للموسيقى خاصيات تنفرد بها عن سائر الفنون الاخرى فهى لكونها فنا ولغة وعلما ، اقدم الفنون التى عرفها الانسان وان لم يكن هو صانعها كغيرها من الفنون ، اذ نبهته الطبيعة اليها فاهتدى إليها وخاض فى خصائصها عن طريق التقليد والمحاكاة . . فهى فى مفهومها الوجدانى ثم الفني قد واكبت نمو الانسان على مر العصور فى تدرج مسترسل يتماشى مع نضج تفكيره وتطور احساسه بالجمال وادراكه الى حسن استغلال وتطويع ما يحيط به الكون من مواد وامكانيات .
فالموسيقى كتعبير حى عن المشاعر ، كان لها على الدوام مكانة مرموقة تتنوع أهميتها حسب تنوع الحضارات واختلاف الشعوب ، فنجدها منذ العصور الغابرة وحتى يومنا هذا لدى بعض المجتمعات تكتسى طابعا سحريا وطقوسيا جعلها تندمج اندماجا كليا فى المعتقدات والعادات والتقاليد وهى على حد قول الفيلسوف الصينى كونفشيوس : (( مرآة الحضارة عند الشعوب )) .
ولقد تفطنت الحضارات القديمة فى بلاد ما بين النهرين ومصر والصين والهند واليونان وغيرها ، الى ما تتمتع به الموسيقى من قدرة فائقة على التعبير والتأثير على النفس والجسم ، فاستخدمتها فى طقوسها الدينية واحتفالاتها التعبدية كوسيلة للارتفاع بالنفس الى اسمى الآفاق . . . واعتبرتها أداة أساسية من أدوات التربية قبل ان تكون فنا جميلا يبتغى لذاته .
ولأهمية وخطورة الدور الذى تلعبه الموسيقى فى تكوين الشخصية المتزنة المتناسقة وكذلك فى تنمية ملكة الخلق والابتكار ، نجد ان اغلب هذه الحضارات قد جعلت للدولة حق الاشراف على كيفية استعمال هذا الفن والتعامل معه
وذلك يضبط قوانينه وتحديد اهدافه . . .وها هو افلاطون يؤكد بأنه(( اذا كانت الموسيقى هى الوسيلة التربوية الوحيدة الأكثر فائدة فمعنى ذلك ان الايقاع والتوافق يملكان القدرة العظيمة على تغذية الروح ، والعروج بها الى عالم الجمال ، شريطة ان تسلك التربية سيرها الطبيعى ، والا حصل النقيض ))
هكذا ، فان التاريخ يقدم لنا نماذج حقيقية تحسيد لنا تلك الحقائق . .وهو يزخر باسماء العلماء والفلاسفة الذين ساهموا منذ أقدم الازمنة وحتى عصرنا الحديث ، فى صياغة وتطوير نظريات الموسيقى الى جانب اسهامهم فى تطور العلوم الطبيعية والاجتماعية من أمثال : فيثاغورس ، وأقليدس ، والكندى ، والفارابى ، وابن سينا وغيرهم كثير . . . بل ان اشهر عباقرة الرياضيات فى القرن العشرين (( البرت اينشتين )) كان عازفا ممتازا على آلة الكمان . . . وهكذا فاننا نحد الموسيقى مرتبطة ارتباطا وثيقا بالعلوم الطبيعية والاجتماعية ممتزحة ومتفاعلة مع احدث تطورات العلوم والتكنولوجيا وهى فى نمو متواصل ومتكامل مع كل جديد فى فلسفة التربية ومناهج التعليم وعلوم الجمال والنفس والاجتماع وغيرها . . بل ونراها تقتحم باستحقاق ميادين العلاج النفسى والعضوى ونحن نعلم انها كانت ضمن الحكمة الرباعية / Quadrivium الى جانب الهندسة والحسابيات وعلم الفلك ..
