قصد مندوب مجلة المنهل جدة ، وقدم أسئلة بعضها أدبي وبعضها ثقافى ، وبعضها اجتماعي إلى سيادة الدكتور طه حسين رئيس اللجنة الثقافية بجامعة الدول العربية ورئيس المؤتمر الثقافي المنعقد فى دورته التاسعة بثغر جدة . . وقد أجاب سيادته حسب ما يلى :
س - هذه هي أولى المرات التى قدمتم فيها إلى هذه البلاد فما هو شعوركم نحوها ؟ وماذا راقكم فيها ؟ وماذا لمستم من مظاهر تطورها ؟
ج - أما شعورى فشعور المحب المؤمن . . أما رأيي فيما فهو رأى كل مسلم يقدر . مهد الاسلام حق قدره ويتم أن تكون مشرق النور فى مستقبل أيامها كما كانت مشرق النور حين اختصها الله بكرامته فابتعث فيها محمدا صلى الله عليه وسلم شاهدا ، ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بأذنه وسراجا منيرا وأنزل عليه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان
وقد راقني فيها حب أهلها للخير وإشاعة المعروف والاستعداد كل الاستعداد للرقي والتفوق وإحياء المجد العربى الأصيل القديم
وكل إنسان يصل إلى هذه البلاد لا يكاد يمس أرضها ويلقي أهلها ويدير الحديث بينهم وبينه حتى يحس أقوى الإحساس بأنه فى بلد آخذ باسباب النهضة سريع الخطو إلى حياة كريمة تشيع الكرامة من حولها
ولا تستأثر بها من دون العرب والمسلمين . .
س - الحركة الأدبية الحديثة هنا هى وليدة ثلث قرن ولابد أن سيادتكم تتابعون نموها وترعونها ( من بعيد ) رعايتكم ( لمستقبل الثقافة فى مصر) فهل هي فى تطور ؟ أو ضمور ؟ وما هى مظاهر التطور إن كان ، وما الذي تنصحون به القائمين بأمرها
ج - أما تتبعي الحركة الأدبية هنا فآسف أشد الأسف لأنه ليس منتظما ولا دقيقا فآثاره لا تصل إلينا فى مصر وصولا مطردا ولكن الشئ الذي لا شك فيه هو أنها فى تطور سريع نحو الرقى والازدهار يظهر ذلك في الشعر الرائع الرائق الذي وصلت إلينا أطرافه وسمعنا بعضه من قائلية . . وهذا النثر المشرق المضئ الذي نقرأه هنا كما نقرأه فى مصر بين حين وحين . وهذا الإقبال العظيم على الدرس والتحصيل . . والمشاركة في العلوم الانسانية على اختلافها وتوثب الشباب فى المدارس العربية السعودية وفي المدارس والجامعات المصرية الى العلم والتفوق
فيه على نحو يبعث الأمل ويملأ القلوب غبطة ورضى . .
وأنا أهون خطرا من أن أوجه النصح الى القائمين بأمرها وإنما اتمنى لهم النجح والتوفيق وحسن الانتفاع بتجارب الأمم فى هذا العصر الحديث فى البلاد العربية وغيرها من أقطار الأرض . .
س - هل أدى النقد الأدبي الحديث في الأدب العربي الحديث مهمة موفورة وإذا لم يؤدها فلماذا ؟ وأي ألوان النقد يجدى ؟
ج - كان بلاء النقد الادبي حسنا منتجا فى توجيه الأدب العربى الحديث ودفعه إلى الرقي منذ سنين ، ولكنى الاحظ أنه قد فتر في الأعوام القليلة شيئا ما وقد يكون ذلك أثرا من آثار هذا الطور الذى نمر به وهو طور الانتقال السريع من حياة الاناة والمهل إلى حياة العجلة التى لاتمهل ولا تريح وربما كان هذا الطور هو الذي يعجل الكتاب والشعراء والناقدين عما ينبغى لهم من التعمق وإطالة الروية لأن الحياة من حولهم تعدو وهم مضطرون الى أن يشاركوا فى هذا العدو مخافة التخلف والإبطاء ، ولكن هذا الطور سائر إن شاء الله إلى شىء من الاستقرار فالناس لا يستطيعون أن يمضوا فى العدو إلى غير غاية وليس لهم بد من أن يستريحوا ويريحوا بين حين وحين فيومئذ يثوب الأدباء إلى أنفسهم فيفكرون ويقدرون ويروون ويتعمقون ويستأنف النقد حياته الخصبة المنتجة الموجهة .
س - ولماذا يشاهد الأدب العربي خاصة ، والأدب العالمي عامة في حالة أشبه بالركود والخمود ؟
ج - لنفس السبب الذي أشرت إليه آنفا ولأن تطور الحياة المادية وأسراعها إلى الرقي يوشك أن يذهل الناس عن أنفسهم فكيف لا يذهلهم عن الإنتاج الفنى والناس بعد ذلك كله فى خوف متصل وإشفاق مطرد من هذه الأفكار التى تأتيهم بها النذر مصبحين وممسين ، والفن فى حاجة إلى الأمن الذى تطمئن له القلوب . وتأنس إليه النفوس وتفرغ معه للإنتاج الفنى الرفيع وما ينبغى أن تطلب إلى من يصبح خائفا ويمسى خائفا ويكاد الخوف يملك عليه أمره كله أن يفرغ لهذه الفنون الرفيعة التى لا تحتاج إلى شىء كما تحتاج إلى الدعة وفراغ البال . .
س - وما الذي تنصحون به رجال الثقافة في البلاد العربية والإسلامية وشباب العرب والإسلام ؟
ج - لا أنصح لهم لأنى أهون من ذلك ، وإنما اتمنى أن يرفعوا الثقافة والأدب والعلم والفن فوق منافع الحياة المادية وأغراضها وأن يؤثروها على كل شئ وأن يطلبوها لا نفسها لا لما تحقق لهم من المنافع القريبة وأن يتخذوها غايات لا وسائل وهم مطمئنون الى أن الرجل المثقف أنفع لنفسه وللناس من الرجل الجاهل وأن العقول التى يقومها العلم ويزكيها الفن هى وحدها التى تستطيع أن تنتج وأن تملأ الدنيا خيرا . .

