(4) لقد أتيح لفن النادرة بالحجاز حظ كبير من الازدهار فبلغ مستوى عاليا من الرقي والنضج بفضل ما أشرنا اليه من عوامل حضارية سياسية مؤاتية . وقد تجلى هذا الرقي فى ثراء النادرة ومدى انتشارها اذ هى لمست كثيرا من مجالات الحياة ، فتعددت موضوعاتها ، فمن نادرة غرضها الهزل الصرف أو مجرد التعبير عن خاصة النفس والترويج عنها ، الى نادرة اخلاقية اجتماعية تشهر بما هنالك من عيوب وعاهات ، الى نادرة " سياسية " ( 2 ) فيها تحد
السلطة وإزراء بها وإن غير مباشر ولا هادف أحيانا ، الى نادرة مجونية ، سواء كان المجون رفضا للقيم الاخلاقية وتمردا عليها ، أو مسا بحرمة الدين عبثا بقداسته ، الى نادرة " أدبية " هى شكل جديد طريف من النقد عبر فيه أصحابه عن انطباعاتهم حول ما يسمعون من شعر فى شكل نكت لطيفة جمعت بين صدق الحاسية الفنية وبين البلاغة والظرف ( 3) .
وقد تجلى هذا الرقي والنضج - على المستوى الفني - فى أصالتها ، وفى تعدد أصنافها وتنوعها تبعا لاختلاف طرق التعبير ، وفيما تنطوى عليه هذه الطرق من تفنن وبراعة وطاقة تعبيرية وقوة إيحاء .
ولبس من المجازفة فى شئ اذا قلنا إننا نجد معظم أصناف النادرة المعروفة عندنا اليوم وأهمها ممثلة فيما بين أيدينا من أدب هذا العصر ، انطلاقا من البسيط الخفيف ، القريب المأخذ ، السهل المتناول حتى لكأنه " درجة الصفر " فى الفكاهة ، ونعنى بها الفكاهة الخام ، تلك الفكاهة الغفل التى تجهل ذاتها , شأن نوادر الحمقى والمغفلين ( إذ ينعدم لدى أبطالها أهم شروط الفن من وعي وقصد الى الامتاع ، وحرص على الاجادة والاتقان ، وإنما يتمثل الفن فى براعة السرد عند الراوية وقدرته على التصوير ) ، الى فن وسط فى تركيبه وثراء مضمونه ، وحظه من مستويات التعبير وابعاده ، ومثاله النوادر القائمة على التناقض ، ما كان منه غير متعمد وما كان منه مقصودا ، وعلى التغافل والتحامق ، الى الغريب المعقد الذى ألف بين دقة التركيب وإحكام العبارة ولطف الصنعة وعمق الدلالة مع سلامة الطبع ورونقه وبهائه ، ومثله النوادر التى نعتمد التصوير الهزلي ( او المسخى ) caricature ، وأسلوب القلب والعكس ، وما يتفرع منه من محاكاة هزلية Prodie ومفارقة paradoxe أو تقوم على حسن التخلص والرد بالمثل ، وشتى صنوف اللعب بالمعانى من كناية وتورية وتعريض وإجابة بغير المطلوب ( أسلوب الحكيم ) ؛ وهذه الدرجة من الفن تقتضى أقصى ما بوسع المندر من تجمع الملكات وتركيزها وتضافرها نخفزا لرد الفعل الانسب كأنه السهم أو الشرارة شدة وقع ورشاقة ونفاذا ... حال هى الذروة من حيث يقظة الذهن وشحذ الحاسية الفنية وتوثب الخيال واستجابة البديهة ، وهى فى منتهى جيشانها وطلاقتها ونشاطها .
الغفلة والحماقة :
أدنى درجات الغفلة ذهول عن الواقع عارض عابر وعدم انسجام وتكيف معه لحين ينشأ منه نشاز مضحك بين تصرف الغافل وما يقتضيه الواقع والمنطق من سلوك .
وهى فى شكلها المزمن ضرب من الغباء والحماقة أو " البلادة والجهل بصواب الاحكام وسلامة التعبير " .