واستنادا على تاريخ الحركة التربوية بصفة عامة . وان كان الجانب الموسيقى منها لم يحظ بعد بدراسة شاملة ومتعمقة يمكننا الاستدلال بشواهد عديدة تخص أعمال الكثير من المفكرين والمربين الذين اعتنوا بالتربية الموسيقية واستنبطوا لها المناهج واهتموا بالبحث فى أنواع الموسيقى المناسبة للتربية فى المراحل المختلفة ، واتاحة الفرصة لكل طفل لممارسة التعبير الذاتى بالاصوات والايقاعات الموسيقية ، وباستخدام انواع معينة من الغناء مع الحرص على تبسيط طرق التعليم حتى يستفيد النشء وتحصل الفائدة المرجوة التى هى تنمية المواهب والملكات الذهنية والجسمية والروحية بشكل منسجم متكامل .
والجدير بالاشارة اننا نجد لدى مختلف الحضارات تركيزا واضحا على الطريقة الشيفوبة والتطبيقية حيث التقليد والذاكرة يلعبان دورا أساسيا كما نلاحظ أن الصوت البشرى يشكل أهمية بالغة وبصورة خاصة داخل المحموعة أو الكورس ويؤكد بعض الفلاسفة (( ان الذى لا يستطيع اثبات مكانته / صوته داخل المحموعة فهو عديم التربية فاسد المزاج )) ( افلاطون : قوانين ، ج 2 ، ص 654 ) .
وبالرغم من تعددها فان مختلف المناهج والطرق الموسيقية تؤكد على ضرورة الابتداء بدراسة الموسيقى عن طريق التدريب الصوتى . . . يتلقى الطفل مبادئ النظريات والترقيم الا بعد هذا التمهيد الحسى الطويل ، اذ هى معلومات يجب ان تستمد تدريجيا من التطبيق .
وهذه الآراء بقيت منتشرة حتى بعد ان وقع اكتشاف الطباعة من قبل ڨوتنبرڨ ( النصف الثانى من القرن الخامس عشر ) ثم الطباعة الموسيقية من قبل الايطالى بتروسى بالبندقية سنة 1490 ، غير انه سرعان ما انتشرت النصوص الموسيقية والكتب النظرية ومصنفات الصولفاج ، الامر الذى جعل التطبيق الشفوى يفسح المجال شيئا فشيئا الى استعمال الكتابة خاصة بعد ارساء النظام التونالى بسلمه المعدل وأسلوبه البوليفونى ثم الهارمونى فى القرن السابع عشر واليوم نجد العديد من المختصين فى التربية الموسيقية ينصحون بالرجوع الى الطريقة الاولى بل ومنهم من استنبط مناهج حديثة تعتمد أساسا على معطيات هذه الطريقة الحية .
والموسيقى العربية تعتمد أساسا على هذه الطريقة فكان العرب من قديم الزمان يولون اهتماما بالغا بالتعليم الموسيقى وكان المختصون يرون بأن لا يتعاطى هذا الفن الا من توفرت لديه موهبة فطرية وقدرة حقيقية على الخوض فى مجالاته . . ذلك لان الموسيقى يقول لنا احمد بن الطيب السرخسى ( يعرف بتلميذ الكندى) ت 285 ه / 899 م ( كمال أدب الغناء ، ص 21 ) وكذلك الفارابى »ليست الموسيقى من الصناعات التى اذا طلبها الانسان امكنه معرفتها ، وان عنى به معلم حاذق فى تفهيمه اياها أو كثر استماعه لها من المتقدمين فيها ، لانها تحتاج الى قوة فى النفس قابلة لها وطبع سلس القياد فيها وسرعة لقن بما يمر منها ولطف تحصيل لغامض اجزائها ونسب مقاديرها فى أوضاع نغمها وشدودها وازمنة ايقاعها ، وليس يغنى التعليم فيها دون الطبع ولا الطبع دون التعليم ، فاذا اجتمعت لمن رامها طبيعة محمودة وقوة قابلة ومعلم حاذق ومران دائم وفراغ متصل وشهوة تامة فقل ما يكدى ، فان نقص من هذه الاسباب شىء دخل عليه من النقص بقدره . . . ))
ويقول الحسن الكاتب : (( يجب ان يختار لتعليم الصناعة أكمل الناس فيها ، وقل ما يوجد من يكون مضطلعا بها مطبوعا فيها بين الصوت حسنه يخرج النغم من حلقه غير ناقصه ولا منقطعه ولا مستبشعه ، قد لقى الحذاق
وأخذ عنهم وعرف مذاهبهم وانماطهم وقطع أكثر أوقاته معهم ، غير صغير السن ، فان الصغير السن لا يرجع اليه فى شىء منها لعمارته وانه لم يثبت على حال واحدة ، انما ينتقل من شىء الى شىء ومن مذهب الى مذهب ، فلا يدرى فيها الصواب بالكلية ، وقل ما يوجد عنده كثير فائدة ، واحرى به ان يؤدى تأدية صحيفة ان كان له معلم حاذق وطبع تام )) .
