذن فهى رمز روحانية الانسان ودليلها . ولذلك فالكتابة فعل وايجاد وخلق . وليس من باب المصادفة ان يربط الاستاذ مزالى ، فى هذا المضمار ، بين تصوره للتاريخ كفعل لحربة الانسان وتصوره للأدب . اذ يقول فى وجهات نظر صفحة 222 - 223 : " لذلك

لا نزال ، رغم انسياق الكثير مع ما يعتبرونه تجديدا وواقعية ، نراهن على الانسان الصغير العظيم ، الفانى الدائم ، المتحول الثابت ولا نزال نؤمن بانه . حر وان حياته لست مأساة بل هى ملحمة رائعة وكسب متواصل وخلق ذاتى مستمر . ولا نزال كذلك ندعو الى ادب فحل تتجلى فيه كثافة عالم الانسان بكل ابعاده ، ادب يتلبس بارادة الفرد يبنى مصيره بعقله وقلبه وجوارحه ويعيش مغامرته الوجودية بكل اوساعها ، ادب يتحدى المادة وينشد الحرية الحق ويرفض الرفض " . الكتابة وهذا الادب الفحل مترادفان . انهما يعبران عن روحية الانسان الخلاقة وفاعليته فى الطبيعة والتاريخ

III - عوامل وحدة هذا المنتج وطبيعته:

ان كان المؤلف لم يعين كعامل وحده فى اعماله ، الا ثوابت سلوكه الخلقى والفكرى كما اسلفنا فى المقدمة ، فانه علينا تعميق البحث للكشف عن العوامل الاخرى التى قد تساعد على تثبيت معالم هذه الوحدة . وسنحاول هنا عرض هذه العوامل عرضا نظاميا مستقصيا ، Systematique . فكل قسم من قسمى هذه الدراسة السابقين قد ابرز عاملين دون الاشارة اليهما . فلنوضح ذلك .

لقد انتهى البحث المتعلق بالمقدمات او المنطلقات الفلسفية الى هذين العاملين : عامل ذاتى وعامل موضوعى

1 ) فاما عامل الوحدة الذاتى ، اى المنسوب الى ذات العارف ، فيبرز فى المقدمات الفلسفية على شكل عقيدة يذود عنها المؤلف لا حقيقة يبحث فيها وهذه العقيدة سامية ومتعالية Transcendentale . وهى ذات مستويين مستوى ما بعد طبيعى ، ومستوى خلقى . المستوى ما بعد الطبيعى يتمثل فى المبدأ الروحانى الذى هو الانسان فى العالم الدنيوى والله فى الوجود المطلق ويتعلق المستوى الخلقى بما ينجز عن ذلك من حرية ومسؤولية يجب ان يمارسا فى الفعل التاريخى بوصفه عملا خلقيا فى جوهره

2 ) واما العامل الموضوعى ، أى المنسوب الى موضوع المعرفة ، فلقد اتخذ فى المقدمات الفلسفية ، شكل مظاهر الازمة الانسانية الحاضرة التى تمثل كلها موضوع البحث والتقصى الذى يقوم به الاستاذ مزالى . ان تعدد المواضيع لم يبق تعدد مهملا كما رأيناه ، عند الحديث عن المنهج ، بل صار تعددا لمظاهر شئ واحد ، هو ازمة الانسان الحالية . ان الموضوع الواحد ذا المظاهر المتعددة ، الذي يدرسه الاستاذ مزالى ، هو الازمة الروحية التى تعانى منها

الانسانية الحاضرة . ولهذه الازمة كما رأينا مسرحان ، قومى وانسانى واربعة مظاهر ، خلقي وتربوى وثقافى وسياسى . وهكذا فالموضوع الواحد الذى اشار الاستاذ مزالى الى وجوده فى الباطن هو ، ان صحت نظرتنا هذه ، أزمة الانسان الحاضر - وهذه الازمة ، كما اشرنا اليه سابقا ، هى نسيان الانسان لجوهر الانسان ، اى الاستسلام لجاذبية الارض ولحتمية التاريخ

وانتهى البحث المتعلق بالمنهج الى عاملى توحيد كذلك : احدهما منهجى والآخر موقفى

3 ) فاما العامل المنهجى فهو ما سميناه بالمنهج الكلامى ، اى : أولا ، المنهج الذى ينطلق من الحقيقة ليدافع عنها وليس ينطلق اليها للبحث فيها ، وثانيا المنهج الذى يعتبر المواضيع التى يعمل فيها فكره آيات ورموزا لشئ روحانى خلفها ، وهو ارادة النفس التى بدرت منها تلك المواضيع ؛ فلا ينظر اليها من حيث هى هى ، بل من حيث هى تعبير عن تلك النفس ودليل لها .

