الحب والمرأة - الحلم أى خـمـــر مؤجـــج ولهيـب مسكر ؟ أى نشوة وجنون ؟ أى خـمـر رشفت بل اى نار فى شفاه بديعة التكوين ؟ " تحت الغصون "
ان الحب عند " المرأة - الحلم " عنصر آخر من عناصر الرؤيا الرومانسية الاصيلة ، تماما كتقديس الطبيعة وكل الحنين الاركادى الذى يرافقها ، وتماما أيضا كفكرة الثورة الحاملة للتغيير التى تهيمن على الشاعر . وقد امتزج شوق الشابى للطبيعة امتزاجا رائعا منسجما بشوقه الى " المرأة - الحلم " التى كانت تبرز فى قلب الطبيعة مشرقة اشراق المشهد الغنى حولها . غير ان موقفه من المرأة والحب كان يختلف اختلافا جذريا عن موقفه من الثورة . ففى موقفه من الثورة كان يهيمن عليه احساس بالمغامرة ، بالقوة الجريئة ، بالرغبه فى تمزيق الاقنعة ، وتحطيم القيود والانطلاق اماما لمواجهة الصباح الجديد . المشهد فى شعره الثورى هو مشهد عنف وتحد مشهد صراع وتصد ، فيضمن رفضا للمقايس الموروثة ، وشوقا الى تعويض الحواجز والحدود ، أما فى موقفه من المرأة والحب فانك لا ترى شيئا الا السلام والانسجام والجمال ، لا شئ الا الحب نفسه حيث يتراجع العالم الخارجي الى الوراء ويسود وئام نادر :
وتوارى الوجـــــود عنـــــــا بـما فيه وغبنا فى عالم مفتون
ونسينا الحياة والموت ، والكون وما فيه من منى ومنون
" تحت الغصون "
فى قصائد كهذه يتراجع كل نشاز العالم الخارجى ، وكل جهله وخضوعه الغبى الى الظلم ، وكل تراخيه وعقمه ، ليعطي مكانه للحب النابض بالخصب والسلام والفرح .
وكما يفعل الشابى فى كل مواقفه الاخرى فانه فى رؤياه للحب يذهب الى أقصى الدرجات ، فيقدس الحب ويعتبره مثاليا ويعبر عنه بعاطفة متوهجة تصل الى ابعاد خيالية . فى هذا الشعر يصور الشاعر نوعا جديدا من المرأة المحبوبة ، متساوية مع الشاعر فلا هى تنتصر عليه ولا هو ينتصر عليها . وهى امرأة على رزانة وشفافية شديدة ، لا تغري عن قصد الاغراء ولا تلعب دور المراوغة ولا تؤجل السعادة ابدا ، كما كانت امرأة تفعل في الشعر الجاهلى وهى أيضا عكس المرأة فى شعر دى فينى لا تخون ولا تظهر قسوة وحقدا .
ونحن نرى ان الحب المتبادل بين الحبيبين حب مكتمل ، ذو ايقاع عاطفى سيال ، حب ممتلىء بالسعادة والفرح المشرق . ولا شك ان الفرح عاطفة قليلة الوجود فى شعر الحب العربى ، ولكنه يفيض في شعر الشابي . لقد تلاشت هنا أحزان العشاق العذريين فى العصر الاموى عندما كانوا يموتون من المحاظير الاجتماعية ، ومن الحرمان والتعطش للقاء . وتلاشت أيضا مناجاة الرومانسيين العرب الحديثين الملييئة بالاسى والنديب ، وكلهم كانوا معاصرين للشابى . وتلاشى فيه ايضا ذلك الانتصار الذكورى المنتشي الملىء بروح التفوق على المرأة ذلك التملك والاستحواز اللذين تقرؤهما فى كثير من الشعر القديم والحديث ( بالمعنى الزمنى ) لقد تراضت فى هذا الشعر الى الابد قبضة الرحل المفترسة التى لا تمتد الا لكى تأخذ وتخضع . وصار لا شئ فيه الا الرقة والتقديس للمرأة ، لا شئ فيه الا محض الحب المتبادل بتكافؤ وعطاء من الجانبين . فى قصيدته " صلوات فى هيكل الحب " يقول الشاعر للمرأة التى يصفها رقيقة :
يــــا لـهـــــا رقـــــة يكاد يرف الــورد منها فى الصخرة الحلمود
أى شئ تراك ؟ هل أنت فينيس تهادت بين الورى من حديد
لتعيد الشباب والفرح المعسو ل لعالم التعيس العميد ؟
أم ملاك الفردوس جاء الى الأرض ليحيـــي روح السلام العهيد !؟
ونحن نرى الشاعر يلجأ الى الغاب حيث يجد طيف هذه " المرأة - الحلم " متسما لكى يتحرك ويملأ المكان نشوة واثارة روحية . وهذا يذكرنا بمغامرة شاتوبريان الى اعماق البرية الامريكية متأملا ان يجد فى هذه الجنة الاركادية البدائية مكانا لهذا الطيف الانثوى الجميل لكى يتجول فيه . 684
قد يكون ممكنا ان الاوصاف التى اعطاها الشابى لتلك العلاقة الخصبة بينه وبين المرأة التي ذكر انه التقاها فى الغابات ( أو فى مزارع النخيل فى ضواحى توزر ) كانت مبنية على شئ من الحقيقة ، ففى شعره لهجة صدق مقنعة ، كما ان بعض اصدقائه أكدوا هذا .