ومن ناحية أخرى سئل ابن سريج عن الخطأ والصواب فى الغناء فأجاب : » اذا كان المغنى يشبع اللحون ويملا الانفاس ويعدل الاوزان ويقيم الاعراب ويستوفى النغم الطوال ويحسن النغم القصار ويصيب مع ذلك اجناس الايقاعات فذلك هو المصيب« ( الاغانى ) .
كما يؤكد الحسن الكاتب كذلك فى حديثه عن أهمية الاستاذ بأنه يجب على هذا الاخير ان يصب فى اختيار الاغانى التى تتماشى مع المساحة الصوتية للتلميذ وامكانية ادائه ذلك لان اساءة الاختيار من شأنها ان تنال من صوت المبتدىء. . . والاستاذ يعد قدوة فى نظر التلميذ يعتمدها ويجتهد فى تقليدها. لذلك فهو يستفيد من مزاياها كما يرث من اخطائها اذا ما وجدت .
ومن اعتناء العرب بالتعليم الموسيقى نشير هنا الى المنهجية الرائدة التى استنبطها الحسن على بن نافع الملقب بزرياب ( القرن الثالث هجرى / التاسع الميلادى ) فى اختيار تلاميذه واختيار قدراتهم الموسيقية :
(( وكان زرياب ـــ يقول لنا المقرى فى نفح الطيب ـــ اذا تناول الالقاء على تلميذ بعلمه ، أمره بالقعود على الوساد المدور المعروف بالمسورة ، وان يشد صوته جيدا اذا كان قوى الصوت ، فان لينه أمره ان يشد على بطنه عمامة فان ذلك مما يقوى الصوت ، ولا يجد متسعا فى الجوف عند الخروج على الفم ، فان كان الص الاضراس لا يقدر على ان يفتح فاه ، أو كانت عادته زم اسنانه عند النطق ، راضه بأن يدخل فى فيه قطعة خشب عرضها ثلاث أصابع يبيتها فى فمه ليالى حتى ينفرج فكاه ، وكان اذا اراد ان يختبر المطبوع الصوت المراد نعليمه من غير المطبوع أمره أن يصيح بأقوى صوته : يا حجام ، أو يصيح : آه ، ويمد بها صوته ، فان سمع صوته بهما صافيا نديا قويا مؤديا لا يعتريه غنة ولا حبسة ولا ضيق نفس ان سوف ينجب وأشار بتعليمه ، وان وجده خلاف ذلك ابعده )) ( المقرى : نفح الطيب : ج 5 ، ص 120 ـــ 129 ) .
كما نرى ، فان الاهتمام بالتربية الموسيقية وباختيار عناصرها وبطرق تيلبغها عرف اتجاهات ومحاولات عديدة .
وكي نحن فى حاجة الى دراسة تحليلية شاملة تعتمد المقارنة بين مختلف الاساليب المستنبطة فمثل هذه الدراسة ستساعدنا بلا شك ، على تحديد اختياراتنا البيداغوحية فى هذا العصر الذى تشعبت فيه المسائل وتنوعت فيه الوسائل .
وبايجاز سأحاول ان اتطرق الى بعض العراقيل التى ما انفكت تكبل تعليمنا الموسيقى وحتى لا ادخل فى فخ التكرار سوف لا أتوقف عند المسائل التى طالما تعرضت اليها دراسات ومناقشات سابقة تبعتها توصيات وقرارات عديدة بقى انحازها مع الاسف سجين النظريات والتعليمات الايدولوجية ورهين الضغوطات الاقتصادية والاجتماعية ذلك لان موضوع التربية الموسيقية موضوع أساسى وخطير بالدرجة الاولى ، وهو ما برح يشغل اهتمامات العديد من المختصين والعاملين فى القطاع الموسيقى فى مختلف اقطار العالم .
