القلب والعكس : (*)
وهو الخروج من مألوف الاحوال والاقوال الى نقيضها ، ويتمثل عنصر الاضحاك فى النشاز المتولد من اجتماع الضدين .
ومن صور (( للقلب والعكس )) أن يتلفظ القائل أو يستشهد فى مقام تافه حقير بكلام لا يصح أن يقال أو يستشهد به الا فى الموقف الرائع (1) : أو
(*) تتمة لما نشر فى الفكر ع : 1 - س 28 - اكتوبر 1982 .
(1)يمكن أن نستشهد بفقرة من أفكه ما ورد فى قصة (( طمع اعرابى )) وهى بمثابة الذروة من حيث الفكاهة والحركة الدرامية معا . جاء فى الاغاني : (( .. فأقبل أبان على أشعب ثم قال له : ويلك يا أشعب ! ان خالى هذا من أهلك وأقاربك - يعنى الطمع - فأوسع له مما عندك . فقال له : نعم بأبى أنت وزيادة ! فقال له أبان : يا خالى انما زدتك فى الثمن على بصيرة وانما الجمل يساوى ستين دينارا ، ولكن بذلت لك مائة لقلة النقد عندنا ، وانى أعطيك به عروضا تساوى مائة . فزاد طمع الاعرابى وقال : قد قبلت ذلك أيها الأمير . فأسر الى أشعب فأخرج شيئا مغطى فقال له : أخرج ما جئت به . فأخرج جرد عمامة خز خلق تساوى أربعة دراهم . فقال له : قومها يا أشعب ، فقال له : عمامة الامير تعرف به ، ويشهد فيها الاعياد والجمع ، خمسون دينارا ، فقال : ضعها بين يديه ، فقال لابن زبنج : أثبت قيمتها فكتب ذلك .. ثم قال : هات قلنسوتى .. فقال : قلنسوة الامير تعلو هامته ، ويصلى فيها الصلوات الخمس ، ويجلس للحكم ثلاثون دينارا .. خفا الامير ، يطأبهما الروضة ويعلو بهما منبر النبى صلى الله عليه وسلم ، أربعون دينارا .. )) الاغانى 12019-121- دار الثقافة - بيروت .
العكس . اى التلفظ في الموقف الفخم الجليل بالكلام السخيف المزرى (2) .
ومنه قلب المظهر أو المنظر الى نقيضه والصفة الى ضدها ومثال ذلك هذه النكتة توجه بها أحد الخلفاء إلى الشاعر كثير ، مداعبا اياه فى أسلوب من التعريض لا يخلو من لذع وبراعة .
(2) من أنسب الشواهد على هذا المعنى فقرة هي أروع ما جاء من فكاهة فى قصة (( جنازة بنت الحسين )) . دخلت على جعفر بن سليمان وعنده أشعب يحدثه قال : كانت بنت حسين عند عائشة بنت عثمان تربيها حتى صارت امرأة ، وحج الخليفة فلم يبق في المدينة خلق من قريش الاوافى الخليفة الا من لا يصلح لشئ . فماتت بنت حسين بن على ، فأرسلت عائشة الى محمد بن عمرو بن حزم وهو والى المدينة يا أخي قد ترى ما دخل على من المصيبة بابنتى ونجيبة أهلى وأهلها ، وأنت الوالى ، فأما ما يكفى النساء من النساء فانا اكفيكه بيدى وعينى ، وأما ما يكفي الرجال من الرجال فاكفنيه ، مر بالاسواق أن ترفع ومر بتجويد عمل نعشها ، ولا يحملها الا الفقهاء الالباء من قريش بالوقار والسكينة ، وقم على قبرها فلا يدخله الا قرابتها من ذوى الحجى والفضل .. حتى بلغ بالنعش القبر ، فصلى ( الوالى ) عليها ، ثم وقف على القبر فنادى : من هاهنا من قريش ؟ فلم يحضره الا مروان بن أبان بن عثمان ، وكان رجلا عظيم البطن بادنا لا يستطيع ان يثنى من بطنه سخيف العقل . فطلع وعليه سبعة قمص كأنها درج بعضها اقصر من بعض ورداء عدنى يثمن الفى درهم ، فسلم فقال له ابن حزم : أنت لعمرى قريبها ، ولكن القبر ضيق لا يسعك . فقال : اصلح الله الامير انما تضيق الاخلاق .
