- 3 - كان لابد للمندر الحجازي ) ولا سيما المحترف ( الى جانب ما خص به من ذكاء وفصاحة وخفة روح وقدرة فائقة على الاضحاك من ثقافة تمتاز بشئ من الثراء والتنوع يؤهلها لأن تكون دعامة وغذاء صالحا مثريا لملكة الاندار
فلقد كان ينبغي له - بحكم ملازمته لهذه الطبقة الراقية ذوقا وثقافة التى يرتزق منها - أن يكون ملما بعلوم عصره من فقه وحديث وقرآن ) 1 ( ، رواية للشعر حسن الانشاد ، وأن يحذق فن المحادثة والقصص ، مقتدرا على الخطابة ) ٥
وان يحسن الغناء والعزف ) أو الضرب ( والرقص ، وأن يجيد فنا جديدا لاعهد للعرب به هو ما يمكن ان ندعوه تجوزا فن " التمثيل " او التشخيص ، سواء في شكله البسيط أى فن الحكاية ونعني بذلك محاكاة سيماء الناس وتقليد هيئاتهم وحركاتهم ، أو في شكله الارقي وهو تقمص مواقف وأدوار هزلية ، وان يؤلف ) وهذه أهم ميزة في ثقافة المندر ( بين جملة هذه الخصائص والملكات ويسخرها جميعا لهدف واحد هو التندر ، بحيث لا يمكن الفصل البتة بين مختلف مؤهلات المندر ، وانما هي وحدة متلاحمة العناصر فى منتهى التركيز والانسجام .
فهو يضحك في جميع أحواله وبفضل كل ما لديه من مميزات ، حتى أبعدها عن الهزل ، وأدخلها فى الجد والوقار ، وأوثقها صلة بحرمة الدين وقداسته يوظفها للفكاهة والمزاح ، ويشع عليها من روحه المرحة الساخرة ) 3 ( .
فمما يرويه لنا كتاب الاغاني من أخبار عن أشعب ، تعريفا بشخصيته وابرازا لعديد مزاياها ، انه كان - الى طيب احاديثه وملاحة نوادره ) وهو قدر مشترك بين جميع المندرين ( - يجيد الغناء والرقص والضرب على الدف ، ويأتى بهذه الالوان معا فيحسن ، موشحا اياها بشئ من التهريج
" . . عن عبد الله بن أبي بشير بن عثمان بن المغيرة قال : سمعت جلبة شديدة مقبلة من البلاط ، فأسرعت ، فاذا جماعة مقبلة ، واذا امرأة قد فرعتهم طولا ، واذا أشعب بين أيديهم بكفه دف وهو يغنى به ويرقص ويحرف استه ويحركها ويقول :
ألا حي التى خرجت قبيل الصبح فاختمرت
يقال بعينها رمد ولا والله ما رمدت
فاذا تجاوز فى الرقص الجماعة رجع اليهم حتى يخالطهم ، ويستقبل المرأة ويغنى فى وجهها وهى تبتسم وتقول : حسبك الآن ، فسألت عنها قالوا : هذه جارية صريم المغنية . . وكانت أحسن خلق الله غناء ، كان يضرب بها المثل فى الحجاز ، فيقال احسن من غناء الصريمية " ) 4 ( .
على أن الميزة التى اختصت بها قلة من المندرين ) وأبرزهم أشعب ( ) 5 ( هى ما عبرنا عنه بفن " التشخيص " على سبيل التجوز ، وهو لون انفردت به هذه الجماعة القليلة ، ولم نجد لها ذكرا فى أخبار مشاهير المندرين أمثال الدلال وطويس وابن سريج والدارمي على الرغم من أصالة ظرفهم وطيب نوادرهم مما يسمح بالقول ، على سبيل الترجيح ، ان هذا اللون الجديد هو نتيجة الاحتراف وثمرة التفرغ والتخصص ، وما يستتبعه التخصص من تنافس وتجديد وابتكار حرصا على المزيد من المؤانسة والامتاع
من أبسط مظاهر فن التشخيص " المحاكاة الهزلية ، وهي تمثل جانب التهريج عند المندر اذ يعمد فيها الى تقليد الحيوان ، سواء فى شكله أو هيئته أو حركته وصوته ، ترويحا عن جمهوره اللاهى المترف واستجابة لنزواته العابثة الطائشة .