فى اعتقادى ان المسألة مرتبطة أساسامرتبطة أساسا بتوضيح الاتجاه الموسيقى الذى نريده لانفسنا ، أى هل اننا مصممون على ان تكون لنا ذاتية ثقافية وهى الظاهرة الاساسية للذاتية القومية ، أو هل اننا نفضل ان نصبح فى يوم ما نكرة من النكرات نعيش على التبعية والذوبان فى شخصية الغير. . . ؟ واختيارى ، يتجه بطبيعة الحال الى الاتجاه الاول ، وهذا الاختيار ليس وليد العاطفة أو التعصب بل هو نتيجة حقيقة موضوعية مختلفة الاوجه ، أخص منها المادة الموسيقية ذاتها . . فانه على عكس الاعتقاد الشائع ، فان الموسيقى لست لغة عالمية ، انما لغات مختلفة ، واذا كانت من حيث أساسها واحدة فى كل مكان باعتبار كونها تنسيقا للاصوات بصورة محببة للاذان وانها ـــ من حيث أصولها ـــ مرتبطة بمعتقدات الانسان وطباعه . .وهى لغة الروح والمشاعر والخواطر . . فانها بالنظر الى شكلها ، تنقسم الى عدة لغات متباينه في تقنياتها وفى مفاهيمها الجمالية . واستنادا على ذلك تطلق احكام خاطئه بشأن هذه الموسيقى أو تلك يصدرها المستمع بحسب تقاليده ، ذلك لان الاستماع يستند الى العادات والحكم يقوم على مقاييس وعلى قواعد مألوفة ضمن نمط معين من التقاليد . . وتختلف شتى هذه الاستنادات والمراجع الى حد كبير بحسب اللغات الموسيقية اذ ان لكل واحدة منها أدوات تستخدم ومميزات تكون تعبيرا
عن عبقرية وخصوصية كل شعب متناسبة فى ذلك مع حاجاته الحقيقة وراسخة تتحدى الزمن .
واذا ما تركنا جانبا الخاصيات المحلية المتعلقة بكيفية الاداء ( الصوتى أو الآلى ) يمكن لنا تحديد خريطة للعالم طبقا لجهات كبرى نجد داخلها لغة موسيقية مشتركة بين عدة تقاليد موسيقية ، وفى حدود هذه المساحات يستطيع الفنان التقليدى ان يعبر اعتمادا على لهجته الموسيقية الخاصة ويلقى تعبيره هذا اقبالا غير محدود . وهذا امر واضح مثلا ، فى الموسيقى العربية فهى تعبر فى نفس الوقت على وجود وحدة قومية تشمل كل الاقطار العربية ، كما تؤكد فى نفس الآن على أهمية تقاليد محلية وحتى جهوية خاصة بكل بلد على حدة ، ذلك ان الاساليب المحلية ترتبط ـــ بالرغم من ايناعها داخل حدود ضيقة ـــ بأصل ايديولوجى حضرى مشترك اوسع منها بكثير .
هكذا ، فان كل مساحة موسيقية كبرى تسبح فى عالم (( نغمى ـــ ايقاعى )) خاص تخضع فيه بنياته الداخلية الفضائية منها والزمنية الى مجموعة من القوانين التى تفرضها التقاليد والذوق كما يفرضها كل ما تفرزه اللهجات والاصوات المقترنة بعبقرية كل مجموعة اجتماعية .
لهذه الاسباب فانه قبل التفكير فى أى تخطيط بيداغوجى او تطوير تطبيقى يجدر بنا ان ندرك بصورة عميقة جميع الخصائص المتعلقة بالمساحة الموسيقية التى ننتمى اليها ، وهى خاصيات تكمن فى المادة الموسيقية ذاتها : السلم الموسيقى ، الابعاد ، صحة أو نسبة الصوت ، المقامات ، الزخارف ، وحدة اللحن أو تعدده ، تنظيم الايقاعات ، أشكال التلحين ، تقنيات الآداء الصوتى والآلى ، التأويل الصادق أو الارتجال ، التبليغ الشفوى او المكتوب ، الآلات الموسيقية، الوظيفة الاجتماعية ، الاعتبارات العقائدية والجمالية . . . الخ .
