لا شك ان ثمة شيئا غير عادى يضغط على اعصابه تلك الليلة ، أفكاره مغلولة لا تستطيع الانطلاق من اقماعها . ولكن ينبغي ان يكتب شيئا هذه الليلة بالذات ، شعور عميق الاغوار سيطر طوال النهار على كل خلية في عقله ، شعور يقول له : ستكتب الليلة جديدا يهز مستنقع الأدب بعنف ، القراء ينتظرون ، فلا يجب ان يتحول انتظارهم الى ملل ثم الى نسيان ، ما من شئ أقتل للأديب من نسيان القراء له ، لذلك دخل الى مكتبه باكرا وأعد نفسه لاستقبال الفجر ساهرا ، يجب ان يعطى الليلة نتاجا بروعة الفجر ، لقد طال بالادب التيه على هامش الحياة ، سيبدأ الليلة باعادة الادب الى جليل دوره في خلق الانسان من جديد . جميع الوسائل متوفرة له ، فقد اثبتت كتاباته السابقة رسوخ موهبته ، واللغة بكل شواردها طيعة له كالانثى المغرمة ، واسمه يجوب الآفاق من المحيط الزاخر بالفشل الى الخليج الغارق بالنفط والدم ، وكل من هب ودب بينهما يحمل بين برديه فكرة او اكثر من بنات عقله الفذ : الفقير والغني ، الثائر والمستسلم ، المؤمن والكافر التقدم والرجعي ، المهاجر والمقيم ، الذكر والانثى ، الموالى والمعارض والجميع ينتظرون عطاءه فلن يخيب املهم فيه ، والشعور الذى راوده طيلة النهار خلق لديه استعدادا متفجرا للخلق ، لذلك أعطى نفسه وعقله اجازة تريحه من جميع المسؤوليات اليومية والليلية المبتذلة ، واغلق على نفسه غرفة مكتبه الانيق من اين يبدأ ؟ ) من هنا نبدأ قال الآخر يوما ثم أضاع الهدف ( . هذا الشئ الغريب الذي يضغط بقوة على اعصابه . لقد طرا عليه فجأة بمجرد اخذه للقلم بين اصابعه ، فبدد جميع المواضيع الحية من ذهنه لكن لا بد له من ان يمسك بموضوع ما ، موضوع يأخذ بعنق الواقع المتردى ويعيد صوغه كما يجب ان يكون ) هكذا يقول حكامنا دائما ثم يستمرون في
أسر القول هذا الشبق الادبي لا يساعد على العطاء . بعض الهدوء . بعض التركيز . لملمة الذات . سيكارة . تقطيب الحاجبين ثم ارخاؤهما . التنفس بعمق ، بعمق اعمق . اغماضة رفيقة . نصف اغماضة . اختراق الآفاق . من المحيط الى الخليج . الصراع . الدويلات . القتل . الصمود . الاستسلام . الخذلان . النفط . الرمل . الارهاب . الموت ، الموت ، الموت ولكن لا شئ . ماذا جرى له ؟ لا ، لم يغد فارسا قديما " . الحياة بكل قوتها زخارة فى عروقه . سيجد الموضوع المناسب . لن يستعين لا بالقهوة ولا بالشاى ، ترهات باطلة ) كل مسألة او قاعدة من مسائل اللغة وقواعدها استهلكت اطنانا من الشاى ، وبقيت " حتى " على منعتها ( . بقدر ما يتحرر الابداع من المؤثرات بقدر ما يقوى صفاؤه بعض الصداع يأخذ برأسه ، لقد جاءه مبكرا . كثرة المواضيع مدعاة للبلبلة . " بلده يحترق " . لا بأس بالتوقف هنا قليلا . " بلده يحترق " . مواطنوه يقتتلون باخلاص . الثور الابيض والثور الاسود . الدمار الرائع . ) أيها الناس " أو أيها الاخوة المواطنون " اسمعوا وعوا ( . ما اروع هذه ال " عوا " . شتى اصناف الغرائز الهمجية تخرج من جحور النفوس . " بلده يحترق . يحترق . معنى مبتذل . لم تبق صحيفة ناطقة بالضاد او بما يشبه الضاد الا ولاكته كالعلكة فى فم البغى . ليس هذا بالموضوع الملائم لتحفزه الادبي . ومتى كان بلده بلدا ؟ القتل اصبح شيئا عاديا كممارسة الجنس او الادمان على المخدرات . ) تشبيه حسن ( . الساعة العاشرة ليلا . ما زال المتسع رحبا . لو لم يكن هناك محيط وخليج فماذا كان يكون التحديد الجغرافي ؟ . لا يجب الاستسلام للتشتت الذهنى . لا بد من تناول موضوع معين . افضل ضربة موفقة ضربها فى حياته هو تعاقده مع تلك الدار التى تفقس الصحف والمجلات كالجراد ، بالدولار . وطار سعر الدولار الى اعلى عليين . لم يعد الادب عاقا باصحابه الشكوى سلاح الفاشلين او المغمورين . الكتابة اصبحت تبيض ذهبا . الكتابة العامودية . الكتابة الافقية محكومة بالاتجاهات . تبا للجميع ، للحاكمين والمحكومين ، للرجعيين والتقدميين ، للمؤمنين والكافرين . كلهم يغمسون خبزهم خارج الصحن ، ومن يموت منهم يموت مجانا . ليته ، كما تمنى الشاعر ، كان حطابا ليهوى على الجذوع . أية جذوع ؟ . لدائن هشة ، قذائف الطائرات المغيرة صبحا نفذت الى عمق ألف سنة فى باطن التاريخ . الذرة ليست دمية وليست وساما . عودوا " قردة خاسئين .
الليل يسرع فى سيره وما زال غارقا في الهوامش . الحاجة الى كأس ، ينعش ولا يسكر ، اصبحت ضرورية . يجب وضع حد لهذا
التشتت الذهنى . حسنات الكاس فى حالات المخاض كثيرة . قد يهبط تأثيرها احيانا الى اسفل . إذا ايقظ زوجته فى مثل هذه الساعة ستقول له وهي نصف غافية : اسرع ودعنى انم . " ان شارب الخمرة كالزاني بأمه عند ركن الكعبة " كان يردد شيخ القرية بعد صلاة الجمعة ، ويأبى الا ان يخرج الحروف من مخارجها . كأس مترعة ، وموسيقى ناعمة ، وسيكارة اميركية ، وتتفجر الافكار . يجب ان يكتب شيئا . لن يضاجع زوجته ، زوجة سقراط ، سيضاجع موضوعه البكر . الموضوع مذكر . لا بأس . لولا ذلك لما ابدع ابو نواس . لماذا لا يكتب عن عهد الدويلات المعاصر ؟ موضوع يطال الجميع ولا يطال احدا " اغتيال عهد السلاطين ) الاغتيال ، الفردى والجمعى ، عملية رائجة هذه الايام ( . اغتيال عهد السلاطين ! رائع . القراء يفهمونه على نحو ، والحكام يفهمونه على نحو آخر ، ولكن الجميع يهتزون اعجابا : القراء املا بالخلاص ، والحكام على انهم غير معنيين لا تلميحا ولا تصريحا . هذا هو فن الكتابة . مقال يصلح لكل مقام . ثورة مخملية عبارات تعض ولا تجرح . " جانب السلطان واحذر بطشه لا تعاند الخ لا تعاند من إذا " اغتيال عهد السلاطين العنوان بالخط الكوفي الخط الرقعي اكثر وضوحا . الاسم بالخط المألوف والحجم المالوف ، والرسم فى اعلى الصفحة ، على اليسار ، يبتسم بسخرية ندية . البداية قاتل الله البداية . انها تحرن دائما كجحش المكارى فى قريته . يوم كانت له قرية ازالتها القنابل العنقودية عن سطح الارض بثوان معدودات . هذا حديث آخر قد يعود اليه متى توفرت الظروف الملائمة ، الذكاء ان يحسن المرء التقولب ليمتص صدمة التيارات ، ويحتمل وطأة الضغوط ، والسمكة مثال . " عهد السلاطين . كيف يجابه غضبة الجوارى والخصيان ؟ وهم او هن يجوز الوجهان ( الاكثرية الساحقة . وقد تتحرك النميمة ، وتسعى الوشاية ، ويكثر اللغط ، وينشط التأويل ، ويبعث علم الكلام ، ويجد نفسه مكتفيا بعلامة استفهام رهيبة . وقد ينقطع المدد ويتبدد ، الاعجاب وتقتله الشماتة ، ويهبط ، لحدث مفاجئ ، سعر الدولار . ما له وللسلاطين " جانب السلطان واحذر بطشه لم يكن الشاعر غبيا . الليل ينتصف لن يأبه باحتجاج زوجته ، ولن يسرع
الدوران يعود الى رأسه . الدوران . الدوران سر الوجود ، ما من شئ الا وهو دائر حول شئ ، القمر يدور حول الارض ، وللارض ، كما هو معلوم دورتان ، والشمس تدور حول ما علمه عند الله ، والناس يدورون حول
بعضهم البعض والمشاورات تدور حول الحل ، والحل حول النفط ، والنفط حول الدولار ، والدولار حول الضمائر والكل فى فلك يسبحون .
