لقد كانت حياة أبى القاسم الشابى محفوفة بالصعوبات والآلام ، ومع ذلك فقد استطاع تحقيق انجاز فني كبير فى فسحة العمر القصيرة التى سنحت له . انه من المهم جدا عندما ندرس شعر هذا الشاعر النابغ ان نتذكر ان ظهوره على المسرح الشعرى لم يكن مجرد ظهور عبقرية شعرية ضمن عرف شعرى متطور متصل فى بلاده . فالشعر التونسى فى ذلك الوقت كان يعانى من ركود وجمود كبيرين حيث كان الشعراء يتبعون تقاليد متنية خالية من التجربة الحقيقية التى فرضت عليهم أساليب متكلفة في كتابة الشعر . انه من الواضح ان الشابى لم يكن ينتمى الى اى من هذه التجارب السلفية وبأن مثاله الشعرى جاءه من خارج بلاده . ولذا فان من الممكن ان ننظر اليه لا كاستمرار بل كبداية فى الشعر التونسى - بداية انبثقت من خلفية شعرية شبه قاحلة - وان نرى ان تكوينه الشعرى لم يتم له عن طريق جيل الشعراء التونسيين السابق له ، بل كتجربة شعرية مستقلة الى حد كبير ولا شك ان الشابى كان رسولا لاتجاه جديد فى الشعر التونسى ونحن اذ نستطيع ان نرى فى شعره بوضوح بين تأثير عدد من الشعراء الرومانسين المعاصرين له ، الا ان الناقد يشعر بأن الشابى قد توصل الى الرومانسية بشكل طبيعى ونتيجة لمزاجه الخاص وحقق اسلوبا جديدا خاصا به أعاد بواسطته تنسيق العناصر الشعرية فى القصيدة وتجديدها بشكل منسجم يتفجر حيوية شعرية ولا شك ان شعره يقدم للناقد مادة خصبة : لدراسة اصالة الشاعر المبدع وفرادته ، ولملاحظة الاسلوب الذى يتم بواسطته اقتحام طريق جديد فى الشعر . وان كنا لا نلحظ فى شعره أى صراع ظاهر بين ابداع الشاعر وبين الاعراف الشعرية المتوارثة الا ان الناقد خليق بأن يستفيد كثيرا من مراقبته للمواجهة المحتومة بين التجذر الطبيعى فى أى شعر وبين اندفاع الشاعر نحو
التغيير والتجديد . ولا شك ان شعر الشابى فوق ذلك يقدم للناقد مجالا جديدا للدرس والمقارنة اذ يرى بوضوح كيف ان العناصر الشديدة الرومانسية في شعره كانت حاضرة موجودة فى الشعر الرومانسى الغربى دون ان يكون الشابى قد استطاع ان يطلع على قمم الاعمال الرومانسية فى الغرب .
ان مقارنة الحركة الرومانسية فى الادب العربى الحديث بالحركة الرومانسية في القرن التاسع عشر فى أوربا تؤكد الاتحاد الاساسى فى الفن وفى التجربة الشعرية في أى مكان ، وتبرهن على ان التجربة الشعرية غير محدودة المكان بل قادرة على ان تتجاوز حدود الثقافة واللغة فى أى بلد ، آخر مختلف الثقافة واللسان . ان الصحيح ان القاعدة الاساسية للرومانسية الاوربية كانت تختلف عن القاعدة الاساسية للرومانسية العربية الا ان عددا من مظاهر الحركة يعكس تشابها ملحوظا . فجميع الاغراض والمواقف الرئيسية متشابهة : الحنين ، الاحساس بالغربة من المجتمع ومن المدينة ومن العالم المأهول : حب المرأة الطيفية ، تقديس الحب نفسه ، الشوق الى اللامحدود والى الانسجام والجمال والهوس الكبير بالطبيعة الاركادية كمكان خيالى تتوفر فيه السعادة للانسان .
كانت الرومانسية العربية ، لكى تتحقق ، في حاجة إلى أمرين : الى لحظة شعرية ، والى لحظة سياسية - اجتماعية ، وكان على الخطتين ان تلتقيا فى نفس الوقت لكى تولد هذه الرومانسية . وهذا ما حدث .
فأولا كان التعبير الشعرى وجميع أدوات الشعر قد اصبحت مستهلكة وفى حاجة شديدة الى التغيير والى ادخال عنصرين هما : الخيال والعاطفة بقوة الى الشعر ليعدل من التوازن الكبير فى الكلاسيكية الجديدة ومن عقلانيتها وافتقارها الى المرونة .
