ما ابهاها وأسناها ! ما أروع قلبها الخفاق يتدفق منه الحزم والعزم ! انها ولاية الساحل التونسى عندما يأتي الشتاء .
الحفل في الولاية قائم في كل حي وفي كل دار ؛ انها الفرحة الهاتفة باستقبال الموسم الاخضر ، موعد جنى الزيتون ، اللؤلؤ الاسود ، الدر المسكى ، ثمرة الشجرة المباركة .
هى ذي مدينة سوسة ، جوهرة الساحل التونسي ، تفتح ذراعيها لاحتضان الموسم الشعبي التليد . لكأنها على موعد فى الصيف والشتاء مع اللؤلؤ ، والدر ، والجمان .
هى فى الصيف جوهرة ترفل فى بدلة البحر احتفاء بمهرجان " أوسو " الأسطورى الظريف الطريف ، حتى اذا قدم الشتاء ، رأيت أهلها متلفعين فى ثيابهم الصوفية . فالرجال " جماعة الزيتون " ببرانسهم الدكناء الدافئة ، والنساء " لقاطة الزيتون " بملاءاتهن الحمراء الزاهية .
أما " الجماعة " ، فرجال صناديد ، مفتولة سواعدهم ، يجنون الزيتون فى الموسم الاخضر ثم يملؤون به الاكياس . وأما " اللقاطة " ، فهن نساء ماهرات في التقاط الحب المتناثر قلة أو كثرة على وجه الارض فى غابة الزيتون .
والقرى المجاورة لمدينة سوسة تهتف هى ايضا بالموسم الاخضر فى حبور فياض وفرحة شعب نابعة من الاعماق . كيف لا ! اليست الزيتونة من دعائم
اقتصاد البلاد ؟ . أليست تونس الخضراء ، موطن الارض الكريمة ، بلاد الزياتين منذ فجر التاريخ ؟ . فلعل زيتونة أصيلة فلسطين الخالدة ، قد ازمعت فى سالف العصر وقديم الزمان على القيام برحلة تستكشف فيها أسرار البلدان ، حتى اذا أعياها طول السفر ، وقد بلغت شواطئنا يعلو محياها حياء وخفر ، طاب لها المقام فى هذه الاوطان ، وفي دخيلتها حنين الى تلك الديار .
الموسم على أشده فى قرية " الساحلين " . انها تتراءى للقادم اليها من بعيد ، ببيوتها البيضاء المنخفضة السقوف ، حول مئذنة قد انبثقت متصاعدة الى السماء . سكان " الساحلين " أهل الفكاهة والمرح ، يتطلعون اليك والى كل غاد ورائح بنظرات فاحصة ، فيها براءة يزاوجها حب الاستطلاع .
وترتاح نفسك الحالمة الى قرية " الساحلين " البيضاء ، الوديعة ، بكتنفها الهدوء ، وتعطر أرجاءها رائحة الحفاظ على الحياة القروية التقليدية المتسمة بالنقاوة ، والبساطة الاصيلة .
وتلك سيارة من نوع " تراكسيون " كالابنوس لونها ، تلوح من بعيد وهى تسعى متثاقلة وسط أزقة القرية الضيقة كأنها سلحفاة .
الاطفال فى القرية يهرعون افواجا الى " التركسيون " فيحيطون بها من كل جانب وهم يرفعون أصواتهم متغنين " بصابة " الزيتون فى هذا العام :
" 1960 ، عامنا ان شاء الله عام خير ، 1960 ، عامنا ان شاء الله عام صابة "
ان الاطفال فى ضجيجهم وعجيجهم صورة من الحياة ، بل قل انها الحياة عينها ، رسمتها يد الفنان الاعظم ، ذى الجمال والكمال ، فظللتها بأفنان من الرقة والطهر ، ومن البراءة والصدق ، ومن العذوبة التى لا حد لها ايضا . بعد اسى لا حد بها ايضا ايصا ث
الطفل كائن صغير ، ضعيف البنية ، رقيق الشعور ، سهل العطب . فكأنه فى رقته نسيم السحر فى ليالي الصيف الثقيلة ، وكأنه فى لينه برعم الياسمين لا يكاد يزهر حتى يذوى .
الباشد الطفل وديعة ، عزيزة ثمينة وضعها الله بين يدى الانسان ، بحفظها ويرعاها ويشد أرزها حتى تبلغ مناها . الطفل شعاع نورانى ، مستفاد من عالم علوى
الطفل ضمير الكون اليقظ ، ونبضة القلب الانسانى الوقاد ، وبسمة الروح التائهة فى وادى الضياع .