الفلك والكل في فلك يسبحون " الفلك للروس والاميركيين فقط . ولكن من الممكن تناول الموضوع انسانيا ، حضاريا ، اى ما هو ابعد من موسكو ومن واشنطن الآخرون ) دون تحديد جغرافي او عرقى او عقائدى يخترقون حجب الفضاء البعيد ، ويخضعون الكون لارادتهم ) الكون بالمعنى الكلى ( اما نحن ) لا يجب ان تأتي المقارنة جارحة ، هناك تهمة الشعوبية والعياذ بالله ! أما نحن ؟ من نحن ؟ ما هي قوة الشحنة الديمغرافية فى هذا الضمير البائس .
عجائز القرية عندما كانت ترد على السنتهن لفظة " نحن " كن يتبعنها دائما بعبارة " اعوذ بالله من كلمة نحن "
كيف لم ينتبه الى هذا الامر من قبل . لماذا يتعوذن من كلمة " نحن ؟
ولكن هذا الاسترسال مع الخواطر يفسد التركيز ويؤدى بالتالي الى هروب الافكار ، والساعة تشير الى الواحدة صباحا
انفاس الاولاد تتردد ، عبر الرواق ، بانتظام . انجاب الاولاد في هذه الفترة من التاريخ البشرى دليل على الغفلة وقصر النظر .
ما الذى ينتظرهم فى مطلع القرن القادم ؟ .
أما نحن ) اعوذ بالله من كلمة نحن ( فنخترق كل شئ : نخترق الحدود ، ونخترق الصدور ، ونخترق التاريخ عكسا ، ونخترق قاتل الله هذا الفعل الردىء فنواحي استعماله لا تحصى
هذر كل هذا ، ألم يكن من الافضل له وللاسرة لو رقد باكرا لينهض فى الصباح نشيطا ؟ فهذا البحث العقيم عن موضوع للكتابة لا يجدى نفعا
اصحاب الصحف والمجلات يهمهم فى الدرجة الاولى ملء الصفحات اسود على ابيض . كثرة التفكير ليست مرغوبة دائما ، خاصة متى تعرضت لمقدسات الحكم او لحقوق الرعية . ويظل الغوص فى " التراث " اسلم عاقبة ، فالمادة دسمة والطلب يفوق العرض ، وهي افضل وسيلة لصرف
القراء عن القراءة والانجذاب الى الصور الملونة ، والمقالات المرحة التى كثر المتخصصون فى مجالها
الصداع يغزو رأسه . هل بدأت مرحلة النضوب ؟ ارعبته الفكرة . نضوب البترول ما زال موعده بعيدا . " العرب ولعنة البترول " هنا مجال الكتابة الحق . " بوركت يا بيغن " عنوان يحمل الكاتب على الكتابة بحد السكين ويحمل القارىء اذا كان هناك من قارئ ، على الثورة اللاهبة او على الانتحار . مهلا ، والى اين ؟ . المسؤوليات ، الاسرة ، السهرات العامرة الاناقة ، الاجازات ، الاسفار ، السيارات ، الولائم الوسكى الفاخر والكونياك الاصيل ، سيكار هافانا . وألف سبب وسبب ، زوجته على حق عندما تردد ، مازحة أو جادة ، بان خلايا المخ ، بعد الستين ، تبدأ بالضمور ، ويتعرض بعضها الى الموت
العودة الى الصواب ، فالليل مضي الا أقله . والصحيفة تنتظر مقالها والمواضيع بعدد شعر الراس ) قبل ان يبدأ الشعر بالتساقط ( . " الحب بعد الستين " ثمانون أو تسعون بالمائة من القراء يستهويهم مثل هذا الموضوع ، فالشيخوخة عامة . ومن لم يدرك الشيخوخة يرتاح الى ما تشيعه فكرتها من انعدام شتى المسؤوليات ، فيقرأ برغبة ، ويسرع ، بعد الانتشاء ، الى الكتابة للمجلة للتقريظ او للمناقشة الجادة . كيف يبدأ ؛ " من الاخطاء الشائعة خطأ " فى مجتمعاتنا والشرقية ؟ سيعود للاختيار فى النهاية ) . هو الحب بمعناه ( باى من معانية ) " فى الامر ، على ما يبدو ، اكثر من ورطة واكثر من شرك
سيعلق بعض الخبثاء حتما بقولهم " رجوع الشيخ الى صباه " ا بقولهم " نعوذ بالله من جهل على كبر .