وثانيا كانت اللحظة الاجتماعية السياسية قد أصبحت مشبعة بالارهاق العاطفى الاكيد في الاوضاع العامة الاجتماعية والسياسية والشخصية ، وفى حاجة كبيرة الى تغيير جذرى . ولكن بما ان هذا التغيير لم يكن ممكنا بسهولة فى ذلك الوقت بسبب مستوى الوعى القائم فان الشاعر أحس باليأس أو على الاقل بالاحباط لعجزه عن فتح الباب السحرى والعبور منه الى أفاق جديدة . فنشأ الادب الرومانسى نتيجة للتوتر الذى حدث بين المفهوم المثالى للحياة وعجز هذه الحياة عن تمثله .
كان الشابى واحدا من أهم ممثلى هذه الرومانسية ، وكان التأثير الرئيسى عليه قد جاءه من جماعة شعراء المهجر الشمالى فى الدرجة الاولى ، كما اسلفنا والمهجريون انفسهم كانوا متأثرين بالرومانسية الغربية . ولعل الشابى هو الشاعر العربى الرومانسى الوحيد الذى ضم شعره جميع العناصر الرومانسية المذكورة اعلاه . وكان يجمع بين مظاهر الرومانسية الايجابية والسلبية : كانت عنده أولا الرغبة الايجابية لبناء العالم من جديد واحداث تغيير جذرى فى مفاهيمه ورؤاه . وكانت عنده ثانيا الرغبة السلبية فى الهرب من العالم الى عزلة هادئة فى قلب الطبيعة . اما بقايا المظاهر الرومانسية فقد ظهرت فى شعره بقوة اكبر من شعر الرومانسيين العرب الآخرين
بعكس شعر الشابى ولع الشاعر بالافكار ، ولعل هذا علاوة على انسجام الشاعر انسجاما واعيا أو لا واعيا مع عرف عريق فى تاريخ الشعر العربى وهو شعر الافكار والحكمة الذى كان دائما احد ابواب الشعر العربى الرئيسية . ولكن علينا ان نتذكر هنا ان شعر المهجر الذى أثر فيه كان ايضا مليئا بالافكار من جبران الى نعيمة الى أبى ماضى ، ولا شك ان أجود شعر أبى ماضى اجمالا كان شعر افكار أو أمثولات تدور الواحدة منها حول فكرة معينة يريد الشاعر أن ينقلها الى القارىء : ( (( النية الحمقاء )) (( الطين )) (( العنقاء )) (( الحجر الصغير )) ، الخ ) . وقد كان الشابى ، كجبران من قبله ، قادرا على ان يجمع فى القصيدة الواحدة بين الاحاسيس المشبوبة والافكار ، وان ينتقل بنفس السرعة من الفكرة الى العاطفة . ولا شك ان شعره يعكس لنا شاعرا ذا رؤيا واسعة ، وذا عقل نشيط شديد المرونة ، ولكن ، فى الوقت نفسه ، شاعرا ذا قدرة هائلة على الاحساس بالاشياء والتجارب وعلى التفاعل العاطفى ازاء الاوضاع الانسانية . اننا نلحظ في شعره احيانا تفوق الفكر وأحيانا اخرى تفوق العاطفة ، كما لا نلحظ أبدا وجود أى تنافر أو صراع بينهما ، فهو يمزجهما مزجا منسجما وهما بدورهما تمنحان شعره حيوية كبيرة وجاذبا دائم التجدد . ونحن نلحظ في كلا المجالين ، مجال العاطفة ومجال الافكار ، نضجا واحساسا بالمسؤولية فيندر ان يجدهما الانسان فى رجل لم يزل بعد شابا فى مطلع حياته . فعقله يعكس نضجا سابقا لاوانه جعل الشابى يتجاوز تلك الفترة من الحياة التى يمضيها الشعراء الشبان وهم يداعبون الافكار المختلفة فى محاولتهم التوصل الى مجموعة من القيم التى يجدونها جديرة بأن يؤمنوا بها بقناعة وتكريس . فان القيم التى كان يعتنقها منذ مطلع حياته الشعرية كانت قيما واضحة متكاملة مستمرة فى
نفسه : ايمانه بالتقدم ، رفضه للمؤسسات والاخلاقيات البالية ، هوسه بالحرية ، بغضه الشديد للضعف والتخاذل والخنوع ، ايمانه بالانسان ، تقديسه للمرأة ، تكريمه واغلاؤه للحب كعاطفة نبيلة حميمة ، وتمجيده للحياة ودعوته الدائمة الى الفعل الايجابى الذي يؤكد قيمتها . فان أضفنا إلى كل هذا انشغال الحميم بالطبيعة وشغفه بها وجدنا بين ايدينا مغامرة شاسعة فى الموضوع الشعرى وتنوعا مثيرا فى لهجة الشعر ومزاجه العام ولكن مهما كان موضوعه سواء كان يعبر عن اليأس أو الحماس الثورى ، عن الكآبة والنشوة المفعمة بالفرح ، فان الشاعر كان يحافظ على حيويته الشعرية باستمرار وعلى لغة تنبض بالحياة
لم يكن الشابى كثير المراقبة الواعية لعملية الابداع ، بل كان تركيزه الاول على المعنى والعاطفة لا على الاساليب او التجريب التقنى . وكان شاعرا عفويا ، وفى هذا يختلف عن عدد غير قليل من الشعراء العرب المعاصرين الذين يعلقون أهمية قصوى على فن النظم ويقاربون عملية الابداع بوعى وتصميم ومراقبة .