ويتمثل عنصر الفكاهة أساسا فى هذا التناقض المركب بين واقع المغفل واقع الناس من جهة ، وبين نظرته الى نفسه ونظرة الناس اليه " فجهل ذى الغفلة بغفلته والاحمق بحماقته هو الذى يضاعف ضحك الناس منه لانهم يعرفون ما به ولا يعرف هو ما بنفسه " فينضاف الى نشاز سلوكه وشذوذه عن واقع الناس عامل الغرابة والعجب والاستطراف إزاء غفلته عن حقيقة حاله .
ويشتد عامل الغرابة والاستطراف اذ نراه حسن الظن بنفسه ، واثقا بصواب تصرفاته ، معتدا بلياقة سلوكه وحكمته ، فهو فى واد والناس فى واد ، وكأنه بل هو فعلا فى عالم آخر غير عالم الناس ، عالم تعطل فيه المنطق وبطلت أوكادت أن تبطل قوانينه ومكاسبه ، وتميعت فيه صرامه العقل ودقته ، وغلب الحس والخيال . وهنا وجه الغرابة والعجب ، فالاحمق " يستخدم طاقية الاستخفاء بطريقة معكوسة ، فاذا هو يحتجب عن نفسه , ويبين لكافة الناس " ( 4) .
وذاك مما يفسح مجال الضحك والفكاهة الى غير حد لانتفاء الموانع والعراقيل ، أخلاقية كانت أو عاطفية ، ولفقدان او ضعف ردود الفعل من قبل الاحمق التى من شأنها أن تمنع أو تجمد تيار الفكاهة . وكيف لا نضحك ملء صدورنا ممن يحسب نفسه شخصا سليما مستقيم الحال كأحسن ما يكون السوى من الناس بل قد يرى نفسه فى نعمة يغبط عليها ، وهو مختل التفكير مشوش التصرف والسلوك ؟ !
و لعلنا نجد هذه النادرة صورة لهذه النفسية الغربية نفسية الاحمق الراسخ فى حماقته الحسن الظن بنفسه المتشبث برأيه المعتد بمواقفه ؛ والجدير
بالملاحظة ، وهو وجه الطرافة فى هذا الخبر ، ان البطل ليس شخصا بمفرده انما هو جماعة تنتمى الى عشرة عرفت بالصلاح والبله الشديد ، فكانوا لذلك مثالا للدين الذى لا عقل له ، على أن الجماعة لا تخلو ، مع ذلك ، من بعض الفطننة والتمييز .
" حكي أن امرأة أبى رافع رأته فى نومها بعد موته ، فقال لها : أتعرفين فلانا الصيرفى ؟ قالت له : نعم ، قال فان لى عليه مائتى دينار . فلما انتبهت غدت الى الصيرفى فاخبرته ، وسألته عن المائتى دينار ؟ فقال : رحم الله أبا رافع ، والله ما جرت بينى وبينه معاملة قط ! فأقبلت الى مسجد المدينة فوجدت مشائخ من آل أبى رافع كلهم مقبول القول ، جائز الشهادة ، فقصت عليهم الرؤيا ، وأخبرتهم خبرها مع الصيرفى ، وإنكاره لما ادعاه أبو رافع . قالوا : ما كان أبو رافع ليكذب في نوم ولا يقظة ! قربي صاحبك الى السلطان , ونحن نشهد لك عليه .
فلما علم الصيرفى عزم القوم على الشهادة لها ، وعلم أنهم إن شهدوا عليه لم يبرح حتى يؤديها ، قال لهم : إن رأيتم أن تصلحوا بينى وبين هذه المرأة على ما ترونه فافعلوا ، قالوا : نعم ، والصلح خير ، ونعم الصلح الشطر ، فأد اليها مائة دينار من المائتين ، فقال : أفعل ، ولكن اكتبوا بينى وبينها كتابا يكون وثيقة . قالوا : وكيف تكون هذه الوثيقة ؟ قال : تكتبون لى عليها أنها قبضت منى مائة دينار صلحا عن المائتى دينار التى ادعاها أبو رافع فى نومها ، وانها قد أبرأتنى منها . وشرطت على نفسها ألا ترى أبا رافع فى نومها مرة أخرى ، فيدعى على بغير هذه المائتى دينار ، فتجئ بفلان وفلان يشهدان على لها . فلما سمعوا الوثيقة انتبه القوم لانفسهم ، وقالوا : قبحك الله ، وقبح ما جئت به" ( 5) .