النار فى مجتمعاتنا تأكل الاخضر واليابس ، والقتل هو سيد الموقف الحاكم يحصد المواطنين بالمئات ، والمواطنون يتحاورون فى ما بينهم بالرشاشات ) المسدسات اصبحت محدودة الاثر ( . والنسف يشمل احياء بكاملها ، والاغتيال يلاحق فرائسه من بلد الى آخر حسن ، حسن كل هذا ، ولكن ما الذى يستطيعه كاتب امام مثل هذا الواقع ؟ ومتى لم يكن القتل فى مجتمعاتنا سيد الموقف ؟ .
النعاس يشتد ، والخدر يجتاح جميع اعضائه ، هذا النوع من الارهاق سيئ النتائج .
لدى رئيس التحرير عدة موضوعات جاهزة ، فهو ككل رئيس تحرير نابه يحتاط من المفاجآت ، كمرض الكاتب او موته ) لا سمح الله (
لقد استبدل الحبر ، فى صحفنا ، بالنفط . العهر الفكرى . العهر الادبى . الاقلام المعروضة للبيع ، او للايجار . كل شىء يتعفن ، يتفتت ، يتلاشى ما الذى جاء به إلى هذه المدينة الفاجرة ؟ ولماذا انساق الى الكتابة ولماذا انهارت مقاومته ؟ القنابل العنقودية محت كل اثر للحياة فى قريته أيها الناس لقد أصبحنا لكم قادة وعنكم ذادة (
لمن يبتسم الفجر المطل فى الافق البعيد ؟ الى اى هدف يسير به الزمن عيناه تثقلان بينما بدأت الحياة تدب بهدوء فى بعض ارجاء المنزل ، سينام عندما تستيقظ الحياة . الحياة نشاز صاخب ، ضجيج ولا طحن ، برق خلب ، مخلوقات شتى ، بعضها يعلو ويتالق فيغدو اوثانا ، وبعضها يتمدد ويتسطح فيغدو ارصفة ، وبعضها ينطفئ ويترمد فيغدو سمادا
لقد عاد الى الهذيان . ضوء الصباح ينتشر برفق ، الظلمة تقيم في نفسه ، وينغمر جسمه فى خدر عذب ، وينغلق بعضه على بعضه الآخر
وعندما ألقى بالقلم ساخطا اشرقت فى ذهنه الفكرة العظيمة ، انبثقت فى رأسه المرهق كاطلالة هذا الفجر الذي بدأ يغمر الكون بقوة لا ترد نظر حواليه بعينين زائغتين . الالم يجتاح كل اطراف رأسه ) رؤوس العباقرة مصدر تعبهم وتعب غيرهم فى الغالب ( . ربما كانت افضل فكرة تعبر رأسه على الاطلاق ، بل ربما كانت الفكرة الوحيدة القادرة على منحه انتصارا حقيقيا على تفاهة وجوده
- لماذا لا يعتنق هذا الفجر النقى فى رحلة أبدية مضيئة تنقذه نهائيا من هذا الغوص القذر فى مستنقع الحياة ؟