" . . دخل رجل من قريش على سكينة بنت الحسين عليهما السلام ، قال فاذا أنا بأشعب متفحج جالس تحت السرير ، فلما رآني جعل يقوقي مثل الدجاجة ، فجعلت انظر اليه وأعجب ، فقالت مالك تنظر الى هذا ؟ قلت : انه لعجب ، قالت : انه لخبيث قد أفسد علينا أمورنا بغباوته فحضنته بيض دجاج ثم اقسمت انه لا يقوم عنه حتى ينقب " ) 6 (
وجاء فى الأغاني لما ولى الولد بن يزيد لهج بالغناء والشراب والصيد ، وحمل المغنين من المدينة وغيرها اليه- وأرسل الى أشعب فجاء به فالبسه سراويل من جلد قرد له ذنب وقال له : ارقص وغنى شعرا يعجبني ، فان قلت فلك الف درهم ٠٠
وقد تصدر منه أحيانا هذه المحاكاة عفوا فى موقف حرج ) او بصفة شبه عفوية اذ يصعب بل يتعذر الفصل بين التلقائية و " التمثيل " عند المندر فصلا تاما لغلبة اللعب " على طبعه ومزاجه وسلوكه ( ، تعبيرا عن شعوره بالضيق والانزعاج وتأكيدا في الافصاح عن رغبته فى الخلاص من هذه الحال مستعيضا عن القول بالحركة ، حرصا على الاقناع والتأثير
. حدثني أشعب قال : ولى المدينة رجل من ولد عامر بن لؤى ، وكان ادخل الناس وانكدهم . وأغراه الله بي يطلبني في ليلة ونهاره ، فان هربت منه هجم على منزلي بالشرط ، وان كنت فى موضع بعث الى من اكون معه او عنده يطلبني منه ، فيطالبني بأن أحدثه وأضحكه ، ثم لا أسكت ولا ينام ، ولا يطعمنى ولا يعطيني شيئا ، فلقيت منه جهدا عظيما وبلاء شديدا ، وحضر الحج فقال لى : يا أشعب كن معي فقلت : بأبي أنت وأمي أنا عليل وليست لى نية فى الحج فقال : لئن لم تخرج معي لاودعنك الحبس حتى أقدم ، فخرجت معه مكرها : فلما نزلنا أظهر انه صائم ونام حتى تشاغلت ، ثم أكل ما فى سفرته ، وامر غلامه أن يطعمنى رغيفين بملح فأكلت الرغيفين ، وأخرج له جرابا فيه فاكهة يابسة فأخذ منها حفنة فاكلها ، وبقى فى كفة كف لوز بقشره ، ولم يكن له فيه حيلة فرمي به إلى وقال : كل هذا يا اشعب . فذهبت أكسر واحدة منها فإذا بضرسي قد انكسرت منه قطعة فسقطت بين يدى ، وتباعدت أطلب حجرا اكسره به ، فوجدته ، فضربت به لوزة فطفرت يعلم الله - مقدار رمية حجر وعدوت في طلبها فبينا أنا فى ذلك اذا أقبل بنو مصعب - يعنى ابن ثابت واخوته بليون بتلك الحلوق الجهورية ، فصحت بهم : الغوث الغوث ، العياذ بالله وبكم يا آل الزبير ، الحقوني أدركوني ، فركضوا إلى فلما رأوني قالوا اشعب مالك ويلك ؟ قلت : خذوني معكم تخلصوني من الموت ، فحملوني معهم فجعلت ارفرف بيدى كما يفعل الفرخ اذا طلب الزق من أبويه ، فقالوا : مالك ويلك ؟ قلت : ليس هذا وقت الحديث ، زقوني مما معكم ، فقد مت ضرا وجوعا
منذ ثلاث ، قال : فأطعموني حتى تراجعت نفسى ، وحملوني معهم فى محمل ، ثم قالوا : أخبرنا بقصتك . فحدثتهم وأريتهم ضرسي المكسورة ، فجعلوا يضحكون ويصفقون ، وقالوا : ويلك من أين وقعت على هذا ؟ هذا من أبخل خلق الله وأدنئهم نفسا . فحلف بالطلاق أنى لا ادخل المدينة ما دام له بها سلطان ، فلم أدخلها حتى عزل . " ) 8 ( .