وقد كان شعر الشابى يتضمن قلقا نبيلا اصبح ملازما لتقلبات مزاجه وربما كان يجد لنفسه بين الفينة والفينة واحة هنيئة فى قلب الطبيعة يرفرف عليها السلام والحب ولكنه كان دائما يعود الى هذا الوضع القلق الملىء بالافكار الثائرة والعواطف المستفزة . كان مقدرا له ان يموت وهو أسير هذا القلق ولعله مات الى حد ما بسبب هذا القلق
هنا من الشيق أن نقابله بزميله المعاصر له الشاعر اللبنانى الياس أبى شبكة ( ت . سنة 1947 ). فبينما كانت حياة الشابى اشبه برقاص الساعة تتراوح بين حالاته العاطفية ومزاجه الدائم التقلب نرى ان أبا شبكة حافظ على موقف ينسجم مع نفسه فى الفترة الواحدة من فترات حياته الادبية وعل خراج عاطفى واحد ، ثم كان يتغير جذريا وبلا عودة الى وضعه السابق وذلك حسب أوضاع حياته المختلفة ولذا فان فترة نهاية العشرينات واغلب الثلاثينات ، تلك الفترة التى كتب فيها قصائده الهائجة التى اثبتها سنة 1928 فى مجموعته الشهيرة أفاعى الفردوس ، كانت ترزح تحت وطأة الغضب والاحساس بالذنب والندم لانصياعه الى الاغراء وانغماره فى الخطيئة الجسدية غير انه عندما تغيرت ظروف حياته والتقى بالمرأة التى مثلت فى نظره أفضل ما فى الانوثة من صفات : العفة ، والجمال والوفاء ، تطهرت نفسه من
اضطرابها السابق ورأيناه يدخل فى فترة جديدة طويلة يهيمن عليه الهدوء والهناء والقناعة . ولكن الشابى لم ينعم قط بفترة نشوة وسعادة طويلة كهذه
الشاعر والثورة :
كان أحد محركات حياة الشابى ادراكه فى فترة مبكرة من حياته لضرورة التغيير عن طريق الثورة . كان يشعر باحباط عميق فى الاوضاع الاجتماعية والسياسية فى بلاده ، وهو عندما انتبه ووعى أوضاع تونس المترددية في ذلك الوقت وهى فى قضية الاستعمار ، لم يكن بامكانه الا ان يسهم فى الدعوة الى الثورة مع القلة التونسية الواعية وان يحث الناس على ان يستيقظوا لاوضاعهم البائسة . غير انه توصل فى النهاية الى الاقتناع بأن السلفية القوية الجذور فى الشعر كانت كفيلة بأن تقف فى طريق أى تغير جاد حقيقى . وقد شعر أيضا بأن أولئك الذين كانوا سيفيدون من التقدم والتغيير كانوا انفسهم أول من يقاوم اية محاولة لهذا التغيير وأول من يضطهد دعاة الاصلاح والتطوير ومع هذا كان الشابى يمر فى فترات أكثر تفاؤلا وانتعاشا يمتلك فيها قوة كافية وايمانا جديدا بالناس وقدرتهم على التغلب على آفات حياتهم :
اذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل ان ينجلى ولا بد للقيد أن ينكسر
هذا من قصيدته الشهيرة (( إرادة الحياة )) التى حفظها آلاف والتى لحنت ودرست فى المدارس فى كل انحاء الوطن العربى . ويؤكد فى قصيدة أخرى هى (( يا ابن امى )) ايمانه بالحرية الاساسية التى هى حق الناس جميعهم ويخاطب التونسيين معدا على هذا الحق :
خلقت طليقنا كطيف النسيم وحر كنور الضحى فى سماه
