الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

الناي المصدوع

Share

ذهب الصبى الى سوق سيدى محرز ليشترى نايا صغيرا . الطفل مسرور مبتهج ، يجرى و ((خمسة فرنكات )) فى جيب سرواله القصير ، يكاد يطير من شدة الفرح . هو يعرف الحانوت بدون شك ، سبق انه ذهب مع احد ابناء الجيران عند اشتراثه نايا ، وها هو اليوم يذهب ليشترى نايا بدوره.

وتجد الحانوت بعد حمام سيدي محرز بحوانيت قليلة ، هي صغيرة ، بابها قصير ، أمامها جرار متكئة أزيار متكئة محابس متداخلة ، متراكمة ، شرابي مشدودة بحبل طويل مكدسة ، وبعض حصر من السمار مزدانة قائمة مستندة, الحصير بجانب الحصير.

سبق انه طلب من امه((خمسة فرنكات)) المرار العديدة فكانت تقبول له سوف تقلقني وتوجع راسى بصفير نايك ... وألح عليها فصارت تقول له حتى تبقى عاقلا اياما وحتى تسمع الكلام ثم جعلت تقول له : حتى تذهب وتشترى لى الطماطم من باب الخضراء والزيت من باب سويقة وحتى تشترى لي اللحم من سوق الجزارة فى الحلفاوين ... وحتى تاتى لى بالماء من السبالة وحتى لا تقلب الدنيا بصياحك وهيجانك وسط الدار ، وفي الشارع مع أولاد الجيران ... وحتى لا تهبط (( الطير مريشا )). . . واخيرا . . وفى هذا الصباح الجميل فتحت قلصها الجميل وهو ينظر من بعيد ، وجذبت القجر ولم يدن ولم يتحرك واخرجت الدورو ومدته له قائلة مبتسمة:

_((هيا اذهب واشتر الناى ولا تبطئ أسمعت ولا تبطئ؟ خف اليها ومد يده فرحا ، وقبل امه فرحا ثم ...ثم ... أغلق باب الدار بشدة وأطلق ساقيه للريح . . . خرج من زنقة سيدي بلهانى جريا ، عرج

يسرة وانطلق كالغزال الصغير يقفز ويجرى فى نهج حمام الرميمي الطويل الممتد الشديد الطول الذى يكاد لا ينتهى من شدة طوله...

... بعد دقائق سيشترى نايا ، نايا صغيرا . بعد دقائق سينفخ فيه ويملأ الزنقة انغاما كابن الجيران واحسن من ابن الجيران ، ويملأ النهج انغاما عذبة , ويملأ الدنيا الحانا جميلة ... انه سعيد حقا ، سعيد سعادة كاملة  شاملة ، سعادة تغمر كل كيانه ...

وصل إلى ساحة البيفة او شبه ساحة البيفة فوقف وهو يلهث والتفت يمنة والتفت بسرة ثم قطع الساحة ودخل نهج سيدى البيان الضيق الملتوى القصير ثم نهج سيدي محرز .

