الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الفكر"

النادرة بالحجاز في العصر الاموى، شخصية المندر ، ية

Share

* ) - 2 - بوسع الباحث المتصفح لاخبار الظرفاء فى امهات الادب ، وخاصة منها الاغاني ، إذا باشر النصوص بشئ من الحيطة فاحترس مما ورد فيها من تضارب لا يطمس وجه الحقيقة ولا يمس بصدق دلالتها ، وتجاوز ما هنالك من مبالغة فنية تضفي احيانا على الشخصية طابعا اسطوريا . . بوسعه ان  يرسم لنفسه صورة جلية دقيقة عن شخصية المندر بالحجاز فى العصر  الاموي ، في مختلف جوانبها ومميزاتها ، من مظهر وسلوك " وثقافة  ومؤهلات فنية .

لقد أولع الظرفاء بحسن المظهر على انه من اخص مقومات الظرف ،  فاشترطوا في الظريف " صباحة الوجه ورشاقة القد ونظافة الجسم  والثوب وطيب الرائحة " ) 1 ( . والح بعضهم على اهمية الزى فقال

معرفا الاناقة الحق : الظرف في اللباس وهو تخير المستحسن اللائق بذلك اللابس " ) 2 ( .

على ان بعض المندرين ، ونخص منهم بالذكر اشعب ، لم يتوفر فيهم ما  اشترط فى جمهور الظرفاء من حسن صورة واعتدال جسم واناقة وولع  بالزينة والطيب ، فلم يبخسهم ذلك حظهم من الظرف ، ولا اخرجهم من طائفة الظرفاء ، وذلك لما للاندار من مكانة ممتازة بين جملة مقومات الظرف فهو بمثابة الروح منه وخلاصته بحيث يتجاوز ، من أجله ، عما قد يكون  فى المندر المطبوع الاصيل من نقائص او عيوب ؛ ولربما ساعدت دمامة الصورة واضطراب الخلقة ورثاثة الهيئة على اكساب النادرة مزيدا من  اللذاذة والتأثير

نجد مصداقا لذلك فى هذه اللمسات الخفيفة الموحية التى ابرز بها  أبو الفرج الاصبهانى - كعادته فى رسم الشخصيات - ملامح اشعب ، فارانا كيف يصطلح الضدان في الشخص الواحد ويأتلفان بفضل ذكاء القلب واشعاع الروح والفكر ، وهما قوام شخصية المندر ومعيار فنه .  

" كان اشعب ازرق احول اكشف افدع . " ( 4 ) " كان الغاضرى مندر  اهل المدينة ومضحكهم قبل ابى ) الراويه هو عبادة بن اشعب ( فاسقطه ابى

فاطرح . وكان الغاضرى حسن الوجه ماد القامة عبلا فخما ، وكان ابي قصيرا دميا قليل اللحم ، الا انه كان يتضرم ويتوقد ذكاء وحدة وخفة روح . ( .

وقد اكد الظرفاء ايضا فضل الخلق الحسن باعتباره ميزة من افضل مميزات الظرف ، لاغني عنها لمن رام جاهدا السمو بنفسه ، وقد رأى  معنى الحياة وقيمتها في التوفيق بين لذائذ الحس والروح . " الظرف يكون  فى التقزز من الاقذار والافعال المستهجنة . . ويكون فى الكرم والجود والعفو وغير ذلك من الخصال اللطيفة " ) 6 ( .

لقد خالف كثير من المندرين هذه الصورة المثلى ، لغلبة  الطمع وما يستتبعه الطمع من ميل مع الهوى وتقلب وتلون - على المحترفين  منهم ، وركون بعضهم ) ونعني خاصة المخنثين ( الى الافراط فى اللهو والمجون الى حد الاباحية والتفسخ احيانا ، فتغاضى الجمهور عن جوانب  السفه والسخف فيهم ، كلفا بظرفهم وتقديرا لمواهبهم الممتازة لما تمنحه  اياه  من لذة فنية رفيعة ، وما تضفيه على الحياة من لطف وبشاشة  ورونق  وسعادة فاذا هي اجمل وابهج ما تكون ؛ وكأنما ادرك هذا الجمهور الراقي  الذواق - واعيا او غير واع - ان نبوغ المندرين قرين هذا التحرر  والشذوذ الخلقي حتما ، وكأنما يعبر المندر عن نزعة فى النفوس دفينة  