الطفل ملاك السماء فى الارض . انه الانسان يعيد نفسه . فهو أنا ، وهو أنت ، وهو لعمرى البشرية قاطبة . ألاليت زياتين الارض مجتمعة تدعو الله ليحفظ الاطفال المشردين منهم والمعذبين !
فى السيارة الآبنوسية اللون ، التى وفدت على قرية " الساحلين " ، حشرت أسرة الحاج محمود القرطبي القادمة من مدينة سوسة . " التراكسيون " تتوقف قدام دار بابها ضخم ، عتيق ، قديم ينفتح منه باب صغير عند الدخول والخروج .
ينزل الحاج محمود من السيارة ويتوجه مهرولا الى " سى حميدة التراس جار الساس " وقد جاء لاستقباله . " آمنة " حفيدة الحاج محمود تقفز من " التراكسيون " وتنطلق كالرشأ نحو البيت القروى . الطفلة سعيدة بالعودة الى هذا المشتى بعد غيبة سنة طويلة . انها ستلتقى فى حوشه الواسع بأكوام الزيتون العالية حيث ستتزحلق وتتمرغ . وانها ستلتقى فيه بالحمار الادهم الذكى ، وبالاتان الرمادية الخدوم ، وبالديك والدجيجات ، وبالارانب والارينبات ، وبالمعزاة والجديان ، وبالكلبة والجراء .
آمنة فى غبطة لا يضاهيها اليوم أى شئ . انها تجرى ، انها تقفز ، انها تغنى : " زيتون فى الاغصان زين الغابه احنا فرحنا كيف جات الصابه " " زيتون ، غابة ، زيت ، صابة " : كلمات جميلة ، ساحرة ، صارت تردد فى كل مكان وينطق بها كل لسان . كل لسان . .
ومن الغد ، يبدأ الحفل ببيت الحاج محمود والحاجة " نفيسة " . يستيقظ أهل البيت مع انقشاع ظلمة الفجر الساحر على انغام صياح الديكة . الحيوية تدب رويدا رويدا فى انحاء البيت . ابنتا الحاج محمود الوسطى والصغرى منصرفتان الى اعداد قهوة البن فى غلاية فخارية كبيرة البطن سرعان ما تنطلق منها رائحة فواحة منعشة . القهوة جاهزة ، والبنتان تقدمانها للقوم في أقداح . خزف من صنع نساء القرية .
الحاجة نفيسة و " أم السعد دادا العائلة " ، تطهوان الكسكسى الاسمر المسقي بالمرق ، وفيه كثير من اللفت ، والسبناخ ، والفول والفليفلة الحمراء اللاذعة .
أقراص " الكفتة الشبتية " المصنوعة من خليط البيض ، والبقدونس والشبت يتصاعد نشيشها من المقلاة . ابنة الحاج محمود الكبرى تعجن الدقيق ، انه الآن بين أصابعها لجين ، وبعد حين لا يلبث ان تراه فطائر لونها كالذهب .
ألوان من طعام فصل الشتاء لذيذة ، شهية ، يأخذها القوم الى غابة الزيتون لتكون لهم غداء .
كانت آمنة تشعر بالغبطة ، وهي نشوى فى هذا اليوم . فهي بقلنسوتها الحمراء ، وبجوربيها الطويلين المرقعين ، وبمعطفها الصوفي الرث ، تعتقد أنها أجمل طفلة موجودة على وجه البسيطة .
ولا يلبث وفد الجماعة أن يحل أمام بيت الحاج محمود يتقدمهم العم " مدانينه " وهو يسوق عربة يجرها بغل " أمين " . وما هى الا ان يفتح الباب الكبير ، فيدخل القوم فناء الدار . العم " مدانينه " هو المقدم فى الوفد ؛ أطلق عليه هذا الاسم لانه يعزف على آلة موسيقية صنعها لنفسه ، شبيهة " بالمندولين " . أما العم " النفرى " ، "ولد القعقاع " ، و " خميس الترننو " ، و "ولد الام العكرى " ، و " ولد الام النيلة " ، فانهم التابعون ، شأنهم تلقى الاوامر والنواهى من العم " مدانينة " .
يأتي الرجال وهم يترنمون بألحان شعبية ، ان لفى أصواتهم تنافرا ، وان لفيها خشونة . . .