غير ان الكتاب الذين كتبوا عنه ابدوا تشوشا كبيرا فى هذا الامر ، مع ان اكبر كتاب سيرته الاستاذ أبى القاسم محمد كرو ، قد أكد ان قصائده الغزلية كانت مبنية على حقيقة واقعة . ومع ذلك فان الانسان يشعر بشك قوى فى ان يكون هذا الامر حقيقيا كل الحقيقة بل يحس بأن هذا انما هو حقيقى في جزء منه لا فيه كله ، وبان صورة تلك المخلوقة الطيفية الجميلة ، المسالمة ، المنسجمة ، الحلوة الروح التى يصفها كانت ، فى الغالب بنت خيال الشاعر الرومانسى انه قد يكون التقى امرأة ( يقال انها كانت رسامة انجليزية ) لمدة قصيرة ، ثم بفضل خياله الرومانسى الاصيل ، اطال فى ذاكرته لحظة اللقاء السحرية واستقاها في الحلم وفى ابداع عدد من الاوصاف رصفت الواحدة بعد الاخرى . ان الشاعر اذ كان يغرق فى هذه الذكريات المشبوبة مدة كافية من الزمن فان اللقاء الاصيل البسيط يصبح يقينا راسخا فى نظره أكبر من واقعه الاساسى المحدود ولا شك ان ذاكرته العاطفية كانت قوية جدا فساعده هذا بالاشتراك مع خياله الشديد الخصوبة ، على ان يخلق فى عقله طيف امرأة جميلة رائعة - وهذا شأن الشاعر الرومانسى الذى تسكره فكرة الحب لأجل الحب - ولا شك ان الكثيرين من اشهر الشعراء الرومانسيين قد خلقوا لانفسهم طيفهم الانثوى البديع التكوين ومنهم : شلي وروسو وشاتوبريون الخ .
ان من يعرف المحيط الجامد المقيد الذي نشأ فيه الشابى وعاش فيه يميل الى أن يؤمن بأنه كان من اكبر عشاق " المرأة - الطيف " و المرأة - الحلم " . وانه كان عاشقا لصورة خيالية ، بل عاشقا للحب نفسه . قال موسيه :
الحب هو الغاية ما اهمية الحبيبة ؟
ما قيمة الكأس ما دمنا سكارى ؟
فى قصائد الحب الشابية مهيمن احساس الشاعر العميق بمرور الزمن وقدرته على الغدر حتى في لحظات السعادة القصوى . غير ان انسيابية هذا القصائد وانسجامها النغمى والايقاعى تحافظ على دفء الحب وتوهجه محافظة كلية . لم يستطع اى شاعر غيره - ما عدا ابا شبكة - ان يغنى الحب كل هذا 109 685
الصفاء والفرح ، اذ شعر وهو فى أوج النشوة ان الزمن قد توقف . فحتى جبران اكبر اساتذة الشابى ، وقف مفجوعا عندما اكتشف ان الزمن مر بلا عودة وخلفه مليئا بأحاسيس الاخفاق وعدم الامتلاء ، وذلك لانه خلال تجربة الحب ، لم يدرك قيمة اللحظة السانحة اذ الحب مزهر بين يديه يتدفق بعنف فى ضلوعه . ولكن الشابى ادرك قيمة هذه اللحظة ، لحظة الحب المتوهج الثمين النادر . اما جبران فانه لم يشعر بقيمتها الا بعد ان انتهى كل شئ ، فالحب انقضى ، والكهولة حلت محل الشباب ووقف الشاعر يتذكر ويشعر بوخزات الندم لانه لم يمسك باللحظة فيتمتع بالحب الى النهاية :
لو عرفنا ما تركنا برهة من زمان الحب تمضي بالبعاد
كان جبران يتكلم من قلب العرف الشعرى الغزل فى الادب العربى ذلك العرف الملىء بالحنين والاسى لفقدان الحب والشباب والسعادة . اما الشابى فقد تخطى كل هذا ، وبدل ان يأسو أو يسمح للحظة ان تنقضي دون ان بتمسك بها ، راح يقبض عليها ويعليها ويحافظ على روعتها وسعادتها . ان هذا الوصف الشفاف لحالة السعادة الكاملة والاكتمال التام نادر فى الادب العربى . والشاعر ، فى احساسه بالامتلاء الروحى والنشوة العاطفية يريد ان بتمسك باللحظة وان يقبض على التجربة - ولكن بما ان كل شئ لا بد ان يتغير فى الحياة ، فانه لا يجد حلا للمشكل الا ان يتمنى الموت . فالموت وحده هو القادر على ان يحافظ على اللحظة بكل دفئها وامتلائها . وهذا تمثله أفضل تمثيل قصيدته البديعة : " ألحانى السكرى " . فان فى البدء يظن انه قد يتخلص عن طريق الحب من الغربة والوحشة اللتين فرضهما مجتمع جاهل ، ثم عندما كان الحب فى أوج اشتعاه ظن انه قد يخلص من خسارة السعادة المتوهجة عن طريق الموت .
