(فصل مركز مستل من كتاب "تاريخ مكة" المعد للطبع . لمؤلفه الاستاذ أحمد السباعي)
يذكر المؤرخون ان مكة غصت فى هذا العهد بجمهرة كبيرة من هذا القسم الذي زهد الحياة فانقطع للعبادة والعلم ، وانه أضيف اليهم أمثالهم من مهاجرى الآفاق الذين عصفت بهم الفتن فهرعوا إلى مهبط دينهم ينشدون الاطمئنان ، بعيدا عن القلاقل ، فكثر سوادهم وامتلأت برجال العلم منهم حلقات الدرس فى المسجد الحرام .
وقد لحق ابن العباس بهم على أثر الهدوء الذى جاء على اعقاب ثورة ابن الزبير، فرارا من الاختلافات السياسية، فاتخذ مقعده فى دار زمزم على يسار الداخل اليها، يذيع معارفه، وينشر علومه (١) وانك فى غنى عن أن أصف لك ابن العباس فانت تعلم انه من أجلاء الصحابة . وانه من أوسعهم علما وأكثرهم اطلاعا، وافضلهم عقلا، وانه حبر هذه الامة، ومفسر كتاب الله وترجمانه، وان عودته الى مكة ليضطلع بالتدريس فيها كان كسبا ما ظفرت مكة بعده بكسب يضاهى ربحها العلمي منه .
اتسعت حلقة ابن العباس فى المسجد الحرام، وهرع الظامئون الى مناهل العلم يروون غلتهم منها، فكانت حركة قوية تركت اثرها فى جموع المتدارسين
الموزعين فى افناء المسجد، وانتجت ضجة علمية اتصل صداها بيوت مكة من أطرافها الى أطرافها، وتوافد على صيتها من أقطار الأرض طلاب المعرفة وقصاد العلم.
وانتجت هذه المدرسة فيما انتجت، مجاهد بن جبر، وعطاء بن رباح، وطاووس بن كيسان، وسعيد بن حبير، وسليمان بن يسار، وابا الزبير بن مسلم بن تدرس، وعكرمة مولى ابن عباس، وكان اكثر الناس اتصالا بابن عباس مولاه عكرمة، ولهذا كان اكثرهم رواية واغزرهم معرفة، كما اشتهر مجاهد بن جبر بميزات خاصة ، وقضى وقتا طويلا يتولى قضاء مكة .
وظلت هذه المدرسة تؤدى وظيفتها باقوى ما تؤديه المدارس الحية ، وتنقل معارفها من طبقة الى اخرى ، ومن جيل لتسلمه الى آخر ، حتى أنتجت سفيان ابن عيينة ومسلم بن خالد ، ثم انتجت الامام الشافعي