دخل السوق المكتظ بالرجال والنساء وعربات الباعة الصغيرة المنتصبة بمسنا وشمالا طوال السوق تعرض الوشق والجاوى وعود القرنفل والعفص وقوارير صغيرة مملؤة عطرا ، مختلفة الحجم والالوان . اخذ يتسلسل بين العربات بخفة ومهارة حتى انتهى الى حمام سيدي محرز فوقف امامه برهة . بقى يلهث وبردد انفاسه بصعوبة ، ثم جعل يسير ببطء ويتأمل الحوانيت المجاورة للحمام حانوتا ... حانوتا ... الحوانيت كلها متشابهة القلال امامها مكومه ، والجرار امامها متراكمة مكدسة والشرابي مشدودة بحبال جديدة والحلالب في قفاف عظيمة والشقاقات في قفاف عظيمة او فى صناديق والطناجر متراصه متداخلة والدوافر معرمة والصحون بعضها فوق بعض مرتفعة ومغارف اللوح فى صناديق صغيرة او قفاف صغيرة ... والحصر مختلفة الالوان متراصة مصطفة متفاوتة الطول متفاوتة الحجم قائمة عن يمين الحانوت او عن يساره بقى يمهل الخطى ويتأمل حائرا مضطربا يبحث عن الحانوت ذات الباب القصير ، وصاحبها الشيخ ذو اللحية البيضاء والشوارب البيضاء والكدرون الابيض , الذي يبيع اجمل النايات واحسن النايات ... و ... و ... اخيرا وجد الحانوت ... وجدها ... فالباب قصير جدا ... وعند الباب عتبة مرتفعة بعض الارتفاع ينزل منها الى الداخل ببعض صعوبة ، والحانوت كما شاهدها لاول مرة مع ابن الجيران منخفضة السقف جدا ارضيتها من تراب ، مهملة مهملة بعض الاهمال ، هادئة ، ساكنة مظلمة ، رائحة الفخار تملأ انفه وكذلك رائحة الحصر ، فكأنه يطأ عتبة كتاب ، شعر من اعماق نفسه ، بكره ، كره قديم يعود اليه ... كره الكتاب وأولاد الكتاب وباب الكتاب ودروج الكتاب وحصر الكتاب ولوحة الكتاب ومحبس الكتاب ومؤدب الكتاب وعينه الحولاء

وانفه الاعقف ومخاطه وسعاله ونحنحته وهمهمته وبصاقه ومحرمته وعصاه الطويلة التى يقذفها على كل طفل اخذه النعاس ومال ...(( ومحكوكة )) الكتاب لكن كان يحبها يحبها كثيرا . وبرز له الشيخ من قاع الحانوت المظلم المخيف , انتصب امامه بغتة فاختلج واهتز ، وسأله بصوته الاجش الكريه الذي سبق انه سمعه ، فشعر بخوف وفرح فى آن واحد .

- ماذا تريد انت قل لى ؟ فاجابه الطفل بسرعة.

- اريد نايا ! فقال له الشيخ محدقا فيه كاشا : - اسمع ، لا تقلقني ، لا تكسر لى راسى هذا الصباح.

بقى الطفل صامتا جامدا ينظر الى الشيخ حائرا مبهوتا لا يدرى بماذا يجيب ، كان صوت الشيخ مخيفا حقا ، بغيضا حقا غليظا عكرا يبعث الجزع والهلع فى القلوب الصغيرة .

وتابع الشيخ قائلا : - اني اعرفكم كلكم ، تاتون تبقون ساعة تقلبون النايات تترددون ، تعبثون بها كلها تتضاحكون تنفخون فيها.

بقى الطفل ينظر الى الشيخ مرتبكا خائفا لا يستطيع الكلام بل يدير وجهه قليلا متجنبا انفاس الشيخ الابخر المتمادى فى الصياح وبصاقه يتطاير .

- اسمع اسمع جيدا اختر واحدا ، واحدا فقط ومرة واحدة ، ولا تتراجع ، ولا تتردد اسمعت ؟ يجيبه الطفل بصوت خافت ، كاتما انفاسه : - نعم سمعت ! ويعود الشيخ ويصرخ صراخ الصم ، فاتحا فمه الخاوى المتجعد كفم قربة

_ولا تندم افهمت , ولا تندم فاني ابغض النادمين والمترددين و تاخذني  الجنون وأجن .

فيجيبة الطفل بصوت لا يكاد يسمع : - نعم لا اندم ولا اتردد - ولا تقلقني ولا تضجرنى ولا ترهقني ولا تغضبني هذا الصباح المبارك تشترى وتذهب عن وجهى بدون مشكل والا ، لا لا اذهب عنى الان ، اذهب عني من الآن

يسرع الطفل ويجيب بتلعثم ولهفة وفزع شديد فكانه خسر الدنيا بأسرها: - لا ! لا ! سمعت وفهمت سمعت وفهمت ، سوف لا اقللقك ! سوف لا اضجرك يقول له الشيخ بعد ان حك راسه الاشيب مرارا وبعد ما قلب عينيه فى رأسه مرارا ولووى فمه ومططه .