4 ) واما الوحدة الموقفية . أخيرا ، فتتمثل فيما ينجر عن ذلك المنهج من موقف ازاء مواضيع الفكر التى هى كلها ذوات انفس ، اى حية : انه الموقف النفسانى الذى يتصف برد الفعل وبالدفاعية ( يلى العقيدة ) .

ان الوحدة الرئيسية تبقى اذن الوحدة المنسوبة لثوابت ذات المؤلف - . والاستاذ مزالى واع بذلك ، اذ هو يعترف بالاستعاضة عن الوحدة المنسوبة للموضوع ، بوحدة منسوبة لثوابت الذات . وتلى هذه الوحدة فى الاهمية الوحدة الموقفية ثم المنهجية واخيرا الموضوعية . لذلك لا يناقض هذا ما ذكرناه فى المنهج .

بعد بيان المنهج والمقدمات وعوامل الوحدة يصبح بامكان المرء أن يعرف طبيعة هذا العمل الذى نحن بصدد دراسته . انه عمل يمكن أن ننسبه للفلسفة العملية فى بعدها التطبيقى . لا النظرى . لذلك يغلب عليه طابع الدعوة الخلقية . وان اجراء عمليتى كشف على هذا العمل يؤيد هذا المذهب . فان طبيعة الاستدلال فى المؤلفين خطابية وليست برهانية اى انها تعتمد الادلة المقنعة والمؤثرة لا المبرهنة . أما أغلبية الجمل فهى انشائية تتجه للمخاطب ، او تتحدث عن الذات . ولا غرابة فى ذلك ، فالاستاذ مزالى يعتمد ، اساسا تجربته الشخصية ، كرجل عمل ، تحمل المسؤولية المباشرة فى الحياة السياسية . ولذلك فاقواله تندرج ضمن افعاله ، وليس العكس ؛ اذ هى تتمة للعمل السياسى ، بل وسيلة بين يديه وجزء منه .

وليسمح ، استاذنا ، بان أتوجه اليه بالاسئلة الاربعة التالية ، فى ختام هذه الكلمة

السؤال الاول : وهو وليد عامل الوحدة الذاتى : كيف توفق بين الايمان بالالاه الخالق وبين المقولة الوجودية التى تعتبر الانسان معطيا للمعنى وموجودا بواسطة افعال العقل اجمالا والكتابة خصوصا ؟ . .

السؤال الثانى : وهو وليد عامل الوحدة الموضوعى : لقد عينتم طبيعة الازمة الانسانية على انها روحانية اساسا . واعتبرتم مظهرها القومى الضياع الذاتى ومظهرها الغربى الضياع فى المادة . واخترتم حلا قوميا الاصالة وحلا انسانيا الروحانية والايمان بالانسان . فما هى الروحانية المتضمنة تحت الاصالة بالنسبة لنا اهى روحانية الاسلام ام الروحانية الانسانية ؟ أم هما شئ واحد ؟

السؤال الثالث : وهو وليد عامل الوحدة المنهجى : ان تصورك لتدريس الفلسفة بتونس يجعل الفلسفة وسيلة تأصيل . فهل هى تلعب الدور الذى يختص به المنهج الكلامى الذي يخدم عقيدة ما ، أو المنهج الذي يبحث عن الحقيقة . وبماذا يختلف وموقفك هذا عن موقف الذين تكتب لنقدهم فى تصورهم لتعليم الفلسفة ، وأعنى هنا المحتوى والدور لا اللغة والاتجاه ؟

والسؤال الرابع والاخير وهو وليد عامل الوحدة الموقفى : هل ترى فرقا بين الموقف الدفاعى فى المدرسة الكسموفونية ( 1 ) التى أماتت الفكر العربى بعد الثورة الاسلامية ، والمدرسية السيوقونية ( 2 ) التى قد تميته بعد النهضة

ا . ى . م .

اشترك في نشرتنا البريدية