كذا صاغك الله يا ابن الوجود والقتك فى الكون هذى الحياه
غير انه يضطر حالا الى مواجهة الحقيقة ليعترف بأن هؤلاء الناس قد أحنوا رؤوسهم طويلا الى الظلم والانكار فيوبخهم :
فمالك ترضى بذل القيود وتحني لمن كبلوك الجباه ؟
وتسكت فى النفس صوت الحياة القوي إذا ما تغنى صداه ؟
ولكنه رغم هذا ، يحس الشاعر فى هذه القصيدة بقوى الحياة تنبض بقوة حوله ويحث الناس على ان يخرجوا الى الحياة الغنية :
الا انهض وسر في سبيل الحياة فمن نام لم تنتظره الحياه
فليس خلف الجبال أى خوف ، أليس وراءها الا (( نور الصباح ))
والا ربيع الوجود الغرير يطرز بالورد ضافي رداه
كل هذا يستطيب الناقد ان يلمس بوضوح وجود لهجة جدلية حقيقية كامنة فى الابيات المفعمة بالايمان بالانسان ، ولعلها تتبع من ادراك الشاعر لمعانى الوجود الى اى تغيير جذرى . لا شك ان شعره يعكس تطلعا دائما الى التخطى والى تأكيد الايمان بامكان الانتصار على قوى الشر . كما نرى فى قصيدته (( الصباح الجديد ))، ولكنه يعكس فى الوقت نفسه ميلا الى التقريع والادانة . وقد كان يمر بفترات كثيرة مفعمة بمشاعر الاحباط والغضب ويصيح بالناس يائسا أو صيحة غضب ملئ بالازدراء فى قصيدة (( النبي المجهول )).
لم يكن الشابى قادرا على تحمل ردود الفعل السلبية من أولئك الذين تمنى لهم الكرامة والرفعة . ومع انه جاء اصلا من نفس الخليقة الخشنة التى جاءوا هم منها ، الا انه لم يستطع فهم خشونتهم ، وجرحت هذه الخشونة حساسيته المرهفة ، فصاح بهم :
وأقول للجمع الذين تجشموا هدمي وودوا لو يخر بنائى
ان المعاول لا تهد مناكبى والنار لا تأتى على أعضائى
عندما كان الشابى يواجه تجارب كهذه تؤلمه تثيره كان كثيرا ما يبحث لنفسه عن ملجأ فى الطبيعة أو فى الحب سواء كان هذا الحب حقيقيا أو متخيلا :
اننى ذاهب الى الغاب يا شعبى لأقضى الحياة وحدى بياسى
اننى ذاهب الى الغاب ، علي فى صميم الغابات أدفن بؤسى
لكنه بالرغم من هذا التهرب من الايمان بالانسان وقدراته كان يعود دائما ليؤكد مسعاه وشوقه الى عالم شفاف واضح ، يزهو بانتصار الانسان وغلبة الثورة التى تؤكد كرامته ، وكانت عودته المتكررة الى الموقف محاولة رائعة من هذا الشاعر العليل الجسد ليؤكد فى قرارة النفوس ايمانه بأن الثورة ضد المقاييس البالية والمؤسسات السلفية التى لم تعد تصلح لهذا الزمن أمر مقدس قدسية الحياة نفسها ، بل ان فيها خلاص الحياة .
بعد ما لا يزيد عن عشرين سنة على وفاته المبكرة قام على مسرح الادب جيل طليع بأكمله فى انحاء العالم العربى يتحدث عن الثورة والرفض والتغيير ويجعل منها كلها ديانة وعقيدة مثالية .
لا يد للنقد المعاصر ان يرى فى الشابى أحد الاصوات الاولى التى دوت بالاحتجاج والرفض فى الادب العربى الحديث . لم يشبهه فى كلية انهماكه بمشكلات الحياة العامة حوله احد الا جبران استاذه الاول ، ...