- هيا معي

يتبع الطفل الشيخ الى قاع الحانوت المظلم فكأن طريق الجنة انفتح امام عينيه ، ويشير الشيخ الى مكان مظلم في زاوية . جعل الطفل ينظر ويجهد نفسه فلا يشاهد شيئا بقى هكذا زمنا ثم جعلت عيناه تتعودان بظلمة المكان واخذت تظهر له شيئا فشيئا طاسة طماطم كبيرة عند الحائط مفتوحة الفم , وأخذت تظهر له شيئا فشيئا رؤوس عشرات النايات تطل عليه من فم الطاسة صغيرة صفراء مشذية مستديرة مختلفة الطول مختلفة الحجم . . . بقى صامتا ساكنا جامدا منحنى الظهر قليلا يتامل فى النايات...  صاح فيه الشيخ من ورائه

- هيا اختر واحدا واسرع ؟ يهتز الطفل ويمد يدا مترددة فيزعق فيه الشيخ ثانية بحقد دفين : - قلت لك اختر واحدا واسرع ؟ الم تسمع ؟ أ أنت اصم ؟ اعمى ؟ ابكم ؟ ابله ؟ فيمد الطفل يده بسرعة ، يتناول نايا بدون كلام نايا من بين النايات يضعه فى فمه ينفخ : تخرج نغمة فيسر يساله الشيخ سؤالا لا يقبل الرفض.

- اعجبك - نعم فيقول له بصوته الذى لا يطاق - هيا هات الدورو ويمد له الشيخ يدا كالحة لا ترتعد ، يدا معروفة صلبة جافة داكنة كانها خشبة ، تبقى ممتدة جرداء متجهة للطفل تطالبه تطارده فكانه حضر لعقاب شديد عند باب جهنم ، او كانه لعب لعبة محرمة ، فخسر ، ويجب ان يدفع الثمن توا ...تبقى اليد ممتدة مهددة شائكة حادة.

- هات الدورو  ... عندما يضع الطفل الدورو فى كف العجوز يشعر بش من الانفراج والراحة ويعود الى الناي وينظر فيه من جديد هذه المرة ، وقد صار الناى نايه. بديره ويقلبه كما يشاء ، يديره مرات عديدة وفي آخر لحظة وقبل ان يغادر الحانوت والشيخ منتصب امامه ينظر اليه بكره غريزى شديد ، يتفطن الى صدع في اسفل الناى ، شق طويل نحيف لا يكاد يرى ممتد يلمسه الطفل بخوف ، يمرر يده عليه بعجل ووجل ، ثم يتحسسه بسبابته وابهامه ، ويتبعه طوال الناي . يجمد الصبى فى مكانه دفعة واحدة.

يساله الشيخ بصوت خافت متنمرا متاهبا للانقضاض: - ما بك قل اعجبك الناى ؟ - لا !!

يطلق الشيخ صرخة مدوية كأنه أصابه جنون : - كيف لا ؟ كيف كيف كيف لا ؟ كنت تقول انه اعجبك ، كنت تقول هذه اللحظة انه اعجبك ؟ لقد حذرتك ، لقد نبهتك اخرج اخرج الآن اخرج يركل الطفل يدفعه بقوة حتى يتعثر فى محبس هناك وسط الحانوت فينطلق المحبس يجرى اخرج الآن اخرج عنى اخرج ويدفعه من جديد بشدة يركله ويلطمه اخرج قلت لك اخرج يقذفه عند الباب ، خارج الحانوت ، صائحا ، شاتما ، لاعنا مزمجرا ، منقبض الوجه ، مشتعل العينين ، مرتعش اللحية والشوارب بصاقه يتطاير ، يبرق ويرعد ، يرغى ويزيد كالجمل الهائج