يا كرهبت الكار جيب خالك في مشوار
هاه هاه يا ولد عمي كيف نراك يدور دمى
يا ولد عمى يا مغرور علاش تقعد هكه محروم
ايجا اسمعني على كلثوم والله نغنى خير من أمي
وكالسهم تنطلق آمنة نحو العم " مدانينة " ، فيرفعها الرجل بيديه الخشنتين ، ويجلسها فى مقدمة العربة وهو يقول :
" مرحبا بهلال العيد مرحبا بالزويتنه "
وما هى الا أن يسمع ضجيج أى ضجيج : انه فريق اللقاطة يصل إلى دار الحاج محمود .
هذه " ساسية " تتقدم الفريق وقد شدت صغيرها الى ظهرها ، وهذه هي " العانس " تهرول وتلوح الى " بنت بوحلوفه " بايماءاتها المألوفة ، وهذه " سعدونه " وفى رجليها نصف قبقاب ، وها هن " بنت الهامل " ، " والام كوكه " ، و " البفه " و " الهفه " والام " قرنفله " يقبلن متهاديات يحملن اقفافهن الفارغة وعلبهن اللازمة للقاط الزيتون .
كل المشاركين والمشاركات فى الحفل قد حضروا ، وحان وقت توزيع الفطائر الطرية ، الساخنة ، المرقطة بالزبيب والمحلاة بالسكر الدقيق .
وكانت آمنة الصغيرة تنتقل بين هؤلاء القادمين جميعا ، تذهب وتجيء محاولة مناداة كل واحد منهم باسمه . الا ان الاسماء تبدو صعبة النطق على لسان الطفلة . انها اسماء غريبة وعجيبة ، فكأن نفسية الناس المرحة فى ولاية الساحل هى التى تدفعهم الى اتخاذها طريقا الى المداعبة والمزاح .
أسرة الحاج محمود تتأهب الآن لمرافقة " الجماعة واللقاطة " الى غرس الزيتون الكائن فى الطرف الآخر من القرية . الطريق طويلة ومكتظة بعربات و" الجماعة " وعربات باعة التمر المجفف " الكنتيشه " والفول المطبوخ بالكمون .
ركب العم " مدانينة " يسير سيرا حثيثا نحو الغابة الخضراء . فى الركب رجال ونساء يمشون بخطى ثابتة ، وبعزائم تنعشها رائحة الشيح والاكليل والزعتر .
الحاجة " نفيسة " قد انتصبت على ظهر اتانها الرمادية الخدوم ، وهى تلوح بكلتا رجليها فى الفضاء . الاتان تسير واذناها متدليتان الى الارض ، حتى إذا أعيتها حمولتها رأيتها تنط وتشخر كأنها تطالب برفع هذين الزنبيلين عن ظهرها ، وقد احتويا على " عجان " الكسكسى ، وجفنة " الكفتة الشبتية " ، وأقراص خبز " الطابونة " و " كوز الماء " .
الام " سعدونة " فى آخر الركب تتعثر بنصف قبقابها وهي لا تزال تأكل فطيرتها وتمسد على شعرها بالزيت المقلي مخاطبة نفسها بصوت مسموع :
" يا مرت الحاج محمود يعمر بيك الدار ويكثر عندك الصغار " اعتقادا فى أن كثرة الصغار علامة من علامات الخير
ويصل الركب الى غرس الزيتون الفسيح . انها عشرات الآلاف من الاشجار العملاقة ، الخضراء ، الوارفة الظل ، المتفرعة الغصن ، المغروسة فى غالب الاحيان غراسة هندسية محكمة .
ذوائب اغصان الزيتون تصافح الارض من ثقل زبرجدها الاسود اللماع . غرس الزيتون لوحة طبيعية رائعة ، يتجاوز مدى طولها وعرضها طاقة بؤبؤ العين .
هاهم الرجال يشرعون فى انزال معدات الجنى من العربة . السلالم او " الصرارف " أولا ، تليها الاكياس والبسط والفرش المصنوعة من منسوجات متينة ، وتسمى " الخيش "فى ولايات عديدة من البلاد .
صوت العم " مدانينه " يرتفع من بعيد مناديا : " هيا بنا يا رجال ، أذكروا اسم الله وتوكلوا عليه " . ويدوى اسم الله فى الفضاء الشاسع .