فقال ابن حزم : انا لله ، ما ظننت أن هذا هكذا كما أرى ، فأمر اربعة فأخذوا بضبعه حتى ادخلوه فى القبر . ثم أتى خراء الزنج وهو عثمان بن عمرو بن عثمان ، فقال : السلام عليك أيها الامير ورحمة الله ، ثم قال : واسيدتاه وابنة أخاه ! فقال ابن حزم : انا لله ! لقد كان يبلغنى عن هذا انه مخنث فلم اكن أرى انه بلغ هذا كله ، دلوه فانه عورة ، هو والله أحق بالدفن منها . فلما ادخلا قال مروان لخراء الزنج : تنح اليك شيئا . فقال له خراء الزنج: الحمد لله رب العالمين ، جاء الكلب الانسى يطرد الكلب الوحشى . فقال لهما ابن حزم : اسكتا قبحكما الله وعليكما لعنته ! أيكما الانسى من الوحشى ؟ والله لئن لم تسكتا لآمرن بكما تدفنان ..)) الاغاني 19/85-88 انظر بقية القصة فانها فى نفس النسق من الفكاهة .
جاء فى الاغاني : (( .. قال : رأيت كثيرا يطوف بالبيت ، فمن حدثك أنه يزيد على ثلاثة اشبار فكذبه : وكان اذا دخل على عبد العزيز بن مروان يقول طأطى رأسك لا يصبه السقف !! )) (3) .
ومنه أيضا مفاجاة المخاطب بعكس ما يتوقع من جواب : (( سأل اعرابى عبد الملك ( بن مروان ) فقال له : اسأل الله . فقال الاعرابى : سألته فأحالنى عليك . فضحك منه وأعطاه ..4)) .
ومما يذكر فى هذا المعنى : (( قالت امرأة لاشعب : هب لى خاتمك . قال : لماذا ؟ قالت : لاذكرك به قال : اذكرينى بالمنع )) (5).
ولعل من أطرف ما يستشهد به فى باب الاجابة المفاجئة بعكس ما يتوقعه القائل هذه النادرة تروى عن أبى الاسود الدؤلى وقد (( كان جالسا فى دهليزه ، وبين يديه رطب ، فجاءه رجل من الاعراب يقال له ابن أبى الحمامة . فسلم ، ثم قال : هل ادخل ؟ قال أبو الأسود : وراءك أوسع لك . قال الاعرابي : ان الرمضاء قد أحرقت رجلى . قال ابو الاسود : بل عليها او اقصد الجبل فاستظل به . قال الاعرابى : هل عندك شئ تطعمنيه ؟ قال أبو الأسود : نأكل ونطعم عيالنا ، فان فضل شئ فانت أحق به من الكلب . قال الاعرابى : ما رأيت قط الام منك ،
أنا ابن ابى الحمامة . قال أبو الأسود : كن ابن أبى طاووسة ، والقى اليه ثلاث رطبات ، فوقعت احداهن فى التراب ، فأخذها الاعرابي وجعل يمسحها بثوبه . فقال له أبو الأسود : دعها ، فان الذى تمسحها منه أنظف من الذي تمسحها به فقال الاعرابى : انما كرهت أن أدعها للشيطان . قال أبو الأسود : لا والله ، ولا لجبريل وميكائيل تدعها )) (6) .