يغادر الطفل الحانوت مذموما ملعونا مقهورا مدحورا يسير ببطء بعدما ضربه رجل غريب ، انسان آخر غير ابية ، بائع فى حانوت رطبه قذرة مظلمة , شتمه ولطمه وركله وكاد يبصق على وجهه من كثرة تطاير بصاقه ثم دفعة خارج الحانوت بعدما افتك منه نقوده ، وناي مخروم ، مصدوع ، معدوم في جيبه ، انه   في ساعة من ساعات الحزن الشديد ، الحزن القوى الحاد الفتاك الذي يشعر به الاطفال من حين لآخر ، ولا يوجد حزن يعادله فى الدنيا .

يقف عند بداية ساحة البيفة ، امام قهوة الشفار ويخرج الناى من جيب سرواله الصغير ، ويتامل فيه من جديد في وضح النهار بعين حزينه : انه مصدوع حقا ، خط طويل اسود نحيف يوجد هنالك عند اخر الناي . ينظر اليه الطفل ويتامله مليا ثم يعيد الناى الى جيبه ويتابع سيره بخطى بطيئة ثقيله كأنه يحمل احزان الدنيا بأسرها . يقطع الطريق بدون ان يلتفت ، ويدخل نهج حمام الرميمي بدون ان يشعر ويمشى امتارا ثم يمشى زمنا ثم امام زنقة فتوح امام السبالة الموجودة في اول الزنقة وتحت الساباط يقف ثانية ويخرج الناى ثانية ويعود ينظر فيه : الشق الملعون لم يتغير هو يمتد طويلا من آخر الناي حتى منتصفه او يكاد . ازداد حزنه حزنا وقال فى نفسه:  سوف تغضب امي وتخاصمني ثم تامرني بالعودة الى ذلك الشيخ الرهيب , ذلك الشيطان الرحيم وهذا من المستحيل ... الاحسن ان اذهب ، ومن الان , الى خالى . اذهب الى باب الخضراء ابحث عنه فى مقهى الحبيب : وسوف أجده كالعادة بين اصدقائه يلعب (( الشبكة )) فيشعر بقدومي ويشاهدني بدون ان يرفع نظره ويقول لى فرحا كالعادة.

- اقعد ويشير الى كرسي بجانبه ، او بجانب صديق من اصدقائه ويخاطبني ويحادثني وهو منهمك فى اللعب.

_(( ماذا تريد ان تشرب قازوزة أم قهوة بالحليب ؟ فلا اجلس ولا اجيب هذه المرة بل ابقى صامتا جامدا امامه فيلقى على نظرة سريعة كالبرق ويتابع لعبه قائلا متسائلا:  _(( قل لى ما بك ؟ فاجيبه بصوت خافت مرتبك  _(( لا شئ

- لا لا انت لست كالعادة قل لى : ما بك ؟ ويلقي علي نظرة ثانية سريعة محاولا فهم ما اخفي عنه . واقول له بعد صمت - لا لا شئ . ثم انظر نصف نظرة الى اصدقائه محركا راسى قليلا.

يقوم لحينه ويقول لأحد اصدقائه (( العب مكاني )) ثم يأخذني من يدى قائلا : - تعال نتحدث وحدنا ، تعال . ويبتعد بي . . . فانطلق ابكى ، فيقول لى مبتسما - لا ! لا تكى هكذا ! قل لى ما بك اضربك احد ؟ اخاصمك احد ؟ اشتمك أحد ؟ قل لي ؟ أبقى أبكى بكاء مرا شديدا . ثم اتوقف بصعوبة واشد نفسى وابدأ اقص عليه قصتى والعبرات تخنقني ، تهزنى هزا يرتج له صدرى ، ثم اعود ابكى من جديد والدموع تنهمر ، تسيل غزيرة على وجهى وملابسى . يخرج محرمته من جيبه قائلا ماسحا لى عينى وخدى ووجهى كله .

_انا اعرف ان الرجال لا يبكون ، وانت رجل ، والرجل لا يبكى ، لا يبكى ابدا امسح دموعك امسح عينيك خذ المحرمة خذ...