عندها ، يتجه العم " مدانينه " ووراءه صحبه الى زيتونة عريقة معمرة ، فكأن عليها هالة من جلال ومهابة . يقف العم " ميدانينه " تحتها وقفة العاشق المتيم ، ويتمتم في شبه وضوح : " تبارك الله أحسن الخالقين "
ويعطيهم اشارة الانطلاق . " من هنا نبدأ ، غنوا يا رجال ، زغردن يا نساء " . ويغنى الرجال ، وتزغرد النساء .
" يا زيتونه ، واش قربك للواد يا زيتونه
يا موشمه الواشمه على الدفنونه "
انطلق الموسم الاخضر بالحمد لله وبالغناء والزغاريد . الزيتونة فى الساحل التونسي شجرة مباركة تحكى قصة العصور ، وتحكى كدح الانسان منذ قديم الدهور .
ان ذكرتها قوية لا تفنى ، وان ماضيها بين يديها لا يتلاشى وان طال الزمن ! فهى تروى لك حكاية الاجيال ، وتصور لك دأبهم على انشاء الحياة
فى غمار النضال ! هي بذلك تخاطب الريح اذا هبت ، والشمس اذا اشرقت ، والقمر اذا اكتمل ، وحتى . النجم اذا افل .
ان خطابها تسبيح لله اذا قصف الرعد ، ولمع البرق ، ونزل المطر فبلعته الارض ليستحيل لها رحيقا غاذيا . . .
الزيتونة فى الثرى صنو الثريا فى السماء ، كلتاهما تعظم الله وتسبح له بكرة واصيلا .
الرجال فرشوا حول جذع الزيتونة المسبحة باسم ربها فرشا وبسطا . السلالم منصوبة ، " والجماعة " يصعدونها مثنى ورباعي وقد وضعوا أصابع اليد اليمني في اقران اكباش مقوسة ، مستدقة الذبابة ، صقلت لتستخدم فى جنى الزيتون .
انك لتطرب لسماع دقات الاقران متجانسة ، متناغمة كأنها الصنوج تقرع الواحدة بالاخرى ، فيسمع لها ايقاع كأنه من الحان الموسيقى . وتتساقط حبات المسك السوداء من الشجر كتساقط ندائف الثلح البيضاء من السماء .
اّمنة تنط كالهريرة من تحت السلالم ، انها تسابق الحب المتهافت على رأسها ، وعلى يديها ، وعلى رجليها . الجماعة فوق السلالم يجردون أفنان الغصون من حباتها ، ويجترون الحديث عن الصابة فى هذا العام ، وعن تسعيرة "القفيز" فى السوق ، وعن معصرة " خليفة الزيات " وما تصنعه من زيوت رفيعة . يخيل اليك وأنت تنظر الى " الجماعة " انهم ابناء اسرة واحدة جبلوا على حب الزيتونة فاصبحوا بحبها اخوة متآزرين يشد بعضهم بعضا .
النساء منحنيات الى الارض كأنهن راكعات ، يلتقطن الزيتون حبة حبة . الام " قرنفلة " امرأة كالليل بشرتها ، فارعة قامتها ، خفيفة حركتها ، رشيق خطوها ، مشهورة بما تأتيه من حركات بهلوانية . اذا بادرتها بحركة رقص رقصت واغرقت فى الرقص ، واذا بادرتها بتغضين وجهك انقبضت اسارير وجهها وتجهم محياها . وقد تضحك احيانا حتى تستلقى . ولعل الام " قرنفلة " نموذج من نماذج نساء الفئات الشعبية فى الساحل العريق ، الذي لا تنفك الشجرة المباركة تحكى ايامه .
واذا اقبلت الام " قرنفلة " على العمل ، فلا رقص يلهيها ، ولا مزاح يغريها ولا ضحك ولا هزل . اذا قالت فهي لا تقول الا جدا ، واذا اقبلت على عملها فهي كالمتصوفة تنسى ما حولها ومن حولها ، لا ترى الا حبات الزيتون تلتقطها وترمى بها فى علبتها رميا سريعا رتيبا . والنساء من حولها لا يكرهن حضورها ، ويرين انها قطب المجلس ، ولكنهن يغبطنها على خفة ظلها وحضور بديهتها ؛ ويغبطنها خاصة على مهارتها فى عملها . وانهن ليتبارين فى شتمها حذرات فى ذلك ، مستخفيات بكلامهن عنها ، هامسات قائلات : " انها امرأة يسكنها جن " . . . " الطف يا لطيف ، علبة قرنفلة بلاعة ، كانها فم عبيثة " . . . " الله يهدك يا قرنفلة ، كأن أصابعك مناقير الدجاج تأتى على الاخضر واليابس " .