وقد يعمد المندر الى تشخيص بعض العيوب والعاهات أو تقليد بعض النماذج البشرية المضطربة الخلق المشوهة الصورة ، فيذهب فى تغيير هيئته وتكييف جسده مذهبا عجيبا ، تفننا واغرابا ، وهذا الضرب من المحاكاة أشبه بالتصوير الهزلي Caricature الا أن قوامه واداة التعبير فيه الحركة ، وهو لون من التهريج أبلغ وأرقى لاتصاله بالانسان ، يتجلى فيه ما يملكه المندر ) او البطال ( من قدرة على التصرف في شكل جسمه وهيئته ، تغييرا لسحنته وتشكيلا لاعضائه ، تحريفا لها وتشويها ، فى طواعية نادرة ومرونة عجيبة حتى يكاد ينقلها من الضد الى الضد ، فاذا هو يتبدل ويتلون على هواه ، ويتقلب ويتعدد حتى لم يعد الناظر يتبين الاصل من بين شتى الصور والاشكال المتفرعة عنه ، وكأن كل صورة منها أصل قائم بنفسه ، مما يدل على توفر خاصيتين عند هؤلاء المنذرين : استعداد طبيعي فائق ، وجهد دائب ورياضة عسيرة شاقة لتنمية هذا الاستعداد وتطويره والتصرف فيه الى أبعد حدود التصرف حتى كأن الجسد مادة مطواعة تصاغ وتكيف حسب ارادة صاحبه
يقول أبو الفرج الاصبهانى : بلغ اشعب أن الغاضرى قد أخذ فى مثل مذهبه ونوادره ، وان جماعة قد استطابوه ، فرقبه حتى علم انه فى مجلس من مجالس قريش يحادثهم ويضحكهم فصار اليه ثم قال له : بلغني انك قد نحوت نحوي وشغلت عني من كان يألفني ، فان كنت مثلى فافعل كما أفعل . ثم غضن وجهه وشنجه حتى صار عرضه اكثر من طوله وصار في هيئة لم يعرفه أحد بها ثم أرسل وجهه وقال له : افعل هكذا ، وطول وجهه حتى كاد ذقنه يجوز صدره وصار كأنه وجه الناظر فى سيف ، ثم نزع ثيابه وتحادب فصار فى ظهره حدبة كسنام البعير ، وصار طوله مقدار شبر أو اكثر ثم قام فتطاول وتمدد وتمطى حتى صار كأطول ما يكون من الرجال ، فضحك والله القوم حتى أغمى عليهم ، وقطع الغاضرى فما تكلم بنادرة ، ولا زاد على أن يقول : يا ابا العلاء لا أعاود ما تكره ، انما أنا تلميذك وخريجك . ثم انصرف أشعب وتركه " ) 9 (
رايقيم لغ في التشخيص ذروته فيستحيل تمثيلا خالصا لا ريب فيه اد يقوم الشعب مسرحي حبكا محكما متناسقة أجزاؤه ، متواربة مراحة وفي ذلك - فضلا عن حمال هندسة القصة - توفير لعنصر التشويق ومصاعفا اهل الفكاهة ولذاذتها ( يساعده على أدائه واخراجه الاير ابان بن عثمان بن عقار أفكاهة ولذاذتها ( . ساعده على أدائه واخراجه الامير ابان بن عثمان بن عفار وتصديان لاعرب غليظ حاد الطبع ظاهر الشراسة توسما فيه الطمع والسذاجة وكان معه حمل لا يسوى عشرة دنانير ، فأوهمه الامير ، بعد التحية ولطيف الاكرام والحفاوة ، برغبته الشديدة فى اشتراء الجمل ، معبرا عن بالغ اعجابا وكأنما أصبح هذا الحمل عنده نموذج الحسن والعتق ، مكافئا اياه بماة دينار .
وتجوز الحيلة على الاعرابي فيستخفه السرور ، واذا اشعب ) ومن وراءه ابان يميط اللثام عن الحقيقة شيئا فشيئا ، وكأنه يسحبه رويدا من حلم رائق جميل ، معذبا اباه بهذا التدرج ) 10 ( نحو الواقع المر ، وقد اسقط فى يد المسكن لحظة لايدري أيصدق ما يرى ويسمع ، أهو يعيش وهما أم هو بازاء حقيقة كاذبة ساخرة
وإذا هو يقبض على لا شئ قد صفرت يده من هذه الثروة الضخمة التى نعم بها ساعة ، ثم جرد منها وكأنما اغتصبت منه اغتصابا بيد شيطان ما كر خبيث اذ قد عرض عليه مكان المائة دينار ، ثياب رثة للامير قومت اضعاف ثمنها امعانا فى الاستهزاء به والتندر عليه . وتبلغ الفكاية غايتها حينما يصبح الاعرابى ، من حيث لا يدري وكأنما تلقي صفعة جبارة ، مطلوبا مدينا لدى الأمير ، وقد كان طالبا ، مستحقا للمال عن تمام الشرعية والجدارة
و لا نرى بدا من اثبات هذا النص الرائع ، على طوله ، لأنه من عيون الادب الفكاهى العربى القديم ، ومن احسن ما يستشهد به فى باب الهزل الجاد .