وهذا أحمق مغرور يتمثل سخفه فى كونه يبالغ فى تقدير شأنه أيما مبالغة ، وينسب لنفسه ما ليس لها من الفضل ، متطفلا على الادب ، والادب منه براء .
" وذكر أن هاشميا قال لعمر بن ابى ربيعة : لولا بغضكم لنا يا بنى مخزوم ما قلت :
بعيدة مهوى القرط إما لنوفل أبوها وإما عبد شمس وهاشم
فقدمت علينا بني نوفل وبني أمية ؛ فتوهمه ابن أبى ربيعة عاقلا ، فقال : لا بأس بتقديم المفضول على الفاضل فى اللفظ . قال حسان بن ثابت :
وما زال فى السادات من آل هاشم مكارم صدق لا تعد ومفخر
بهاليـل منهم جعفـر وابن أمـه علي ومنهم أحمد المتخير
وأيضا فالشعر على الميم ، فلم يكن فى القافية الا ما قلت لك . قال : فاعجزتك الحيلة ؟ قال : وكيف أحتال ؟ قال : تقول :
بعيدة مهوى القرط إما لهاشم ابوها وإما عبد شمس ونوفل ميم
فضحك وقال : وهنا لقد عجزت عن هذا " ( 6) .
الهفوة اللسانية : Lapsus linguae .
ولنا منها ، على قلتها ، عينات ظريفة مستملحة تتنزل فى الصميم من هذا النوع الذى تتمثل طرافته فى الكشف عن دفين المشاعر ومكتتم الأحوال وخبايا النفوس كشفا فجائيا .. فضحا بالغا قاسيا يزيد النادرة لذاذة ويضاعف وقعها وحظ الفكاهة فيها .
ومثالها ما رواه ابن قتيبة : " ... كان خالد بن عبد الله من الجبناء ، خرج عليه المغيرة بن سعيد ، فذعر خالد وقال : أطعمونى ماء ! " ( 7).
" ... خطب عبيد الله بن زياد ، فقال ، من جبنه ودهشته وفزعه : افتحوا سيوفكم ، ولذلك قال فيه ابن مفرغ :
ويوم فتحت سيفك من بعيد أضعت ، وكل أمرك للضياع " ( 8)
ومن ذلك ما جاء فى نهاية الارب : " دخل ابن خلف الهمدانى على رجل يعزيه ، فقال : اعظم الله مصيبتك وأعان أخاك على ما يرد عليه من يأجوج ومأجوج . فضحك الناس . فقال : تضحكون مما قلت ، وإنما أردت هاروت وماروت " ( 9 ) فزاد الطين بلة بأن أضاف الى السهو والغفلة حماقة وجهلا .
التناقض :
ومن أبسط صوره وأيسرها أن يعقب الموقف نقيضه ، على أن لا تمتد الفجوة بينهما حتى لا تخف حدة التناقض ، ويضعف أو يزول ما بالموقف من غرابة وشذوذ .
ومثال ذلك هذه النادرة التى تصور لنا أشعب يبكى على الصريمية - وكانت مغنية مشهورة - ويلعنها فى آن معا .
" اجتازت جنازة الصريمية بأشعب وهو جالس فى قوم من قريش فبكى عليها ، ثم قال : ذهب اليوم الغناء كله ، وعلى أنها الزانية ، لا رحمها الله , كانت شر خلق الله ، فقيل له : يا أشعب ليس بين بكائك عليها ولعنك إياها فصل يوم فى كلامك . فقال : نعم كنا نجيئها الفاجرة بكبش فيطبخ لنا فى دارها ثم لا تطعمنا الا السلق " ( I0) .
وأبلغ من ذلك تأثيرا حتى ليكتسى الموقف أحيانا طابعا دراميا ملحوظا ، وأحفل أيضا بالفكاهة ألطفها وأطرفها أن يكون الشخص موزعا بين عاملين متناقضين يتجاذبانه ، وهو يحاول أن يخفى حقيقة حاله ، أو هو فى غفلة عنها غير واع بها وعيا واضحا بصيرا . وبطلنا فى هذا الخبر جبان متشاجع .. جبان يأبى الا أن ينكر واقعه الصريح المكشوف يرفضه رفضا فيسعى جهده لان يظهر على خلاف حقيقته ، ولب الفكاهة وجوهرها فى إصرار أبى حية النميرى على ادعاء الشجاعة ولجاجته فى ذلك حتى عند افتضاح أمره ، وانسياقه مع وهمه وخياله يبنى لنفسه عالما برمته يجعله كالغشاوة على واقعه المشهود وحقيقته الساطعة Mythomanie .