ولا يكاد الضحى يرتفع فى فصل الشتاء ساحبا وراءه خيوط الشمس العليلة العسجدية ، حتى يهزمه جيش الظهيرة . الزمن ينقضى بسرعة مذهلة فى غابتنا . البرد قارس والجوع قد اضنى القوم ، فاتجهت الاعين الى " عجان " الكسكسى .
وما هي الا ان ترى الرجال والنساء متحلقين ، جادين في التهام الذريرات السمراء ، اخذين باليد اللقمة تلو اللقمة . يا له من كسكسى اسمر شهى تلتهمه الافواه طعاما سائغا كأنه يذوب فى الحلق قبل المضغ !
أما " الهقة " و " البقه " فانهما تلتهمان التهاما اقراص الكفتة _ الشبتية مرفوقه بخبز الشعير . " البراد " فوق نار وقودها بقايا الاغصان والاعشاب يغني " أغنية الشاى الاحمر وفناجينه " . اّمنه تتطلع بعنقها الى غرس الجيران حيث بائع الحلوى ينادى مترنما بحلواه قائلا :
" حلوى طرية ، لذيذة شهية . . . تفاح يفوح ، يرد العقل والروح " . يأتي الحلوانى الى آمنة فيناول الطفلة عودا طويلا غرست في رأسه تفاحة حمراء غلفت بسائل سكرى دسم . التفاحة لذيذة لذيذة وآمنة سعيدة سعيدة . . يتوارى الحلوانى بعدما يسلمه الحاج محمود كيلا من الزيتون مقابل تفاحته . تفاحته
المال لم يعد له أى شأن أيام موسم القطاف ، الشأن كل الشأن يؤول فى هذه الايام للثمرة السوداء ، حتى البضائع والسلع فانها تباع وتشترى فى
السوق بالزيتون . فلم يبق ، للفرنك أو للدورو قيمة فى عرف أهل القرية ، القيمة المطلقة هي لحفنة من الزيتون او لمكيال من المكاييل ملئ زيتونا .
حب صادق ولد مع الازل وتوارثته الاجيال ذاك الذي يكنه القرويون للزيتون ومشتقاته . لقد فرغ القوم الآن من طعام الغداء وعادوا " جماعة ولقاطة " الى الزيتونة يحدوهم نشاط وعزيمة اقوى . الساعات تطوى من جديد طيا فى غرس الزيتون ، وخيوط الشمس الباهتة تبدأ فى التقلص نحو المغيب . الساعة تؤذن بانهاء العمل وبالعودة الى الديار .
ينزل الرجال من فوق السلالم ، ثم يضعونها واحدا واحدا على متن العربة ، ثم ينصرفون الى ملء الاكياس الفارغة زيتونا ، بينما تلتحق النسوة بالحاجة " نفيسة " القابعة عند جذع زيتونة ليقتسمن معها حبهن الملتقط .
الاقفاف مليئة بالزيتون ، والنساء جالسات القرفصاء وهن على استعداد لعملية القسمة . الصاع هنا هو المكيال ، والقسمة تكون بحساب حظ لصاحبة القفة ومثله للحاجة " نفيسة " . قفة الام " كوكة " فيها ثقبة كبيرة يتسرب منها زيتون كثير . النساء ينظرن الى الثقبة ويضحكن خلسة . فكأنك تقرأ فى نظراتهن الماكرة الساخرة ذلك المثل السائر :
" اخدم يا تاعس لذاك الراقد الناعس " وتبدأ عملية قسمة الزيتون على اللقاطة ، فترى وجوها تتلألأ بالفرحة ، وتسمع ألسنة تتفجر بالثناء . خير الله خير كثير ، وبذل العبد بذل جميل . جود وسخاء ، مد وعطاء ، ذاك رمز الزيتونة ، ذاك رمز الثمرة التى رحيقها نور ودواء .
ركب " الجماعة " و " واللقاطة " يتأهب الآن لمغادرة الغابة ، أجسام مكدودة لكن القلوب نشوى والنفوس طيبة راضية .
ويمضى الركب السعيد فى طريق العودة الى الديار ، وهو ما يزال ماضيا بخطى حثيثة حينا ، بطيئة حينا آخر ، وسط جموع القوافل الغفيرة ، حتى تتراءى له القرية البيضاء كأنها الام تنتظر عودة الإبناء ، متغنية بكدهم ، هاتفة بأن يبقى غصن الزيتون روحا وسلاما للعالمين .

