الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

الناقد والحس الادبى

Share

سألت نفسى يوما فى النقد فقالت :     النقد اشياء ثلاثة :

نقد موروث نقد ايحائى نقد ذاتى

النقد الموروث سابق فى الكينونة .

يوجد هذا اللون فى زاويتين متقابلتين أو فى خطين متوازيين .

هما الوارث والموروث .

يقرأ أصحاب هذا اللون من النقد ، كلام المتحدثين فى الادب ، ويبحث اساليبهم ويتطبع بطبعهم فيرث مقاييسهم فى العمل ، لا فى الفعل .

لان الفعل خلق ، وهم أبعد ما يكونون عن الخلق .

يقول المتحدث من هؤلاء : هذا شعر جيد . وهذا شعر ردىء . وهذا شاعر فحل . وهذا شاعر ضعيف .

فهم يقرؤون الادب اتفاقا دون ان يكون لهم حس أو طبع .       وهم ، يستنبطون لنقد الشعر قواعد مرة ، ويستخدمون مرة اخرى قواعد لغوية وبلاغية ، ويتخذ النقد له بعد هذا وذاك شكلا يكون هو ذاته محل دراسة ونقد .

فهم يقرؤون الادب اتفاقا دون ان يكون لهم حس أو طبع . فينصرفون عن الوجه الادبى الى وجوه أخرى لا يتطلبها النقد . والنقد عندهم لا يتعدى كلمتين . ولا يتجاوز حكمين ، فالشعر او الادب

عندهم ، اما فاسد ردىء واما حسن جيد . ويقرؤون الحسن الجيد باعجاب ، والاعجاب فى المرء مظهر من مظاهر عجزه وعلامة من علامات توقف الطاقة فيه عن القيام بالفعل الذاتى والمرء فاعل بطبعه ، فان لم يفعل بإرادته ، فعل بإرادة الآخرين ، فاولى للمرء ان يمثل ذاته .

سمعت من يتحدث عن هذا الرهط من الادباء والنقاد فيقول :

(( فلان اذا حدثك عن بيت قال لك عن نظائره واشباهه لا يفوته شىء من ذلك ، وذلك على موطن كل بيت ، وحدثك عن الكتاب والصفحة ، والسطر يروى الخبر مهما كانت ندرته )) .

والمحدث بهذا رجلان :

رجل يبتسم ابتسامة الرضى . وآخر يبتسم ابتسامة السخرية .

وأخذت البحث عن اسم اصنف به هؤلاء الذين يبتسمون ابتسامة الرضى فلم أجد لهم من الاسماء خيرا من رؤوس بلا عقول ، وقلوب بلا إحساس ، واعمار بلا زمن ، وأشرطة بلا صور ، لانهم شديدو الثقة بما يقول لهم الناس ، وانى لا أقيس ايمانهم هذا وايمان ما عداهم من المؤمنين الا بما فى نفوسهم من فراغ .

وكانوا ظروفا خاوية ، وكان لهذه الظروف ان تمتلىء فامتلأت وانى لاعجب لاناس تملى عليهم اعمالهم . ويقال لهم افعلوا فيفعلون فلا يفعلون - وقولوا فيقولون ولا يقولون . وموتوا فيموتون ، ويموتون وهم لا يعصون الا أمرا واحدا ، تسد دونه اسماعهم ، وتعمى بصائرهم وتغلف قلوبهم .

ولعلك تسألنى فى هذا الامر ، فاقص عليك قصة امرىء قيل له كن حيا فالتفت يمينا ويسارا لا يعى مما يقال له شيئا .

فقيل له فى ذلك فتثاءب ملء شدقيه ، وضحك ساخرا من آمره . لان الامر بالحياة كان ثانيا بعد الكينونة ، وهل يؤمر من لا كينونة له .

ثم ضحك عندما خلا الى نفسه ضحكة ثانية لان الامر لا يصاغ الا من العيش لا من الحياة . فانك تصوغ من العيش عش . اما من الحياة فانك تبحث عن الكينونة لتأمر بالحياة .

ان هؤلاء بحثوا عن ذواتهم فلم يجدوها . وكان لا بد لهم من ذات فاستعاروها .

قال الناس فقالوا . وسكتوا فسكتوا . وهم فى هذا وذاك لا ساكتون ولا قائلون .

اما النقاد الايحائيون منهم اولئك الذين يضعون فى قلب الاديب مضغة

سوداء تلهيه عن نفسه وتشغله عن ذاته ، هم يضعون للمرء ستائر بينه وبين قوته الفاعلة خشية ان تتعدد الآلهة على هذه الارض .

فالاديب خلاق . وهو إله يكره الآلهة .