ان ما كان هؤلاء الرومانسيون يسعون الى تغييره لم يكن قط الهيكل الخارجي للمجتمع الذى كان يسيطر عليه الاجانب ، بل كل الاطر التى كان الناس يعيشون ضمنها وجميع القيم التى لم تستطع ان تتغير مع الزمن . كان العالم الذى هاجموه وحاولوا تقويضه عالما اعتبره جيل الشعراء السابق اى جيل الشعراء الكلاسيكيين الجدد ، عالما متكاملا متماسكا . هؤلاء ( ومن بعدهم عدد من أمثالهم استمروا يحملون نفس الرؤى حتى في جبل الشابى ) اعتبروا ان العالم حولهم لا بد ان يكون عالم نظام واستقرار وأن تحتل قيمه مكانا مقررا ضمن رؤيا محددة معروفة للحياة ، رؤيا راسخة يقبلها الناس ويحترمونها كانوا (( يشعرون بالالفة مع قيم جيلهم الوضعية )) . وقد كان الاحتجاج على الاوضاع الاجتماعية عند شعراء كشوقى وحافظ والرصافى مبنيا على احساسهم بالشفقة والرحمة وعلى حبهم للاحسان والزكاة لا على ثورة ناتجة عن غضبهم من النظام الاجتماعى الذى يسود عصرهم ورفضهم له وكان الاحتجاج السياسى موجها الى العدد الخارجى . اما صوت الشاعر الذي يحث الناس على الاستيقاظ على أوضاعهم فقد كان تحريضا ضد المستعمر والعدو الخارجى لا نداء للناس لكى يغيروا رؤياهم الاساسية للحياة وللعالم
ولكن هذا كله تغير من الرومانسية تغيرا جذريا . لقد كان نداء الشابى الى شعبه ذلك النداء المفعم بالرجاء صرخة عالية قادرة على اختراق طبقات الوعى لتدعو الناس ليرفضوا ويقوضوا المفاهيم البالية التى سيطرت على حياتهم . وليعتنقوا نظرة للحياة نابعة بالروح العالية والقوة والطموح .
وقد كان صريحا صراحة اكبر فى قصيدته (( إرادة الحياة )) فقد جعل الارض تلعن من أبنائها اولئك الذين (( لا يماشون الزمان ويقنعون من الحياة بعيش الحجر )) .
نحن لو قابلنا الشابى بشعراء عصره حتى بالرومانسيين نرى ان هذا الطموح الى تحقيق التقدم والوصول الى المعاصرة والى العالم الحديث الذى لم يره الشاعر قط ، يعكس عقلا من أرقى العقول واكثرها طرافة وحساسية وحدسا بالاشياء ، عقلا تحرر كليا من قيود المجتمع التقليدى الذى نشأ فيه الشاعر . من أبيه جاءت حرية العقل هذه الى ذلك الشاب اليانع الذى طلع علينا من اعماق الجنوب الريفى البسيط فى تونس فى العشرينات من هذا القرن لا بد ان التوصل الى مثل هذه الحرية فى التفكير والعاطفة والرؤيا انما كان من علائم عبقريته .
ولقد كان حنينه العميق الى التقدم والى الثورة التى كانت كفيلة بأن تحقق هذا التقدم انما يعكس شوقه الى نوع من البطولة الجماعية ، الى التحدى الجماعى ، والى انتصار ارادة الشعب جميعه . وبقى حنينه مركزا على المفهوم الجماعى يكاد لا يركز على البطولة الفردية . كان هذا مختلفا عن بقية الشعر فى العالم العربى ، بما فى ذلك الشعر الفلسفى المقاوم منذ العشرينات حتى اليوم ، حيث يركز الشاعر فى أغلب الاحيان على البطولة الفردية . قد يكون الفرد فيه انسانا مصيبا بطولى الموقف ، نعرفه جميعنا ، استحق مرتبة البطل بسبب عمل انطوى على تضحية جليلة . بالذات ، عمل انتهى فى كثير من الاحيان ( لا دائما ) بموته - فهو لذلك يمجد فى الشعر فى قصائد مدحية أو رثائية رنانة . أو قد يكون هذا البطل انسانا لا اسم له ، جنديا مجهولا ، خرج الى الساحة ليحارب الظلم والعدوان - فسحقته قوى الشر . قد يتحدث هذا الشعر عن انكار البطل ولكنه يرهق دائما بثورة لا بد ان تنبثق من قلب الانكسار نفسه لتملأ نفوس الناس بالنبالة . اما فى شعر الشابى فالثورة لا تقع ابدا بل تظل أمنية الشاعر للمستقبل
الشاعر فى قلب الطبيعة
لقد تحدثنا اعلاه فوصفنا كيف كان موقف الشابى الثورى يعاب أحيانا بارهاق مؤقت تحت وطأة احساس الشاعر بلا جدوى الصراع ، فتهيمن على الشاعر رؤى هروبية تحثه على الاختباء فى قلب الطبيعة . ولا شك ان الطبيعى كانت جزءا أساسيا من رؤياه الشاملة من مقاربته الاساسية للتجربة . وكانت تخترق خياله وتملؤه . ومنها كان يأخذ رموزه ويستمد عواطفه وقوة أحاسيسه . ولقد كانت تلك الطبيعة التى أحبها وآثرها تجمع بين الانس والهيجان حسب تقلب مزاج الشاعر وردود فعله . ولم تكن طبيعة ريفية
بشكل خاص بمعنى انها لم تكن تبنى عالما من الاحلام حول حياة القرية وبساطتها . بل كانت طبيعة صامتة ، منعزلة لا تحتوى على غير الشاعر وأحيانا حبيبته معه ، ولا قالب يعكر عليهما الهدوء الشامل والانسجام الوديع .