" كان لأبى حية النميرى سيف ليس بينه وبين الخشب فرق ، كان يسميه " لعاب المنية " ، فحكى عنه بعض جيرانه قال : أشرفت عليه ليلة وقد انتضاه ، وهو واقف بباب بيت فى داره وقد سمع فيه حسا ، وهو يقول : أيها المغتر بنا المجترئ علينا ، بئس والله ما اخترت لنفسك ؛ خير قليل ، وسيف صقيل " لعاب المنية " الذى سمعت به ، مشهورة صولته ، لا تخاف نبوته ، اخرج بالعفو عنك لا أدخل العقوبة عليك ؛ إنى والله إن أدع قيسا تملأ الفضاء عليك خيلا ورجلا ، سبحان الله ! ما أكثرها وأطيبها ! والله ما أنت ببعيد من تابعها ، والرسوب في تيار لجتها . وهبت ريح ففتحت الباب ، فخرج كلب , فاربد وجهه ، وشغر برجلية ، وتبادرت اليه نساء الحي فقلن : يا ابا حية ، ليفرخ روعك إنما هو كلب . فجلس وهو يقول : الحمد لله الذى مسخك كلبا ، وكفانى حربا " ( II) .
ومن أظرف المواقف القائمة على التناقض خطأ الظن والفهم 0 Quiproqui ، سوء التفاهم الناشئ من التباس شخص بشخص أو شئ بشئ ؛ ومثل هذا الموقف قليل فى أدبنا بالنظر الى الادب الغربى ، وخاصة المسرح بشقيه المآساة والمهاة حيث يكتسى هذا الموقف أهمية كبيرة لكونه من أخصب موارد الضحك والفكاهة ولما يوفره من شحنة درامية .
" قدم مخنث من مكة يقال له مخة ، فجاء الى الدلال فقال : يا أبا يزيد ، دلنى على بعض مخنثى أهل المدينة أكايده وأمازحه ثم أجاذبه ؛ قال : قد وجدته لك . وكان خثيم بن عراك بن مالك صاحب شرطة زيادة بن عبد الله الحارثى جاره ، وقد خرج فى ذلك الوقت ليصلى فى المسجد - فأومأ الى خثيم فقال : الحقه فى المسجد فانه يقوم فيه فيصلى ليرائي الناس ، فانك ستظفر بما تريد منه . فجلس فى المسجد وجلس الى جنب ابن عراك ، فقال : عجلى بصلاتك لا صلى الله عليك ! فقال خثيم : سبحان الله ! فقال المخنث : سبحت فى جامعة ( I2) قراصة ! انصرفى حتى أتحدث معك . فانصرف خثيم من صلاته , ودعا بالشرط والسياط فقال : خذوه . فأخذه فضربه مائة وحبسه " ( I3) . ومن طريف التناقض " أن يتكلم الشخص كلاما يريد به الاصلاح ، ويغفل مهما فيه من إفساد ، أو يقصد الافساد فى صورة الاصلاح " .
ومن ذلك أنه " حدث بين الاعمش وامرأته جفوة ، فسأل بعض أصحابه من الفقهاء أن يرضيها ويصلح بينهما ، فدخل الرجل اليها ، وقال لها : إن أبا محمد شيخ كبير ، فلا يزهدنك فيه عمش عينيه ، ودقة ساقيه ، وضعف ركبتيه ، ونتن إبطيه ، وبخر فمه ، وجمود كفيه ، فقال له الاعمش : قم قبحك الله ، فقد أريتها من عيوبى ما لم تكن تعرفه " ( I4) .
ومن " التناقض المضحك أن يكون الشخص فى حالة تقتضى تصرفا معينا معلوما فاذا به يفعل أو يقول نقيض ما كان يجب أن يفعل أو يقول " ؛ وعلى قدر التناقض والنشاز بين موقف الشخص ومقتضى الظرف والحال تكون الفكاهة وحظ هذا الشذوذ من الطرافة والغرابة والاستتظراف كأن يهزل المندر ويعبث فى موقف أدعى ما يكون الى الهيبة والوقار .