واذا كان من المحبذ ان نلم بالتقاليد الاخرى المقترنة بالمساحات الكبرى التى ننتمى اليها وذلك من أجل تصور شمولى متكامل للمادة الموسيقية التى نعتمدها ، فمن المفروض علينا كذلك ان ننحو هذا النحو كلما اردنا الاستلهام من خاصيات ومناهج لغة موسيقية تنتمى الى مساحة اخرى . وهو امر لا مندوحة عنه سواء من حيث المحافظة على الطابع القومى لموسيقانا او من حيث اثراء هذا الطابع وتطويره مع الحرص على أن نترك جانبا كل العناصر غير الملائمة التى قد تشوه وتلحق بها الشوائب . وانه لمن المعروف ان الموسيقى العربية تنتمى الى
المساحة الكبرى المسماة بالاسرة المقامية والتي تعتمد على التراث الشفوى وهى تشمل التقاليد الموسيقية الموجودة فى كل العالم العربى وفى آسيا الوسطى ( الهند وباكستان وسيلان والنيبال وايران وافغانستان والجمهوريات الاشتراكية السوفياتية ) وكذلك فى تركيا وشرق اليونان وفى جزء من يوغسلافيا وخاصة منطقة بوسنى وفى بلاد القوقاز حتى اذربيجان في الاتحاد السوفياتي . . كما يمكن اضافة موسيقى عدد من الجهات الاسلامية بجنوب صحراء افريقيا . ذلك مما يمنعنا من ان نعتبر او نقيم الموسيقى العربية من زاوية الاعتبارات الجمالية واللغوية الخاصة بالموسيقى الغربية التى تخضع الى قواعد ومقاييس تختلف تمام الاختلاف .
فاذا كانت الموسيقى الغربية تقوم على النظام التونالى والسلم الثابت الكتابة التوافقية العمودية باستعمال مقامى الكبير والصغير والنظام الايقاعى التناظرى . . . الخ . فان الموسيقى العربية تعتمد على النظام المقامى ـــ الشفوى الذى من خاصياته المقام وهو بايجاز :
ــ * مصطلح بدل فى نفس الوقت على سلم موسيقى خاص له مميزاته وعلاقاته السكلوجية ـــ الفزيولوجية التى يؤثر بها علي المخلوقات عامة والانسان خاصة حسب كل مقام وهو ما لا يمكن مقارنته بالمفهوم الغربى للسلم الذى هو عبارة عن تعدد درجات تنطلق من درجة الاساس الى جوابها وفى هذا الاطار تكتسى الدرجات اهمية متباينة حسب دورها داخل المركبات التوافقية وقواعد الكتابة التوافقية المقامة أساسا على السلم المعدل او الثابت ، بينما درجات السلم فى الموسيقى العربية تعود فيزائيا الى النمط المسمى (( فيثاغورى)) ( وان كان اقدم من فيثاغورس بكثير ) وهو مستخرج من التسلسل الناتج عن دائرة الخامات لذلك فهو السلم اللحنى ( الميلودى ) المتميز يتركب أساسا من خلايا أو عقود ( اثنين فأكثر يكون واحد منهم الاساس ) تتراوح مسافتها من الثلاثية الى الخماسية وتكون اما متصلة واما منفصلة ببعد طنينى كما تستعمل هذه المقامات نوع السلالم القائم على تسلسل العقود أو على النوع الخماسى أو على الاثنين معا .
ـــ * امكانية اختلاف بعض درجات السلم عند النزول على ما هى عليه فى الصعود .
ــ * أهمية العلاقة الكائنة بين الدرجات وتحديد اهميتها منها :
* درجة القرار وهى المحور الاساسي الذى يحوم حوله ويبنى على أساسه سير اللحن وهى تبرز فى كل القفلات وتعطى احيانا اسمها للمقام المرتكز عليها .
* المراكز او الغمازات وهى تتغير حسب نوعية العقود المكونة للمقام .
* المبدأ أو المدخل : وهى ذات أهمية فى ابتداء الحركة اللحنية هذا بالاضافة الى كل القواعد القائلة بتجنب بعض الدرجات او الالحاح فى ابراز البعض الآخر . . وهو ما يختلف من مقام الى آخر ويفرز بين مقامات لها نفس الدرجات والسلم .