مكبوتة إلى الانعتاق من الموانع والقيود . . عن رغبة جامحة فى تحدى القيم والأوضاع المفروضة ، واستفزاز السلطة الجائرة والتمرد عليها ، فيكون  الاندار حينئذ متنفسا لها يقيها الانفجار ويخفف من ثورتها الى حين ) 7 (

فاتتها طبة عالمة تخلط الجد مرارا باللعب

تغلظ القول اذا لانت لها وتراخي عند سورات الغضب

لم تزل تصرفها عن رأيها وتراخي عند سورات الغضب

من  هنا كان المندر شأن كل فنان - الابن المدلل للمجتمع يبيح  له ما ينكره  على غيره ، ويقابل هفواته بالحلم والتسامح ، ويحوطه بالعطف  والرعاية ، وينتصر له فى مواقفه الحرجة ، وكان لسان حاله يقول له : " كن ظريفا وافعل ما شئت " ) 8 ( .

بل قد تزيد بعض النقائص ) كالطمع والشراهة والجبن والتهور والرقاعة ( فى ظرف المندرين ) 9 ( واقبال الناس عليهم ، وحرصهم على  ملازمتهم لان مثل هذه الهنات مادة صالحة للضحك تدعم ملكة الاندار  وتضاعف وقعها حتى ليكون الضحك مزدوجا . نضحك من المندر ونضحك عليه فى آن معا ، ولا يشين ذلك استلطافنا له واستملاحنا لفنه ، وكانما  اصبح الاضحاك - عنده - طبيعة ثانية صفة ملازمة لا تكاد تفارقه ، فاذا بالفكاهة تنبعث منه عفوا دون انقطاع - وان اختلفت صورها وتباينت  مراتبها حتى لقد يضحك بالرغم منه ومن غير قصد ، يشع الضحك منه  اشعاعا في جميع احواله ، حتى فى حال الجد والاستياء والغضب ، ولربما فى مواقف الخطر والمأساة ) 10 (

وقد روى لنا كتاب الاغاني كثيرا من الطرائف حول طمع اشعب  وشراهته وشحه تتجلى لنا من خلالها نفسية الطفيلي الذي استطاع  بذكائه ولباقته وحيلته وخفة روحه ، ان يسوغ التطفل ويرقي به فيجعل  منه فنا محببا لطيف الوقع يشيع الانس والانشراح فى المجالس ، بدلا من الكراهة والوحشة والانقباض