ولعل جوهر الفكاهة فى الخبر التالى ونكهتها تتمثل فى براعة المعنى الدلال فى القيام بدور المتغافل المتغابى يهزل ويعبث ساخرا أشد ما تكون السخرية والعبث مسا بهيبة الوالى وبحرمة الدين وقداسته تحت قناع الجد والبراءة وحسن النية ، كما تتمثل الفكاهة فى لباقة احتجاجه القائم على المغالطة والتمويه .
" صلى الدلال يوما خلف الامام بمكة ، فقرأ : ( ومالى لا أعبد الذى فطرنى واليه ترجعون ) . فقال الدلال : لا أدرى والله ! فضحك أكثر الناس وقطعوا الصلاة . فلما قضى الوالى صلاته دعا به وقال له : ويلك ! ألا تدع هذا المجون والسفه !؟ فقال له : قد كان عندى أنك تعبد الله ، فلما سمعتك تستفهم ظننت أنك قد تشككت فى ربك فثبتك . فقال له أنا أشك في ربي وانت ثبتني ؟ اذهب لعنك الله ! ولا تعاوده فأبلغ والله في عقوبتك " ( I5) .
التغافل والتحامق :
وهذا فن من الفكاهة يقتضى صاحبه قدرة فائقة على " التمثيل " بما فيه من صنوف الايهام والخداع والمحاكاة فضلا عن سرعة الخاطر وقوة البديهة وحسن البيان . وسر الفكاهة هنا يكمن فى ازدواجية الموقف ، فى اجتماع الضدين الجد والهزل .
و تتمثل براعة المنذر - بصفة خاصة - فى أن يتقمص شخص الغافل أو الاحمق ويتصرف ويتكلم وفقه دون أن يتفطن الى حيلته أو يتحقق منها فيبقى مخاطبه مترددا متوقفا بين النفى والايجاب لفرط تلبسه ( أى المندر ) بالشخصية الموهومة وقدرته على محاكاتها . وهكذا يظن به الغفله أو الحمق و الغباء هو أشد ما يكون يقظة وانتباها وتوقد ذهن ، ويحمل تصرفة محمل الجد وهو عين الهزل والمزاح ، سخرية من مخاطبيه ومن كل ما فى الدنيا من حمقى ومغفلين ، وسخرية من نفسه أيضا ومن كل شئ . ذلك أن الضحك عند المندر حاجة أكيدة ملحة .. لازمة قاهرة .. طبيعة ثانية تلون وجوده كله ، و تهيمن على نظرته الى الحياة ، وتملى عليه تصرفاته حتى يكاد يصبح عنده - فضلا عن كونه أداة عيش - بمثابة معنى الحياة ومبررها .
جاء فى الاغانى : أوقفت عائشة بنت عثمان أشعب فى البزازين ، فقالت له بعد حول : أتوجهت بشئ ؟ قال : نعم ، تعلمت نصف العمل وبقي نصفة , قالت : وما تعلمت ؟ قال : تعلمت النشر وبقي الطي " ( I0) .
و جاء أيضا :" ... سمعت أشعب يقول : ما زفت بالمدينة امرأة قط الى زوجها إلا كنت بيتي ورفعت ستري طمعا فى أن تهدى إلي " ( I7) :
ومما رروي فى هذا الباب " قال أشعب : جاءتنى جارية بدينار وقالت : هذا وديعة عندك . فجعلته تحت الفراش ، فجاءت بعد أيام تنظر الدينار ، فقلت : ارفعي الفراش ، وخذي ولده - وكنت تركت الى جانبه درهما - من الدينار وأخذت الدرهم ، وعادت بعد أيام ، فوجدت معه درهما آخر فأخذته ، وعادت فى الثالثة كذلك . فلما جاءت الرابعة تباكيت . فقالت : ما يبكيك ؟ قلت : مات الدينار فى النفاس . فقالت : وكيف يكون للدينار نفاس ؟ فقلت : يا حمقاء ، تصدقين بالولادة ولا تصدقين بالنفاس ! " ( I8) .