أيها الموت ! أيها القدر الأعمى ! قفوا حيث انتم ! أو فسيروا
ودعونا هنا ، تغني لنا الاحلام والحب ، والوجود الكبير
كان موت حبيبة له ايام صباه الباكر قد علمه ان الحب ( او ذكرى الحب ) يحفظ بالموت فى قصيدته " الجنة المفقودة " نرى ان النشوة التى عبر عنها فى قصيدة " ألحانى السكرى " قد اعطت مكانها الى الحزن اذ يتذكر ذلك الحب الاول . تدور القصيدة حول جنة اركادية ضاعت ، وهو موضوع فى صميم العرف الرومانسى اذ ينظر الشاعر نظرة مثالية الى صور صباه الباكر . وانه من الشيق ان نلحظ كيف يملك الشاعر ان يفصل بين فترتين من فترات الذاكرة : فترة الصبا البعيدة عليه ، والفترة القريبة وهو رحل بلغ أشده . 686
ونحن نرى انه يجعل من ذكريات صباه الباكر منبعا للحزن والخسران تماما كما نرى فى قصيدة " البحيرة " للامارتين وهى قصيدة نعرف انه اطلع عليها ) ولكنه يغنى الفرح والسعادة في ذكرياته ( وتخيلاته ) القريبة العهد ، ويحافظ على حيويتها وعافيتها حتى لتكاد تخلو من أى أسى أو قلق .
ان الشعر الرومانسى كثيرا ما يحمل ذكرى لحبيبة يانعة ماتت أو اختفت من حياة الشاعر . نحن نرى هذا فى شعر أحمد زكى أبو شادى الذى استمر يندب حبيبته التى ضيعها فى أيام الصبا ، وكذلك فى شعر مطران ، وفى شعر نوفاليس في حبيبته سوفيا ، وفي شعر جان جاك روسو الخ .
ان تسجيل ذكريات الماضى تصبح قصة مضخمة تغرى الشاعر الى البحث فى اعماق النفس وفى مطاوى الذاكرة عن حب مضى وانقضى ولم يزل حيا فى القلب يسترجعه الشاعر مرة بعد مرة ويفخمه الى ابعاد لا علاقة لها ابدا بقصة ذلك الحب الحقيقى التى قد لا تعدو ان تكون حدثا بسيطا لو حدث لانسان عادى لمر عليه مرورا عابرا .