- * كل مقام يتميز بجمل لحنية وأحيانا لحنية ـــ ايقاعية هى بمثابة طابع المقام وبصماته الخاصة وتسمى » روح المقام / الخانات « .
- * لكل مقام قدرة تعبيرية وتأثيرية خاصة . وهذا من العناصر التى بدأت تضمحل رغم اهميتها حيث نجدها مثلا القاعدة الاساسية لشجرة الطبوع فى النوبة المغربية .
ـــ * من المميزات الاخرى نذكر الزخارف الخاصة التى تشكل ـــ مثل الارتجال ـــ ظاهرة حيوية وابداعية هائلة فى الموسيقى المقامية . . هذا باضافة التقنيات الصوتية والآلية والتلوينات المقامية والايقاعية . . . الخ .
نتعرض بايجاز لبعض هذه النقاط كى نبين بأن المسألة ليست بالهينة . . ولا يحق علينا ان نرمى بكل هذه المميزات الاساسية عرض الحائط ونسلك الطريق السهل ونقتبس لغة وأساليب الغير دون دراية واضحة او دراسة وتنقيب متعمق وجاد . . . خاصة وان كل ما نحن بصدد اقتباسه من آلات وعناصر موسيقية هى بالنسبة للغرب حصيلة تطور منطقى متكامل يخضع الى واقع لغة موسيقية معينة وتقاليد اجتماعية وتيارات اديولوجية مختلفة . . ثم ان الموسيقيين الغربيين انفسهم اصبحوا يؤمنون بان النظام التونالى بكل ما يحتويه من عناصر التقييد ( من درجات سلمه ووحدات ايقاعه وطريقة ترقيمه . . . ) يحتوى على عوامل انحلاله . لقد لاح هذا النظام فى عهد مؤلفى البوليغونية الايطاليين فى القرن السادس عشر ، ثم ركزه وحدده نظريا (( رامو )) و(( جان سبستيان باخ )) وبلغ اوجه فى عهد كبار منتزعى النزعة الكلاسيكية (( هايدن )) و (( موزارت )) و (( بيتهوفن )) قبل ان ينحل فى عهد
بيتتهوفن نفسه وخاصة فى عهد فاڨنر وليست وديبوسى . . وكما يقول الملحن الفرنسى (( جلبار آمير )) : لم يعد اى عالم نظرى يستطيع ان يدعى اليوم ان النظام التونالى الثابت ينطوى على عناصر تجديده . وما التيارات التى ما فتئت تبرز الى الوجود منذ القرن التاسع عشر من (( لاتونالية ))، (( دود يكافونية )) ، (( سريالية )) ، (( طبيعية )) ، (( الكترونية )) ، (( الكترواكوستيكية )) . . . وكذلك مختلف انواع » الجاز « و » البوب « . الخ الا دليل قاطع على ذلك . . هذا مع العلم ان من الامور التى ما زالت لا تسمح من التخلى على السلم المعدل وهى الضغوطات التجارية والاقتصادية المتمثلة فى وجود عدد غفير من المؤسسات التى صنعت وما زالت تصنع الآلاف من الآلات الثابته وهو ما يسبب خسارة مادية وتشغيلية جسيمة اذا ما تخلى على هذه الآلات . كما انه ليس من صالح الغرب ان يتخلى عن انجح وسيلة تمكنه يوما بعد يوم من نوسع هيمنته الثقافية والتجارية وفرض بضاعته الموسيقية على أغلب مناطق المعمورة باسم التقدم والتعصر . . ألم تصبح موسيقاه وبالتالى ثقافته عملة عالمية . ؟