ومن صور التحامق ما تخفى حقيقته فيلتبس بالغفلة والحماقة حتى كأنه فى الصميم منها ؛ ولولا علمنا بشخصية صاحبها ويقيننا من أنه أبعد الناس عن الحماقة لوسمناه بها ، وما ذاك الا لبراعته العظيمة فى الايهام والمخادعة
وإتقانه لفن التشخيص حين يعمد للقيام بدور المتغافل المتغابى . وكأنى بسعد الرابية وهو بطل الخبر التالى ينظر الى الواقع نظرة تجريدية صرفا إذ هو يتصرف فيه هازلا يحاول تأليف ما لا يتفق ويروم تسويغ المحال كما لو كان إزاء لعبة يعبث بقطعها يضاد بينها مخالفا قاعدة اللعب فاذا بالضحك رياضة ذهنية محض ، ضرب من اللعب العقلى الخالص غايته فى ذاته ، فى إثبات حرية المندر وإرادته التعسفية التى ترفض القيد والحد .
" اختصم الى زياد بنو راسب وبنو الطفاوة فى غلام ادعوه ، وأقاموا جميعا البينة عند زياد ، فأشكل عليه الامر فقال سعد الرابية : اصلح الله الامير ، قد تبين إلي فى هذا الغلام القضاء ، ولقد شهدت البينة لبني راسب ولبني الطفاوة ، فولنى الحكم بينهما . قال زياد : وما عندك فى ذلك ؟ قال : أرى أن يلقى الغلام فى النهر ، فان رسب فهو لبني راسب ، وإن طفا فهو لبني الطفاوة . فأخذ زياد نعليه وقام ، وقد غلبه الضحك . ثم أرسل اليه : إنى أنهاك عن المزاح فى مجلسى . قال : أصلح الله الامير ، حضرنى أمر خفت أن أنساه . فضحك زياد وقال : لا تعودن " ( I9) .
التصوير الهزلى - أو المسخى :
التصوير الهزلى وصف ساخر ينحو منحى المبالغة يعمد فيه صاحبه الى إبراز نقص أو عيب ما وتأكيده على سبيل الدعابة والمزاح أو التهكم الخفيف .
جاء فى كتاب الاغانى : " قال المدائنى : وقال أشعب : تعلقت بأستار الكعبة فقلت : اللهم اذهب عني الحرص والطلب الى الناس . فمررت بالقرشيين وغيرهم فلم يعطنى أحد شيئا ، فجئت الى أمي فقالت : مالك قد جئت خائبا ؟ فأخبرتها . فقالت : لا والله لا تدخل حتى ترجع فتستقيل ربك ، فرجعت فقلت : يا رب أقلنى ، ثم رجعت ، فلم أمرر بمجلس لقريش وغيرهم الا أعطونى ووهب لى غلام ، فجئت الى أمي بحمار موقر من كل شئ ، فقالت : ما هذا الغلام ؟ فخفت أن أخبرها بالقصة فتموت فرحا . فقلت : وهبوا لى , قالت : أى شئ ؟ قلت : غين . قالت : أى شئ غين ؟ قلت : لام . قالت
وأى شئ لأم ؟ قلت : ألف . قالت : وأى شئ ألف ؟ قلت : ميم . قالت : وأى شئ ميم ؟ قلت : غلام . فغشي عليها ، ولو لم أقطع الحروف لماتت الفاسقة فرحا " (20) .
وقد يمعن " المصور الهزلى " فى تحريف الموضوع ترجيحا لجوانب النقص و تركيزا عليها ، إيهاما بأنها الاصل لا شئ معه مما قد يختلف عنه أو يباينه ، أو زيادة مفتعلة فيها نسجا على منوالها أو قلبا للمحاسن وعكسا للمزايا حتى يجعلها بمثابة سمة الشخص وخصوصيته البارزة تجمل شخصيته المختلفة اختلافا وتكاد تلخصها ، واذا بالنسخة تنافس الاصل تفرض نفسها عليه عليه تريد بل تكاد أن تحل محله إنكارا لحقيقته حتى تنعكس الآية ، فاذا الاصل مدفوع متضائل ، واذا الوهم ماثل قائم يثبت وجوده فى جرأة واستعلاء ووقاحة . وأولى بهذا اللون من التصوير أن يدعى تصويرا مسخيا لما ينطوى عليه من حدة السخرية وقسوتها الشبيهة أحيانا بالهجاء عنفا وإقذاعا .