الغربة (*) والكآبة والموت :
لقد قلت أعلاه : إن الشابى لم يصور الحب يوما وقد مسه تغير العاطفة الانسانية وتقلب الهوى . كان يراه صافيا ناصعا كالطبيعة ، أمينا ثابتا مثلها ، ومثلها غير مقبل على الغدر . كان الموت هو الذى انهى ذلك الحب اليانع الذى عرفه في شابه الباكر ( أو الذى ظن انه عرفه ) ، لا الغدر والتقلب ولذا فقد بقى حيا وكاملا فى الذاكرة . اما الحب الجديد ( أو المحبات الجديدة ) التى تحدث عنه فى فترته الاخيرة فقد كان يتدفق دون عوائق . واذا ما حدث أى انقطاع فى اندفاعه فان ذلك كان من فعل " الدهر و الزمن " لا من فعل القدر الانسانى . فى حال كهذه لا يشعر الشاعر بأى غضب أو حقد بل بالاسى ، وبذكرى دافئة يستعيدها فى أبيات شعره الحزين . وعندئذ فان صوته يحمل لهجة رجل مفجوع قد سرق منه فرح نادر الوجود :
هــــاته فالظــــلام حولى كثيــف وضباب الأسى منيخ عليا
وكؤوس الغرام اترعها الفجر ولكن تحطمت فى يدها
" فى ظل وادى الموت "
لقد ذكرت أعلاه كيف كان الشابى يشتهى الموت عندما كان على قمة النشوة والسعادة فى الحب كما رأينا فى " ألحانى السكرى " وهو يلجأ مرة أخرى الى نفس المعنى فى قصيدته " الحب " فينهى القصيدة بتأكيده انه اذا ما امتلك الحب لن يعبأ بالموت :
الحب غاية آمال الحياة ، فما خوفي إذا ضمنى قبرى ، وما فرقى ؟
فى حالة كهذه يكون الموت خلاصا من سيطرة الزمن على المحبين وايقافا للزمن وحفظا للحب وهو فى اوجه . لقد اختار الشابى الموت فى حالتين : الاولى : هى عندما تكون النفس فى بوتقة الحب الملتهبة أو تقع تحت سحر تجربة جمالية عظيمة . ان شهوة الموت " الحلو "كانت أمنية شعراء رومانسيين غيره . فقد عبر كيتس ( Keats ) فى قصيدته " القبرة " عن هذه الشهوة للموت لانه يعتقد ان الموت قد يمنحه احساسا عظيما بامتلاء الحياة واكتمالها فى الأبيات التالية نرى الشاعر يضفى على ترنيم القبرة ويقول :
..................... كم مرة من قبل
كنت نصف عاشق للموت السهل المحرر
ان عبادة " الموت السهل المحرر " مفتاح رؤيا الشاعر هنا . فالموت ليس مأساة ولكنه ذروة تعقيدات الحياة . يقول كيتس أيضا : " الآن يبدو لى الموت غنيا أكثر من أية مرة من قبل " . لا شك ان هناك ثمة مقارنة خفية بين خلود الطائر وبين هشاشة الحياة الانسانية، والقصيدة تحمل نغما رثائيا مكبوتا ينعى تصدع الحياة وقدرتها على الانكسار . غير ان نقلة التشابه هنا مع الشابى هو توق الشاعرين الى الموت السعيد القرير ، الموت الوديع الطيب .
اما شهوة الموت الثانية فقد كانت تطغى عليه عندما كان يكتشف عبث الحياة وكفاحها الذي لا ينتهى ، وقدرتها المستمرة على منح الخيبة والألم للانسان . نراه ينهى قصيدته الجميلة " فى ظل وادى الموت " بنداء مفغوم للموت لان " كؤوس الغرام " قد تحطمت وسحر الحياة قد تلاشى فها هو الحياة مقتمة :
وزهــــــــور الحياة تـهــــــــوى بصمت محزن مضجر على قدميا
جف سحر الحياة يا قلبي الباكى فهيا نجرب الموت ، هيا !
لم يستطع الحب اذن ان ينقذ الشاعر الرومانسى من الوحشية والكآبة ، بالرغم من تلك الرؤيا المؤمنة التى أعطاها له كتجربة دائمة الخصوبة ، مفعمة بالسلام والفرح . لقد كانت هنالك عدة اسباب شخصية وجماعية ، تكمن
وراء ذلك الاحساس بالألم الذى كان يشعر به أحيانا كثيرة : قلقه على الوضع الاجتماعى والسياسى وألم من ردود الفعل للمطامح الكبيرة لوطنه وشعبه التى طالما عبر عنها بصراحة وجرأة ، موت أبيه والشاعر بعد فى جيل الشباب اليانع وتحمله مسؤوليات عائلية جسيمة ، صحته المتدهورة ، وفوق كل شئ : حساسته الرومانسية الاصيلة . كاد احساسه بالعزلة ، بالبعد الروحى عن الآخرين ، يصبح حادا أحيانا ، وعندها فانه كان " يبنى أقصوصة خيالية من أحزان قلبه الدامى " كما قال توماس أرنولد يوما عن بايرون . فى حالات كهذه كان الشابي يتوق الى ان ينعزل دون الآخرين ، لانهم كانوا يسببون له ضيقا كبيرا عندئذ :