" لقى اشعب سالم بن عبد الله بن عمر فقال له : هل لك يا ا شعب في  هريس قد اعد لنا ؟ قال : نعم بابي انت وامى ، قال : فصر الى ، فمضى  الى منزله ، فقالت له امراته : قد وجه اليك عبد الله بن عمرو بن عثمان يدعوك ، قال : ويحك ان لسالم بن عبد الله هريسة قد دعانا اليها وعبد  الله بن عمرو في يدى متى شئت ، وسالم انما دعوته للناس فلته ، وليس  ل بد من المضى اليه . قالت : اذن يغضب عبد الله . قال : فاكل عنده  ثم اصير إلى عبد الله . فجاء الى سالم وجعل يأكل اكل متعالل ، فقال له  كلا يا اشعب وابعث ما فضل عنك الى منزلك . قال : ذلك اردت بابى انت  وامى . فقال يا غلام احمل هذا الى منزله . فحمله ومضى معه فجاء به امراته   فقالت : ثكلتك أمك ! قد حلف عبد الله الا يكلمك شهرا . قال : دعينى  و اياه ، هات شيئا من زعفران ، فأعطته فاخذه ودخل الحمام فمسحه على وجهه وبدنه ، وجلس في الحمام حتى صفره ، ثم خرج متوكئا على عصا يرعد حتى اتى دار عبد الله بن عمرو بن عثمان فلما رآه حاجبه قال : ويحك  بلغت بك العلة ما ارى ؟ ودخل فاعلم صاحبه فاذن له . فلما دخل عليه اذا سالم بن عبد الله عنده ، فجعل يزيد فى الرعدة ، ويقارب الخطو ، فجلس وما كاد أن يستقل ، فقال له عبد الله : ظلمناك يا اشعب فى غضبنا عليك  فقال له سالم : ما لك ويلك ؟ ! ألم تكن عندي آنفا واكلت هريسة ؟ فقال  له : واى أكل ترى بى ؛ قال : ويلك ! الم اقل لك كيت وكيت وتقل لى  كيت وكنت ؟ قال : لعله شبه لك ؟ قال : لا حول ولا قوة إلا بالله ، إني لا  اظن الشيطان يتشبه بك ! ويلك ، اجاد انت ؟ قال : على وعلى ان كنت  رايتك منذ شهر . فقال له عبد الله : اعزب ويلك عن خالي ، اتبهته لا ام  لك ؟ قال : ما قلت الا حقا . قال : بحياتي اصدقنى وانت آمن من غضبي  قال : وحياتك لقد صدق . ثم حدثه بالقصة ، فضحك حتى استلقى على  قفاه " ) 11 (

وبلغ من طمعه انه كان يستغل احيانا بعض هفوات اعيان القوم فيضعهم فى موقف جرح ، ويعرض عليهم ضربا من المساومة ، فاما العطاء ثمنا للصمت ، واما الفضيحة .

صلى اشعب يوما الى جانب مروان بن ابان بن عثمان ، وكان مروان عظيم الخلق والعجيزة ، فأفلت منه ريح عند نهوضه لها صوت ، فانصرف اشعب من الصلاة ، فوهم الناس انه هو الذي خرجت منه الريح . فلما

انصرف مروان إلى منزله جاءه اشعب فقال له : الدية ، فقال : دية ماذا : فقال دية الضرطة التى تحملتها عنك ، والله والا شهرتك ! فلم يدعه حتى  اخذ منه شيئا صالحا " ) 12 (

وقد حدا به الطمع الى ان يقوم بدور الوسيط ) او الرقيب ( فى العلاقات الغرامية فلا يتورع عن التفريط في حق شخصية مرموقة من خيرة النساء والاساءة اليها مرتين اساءة بالغة ، بالرغم من احسانها اليه ورعايتها له  فيخلص من ورطته وتغفر له اساءته لمكانه من نفوس القوم ، ويبقى خفيفا  على القلب مرغوبا فيه لا يصبر الناس عنه .

" عن عبيدة بن اشعب عن ابيه   كانت سكينة بنت الحسين بن على عليهم السلام عند زيد بن عمرو بن عثمان بن عفان ، قال : وقد كانت احلفته الا يمنعها سفرا ولا مدخلا ولا مخرجا فقالت له : اخرج بنا إلى حمران من ناحية عسفان ، فخرج بها فاقامت ثم قالت له : اذهب بنا نعتمر فدخل بها مكة ، فاتاني آت فقال : تقول لك ديباجة الحرم ( وكانت مغنية ( . لك عشرون دينارا ان جئتني بزيد بن عمرو الليلة فى الابطح قال اشعب : وانا اعرف سكينة واعلم ما هى ، ثم غلب على طباع السوء والشره ، فقلت لزيد فيما بيني وبينه ان ديباجة الحرم ارسلت الى بكيت  وكيت . فقال : عدها الليلة بالابطح . فارسلت اليها فواعدتها الابطح ، واذا  الديباجة قد افترشت  بساطا فى الابطح وطرحت النمارق ، ووضعت حشايا  وعليها انماط ، فجلست عليها . فلما طلع زيد قامت اليه فتلقته وسلمت  عليه ، ثم رجعت الى مجلسها ، فلم ننشب ان سمعنا شحيج بغلة سكينة  فلما استبانها زيد قام فاخذ بركابها ، واختبأت ناحية ، فقامت الديباجة الى  سكينة فتلقتها وقبلت بين عينيها ، واجلستها على الفراش ، وجلست هى  على بعض النمارق ، فقالت سكينة : اشعب والله صاحب هذا الامر  ولست لابى ان لم يأت يصيح صياح الهرة فطلعت على اربع اصيح صياح الهرة ثم دعت جارية معها مجمر كبير فحفنت منه واكثرت وصبت فى حجر  الديباحة وحفنت لمن معها فصبته فى حجورهن ، وركبت وركب زيد وانا  معهم . فلما صارت الى منزلها قالت لي : يا اشعب افعلتها ؟ قلت : جعلت  فداءك ! انها جعلت لى عشرين دينارا ، وقد عرفت طمعى وشرهي ، والله  لو جعلت لى العشرين دينارا على قتل ابوى لقتلتهما ! قال : فامرت بالرحيل