لقد يدفع شيطان الضحك المندر الى التعابث بأصدق أنصاره ، والمعجبين به ومن أشرفهم منزلة أو نسبا ، فيعمد متخابثا الى قلب الاحسان إساءة ، والمزية عيبا ، راسما صورة مسخية لشخص من أحسن اليه ، يفعل ذلك متغافلا متجاهلا شأن الحاقد المتشفي المتلذذ بالعدوان وليس بذاك ؛ وإنما هو الضحك وسلطانه والتندر وحكمه يستخف بالعواطف اذا ما اعترضت طريقه ويتجاوز القيم ، ويأبى الا التعبير عن ذاته وإثبات وجوده ومشيئته ، وإنما هو حب المعاكسة والتعلق بأدنى سبب من أسباب الفكاهة والسخرية تشتق من كل شئ ، وتستمد حتى من معدن الخير والفضيلة فى عدم مبالاة ولا مسؤولية .
وأطرف ما فى الخبر سعس أشعب الحثيث - بين ملأ من الناس - الى شكر محسنه والتنويه بنعمته فى جد وصدق وإخلاص - فى ظاهر الامر - وهو فى الآن نفسه يحرف هذا الاحسان تحريفا ، ويجعل منه معرة وعيبا ملطخا سمعة رجل شريف أبرأ ما يكون مما ألصق به من تهمة .
" جاء أشعب الى أبى بكر بن يحيى من آل الزبير فشكا اليه ، فأمر بصاع من تمر ، وكانت حال أشعب رثة فقال له أبو بكر بن يحيى : ويحك يا اشعب ، مثلك فى سنك وشهرتك تجئ فى مثل هذه الحال فتضع نفس فتعطى مثل هذا ؟ اذهب فادخل الحمام فاخضب لحيتك . قال أشعب : ففعلت ثم جئته ، فالبسني ثياب صوف له جيدة ، ثم قال : اذهب الآن فاطلب . قال : فذهبت الى هشام بن الوليد ... من آل ابى ربيعة ، وكان رجلا شريفا موسرا ، فشكا اليه فأمر له بعشرين دينارا . فقبضها اشعب وخرج الى المسجد ، وطفق كلما جلس فى حلقة يقول : أبو بكر بن يحيى - جزاه الله عني خيرا - أعرف الناس بمسألة فعل بي وفعل . فيقص قصته ، فبلغ ذلك أبا بكر فقال : يا عدو نفسه فضحتنى فى الناس ، أفكان هذا جزائى " (21) .
وأخص ما تمتاز به النادرة " المسخية " القصيرة دون سائر الالوان شدة الوقع فى النفس ودوام الاثر والاشعاع كأنها الرسم خط طرفة العين بلمسات معدودة فاذا هو ينتقش في مخيلة المضحوك عليه كالوهم يستبد بذهنه هوسا مفترسا لا بريم ، لا يزال يخز شعوره .. صورة دامغة فاضحة حتى كأن الشخص قد جرد فى ملا من الناس من ثيابه .
ولئن كان للنادرة " المسخية " مثل هذا التأثير البالغ الحاد فذلك يعود الى ما خصت به - ويشاركها فى ذلك الشعر البليغ - من شدة تركيز وقوة إيحاء نقوم أساسا على اختيار الصورة الانسب والاكثر دلالة ؛ وإن ما قيل حول وقع الشعر الهجائى البليغ (22) وما له من " قوة ضاربة " عجيبة تزعزع كيان المهجو وتضع عليه وسما لا يفارقه مدى الحياة لهو ينطبق تماما على هذا الضرب من النادرة . وقد نجد مثل هذه الخصائص فى النماذج التالية :
" تمنى ابن أبى عتيق أن يهدى له حمل يتخذ منه طعاما ، فسمعته جارة له وهو يحدث امرأته بذلك ، فظننت أنه قد أمر أن يشترى له حمل ، فانتظرت إلى وقت الطعام ، ثم جاءت فدقت الباب ، وقالت : شممت ريح قدوركم ,
فجئت لتطعمونى . فقال ابن أبى عتيق لزوجته : جيران يشمون ريح الامانى " ( 23)
واتفق أن أشاد عمر بن أبى ربيعة بفضل امرأة عاقلة توسطت بالحسنى بينه وبين حبيبة له ، منوها بخصالها ، فقال ابن أبى عتيق : " الناس يطلبون خليفة فى صفة قوادتك هذه يدبر أمورهم ، فما يجدونه ! " ( 24) .