هكذا ، فى الوقت الذى يسعى فيه الموسيقى الغربى ـــ وقد اقتنع منذ زمن طويل بعدم نفاذ هذا النظام ـــ الى تطوير موسيقاه من حيث اشكالها واسلوبها وانباطها التعبيرية وعناصرها اللغوية ، نرى الفنان العربى فى أغلب الحالات مرتميا أكثر فأكثر فى احضان موسيقى (( متغربة )) . . ومنساقا الى نظام وأساليب اخنى عليها الدهر . . متناسبا ـــ اذا لم يكن جاهلا ـــ ما يوجد بين يديه من مادة موسيقية زاخرة لا ينقصها الا الاعتناء الذكى والقدرة الفنية والعلمية اللازمة . . فبهذا الموقف الازدواجى المتمثل فى التشبت بالوطنية فى المجال السياسى والتنكر لها فى المجال الثقافى ، اننا بصدد تنفيذ الخطة الاستعمارية الاوربية الهادفة الى استعمار البلاد العربية ثقافيا بعد ان فشلت سياسيا وان خطر الاول لافدح من الثانى اذ انه ينفذ مباشرة الى ذات العربى وكيانه وروحه . . ولا مناص لنا من الوقوع فى شباك هذا التخطيط الشيطانى الا اذا اقتنعنا بأن التقدم لا يعني التبعية واجتهدنا فى كيفية استغلال المكتسبات المنهجية والتكنولوجية المعاصرة والعمل على تطويع ما يصلح منها لتحقيق اهدافنا الثقافية والحضارية فى كنف الاصالة . . لكل هذه الاسباب تكتسى التربية والثقافة بصورة عامة فى وطننا العربى أهمية بالغة ولنبقى فى التربية الموسقية ، نشير بانه قد اصبح من الواضح بأن الطرق التى تستعملها التربية الموسيقية الكلاسيكية فى الغرب لم تعد ملائمة حتى للموسيقى الغربية ذاتها . .
وقد بحكم التجارب قد اتضح لحد الآن انها تلحق فادح الضرر بالتقاليد الموسيقية الغير الاوربية . وقد تجلى ذلك بوضوح من خلال تجارب حدثت فى مجال علم ، النفس الحديث ومن خلال الدراسات التى شملت وظائف الدماغ والذاكرة وهو ما ادخل ثورة على تعليم اللغات .
فعلا ، فان كانت هذه الطرق لم تعد تناسب الموسيقى الغربية نفسها القائمة على التقاليد المكتوبة ( التى تطلب التطبيق الحرفى لما كتب حسب التقريب اعتمادا على ذاكرة ذات اتجاه واحد غير مدمجة ضمن نظام ثابت ودقيق ) . يمكن لها اذن ، ان تناسب موسيقى شفوية التقاليد ( تقوم على ذاكرة متعددة الاتجاهات ومدمجة تبعا لعادات متأصلة ضمن نظام حى وذات صيغ متعددة ومبادىء وفنيات جربت طويلا وهى مزيج بين المقدرة المكتسبه والابداع وبين الارتجال والتأليف ) . . . لذلك نرى الطريقة التقليدية للموسيقى المقامية تتجه مباشرة من المعلم الى المتعلم ويبذل هذا الاخير مجهودا يتضاعف تدريجيا لفهم وهضم العمل الفنى في اكمل شكله ويأنس بذلك لقواعد اللغة ويكتسب فى نفس الآن ذوقا واحساسا وقدرة على الابداع ، ولا يمكن ان يتحقق ذلك الا بالاستماع الى فنان حقيقى والسير على منواله ولا بتلقى دروس جافة من معلم مدرسة . . كما لا يمكن ان يصبح المرء شاعرا بمجرد درسه لعلم العروض ومعرفته لبحور الشعر . وهنا تأتى التفرقة بين التربية الموسيقية التى تهدف الى تكوين فنانين مبدعين داخل المعاهد المختصية والتربية الموسيقية التى تهدف الى التثقيف والتوعية الموسيقية ضمن التكوين العام .
ولا غرابة فى ان عظماء من تدارسوا الموسيقى من الاقدمين عندنا امثال الكندى والفارابى واخوان الصفا ، وابن سينا . . وغيرهم كثير . . قد تجنبوا عمدا وضع ترقيم مدقق وجاف يكون بمثابة تحنيط لفن روحى وحيوى كالموسيقى ، حيث يلعب الارتجال والابداع والذاكرة وسعة الخبال دور أساسيا وهو ما يتطلب من الموسيقى الاصولى الكثير من الوقت والمثابرة والصبر اذ ان الغناء والعزف والنظريات والتحليل وبالتالى الابداع فى الارتجال والتلحين ، كلها عناصر تتماشى مع بعض ويستمد بعضها من بعض .