كان حب الشابى للطبيعة يصل احيانا الى حد الصلاة وهذا جزء من العرف الرومانسى الاصيل . وكان هذا الحب يتحد مع عناصر اخرى ليتمم الصورة المتكاملة للرؤية الرومانسية : هوى الشاعر بالمرأة - الحلم التامة الجمال التى تبرز من قلب الطبيعة كجزء من جمال الوجود المبدع ، الكآبة ، التوق الى اللانهاية ، والى الله ، والى روح الانسانية الخالد ، والى روح الوجود جميعه الخ . كانت هذه العناصر ، فى أغلب الاوقات ، ممزوجة بعبادة الطبيعة وكثيرا ما دمج الشاعر كل شئ ، وحتى شخصه هو ، فى كل متكامل منسجم متحد ، كما قال بايرون في قصيدته الطويلة (( نشايد هارولد )) :
إني أعيش فى نفسى
ولكنى أصبح جزءا من كل شئ حولى
ونحن نرى فى شعر الشابى ان الطبيعة تطغى وتفيض على مشاعر الشاعر وتجربته فكأنه يذوب فى اطرها الخارجية
من الطريف هنا ان نلحظ الفرق بين موقف الشاعر القديم من الطبيعة وموقف الشاعر الرومانسى الحديث منها . فبالرغم من انهماك الشاعر الجاهلى بالطبيعة الصحراوية التى تحاصره باستمرار وبكل نباتات العالم حوله وحيواناته . فانه لم يندمج بها ولم يصبح قط جزءا منها . كان كل المشهد الجاهلى ( الذى رسمه ذو الرمة الاموى فيما بعد بابداع ، بانيا شعره فى الطبيعة على الاعراب المكتملة الراسخة فى الشعر الجاهلى ) مشهد صراع وانتصار ، صراع مع الطبيعة وانتصار عليها فى أغلب الوقت ، وكان أعظم ما يمكن أن ينجزه الانسان هو ان يجد نوعا من التعايش المنسجم مع الطبيعة ان يتمكن من قطع حدود الصحراء الشاسعة الى غايته وهو حى سالم
كانت ثنائية الطبيعة والانسان فى الشعر القديم منبثقة من محيط الصحراء القاسى الذى كان فيه العطش والسياب أمرين ملازمين لونا كل نشاط ووجها كل موقف . لم يكن الانسان حرا فى ان يتجول وان يحاول اكتشاف الطبيعة الصحراوية الشاسعة كما يريد ويشتهى ، لم يكن حرا فى
ان يطلق لقدميه العنان فى الطبيعة . ولم يكتسب الالفة مع هذه الصحراء القاسية الا بعد اصعب التجارب واخطرها . واصبحت الرحلة عبر الامتداد الصحراوى الذى لا يحد رمزا لقدرة الانسان على المجالدة والتحمل ازاء الطبيعة . بعد ذلك ، فى ايام الامبراطورية الاسلامية ، عندما اصبح الشاعر يعيش فى محيط متجدد ، تغيرت علاقته بالطبيعة واختفى منها التحدى المستمر الذى كان دأبها فى الجاهلية ، غير انها حافظت على الانفصام بين الانسان والطبيعة : فالانسان بقي خارج الطبيعة ولم يتعهد قط بها والطبيعة نفسها تروضت واصبحت عنصر زينة وتجميل بين يدى الشاعر يتأملها تأملا سلبيا ويتمتع بها تمتعا بصريا كخلفية جمالية . لقد اصبحت طبيعة فى غاية الوداعة ، طبيعة مدنية حضارية حيث الماء يجرى فى برك ونوافير ، والنباتات ترف وتميل وادعة أليفة . واختفى المشهد العابر بحيوانات الطبيعة الصحراوية الكثيرة . ما هنالك الا ثورة الالوان ، وزبد المياه ، وفوحان الازهار اليانعة ، ولمعان الاعشاب الخضراء والخمائل الظليلة الوارفة . وكانت صورة الطبيعة دائما ذات نسب ومقاييس متناسقة متساوية تساويا هندسيا . هذه الطبيعة المنظمة وصلت الى قمة الثقة والانضباط في الشعر الاندلسى . ومع هذا فانها لم تمنع تجربة شاعر اندلسى مهم هو ابن خفاجة الذى كتب قصائد كقصيدتى (( الجبل )) و (( الليل )) اللتان كانتا مغلقتين بمعان رمزية ، ومنشقتين بهذا عن المنحى التزيينى الذى لازم شعر الطبيعة يومئذ .