كان ابان بن عثمان من أهزل الناس وأعبثهم فبينا نحن ذات يوم عنده وعنده أشعب أذ أقبل أعرابي ومعه جمل له ، والاعرابى أشقر أزرق أزعر غضوب يتلظى كأنه أفعي ويتبين الشر في وجهه ، ما يدعو منه أحد الا شتمه ونهره ،
فقال أشعب لأبان : هذا والله من البادية ادعوه . فدعى وقيل له : ان الامير ابان ابن عثمان يدعوك . فأتاه فسلم عليه فسأله أبان عن نسبه فانتسب له ، فقال حياك الله يا خالى ، حبيب ازداد حبا . فجلس . فقال له : اني في طلب جمل مثل جملك هذا منذ زمان فلم أجده كما اشتهى بهذه الصفة ، وهذه القامة ، واللون والصدر ، والمورك والاخفاف ، فالحمد لله الذي جعل ظفري به من عند من أحبه ، أتبيعه ؟ قال : نعم أيها الامير ، فقال : فاني قد بذلت لك به مائة دينار . وكان الجمل يساوى عشرة دنانير . فطمع الاعرابي وسر وانتفخ ، وبان السرور والطمع فى وجهه . فأقبل أبان على أشعب ثم قال له : ويلك يا اشعب ان خالى هذا من أهلك وأقاربك - يعنى الطمع - فاوسع له مما عندك . فقال له : نعم بأبى أنت وزيادة . فقال له ابان : يا خالى انما زددتك في الثمن على بصيرة ، وانما الجمل يساوى ستين دينارا ، ولكن بذلت لك مائة لقلة النقد عندنا ، وانى أعطيتك به عروضا تساوى مائة . فزاد طمع الاعرابي وقال : قد قبلت ذلك أيها الامير . فأسر الى أشعب فأخرج شيئا مغطى فقال له : اخرج ما جئت به . فأخرج عمامة خز خلق تساوى أربعة دراهم ، فقال له : قومها يا أشعب . فقال : له : عمامة الامير تعرف به ، ويشهد فيها الاعياد والجمع ويلقي فيها الخلفاء ، خمسون دينارا ، فقال : ضعها بين يديه ، فقال لابن زبنج اثبت قيمتها ، فكتب ذلك ، ووضعت العمامة بين يدى الاعرابى ، فكاد يدخل بعضه فى بعض غيظا ، ولم يقدر على الكلام ، ثم قال : هات قلنسوتى ، فأخرج قلنسوة طويلة خلقة ، قد علاها الوسخ والدهن وتخرقت ، تساوى نصف درهم ، فقال : قلنسوة الأمير تعلو هامته ويصلى فيها الصلوات الخمس ، ويجلس للحكم ، ثلاثون دينارا ، قال : أثبت ، فأثبت ذلك ، ووضعت القلنسوة بين يدى الاعرابي . فتربد وجهه وجحطت عيناه وهم بالوثوب ثم تماسك وهو متقلقل ، ثم قال لاشعب : هات ما عندك . فأخرج خفين خلقين قد نقبا وتقشرا وتفتقا ، فقال له : قوم ، فقال : خفا الامير ، يطأ بهما الروضة ، ويعلو بهما منبر النبي صلى الله عليه وسلم ، أربعون دينار ، فقال : ضعهما بين يديه فوضعهما ، ثم قال للاعرابي : اضم اليك متاعك ، وقال لبعض الاعوان : اذهب فخذ الجمل ، وقال لآخر : امض مع الاعرابي فاقبض منه ما بقى لنا عليه من ثمن المتاع وهو عشرون دينارا . فوثب الاعرابي فأخذ القماش فضرب به وجوه القوم لا يألو فى شدة الرمى به ، ثم قال : أتدرى أصلحك الله من أى شئ أموت ؟ قال : لا . قال : لم أدرك أباك عثمان فأشترك والله فى دمه اذ ولد مثلك . ثم
نهض مثل المجنون حتى أخذ برأس بعيره . وضحك ابان حتى سقط ، وضحك كل من كان معه . . " ) 11 ( .