" ... أنشد عمر بن ابى ربيعة قوله :
يا خليلى من ملام دعانى وألما الغداة بالاظعان
لا تلوما فى آل زينب إن الـ ـقلب رهن بآل زينب عان
-القصيدة - قال : فبلغ ذلك أبا وداعة السهمى ، فأنكره وغضب . وبلغ ذلك ابن أبى عتقق ، وقيل له : إن أبا وداعة قد اعترض لابن أبى ربيعة من دون زينب بنت موسى وقال : لا أقر لابن أبى ربيعة ان يذكر امرأة من بني هصيص فى شعره " ؛ فقال ابن ابى عتيق : لا تلوموا أبا وداعة ان ينعظ من سمرقند على أهل عدن ! " (25) .
تهكم الشخص بنفسه :
وهو من أدل الشواهد وأبلغ الدلائل على أصالة الظرف والفكاهة فى نفس المندر ، بل لعله أبلغ دليل على تأصل روح الفكاهة فيه إذ يتخذ نفسه موضوعا سائغا للهزل والسخر ، وقد جعل بينه وبينها مسافة تتم بها الازدواجيه فى موقفه - وذاك أول شروط الفن - فاذا هو كما لو كان يخاطب شخصا آخر .. صديقا له يعابثه بهزأ منه حينا فى رفق هزءا عليه مسحة من الدعابة الخفيفة .
ومثل ذلك نوادر تروى عن أشعب اتحدث روحا وغاية وإن ترددت بين التلميح والتصريح وتفاوت حظها من الذوق والفن ، فمنها اللطيف الرشيق الجيد الرفيع ، ومنها الرخيص السوقى وكلها مضحك طريف لا أثر للبرد أو الفتور فيه ، مما يشهد بصدق الطبع وأصالته عند هذا المندر الفذ .
قال اشعب : نشأت أنا وابن الزناد ( وكان من العلماء المرموقين إذ ذاك) فى حجر عائشة بنت عثمان ، فلم يزل يعلو وأسفل حتى بلغنا هذه المنزلة " ( 26).
" وقال أشعب : رأيت رؤيا نصفها حق ونصفها باطل . قالوا : كيف ذلك ؟ قال : رأيتنى أحمل بدرة فمن شدة ثقلها علي كنت أسلح فى ثيابى ، ثم صحوت ، فاذا أنا أسلح ولا بدرة " ( 27) .
فهذا اللون الباسم المرح الذى ينم عن انسجام الشخص مع نفسه ، وتكيفه مع وضعه ومحيطه ، ورضاه بمنزلته بالرغم مما قد يقترن بها من ضعة ومهانة وتبعية .. وجوه من النقص استطاع أن يلين شوكتها ويروض جماحها ويتجاوزها مسيطرا على مركباته ، حاسما لأذاها بفضل النكتة الاصيلة البارعة .. ذلك العلاج السحرى الذى أمكنه ان يصطلح مع نفسه ويتفق وبيئته ، ويقر قرارا فى دوره وشخصيته اللذين اصطنعهما أو على الاصح شترك الطبع والظروف فى اصطناعهما فاذا هما طبيعة ثانية .
ومن التهكم - تهكم المرء بنفسه - لون عابس قاتم هو السخرية المرة , وتتخذ أشكالا مختلفة منها التشاؤم الضاحك ومثاله ما جاء على لسان الشاعر الظريف الدارمى فى حال مرضه ، وقد يئس من الشفاء فواجه مصيره المحتوم فى صرامة وشجاعة ، فى تمام الوعي والتبصر ، مترفعا عن باطل الامانى والاوهام ، مستخفا بها ، مزدريا إياها ، مواجهة الند للند بلا لف ولا دوران .
" أصابت الدارمى قرحة فى صدره ، فدخل اليه بعض أصدقائه يعوده ، فرآه قد نفث من فيه نفثا أخضر ، فقال له : أبشر ، قد اخضرت القرحة وعوفيت . فقال : هيهات ! والله لو نفثت كل زمردة فى الدنيا ما أفلت منها " ( 28).