أما فى الرومانسية الحديثة فقد اصبحت الطبيعة وحيا مباشرا ومصدرا للنشوة والاشراق الروحى ، وكائنا فوق الكائنات يناجيه الشاعر ويستمد منه الهامه . واصبحت اشكال الطبيعة المختلفة قادرة على ان تتشابه مع عواطف الانسان وان تحمل قيما انسانية . فى الوقت نفسه اصبحت قادرة على ان تطهر مشاعر الشاعر
لقد رأى الرومانسيون في الطبيعة نظاما مهيمنا على الكون . كانوا يرون العالم مكانا خطرا لا استقرار فيه ، واصبحت الطبيعة عندئذ فى نظرهم رمزا للثبات والديمومة ازاء تغير العالم حولهم ولا استزاءه . ولعل الشابى يعكس تأثير هذه الرؤيا فى الطبيعة اكثر من أى شاعر عربى سواه ، فهى تتخذ فى شعره اشكالا محسوسة دائمة القدرة على اعطاء التوازن للحياة . وان جمال الطبيعة وديمومتها منضويان فى الصور الرئيسية التى تملأ قصائده فى الطبيعة كانت رؤياه للطبيعة رؤيا صافية لم تشبها قط اية شائبة ، تماما كرؤياه للحب .
وقد وقع اختيار الشابى الاول من بين المشاهد الطبيعة المتلونة فى بلاده على الغاب ، فاصبح الغاب هو الموضوع الجاهرى فى شعره عن الطبيعة اختاره دون المشاهد التونسية الاخرى كتلك الشطآن الذهبية الرائعة وامتداد الصحراء الجنوبية التى تزينها الواحات ( من بينها واحة شننى البديعة فى ضواحى ڤابس حيث عاش الشاعر مرة ) ، والسهول الشمالية حول العاصمة بمدنها الصغيرة المشرفة على البحر التى تصل فى جمالها احيانا الى درجة فائقة ..كان الغاب هو موضع حبه واهتمامه ، غابات عين دراهم فى الشمال الغربى من تونس وغابات المشروحة فى الجزائر حيث كان الشاعر يذهب فى الصيف للراحة والعلاج
بدأ استعمال الغاب فى الشعر العربى الحديث مع جبران الذى كان يفضل الطبيعة البرية التى لم تشبها وتلونها تداخلات المدينة ، وقد وصل هذا الايثار فى شعره الى قمته فى قصيدته الطويلة (( المواكب )) ففى هذه القصيدة يمثل الغاب الموضوع الرئيسى المحورى ، فهو المكان الذى أراد جبران ان يذهب اليه الناس لا هربا من جو المدينة الفاسد بل لكى يعيشوا فى انسجام وسعادة ، فالغاب بالنسبة الى جبران غاب رمزى تتلاشى فيه الفوارق بين البشر وجميع ثنائيات الحياة ، فلا ثنائية بين الجسد والروح ولا جريمة أو عقاب ، ولا شئ يمكنه ان يفرق الناس ويقسمهم بل ان عالم الغاب يصبح عالم جنة يوتوبية ( Utopean )
وقد اقتبس عدد من الشعراء فكرة الغاب من جبران ، ووجد الشابى فيها حالا جاذبا كبيرا لانها تلاءمت مع تجربته الخاصة . لم تكن مثالا يوتوبيا فى شعره ولكن ملجأ أركاديا ( Arcadian ) من عالم الشر والعدوان والكراهية ، ملجأ منعزلا يعم فيه الحب والسلام وتهيمن عليه الذكريات . ففي الغاب يجد الشابى الراحة الكبرى من الشر والتوتر . وقد تقف الغاب فى شعره مقابل المدينة والعالم المأهول بالبشر الذى هجره الشاعر . بينما جمع جبران العالم كله والوجود كله فى حدود غابه الرمزى غير ان معالجة الشابى للغاب لا تتضمن