هذا وان نظريات التعليم النشيط المحدث من قبل بعض أهل الاختصاص بالغرب أمثال : (( سلطان كوداى )) و (( كارل أورف )) و (( موريس مارتنو)) وغيرهم ما هى فى واقع الامر الا محاولة محتشيمة اذا ما قارناها بالطريقة التقليدية الشفوية المباشرة فى الموسيقى المقامية .
الشكل الوحيد يكمن فى ان مشاغل هذا العصر الذى نعيشه يصعب ان نطبق فيه مثل هذه الطريقة اذ انها تتطلب تعايشا يكاد يكون مستمرا بين المعلم والمتعلم لذلك فاننا نرى انه من الضرورى الوصول الى حل وسط بين هذه الطريقة الشيفوبة المباشرة وبين بعض المحاولات البيداغوجية الحديثة مع شرطين أساسين لا بد من الحفاظ عليهما فى المراحل الاولى من هذا التعليم على الاقل :
ـــ الاعتماد أساسا على عناصر اللغة الموسيقية القومية .
ـــ استعمال النظريات كنتيجة للتمارين العملية ( صوتية أو آلية ) والترقيم الموسيقى كمعين للذاكرة لا كنص أساسى يجب اعتماده حرفيا .
وكما يقول المثل الشائع : (( ان الاستماع للموسيقى أيسر من تدريسها )) .
وتدريس الموسيقى فى مراحل التعليم المختلفة وخاصة فى مرحلة الطفولة ، ليس بالعمل اليسير انه يتطلب دراية واسعة من المعلم لان التربية الموسيقية فى هذه المرحلة بالذات تشكل عنصرا أساسيا فى خلق انسان الغد الذى ننشده شكلا ومضمونا . . . عقلا وسلوكا وخلقا
(*) المراجع :
ـــ أبو الفرج الاصفهانى : الاغانى ، ط . بيروت 1970
ـــ التربية والثقافة الموسيقية فى الوطن العربى ( المؤتمر السابع للمجمع العربى ) .
ـــ الحسن الكاتب : كمال أدب الغناء ، تحقيق غطاس عبد الملك خشبة ، القاهرة 1975 .
- الفارابى : كتاب الموسيقى الكبير ، تحقيق غطاس عبد الملك خشبة ، القاهرة 1967 .
ـــ قطاط ( محمود ) : (( التجديد فى الانتاج الموسيقى العربى المعاصر )) ، آفاق عربية ، عدد 5 ، بغداد 1981 ؛ الحياة الثقافية ، عدد ٤ ، تونس 1982 .
ـــ قطاط ( محمود ) : (( اتجاهات الاغنية العربية المعاصرة )) ، الحياة الثقافية ، عدد و 19 ـــ 20 ، تونس 1982.
ـــ قطاط ( محمود ) : (( التربية الموسيقية فى الوطن العربى )) ، مجلة الموسيقى العربية ، عدد 3 ، المجمع العربى للموسيقى ، بغداد 1983 .
ـــ المقرى : نفح الطيب ، تحقيق د . احسان عباس ، ط . بيروت 1968 .
ـــ مجلة الموسيقى العربية ( المجمع العربى للموسيقى ) عدد 3 ، بغداد 1983 .
المراجع باللغة الفرنسية
BAUDOT Alain : Musiciens romains de I' Antiquite , Paris klinksiek 1973 . GOEUROY Andre : La musique le Peuple , Paris - Stock 194 AVRE Georges : Ecrits sur la Musique et I' Education musicale Paris - Durand 1966 . GAGNARD ( Madeleine ) : I' initiation musicale des jeunes . Paris Cas - terman 1971 . GUETTAT Mahmoud : L' Education manle monde arabe plus particuliement en Tunisie b " , Centre Breton d' Art Populaire . Brest , 1980 . AVIGNAC Albert : L' Education musicale , Paris - Delagrave . 1902 ICHE Pierre : L' Education musicale , trait d' union entre les peu ples , Prague , Orbis , 1937 . a issue dans L' Education . Paris - Unnesco - Armand Colin , 1955 . ducation musicale ( V ) : Revue menselle 3 Rue des Ecole 77530 Bois - Le Roi ( FRANCE )

