الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

الناقد في الميزان

Share

بقدر ما يعمق شعور الفنان ويتركز فى لحظات الخلق الفنى تضيق دائرته ، وبذلك يكون الفنان فى شبه غيبوبة ينفصل خلالها عن كل ما عدا الفكرة أو العاطفة المهيمنه على وجدانه فى تلك اللحظه . وفى تلك الاثناء لا يكون الفنان واعيا لما يتمخض عن تجربته فهو يحتفظ بشئ من " السذاجة " وعدم الوعى الكامل لما يخلق لان عواطفه وأحاسيسه وذوقه وكل شعوره ولا شعوره أيضا - وهو الذى يقوم بالقسط الاوفر فى العمل الفنى بما فيه من مؤثرات وعقد دفينة منذ الصغر - تتضافر ليكون الأثر الفنى ؛ وهذا ما يفسر انبهار الفنان امام خلقه الفنى ، أى أمام نفسه بالذات ؛ وهذا ما يفسر أيضا ذهاب القدامى الى الاعتقاد بشياطين الشعر وعرائسه أو آلهته .

فرب كلمة أو ايماضة خاطفة ، لا تسترعى الانتباه فى أثر فنى تستر وراءها عالما يعيش فى نفس الفنان قد لا يدركها هو نفسه ، لكن الناقد الفنان يستطيع ان يكشف وراءها مرامى بعيدة وأفكارا قد لا يتفطن اليها القارىء العادى .

فى ضوء ما تقدم يبدو لنا أن العمل النقدى ضرورة يتطلبها الأثر الفنى ولا غنى له عنه . ومن خلال استقرائنا للاعمال النقدية يمكن لنا تقسم النقد والنقاد الى ثلاث فئات وسنبين فيما بعد ما لكل نوع من هذه الانواع من محاسن ومساو ونبتدئ أولا بــ :

- النقد الانطباعى : وهو ما يمكن تسميته بالنقد البدائى وقد سبق النوعين الآخرين تاريخيا وهو يعتمد على الذوق أكثر من اعتماده على شئ آخر ، وقد عرف لدى عرب الجاهلية وخاصة فى سوق عكاظ الذى كان يؤمه الشعراء ، فى ذلك العهد ، لانشاد شعرهم أمام ناقد بل حكم يقضى يتفوق شاعر على آخر أو آخرين .

... أقول هذا لأنى لاحظت أن بعض نقادنا أو من تصدوا للنقد لم

يتطوروا بل بقوا حيث كان اجدادنا فى الجاهلية . ولا يكلفون أنفسهم حتى عناء تفهم الأثر الفنى الذى بين أيديهم ويتسرعون فى الحكم وينشرون ذلك على الصحف وفى المجلات مدعين أنهم قد كتبوا نقدا أو حكما على الفنانين ولكن ذلك فى الحقيقة حكم عليهم هم وعلى أذواقهم وافهامهم بدرجة أولى ، لا حكما على غيرهم ومن بين هؤلاء الاستاذ على دب الذى كتب " بين كوكتال " الهمامى و " استراحة " الزناد " فى العدد السابق بالفكر (1) . ورفض شعر " غير العمودى والحر " من أساسه . وقد كتب بلهجة تهكمية خالية من روح النقد الحق ، فهو يقول مثلا : " من ألجاك الى الشعر يا سيدى الهمامى ، كان يمكن ان تكتب مقالا فى احدى الصحف عن قطارك هذا بألفاظك التى اخترتها . لكن لا تسمه شعرا حتى لا تسئ الى غيرك من الشعراء الجادين . . " (2) .

ان هذا النوع من النقد - كما يظن صاحبه - ليس من النقد فى شئ . فماذا ترى يقول استاذنا دب لو أنه قرأ فى إحدى المجلات قولا مثل هذا : " من الجأك الى النقد يا أستاذ دب ، كان يمكن ان تهمس فى أذن احد اصدقائك فى زاوية مقهى من المقاهى بحكمك هذا وبأسلوبك الذى اخترته . لكن لا تسمه نقدا حتى لا تسئ الى غيرك من النقاد الجادين . . " . لكن الذى اعجبنى فى مقال الاستاذ هو قوله : " والتجديد ليس حلمة صيف . " .