عنصرا معينا هو من أهم عناصر الادب الذى يعبر عن حنين الى العالم الاركادى من عالم الطبيعة الوديعة المسالمة التى تتصف بالبساطة والخير . هذا العنصر هو الحنين الى عصر ذهبى سابق لقد عبر أبو شبكة في ديوانه الصغير الالحان والذي صدر سنة 1941 عن حنين عميق الى العصر الذهبى فى لبنان عندما كانت الحياة بسيطة ومليئة بالبركة والعطاء . اما الشار فيكاد لا ينظر ابدا الى الماضى اما حنينه فموجه دائما الى المستقبل
غير ان الادب الاركادى يكاد يكون شيئا جديدا فى الشعر العربى . ان أكبر ما يحضرنا من أمثلة عن هذا الادب في التراث العربى هو تلك القصيدة الرقيقة المفعمة بالحنين والاسى التى نظمتها سيدة الكلية زوجة الخليفة معاوية نعبر فيها عن نفورها من حياة البلاط والقصور وتوقها الى حياة الصحراء البسيطة الهانئة ، ومطلع القصيدة :
للبس عباءة وتقر عيني أحب إلي من لبس الشفوف
غير ان هذا كان تجربة سانحة ذلك انه عندما أصبحت الحضارة العربية معقدة وتركزت فى المدن لم تر اهتماما عند الشاعر بحياة الصحراء الواسعة الحرة بدل حياة المدينة . فكما كتبت فى دراسة سابقة بالانجليزية : (( كان ميل الشعراء هو نحو التوجه الى المدينة بحثا عن الثروة والمكانة . كانت رغبتهم هى ان يصلوا الى البلاط لا ان يهربوا من البلاط وعندما اصبحت حياة المدينة فى العصور العباسية تضايق بعض الشعراء أمثال أبى العتاهية وأبى العلاء المعرى كان الميل الذى اظهراه هو لا الى الهرب الى المراعى الواسعة وحرية الصحراء النظيفة الهواء . بل الى الزهد والتأمل والحكمة اى الى حياة متحررة ، ما فى ذلك من شك ، من قيود الحضارة ومهاويها ، بمعناها المادى ، ولكنها حياة يعيشها الشاعر فى قلب المدينة المنغلقة ، ويتمتع فيها بالحرية الروحية وهو بين الناس ، لا بعيدا عنهم . فقد كان هذان الشاعران يتحدثان الى أهل المدينة ، الى الجماعة الحضرية . وكان المعرى نفسه يخاطب أشد مشكلات عصره تعقيدا . لم يكن حنينهما يهدف الى البراءة الرعوية ، بل الى الحكمة والتوازن ، وكانت لهجة شعرهما جادة تخيم عليها الكآبة والتأمل دون ان تعبر عن حنين الى اركاديا خيالية . وقد اكتسبت عند المعرى نبرة ساخرة )) .
كانت التجربة الرومانسية العربية فى العصر الحديث محاولة فريدة ليتوصل الشاعر الى علاقة جديدة مع الطبيعة مليئة بالمناجاة وقادرة على سماح للشاعر باختراق الطبيعة روحيا وسماح للطبيعة باختراق نفس الشاعر وقلبه اليوم لم يعد هذا التواصل مع الطبيعة ممكنا فى الشعر ، وقد اصبح موقف الشاعر الذى يقف (( متعبدا ابدا لما يعتبره قداسة فى نفسه )) كما قال سان بيت يوما عن الفريد دى قنينى لم يعد مقبولا اليوم . ومناجاة الطبيعة تبدو أمرا فارغا ومصطنعا للشاعر العربى المعاصر الذي يبحث باستمرار عن حل لأشد المشكلات عصرنا تعقيدا : الحصول على الحرية الداخلية والخارجية ضمن النظام الاجتماعى ومن خلاله
( يتبع )