ومن أهم ما يطلب للمندر من مؤهلات القصص ) او الحديث كما يعبر قديما ، وكلمة حديث تشمل المحادثة والقصص ) ، والقصص - خلافا للمحاكاة الهزلية وفن التشخيص المختص بهما فئة قليلة من أصحاب النوادر ، أو هي بالأحرى كما قلنا ، ميزة المحترفين منهم - من أخص خصائص المندر التى لا غنى له عنها وهو يكاد يضاهى التندر ) بمعناه الضيق المتعارف عندنا أى ارسال النكتة بل هو يضاهيه قيمة وحظوة لدى الجمهور ، وذلك لان النكتة من فيض الخاطر ووحى الساعة لاخير فى المصطننع منها يغتصب اغتصابا ، ثم هى تشع لحظة كلمح البرق ، وسرعان ما يتبدد ألقها ، وان تردد صداها في النفوس وبقى أثرها زمنا غير قصير
ولذلك فهي لا تشغل حيزا كبيرا فى المجالس لا تملأ فراغها بقدر ما يعمرها القصص ، وفي القصص مجال أفسح وأطوع للمندر يتجلى فيه ما أوتيه من دقة ملاحظة وحس فكاهى ، فيسجل مختلف النقائص والعيوب ، من جسدية وخلقية التى تستثيره ، مبرزا مؤكدا اياها ، منتقيا أخص التفاصيل بهذه الانحرافات والعيوب وأدلها عليها ، وأحفلها بالهزل والفكاهة ، واذا لرسومه التى خطها بالكلمات نظير مالرسوم المصور الهزلي من فاعلية وتأثير ، وقدرة على الفضح والتشهير
ولعلنا نجد مثل هذه الميزات في النص التالي ، ويتجلى لنا فيه اشعب القصاص الذي برع أيما براعة ووفق الى ابعد حدود التوفيق فى ابراز جانب السخف والهزل في مناسبة أدعى ما تكون الى الجد والوقار والخشوع ، وقد انقلبت جنازة امرأة من أشراف قريش موقفا هزليا يفجر الضحك تفجيرا
والسبب في ذلك حماقة الوالى ، وكان مشرفا على الجنازة ، وتصرفه الاخرق الناشئ عن تشدده فى التزام الاوامر واحترام العادات والتقاليد الى حد التطرف والمغالاة ، وما يترتب على ذلك من قصر نظر وعدم مرونة ، وفقدان اللباقة
والكياسة ، وكأنما يشير أشعب الينا من طرف خفي أن هذه عاقبة التعصب والزماتة ، انها توقع صاحبها فيما يكره وتجره دائما الى عكس ما يريد ، فلا خير يرجى من أخلاق ودين بلا عقل ولا تبصر
دخلت على جعفر بن سليمان وعنده أشعب يحدثه ، قال : كانت بنت حسين بن على عند عائشة بنت عثمان تربيها حتى صارت امرأة . وحج الخليفة فلم يبق فى المدينة خلق من قريش الا وافى الخليفة الا من لا يصلح لشئ فماتت بنت حسين بن على ، فأرسلت عائشة الى محمد بن عمرو بن حزم ، وهو والى المدينة ، وكان عفيفا حديدا عظيم اللحية ، له جارية موكلة بلحيته اذا اتزر لئلا يتزر عليها . وكان اذا جلس للناس جمعها ثم ادخلها تحت فخذه . فأرسلت عائشة : يا أخي قد ترى ما دخل على من المصيبة بابنتى ونجيبة أهلى وأهلها وأنت الوالي ، فأما ما يكفي النساء من النساء فأنا أكفيكه بيدى وعينى ، وأما ما يكفى الرجال من الرجال فاكفنيه ، مر بالاسواق أن ترفع ومر بتجويد عمل نعشها ولا يحملها الا الفقهاء الالباء من قريش ، بالوقار والسكينة ، وقم على فبرها فلا يدخله الا قرابتها من ذوى الحجا والفضل . فأتى ابن حزم رسولها حين تغدى ودخل ليقيل ، فدخل عليه فابلغه رسالتها ، فقال ابن حزم لرسولها اقرى ابنة المظلوم السلام ، وأخبرها أني قد سمعت الواعية وأردت الركوب اليها فأمسكت عن الركوب حتى أبرد ، ثم أصلى ، ثم أنفذ كل ما أمرت به . وأمر