هذا صحيح فالتجديد ليس بالامر السهل لانه يتطلب جهدا فى الخلق والابداع ولانه لا يجعل صاحبه يسير فى طريق ممهدة سهلة آمنة ، بل ان فيه صعابا يجب أن تذلل ومزالق يجب ان تجتنب ويتطلب التجديد أيضا صدرا رحبا يتحمل كل المعاكسات والصبر على غضب الذين لا يحبون الا المحافظة على القديم بكل السبل والوسائل مثل الاستاذ على دب نفسه وموقفه من جماعة " غير العمودى والحر " . هذا صحيح ، فـ " التجديد ليس حلمة صيف " ولكنه رغم ذلك " وثبة حاجز " اذا حددنا ان هذا الحاجز ما هو إلا حاجز التقليد الأعمى والمعارضة لا لشئ إلا لحب المعارضة . ونحن لا نلوم بعض " النقاد " الانطباعيين كثيرا لأنهم فى غالب الأحيان قراء متذوقون بعيدون عن روح الفن والخلق الفنى وقد اعتادوا صنفا ما من الأدب فلا يرضيهم التغيير لأنهم يجدون أنفسهم فى حيرة وبلبلة لا يقدرون على التكيف فى هذا الجو الجديد ولذلك

ينضمون الى شق المعارضة دون إرادة منهم ويناصبون التجديد العداء . ولا شك ان الاستاذ دب قد وجد نفسه فى هذا الوضع خصوصا عندما لم ير من بين النقاد من يتصدى لهؤلاء الجماعه " المتمردين " على ادبنا التقليدى " المقدس " فأراد ان يعبر عن رأيه لان النقاد - فى رأيه - لم يقوموا بــ " واجبهم " فأراد ان يسد الثلمة ، ولعل لهجة الأسف التى اصطبغ بها قوله : " انه لوضع ان يصير الادب عندنا - وهو قلب الأمة النابض - ينزف دما ويموت كمدا والمتفرجون يشاهدون الاحداث بفتور كأن الأمر لا يعنيهم . . " فهذا خير دليل على ما أسلفنا . وأنا أجزم بان الاستاذ على دب لم يقرأ " كوكتال " فى الهواء الطلق " للطاهر الهمامى و " استراحة " للزناد ، الا لكى يقوم ب " واجب الرد " عليهما لا ليتفهم القصيدتين . ولست أدرى لماذا كتب أبيات القصيدتين بتلك الطريقة ، مثل طريقة كتابة النثر وأبدل وغير حتى بعض الالفاظ خاصة فى قصيدة الهمامى (3) .

ومما يزيدنى تأكدا مما قلت هو أن الاستاذ دب قد ظن الرقم " 7 " داخل المقطع فى حين انه رقم المقطع وكذلك فهمه لــ " + 5٥ ، و " - 5٥ " على انها ثمانية ! بينما معناها " اللانهاية الموجبة " و " اللانهاية السالبة " فى لغه الرياضيات . ولست أدرى أنعد هذا من الجهل بالأمور أم عدم انتباه لها أم محاولة مغالطة . ونحن لا نود الرد على كل ما ورد فى مقال الأستاذ عل دب من سوء فهم او تسرع فى الحكم تحت مفعول الغضب أو المغالطة ؛ وانما اتخذنا مقاله هذا كنموذج من هذا النوع الذى يعد " نقدا " عندنا ، مع الاسف . وبهذا ننتقل الى النوع الثانى من انواع النقد وهو :