ومن ابلغ صور )) القلب والعكس (( وأرقاها لما تقتضيه من عمق النظرة واحكام الفن ، ولما يتوفر فيها من طرافة وغرابة تقومان على التأليف بين المتنافرات من المعانى والأوضاع المفارقة . Paradoxe
ومن امثلتها ما رواه ابن قتيبة : (( نزل يهودى على أعرابى فمات عنده . فقام الاعراب يصلى عليه ، فقال : اللهم انه ضيف ، وحق الضيف ما قد علمت ، فأمهلنا الى أن نقضي ذمامه ، ثم شانك والكلب !! )) (7)
انها صلاة فريدة نوعها . و (( ملح )) النادرة يكمن فى هذا الموقف الغريب الشاذ .. فى هذا " الاجتهاد " الظريف - على اخلاله بتعاليم الدين - أن يصلى مسلم على يهودى واى صلاة هى ! ؟ محتجا بواجب الضيافة لا يرى فى ذلك بأسا ولا حرجا فأعجب به من ((مفت)) رجح كفة التسامح والاحسان .. تصرفا تعسفيا صادرا عن مروءة وسماحة وجهل وبساطة ، ولكنه جهل الكيس الخفيف الروح .
ونجد نفس هذه الازدواجية والتناقض فى موقف (( المتلقى )) من تصرف الاعرابى ، فانه قد يضحك منه وعليه ، وعلى وجهه ابتسامة سخرية واستطراف وهنالك صنف آخر من أظرف صور (( القلب والعكس )) وهو المحاكاة ( أو المعارضة ) الهزلية (Paradie) . ومما يشبه المعارضة الهزلية وليس فى الصمير منها هذه العينة الطريفة على الرغم مما يقترن بها من مجون واستهانة بالتقاليد الدينية وهى صورة من صور الهزل الجاد التى قد لا تخلو الفكاهة فيها من قتامة ومرارة .
حاء فى الاغانى : (( خرج الوليد بن يزيد ، وكان مع أصحابه على شراب ، فقيل له : ان اليوم الجمعة . فقال : والله لاخطبنهم اليوم بشعر فصعد المنبر فخطب فقال :
الحمد الله ولى الحمد أحمده فى يسرنا والجهد
وهو الذى فى الكرب أستعين وهو الذى ليس له قرين
اشهد فى الدنيا وما سواها أن لا اله غيره الها
ما إن له فى خلقه شريك قد خضعت لملكه الملوك
......................... ...................(8)
حسن التخلص : وهذا فن من التندر يتطلب من يقظة الذهن وقوة البديهة ومن المرونة واللباقة بل الرشاقة فى التصرف ما يمكن الظريف من التكيف مع المواقف الطارئة
المفاجئه ، والقدرة على مواجهتها والسيطرة عليها ، مهما تكن دقيقة محرجة ، سيطرة كاملة ، بفضل براعة القول وسلطان الكلمة.
وليس يصدق قولهم (( ان البلاغة مراعاة مقتضى الحال ، وأن يكون لكل مقام مقال )) كما يصدق على حسن التخلص .
والشواهد على ذلك كثيرة لا تكاد تحصى ، وذلك مصداق ما ذكره القدامى (9) من أن بلاغة العرب تقوم أساسا على البديهة ، وأن ما عرفوا به من ذكاء أقرب الى سرعة الخاطر واللمحة الخاطفة والى حدة الذهن والالمعية منه الى الروية الهادئة والتأمل المتئد الرزين .
ولاشعب فى هذا المضمار جولات جد موفقة ، منها هذا الجواب المستملح ، لمفاجأته السامع بعكس ما ينتظر ، ولما فيه من غرابة الخيال وشذوذه ، وفى ذلك أبلغ دليل على أن النادرة ، على قصر متنها وشدة اختصارها ، عمل ابداعى صميم لا يختلف فى جوهره عن أى مظهر من مظاهر الخلق الفنى الاخرى .
(( لقى أشعب صديق لابيه فقال له : ويحك يا أشعب كان أبوك الحى وانت أثط ، فالى من خرجت ؟ قال : الى أمى ! )) (10) .
قال رجل : رأيت أشعب بالمدينة يقلب مالا كثيرا فقلت له : ويحك ما هذا الحرص ؟ ولعلك أن تكون أيسر ممن تطلب منه . قال : إنى قد مهرت المسألة ، فانا أكره أن أدعها فتفلت منى ) ) (11) .