حاجبه وصاحب شرطته برفع الاسواق ، ودعا الحرس وقال : خذوا السياط حتى تحولوا بين الناس وبين النعش الا ذوى قرابتها بالسكينة والوقار ثم نام وانتبه ثم اسرج له واجتمع كل من كان بالمدينة ، وأتى باب عائشة حين أخرج النعش ، فلما رأى الناس النعش التقفوه فلم يملك ابن حزم ولا الحرس منه شيئا ، وجعل ابن حزم يركض خلف النعش ويصيح بالناس من السفلة ، والغوغاء : اربعوا أى ارفقوا ، فلم يسمع منه ، حتى بلغ بالنعش القبر . فصلى عليها ، ثم وقف على القبر فنادى : من هاهنا من قريش ؟ فلم يحضر إلا مروان بن ابان بن عثمان ، وكان رجلا عظيم البطن بادنا لا يستطيع أن ينثنى من بطنه سخيف العقل ، فطلع وعليه سبعة قمص كأنها درج بعضها اقصر من بعض ، ورداء عدني يثمن الفى درهم ، فسلم فقال له ابن حزم : أنت لعمري قريبها ولكن القبر ضيق لا يسعك . فقال : أصلح الله الامير انما تضيق الاخلاق . فقال بن حزم : انا لله ، ما ظننت ان هذا هكذا كما أرى . فأمر أربعة فأخذوا بضبعه حتى ادخلوه في القبر . ثم أتى خراء الزنج وهو عثمان فقال : السلام عليك أيها الامير ورحمة الله ، ثم قال : واسيدتاه ، وابنة أختاه . فقال ابن حزم : انا لله
لقد كان يبلغني عن هذا انه مخنث فلم أكن أرى انه بلغ هذا كله ، دلوه فانه عورة ، هو والله أحق بالدفن منها . فلما ادخلا قال مروان لخراء الزنج : تنح اليك شيئا ، فقال له خراء الزنج : الحمد لله رب العالمين ، جاء الكلب الانسى يطرد الكلب الوحشي . فقال لهما ابن حزم : اسكتا قبحكما الله وعليكما لعنته ايكما الانسي من الوحشي ، والله لئن لم تسكتا لآمرن بكما تدفنان ، ثم جاء خال للجارية من الحاطبيين ، وهو ناقه من مرض لو أخذ بعوضة لم يضبطها ، فقال اصلح الله الامير ، أنا خالها وأمي سدة وأمها حفصة ، ثم رمى بنفسه فى القبر فأصاب ترقوة خراء الزنج ، فصاح : أوه ، أصلح الله الامير دق والله عرقوتي فقال ابن حزم : دق الله عرقوتك وترقوتك اسكت ويلك . ثم أقبل على أصحابه فقال ويحكم انى خبرت ان الجارية بادن ، ومروان لا يقدر أن ينثنى من بطنه وخراء الزنج مخنث لا يعقل سنة ولا دفنا ، وهذا الحاطبي لو أخذ عصفورا لم يضبطه لضعفه ، فمن يدفن هذه الجارية ؟ والله ما أمرتني بهذا بنت المظلوم فقال له جلساؤه : لا والله ما بالمدينة خلق من قريش ، ولو كان فى هؤلاء خير لما بقوا . فقال : من ها هنا من مواليهم ؟ فاذا أبو هاني الاعمى وهو ظئر لها فقال ابن حزم : من أنت رحمك الله ؟ قال : أنا أبو هانئ ظئر عبد الله بن عمرو بن عثمان ، وانا ادفن أحياءهم وأمواتهم ، فقال : انا فى طلبك ، ادخل رحمك الله فادفن هؤلاء الاحياء حتى يدلى اليك الموتى . ثم أقبل على أصحابه ، فقال : انا لله وهذا أيضا أعمى لا يبصر ، فنادوا : من هاهنا من مواليهم ، فاذا رجل بربرى يقال له أبو موسى قد جاء ، فقال له ابن حزم : من أنت أيضا ؟ قال : انا أبو موسى صالمين وأنا ابن ابي السميط سميطين ، والسعيد سعيدين ، والحمد لله رب العالمين ، فقال ابن حزم : والله العظيم لتكونن لهم خامسا ، رحمك الله يا بنت رسول الله فما اجتمع على جيفة خنزير ولا كلب ما اجتمع على جثتك فانا لله وانا اليه راجعون " ) 12 ( .
للبحث صلة )