- النقد التوجيهى : وقد عرف أدبنا العربى هذا النقد خاصة عند مارون عبود وهو موجه الى صاحب الأثر الفنى بالدرجة الاولى . ولهذا النوع من النقد منافع اذا لأن صاحبه من أهل الفن كمارون عبود ، فهو يوجه صاحب الأثر الفنى الى إصلاح بعض نقائصه وعيوبه ويزوده بنصائح عامة فى هذا الميدان بالمرتبه الاولى وهو يبرز المحاسن والمساوىء على حد السواء ليفطن الفنان الى ما قد يقع فيه من اخطاء . ولكنه قد يتأثر بوجهة نظر الناقد وذوقه الخاص أكثر مما يجب . ولهذا النقد خاصية اخرى وهو انه قد بحر صاحبه إلى فرض شبه " وصاية " منه على الادب أو الفن وفى هذا خطر على حرية الفنان .

كما ان فائدته لا تظهر الا فى الادب التقليدى ، أو للفنان المبتدئ بوجه خاص . أما بالنسبة للفن الطلائعى فهو قليل الفائدة اذا لم نقل عديمها ، لان الفن الطلائعى غير مكتمل المعالم ولا يفيد التوجيه فيه لان قواعده لم تبن بعد . ويفقد الناقد التوجيهى قيمته اذا لم يأخذ به من أريد توجيهه ، فيصبح اذا حبرا على ورق . من هنا يظهر لنا ان هذا النوع من النقد غير ذى فائدة ، خاصة فى هذه الظروف بالذات ، فهو لا يلقى ما فيه الكفاية من الاضواء على الأثر الفنى ككل حتى يزيل الوحشة القائمة بينه وبين القارىء غير المتعود بهذا الصنف الجديد بل انه ينصرف الى بعض الجزئيات ويعمد الى اصلاح بعض الاخطاء .

اذا فيمكن لنا ان نقول ان النقد التوجيهى قد انتهى عهده فخير لنا ان نبحث عن شكل نقدى جديد يماشى العصر ويتحمل مهمته الطلائعية مع الفن الطلائعى . ولعل متسائلا أن يسأل : وماذا عساه يكون هذا النقد الجديد ؟ وما هى مهمته ؟ وعلى هذه التساؤلات نجيب بأن هذا النقد هو :

- النقد التحليل : وقد بدأ هذا النوع النقدى الجديد يظهر عندنا خصوصا بعد ثورتنا الادبية الحديثة ، وهذا النقد يعنى بالأثر الفنى ويقربه الى أذهان القراء بما يسلط عليه من أضواء وبما يتناوله به من تمحيص وهذا يتطلب عناء وتنقيبا وبحثا فى ثنايا التعابير وما يمكن ان يكمن وراء الكلمات من مرام بعيدة وقريبة ، وبسببر أعماق الأثر الفنى وأغواره ويستخرج منه ما لا يتفطن اليه القارىء العادى . وهذا النقد يعتبر عملا فنيا واعيا لا يقل أهمية عن العمل الفنى المحلل ، وهو يحمل الى جانب ذلك بعض ملامح الذاتية التى لا يخلو منها أى فن إلا أنه أكثر فنون النقد تجردا وأكثرها عمقا وإفادة للقارئ ولصاحب الاثر الفنى الموضوع على بساط النقد . فالناقد المحلل هو ناقد العصر بدون منازع ونقده هو الذى يجب علينا أن نطالبه ونستزيد منه وندعو اليه ونشجعه . متى يتبوأ هذا النقد مكانته لدينا ؟ ومتى نتخلص من أشكال النقد البدائى الذى فات أوانه ، وكان عليه ان يموت مع أهله ؟ ومتى يبنى ناقدنا فنه على أسس علميه ويستفيد من علوم النفس والاجتماع والاصوات واللغات ؟ متى يا ترى يكون ناقدنا الادبى فنانا هو الآخر مطلعا على الفنون الاخرى التى لا مندوحه للادب من الاخذ منها كالموسيقى والتصوير وغيرها ؟ ومتى يعرف ناقدنا ما يتطلبه فنه ولا يخلط بين " + 5٥ " اللانهاية الموجبة و " 8 " رقم ثمانية ؟ !

اشترك في نشرتنا البريدية