فكأنما أصبح السؤال . فيما يزعم أشعب ، يطلب لذاته باعتباره فنا أو هواية لذتها وجزاؤها الحق فيما تستدعي من ذكاء وحيلة وجهد ، وما قوله إلا تعلة ظريفة للتمويه على مخاطبه والسخرية منه .
الرد بالمثل ( أو مراعاة النظير في الرد ) Replique du tac au tac الرد بالمثل ( أو مراعاة النظير في الرد ) Replique du tac au tac
وهي نمط قريب من (( حسن التخلص )) ويشتر كان فى طبيعة الموقف الباعث على النادرة ( خاصية الاحراج ) وفيما يستدعيانه أيضا من خصال ومؤهلات .
و لعل الفرق بينهما، وهو نسبى Difference de degre et non de nature يتمثل فى كون صاحب )) الرد بالمثل (( لا يقنعه التخلص من حرج موقفه ) أى مجرد الدفاع عن النفس ( . يريد أن يعكس الآية فيسعى إلى إحراج مخاطبه وايقاعه فى مثل الموقف او المأزق الذي أوقعه فيه بل ، على الأصح ، فى أشد منه وأدهى ، وهكذا يحقق هدفين في آن باتباعه مثل هذه الخطة الهجومية التى هى سمة هذا اللون من التندر وخصوصيته .
وليس معنى (( الرد بالمثل )) ( وهي تسمية تعوزها الدقة ) أن الظريف يقيس على قدر كلام مخاطبه ، سواء بسواء يزنه بميزان العدل والتحرى ، لا يتخطاه ولا يقصر عنه ، إنما الرد بالمثل - كما قلنا أنفا - أن ترد ردا مضاعفا أشد وامضى مما وجهه إليك الخصم ، لكن فى كياسة ، فى غير إسراف ودون مجاوزة الحد ردا قاهرا يحسم النزاع وينهى الصراع بالإجهاز على الطرف المقابل .
ولهذا سمى بعضهم هذا النمط من النادرة (( الجواب المسكت )) لما فيه من إفحام للخصم ، وما أحسن ما عبر العرب عن هذا المعنى بقولهم البليغ الرئع على خشونته (( . . كأنما ألقمه الحجر ! )) .
فمهما اختلفت نماذج هذا اللون من النادرة وتفاوتت حدة ولطافة ، صراحة وتلميحا تبعا لمزاج أصحابها وعلى حسب منازلهم الاجتماعية ومستوياتهم الثقافية فإن الهدف واحد وهو تعجيز الخصم وقطع خط الرجعة عليه بأقصى السرعة ، وحمله على الاستسلام والانسحاب فورا من الميدان .
(( منع عمرو بن العاص عن جنوده ما كان يصل إليهم . فقام إليه رجل منهم فقال : أيها الأمير ، اتخذ لنا جنودا من حجارة لا تأكل ولا تشرب . فقال له عمرو : اخسأ أيها الكلب . فقال الرجل : أنا من جنودك ، فإن كنت كلبا فانت أمير الكلاب وقائدها )) (12) .
قال عمرو بن العاص لمعاوية معابثا إياه وقد لذ له أن يحرجه ويعاكسه ، معرضا بأعماله السيئة وجرائمه ، وإذا معاوية ينكشف له عن خصم أشد مضاء ودهاء والطف تعريضا وأبلغ مقالا : (( رأيت في النوم أن القيامة قد قامت وجيء بك وقد ألجمك العرق فقال معاوية : هل رأيت هناك شيئا من دنانير مصر ؟ ! )) (13) مشيرا إلى استغلال عمرو لولايته على مصر وغناه منها .
وشبيه بهذا ، إلا أن الدائرة فيه على معاوية نفسه : (( وقال معاوية لعقيل ( بن أبى طالب ) : إن فيكم لشبقا يا بنى هاشم . قال : هو منا فى الرجال وهو منكم فى النساء )) (14)