أذكر فيما مضى من عمرى اننى سألت رجلا لم أر وجهه عن اشعر بيت قالته العرب . قال قول العرجى :

أظلوم إن مصابكم رجلا

         أدى السلام تحية ظلم

فعرفت ، من ذلك ، أن مصابكم تطلب ، تعويضا عن إضافتها ، مفعولا لها ، وأنه يمكن فصل إن وخبرها ، فعجبت لقدرة الشاعر ، وقلت فى نفسى ، محدثا ذاتى بالعجز ، وليس شىء اشد من ان يكفر الانسان بذاته ، قلت لها ليتنى أصل يوما فاصنع لى بيتا مثل هذا البيت .

وسألت الرجل وما زلت أسأله كلما التقيت به . وهو يحدثنى عن الحطيئة والشنفرى وامرىء القيس وابى العتاهية والمتنبى وغير هؤلاء .

قال لى يوما وهو يحدثنى عن الحطيئة :

دع المكارم لا ترحل لبغيتها

             واقعد فانك انت الطاعم الكاسى

وابتسم ابتسامة الرضى . أبتسامة ، كانت بدلا من جملة .

فترجمت تلك الابتسامة ، فاذا هى . ان الشعر بعد الحطيئة واضرابه انتهى والتاريخ وقف ، وان الافلاك لم يعد فى طوقها الدوران .

فاحتقرت نفسى ووددت اننى ولدت ايام ولد الحطيئة ، وعشت فى البلد الذى عاش به .

قال لى الرجل أرأيت هذا الاحتمال ، انه احتمال احتار له عمر بن الخطاب فدعا من فسر له البيت . وقال الذى فسرها ، ان الحطيئة لم يذم الزبرقان فى هذا البيت بل سلح عليه .

فضحكنا من عجزنا ضحكة الاغبياء ، ولاول مرة فى عمرى رأيت ضحكة الاموات وسمعت لها حسيسا . فاكبرت من شأن الحطيئة واعظمت البيت لانه اعجز عمرا ، وكنت فى زمنى الماضى أحب المعجزات .

ولما أحس صاحبى باننى ماخوذ بما يقول .

أخذ يحدثنى عن بيت الشنفرى ويصفه لى ذاما الزمن الذى وصلنا اليه ذلك الزمن الذى انقطعت صلته بماضينا ، فلم نعد نفهم ، مما كان يقوله اجدادنا ، شيئا لان لغتنا فسدت وانطلق ينشد :

دعست على غطش وبغش وصحبتى

              سعار وارزيز ووجر وافكل

فأيمت نسوانا وأيتمت ولدة

        وعدت كما ابدأت والليل أليل

وروى حديثا يقول : علموا اولادكم لامية العرب .

فقيدت عنه البيت والحديث ، وقلت فى نفسى اذا كان لى اولاد لا يفوتنى ان أعلمهم : فأيمت نسوانا وأيتمت ولدة .

وما زال الشيخ يحدثنى حتى ذكر لى بيتا لم يكن يحسب ان واحدا من الناس قادر على الاتيان بمثله :

كانى غداة البين يوم ترحلوا

          لدى سمرات الحى ناقف حنظل

فهزتنى الصورة ، صورة المودع يبكى حبيبته يوم الرحيل وصورة ناقف الحنظل المشبه بها .

ولم أحس بما بين هذا وذاك الا بالقدر الذى بين المحب المودع وناقف الحنظل . لاننى كنت فى ذلك اليوم ضائعا عن ذاتى التى احدثك وانا ممتلىء بها اليوم .

وما زال ذلك النحوى يدفعه اعجابى الى الحديث . حتى دفع الى رقعة مكتوبا فيها هذا البيت :

ان التى ناولتنى فرددتها        قتلت قتلت فهاتها لم تقتل

وسألنى قراءتها . ولما لم أفعل ، ارتاح ارتياحا عميقا . ولم تجمعني به منذ ذلك اليوم جلسة . اتقيه كلما لقينى حتى لا يخجلنى . وحللت فى المرحلة الثانية من عمرى فاذا أنا بشيخ يحدثنى بهذا البيت :

ذر النفس تأخذ وسعها قبل بينها

           فمفترق جاران دارهما العمر

فقلت ، وكنت احسن حالا مما كنت عليه فى امسى الدابر . خلخال من خشب فى صندوق من ذهب .

وسألت عن هذا الرجل ، فاذا هو شيخ من الشيوخ البلغاء . يعجبه التأنق فى العبارة ، وتأخذ بلبه الصورة المركبة . فهو يصنع من العمر دارا .

ان الرجل الذى يقول لك : فى البيت علة وزحاف رجل عروضى . ونظر رجلان الى بيت امرىء القيس وكان احدهما نحويا وثانيهما عروضيا .