الى الطائف فأقامت بالطائف وحوطت من ورائها بحيطان ومنعت زيدا ان  يدخل اليها . قال : ثم قالت لي يوما : قد اثمنا فى زيد وعملنا ما لا يحل  لنا ثم  امرت بالرحيل الى المدينة ، واذنت لزيد فجاءها

وليس لهذه النقائص والسقطات من شأن بالنظر الى ما يروى عن الدلال ) 14 ( . وكان اطيب المندرين في زمانه بالمدينة ، من اخبار تتصل بانحرافه  الجنسى ) Bisexal ( ومجونه الذى بلغ حد الاستهانة بحرمة الدين  - حتى لقد عد هذا المغني المخنث خطرا على اخلاق أهل المدينة ولا سيما  النساء .

جاء فى الاغاني : انما لقب بالدلال لشكله وحسن دله وظرفه وحلاوة  منطقه وحسن وجهه واشارته . وكان مشغوفا بمخالطة النساء ووصفهن  للرجال . وكان من اراد خطبة امراة ساله عنها وغيرها ، فلا يزال يصف  له النساء واحدة فواحدة حتى ينتهى الى وصف ما يعجبه ؛ ثم يتوسط بينه  وبين من يعجبه منهن حتى يتزوجها ؛ فكان يشاغل كل من جالسه عن الغناء بتلك الاحاديث كراهة للغناء ) 15 ( .

ولقد كان مع ذلك حظيا عند سراة القوم اثيرا عندهم . سواء فى ذلك النساء والرحال ، ليس بوسع احد ان يمتنع من جاذبية  شخصيته وسحر ظرفه وملاحة نوادره ؛ ولقد بلغ اعجاب اهل المدينة به واكبارهم له أن  اصبحوا يرونه محل فخرهم واعتزازهم

قال اسحاق : حدثني أيوب بن عباية قال : شهدت اهل المدينة اذا ذكر الدلال واحاديثه طولوا رقابهم وفخروا به ، فعلمت ان ذلك لفضيلة  كانت فيه " ) 16 (

وليس من شك في ان ظاهرة التقدير البالغ والاعجاب الشديد الذي حظي به المندرون يعود الفضل فيها الى درجة الرقي الادبى الفنى الذى بلغته

- نتيجة للمناخ الحضرى الجديد وما يمتاز به من حيوية وخصب - نخبة المثقفين بالحجاز ، سواء فى ذلك الجمهور الواعي الذواق او جماعة الفنانين  من شعراء ومغنيين ومندرين

وإذن هما عاملان متلازمان متداخلان اشتركا فى نشأة النادرة الحجازية وازدهارها .

حظ هذا الجمهور المثقف من الذوق والتفتح والتحرر وهي خصال نلمحها حتى عند بعض اهل الصلاح والتقوى ) 17 ( ؛ ثم ما كان يختص به  المندرون ، سواء المحترفون منهم وغير المحترفين ، من مؤهلات فنية  ممتازة .

للبحث صلة (

اشترك في نشرتنا البريدية