ليت لى ان اعيش في هذه الدنيا سعيدا بوحدتى وانفرادى
أصرف العمـــــر في الجبــــــال وفى الغابات بين الصنوبر المياد
" أحلام شاعر "
ان الوحدة فى بعض قصائده شرط من شروط السعادة :
واجعل حياتك دوما مزهرا نضرار فى عزلة الغاب ينمو ثم ينعدم
" السعادة "
لقد عبر رومانسيون آخرون بنبرة عالية عن وحدتهم ، ففى كتابه الاخير " أول جولة " افتتح روسو كلامه بقوله : " انظرنى وحيدا على هذه الارض ! " . ولا شك ان الشاعر الرومانسى حريص دوما على تأكيد لا وحدته فقط بل قراءته أيضا ، قراءته فى الحب ، وفى الألم . قال شيلي فى قصيدته " بروميثيوس طليقا " على لسان بروميثيوس الذى وقف يصرخ بألم شديد على قمة القوقاس : " آه أنا ! لا شئ الا الألم ، والألم الى الأبد ! " وأكثر دلالة من هذا قول شيلي ايضا فى قصيدته الطويلة " الى الريح الغربية " :
" ها أنا أقبع على أشواق الحياة ، وادمى ! " . وقد أعلن الشابى أيضا قدرته الفريدة على الألم :
كآبة الناس شعلة ، ومتى مرت ليال خبت الى الأبد
اما اكتئابى فلوعة سكنت روحى وتبقى بها الى الأبد
" الكآبة المجهولة "
كان من أقوى بواعث هذه الكآبة عند الشابى احساسه المرهف بالتغير المستمر الذى يصيب الحياة الانسانية :
تمضى الحياة بما فيها وحاضرها وتذهب الشمس والشطان والقمم
" الأبد الصغير "
وفى قصيدته " صفحة من كتاب الدوموع " يكرر هذه المعانى :
يــــا للايــــام فكم ســــرت قلبا فى الناس لتكمده !
هى مثل العاهر عاشقها تسقيه الخمر وتطرده
يعطيــك اليـــوم حـلاوتها كالشهد ليسلبها غده
وفى قصيدته " الرواية الغريبة " ، يرسم صورة للزمن السريع المرور المتكرر النموذج ابدا . فالناس يسخرون من الماضى ولكن المستقبل سيضحك منهم . غير انهم لا يدركون المأساة الاساسية التى تمثل باستمرار على مسرح الحياة ... انهم لا يعرفون انهم سوف يلاقون نفس المصير الذى لاقاه الممثلون ( الأحياء ) الذين سبقوهم :
وكل يؤدى دوره وهو ضاحك على الغير مضحوك على دوره العاتى
لقد وصل به هوسه بقطبى الثبات والتغير حد التأولات المتافيزقية أحيانا فالشاعر يطرح أسئلة حول معنى الموت وقيمة الحياة الهشة التى لا بد ان تنتهى بالموت . ولعل قصيدته الطويلة " حديث المقبرة " تمثل هذا الموقف أفضل تمثيل . ففى هذه القصيدة ( وفي قصائد سواها ) يصور الشاعر الموت مفترسا وعدوا للحياة .
ولكن ما يلفت النظر فى هذه القصيدة ان الشاعر يحافظ على موقف عقلانى ولا يقود الشاعر الى استنتاج دينى ينهى جميع التساؤلات . فالقصيدة لا تحل ولا تبدد حيرة الشاعر أبدا ، وليس فيها أى خضوع " للقدر " أو " للارادة الفوقية " التى تقرر كل شئ والتى يجب ان يؤمن بها الانسان ايمانا أعمى لا تساؤل فيه ولا حيرة أو صراع . الشابى يتجنب أى تدخل كهذا فى جريان السياق الفكرى . ولعل هذا يفسر ذلك الايماء الدائم فى شعره الى المأسوى حتى فى قصائد النشوة والفرح إنه يوسع احساسنا باعمق معضلات الوجود الانسانى ولاسراره المراوغة التى لا تمسك دون ان يملى علينا قرارا نهائيا ، أو أن يفرض عقيدة ما أو ايمانا أعمى على تفكيرنا العقلانى . ولذا فانه حتى عندما يعبر عن الفرح يوصى الينا بالمأساوى ، وهو موقف يبدده حالا أى ايمان أعمى بالقدر .
ليس من السهل أن يلم الانسان بابعاد هذا الشعر جميعها . لقد أحرز الشابى شأنا عظيما بقدرته النادرة على أن يعالج جميع عناصر الحياة ويرينا المناحى المعدة للتجربة الانسانية . ولو عاش لكان توصل إلى ابعاد عظيمة من الخلق والابداع ، ابعاد من الصعب ان يتخيلها الناقد الآن .