كان بجيرا فى عرانين وبله        كبير اناس فى بجاد مزمل

فقال الاول ان النعت هنا لم يتبع منعوته وقال الثانى إن فى القافية اقواء .      وما اشد صلة النحوى بالعروض فكل منهما ينظر الى مزمل نظرة تختلف عن نظرة صاحبه فالنحوى يهتم بالنعت والمنعوت ويشغله كبير ومزمل اما

العروضى فانه ينصرف الى عيب من عيوب القافية وهو الاقواء ، ولكنهما لا بنظران الى البيت اذا سلم فيه نعته وقافيته وكان المعنى والصورة لا تعنيهما .

واذا قيل لك : فى هذا الكلام غموض ،

ولى دونكم اهلون سيد عملس       وارقط زهلول وعرفاء جيأل

فاعرف ان الرجل الذى يتحدث رجل لغوى يحب غريب الالفاظ . فمن الناقد من بين هؤلاء كلهم ؟.

كل له مقاييسه ، وكل له نظرته ولا استثنى من هؤلاء الا الرجل البلاغى . لان البلاغة لا تضبطها قاعدة بوصفها كائنا حيا لا يقف فيه النمو والتطور مثلما هو الشأن فى قواعد النحو .

اما الصرف والنحو فكان عليهما ان يتطورا ايضا وان يسايرا الزمن بوصفهما أداة حية تواكب حياة الانسان .

فلا بد من صيغ جديدة فى الصرف كى تؤدى المعانى التى اقتضتها حضارة متحتمة . فالمرء وارث اعمار الاجيال السابقة والانسان المعاصر مسن . فكان لا بد لهذا المرء المسن من ان تكون له لغة فى مستوى سنه الزمنى . اما اللغة فان كلمات جديدة كان لا بد لها ان توضع . وتضاف الى القاموس .

والى جانب هذا وذاك يوجد رجال آخرون .

بوجد الرجل الفيلسوف فيقول إن فى هذا اللون من الادب فلسفة عميقة ويحلل تلك الظاهرة الفلسفية فى الادب ويشرحها بما لم يكن من قصد الشاعر ولا خطر على قلبه . لان الفيلسوف ينظر الى نفسه والى ما حوله نظرة اكثر ما يقال فيها انها نظرة غير عادية على ان مفهوم العادة . هو تحمل نظريات موروثة.

ويوجد الحكيم . والحكمة مرتبة دون الفلسفة . وهى تتجمع من حصاد السنين .

ويأتى بعد ذلك المؤرخ : فيأخذ من هذا الاثر الادبى بالقدر الذى يعينه على اثبات حدث تاريخى او نفيه .

والرجل الاجتماعى الذى يعنى بالمظهر الواقعى للحياة اليومية .

فيأخذ من الادب بالقدر الذي يستعين به على تحليل المجتمع وتحديد اخلاقه ، وصفاته .

من يكون الناقد ؟ من بين هؤلاء ، ومن من هؤلاء له الكلمة فى الاثر الادبى .

فاذا اخترنا لهذا العمل واحدا منهم ، وقلنا النحوى فاجأنا الآخرون بنظريات جديدة جعلوها أساسا لنقدهم ولحسهم الادبى .

ونعتوا عمل النحوى بالشكلية واتهموا أحكامه بالسطحية .

واذا ارتضينا الفيلسوف او الرجل الاجتماعى وقبلنا حسهما فى النقد والتحليل الادبى قال الآخرون إن هذا الاثر لا يمكن ان ينسب إلى لغة العرب .

عندئذ نضطر الى عزل هذا الاثر الادبى باعتباره خارجا عن الاطار العام فالانسان لغة قبل ان يكون مفكرا .

واخترنا للنقد رجلا لما يوجد ، رجلا غير هؤلاء كلهم تتوفر فيه كل صفاتهم فيكون آخذا بطرف من كل فن ويكون الاديب الخلاق ذاته .

لان الاديب الخلاق هو الذى يمتلك الاصالة الفنية .

وعندما ننتبه الى الاختيار نقع فى الحيرة ، لان كل أديب له ملابساته ولونه ومذهبه فى الفن .

فعلى اى اعتبار يكون الاختيار .

وهل يمكن ان نسلم بان هذا الناقد يجب ان يكون له ذوق يفوق أذواقنا ، وحس ارهف من احساسنا .

الناقد رجل يحتاج الى بيعة نبايعه بها ، ولكن ما هى الشروط التى نفترضها لمبايعته .

هنا تكمن المشكلة .

ولهذه الاسباب لم يستقر ولن يستقر حكم لناقد . ونقد الناقد لم يكن فى يوم من الايام الا مرآة تنعكس عليها شخصية الناقد ذاته . ونحن بواسطة الادب نعرف الناقد ونظل نجهل الى الابد ادب الاديب ، لان الادب عالم مسحور لا يدخله الا الذين استطاعوا ان يخلعوا اجسامهم ، ويلجوا هذا العالم بدون اجسام .

اشترك في نشرتنا البريدية