يقول لي هذه الكلمات بصوته القوي الدافيء ، ومن صوته هذا القوى الداقيء تعود الى شجاعتى كلها ، ويعود الى ثباتى كله واكف عن البكاء دفعة واحدة وانطلق اقص عليه قصتى كلها من اولها الى اخرها بدون توقف .

يصفر وجه خالى ، وتحتد نظرته وتتقد يبقى صامتا ساكنا زمنا ثم يقول لى بصوت هادىء يتميز غيضا : - ترقب قليلا .

يعود الى اصدقائه ويتحدث معهم برهة ثم يرجع الى ويمسكنى من يدى قائلا . - هيا معى الآن.

... واسير بحانب خالى ، هو يمسكنى من يدى وانا امسكه من يده ، هو يسير بخطى واسعة شاسعة وانا اقفز بجانبه واهرول وانظر اليه من حين لاخر فاشعر بالعزة واشعر بالقوة واشعر بمزيج من الخوف ة الفرح ... و نسير فى نهج حمام الرميمي الطويل الشديد الطول . . . ونجعل نقترب من نهج سيدي محرز اكثر فاكثر واذا باضطرابى يغيب عني واذا بى اشعر بالسعادة فبعد دقائق سينتقم لى خالى عز الانتقام وأبرده للقلب ... ونصل الي الحانوت ... ومن الباب يزمجر خالى ويزأر زثير الاسد الغاضب :  - اين انت اين انت يا شيخ يا وحش ؟

يظهر العجوز من داخل الحانوت مذعورا ، مرتعد الفرائص يتمتم متسائلا ، يقع نظره على فيمتقع لونه ، ويفتح فاه ، ولا يدري ما يقول.

يصرخ فيه خالى من جديد - هيا بدل الناى المكسر بسرعة والا فهذه القلال كلها اكسرها على راسك وقد احتدت نظرة خالى واشتدت واتقدت عيناه ، واشتعلت نارا حامية ويتابع صارخا : (( اسمع اسمع قبل كل شئ ويقترب من الشيخ حتى يكاد راسه يصطدم براسه ، ياتيك طفل صغير وحده ، ليشترى نايا ويشير نحوى باصبعه فتدفعه وتضربه ويقرب نفس الاصبع من عين الشيخ اليمني فيكاد يفقؤها ، ويزعق ... أنا الآن سأدفعك كما دفعته ، سأضربك كما ضربته واركلك واخرج لك روحك وينقض على رقبة الشيخ انقضاض الاسد الفتاك ويشد عليها بقبضته الحديدية ويرجه رجا قويا عنيفا ينهد له الشيخ ، ويحمر وجهه ، و يشخر شيخيرا مزعجا تنفتح له عيناه انتفتاحا غريبا ، ثم يدفعه دفعة فيعمل راسه قربع على الحائط هيا هات النايات كلها واسرع ؟

يهرول الشيخ الى قاع الحانوت المظلم الحقير ويعود بالطاسة كلها ويضعها امام اعيننا بيد مرتجفة .

يلقي خالى نظرة سريعة إلى الطاسة ثم يقول له باستهزاء : - فهذه قطع من القصب ! تبيع قطعا صغيرة من القصب بدورو للأطفال وانت غير فرحان ؟ ثم يلتفت الى ويقول لى بصوت آخر : - اختر ما تريد ولا تتعجل ؟

واعود الى الطاسة هذه المرة واشمر على ساعدى واخرج النايات كلها واطرحها كلها عل الارض وسط الحانوت ، واشرع اقلبها نايا نايا ، انفخ فى هذا ، القي ذاك جانبا ، أنفخ في ثالث ، واجد الرابع طويلا جدا ، الخامس لا يعجبني شكله ، والسادس قصبه ملتو وثقوبه متقاربة ضيقة والسابع اتركه جانبا ولا ادري لماذا ، والثامن املس رهيف ثقوبه متسعة ، والتاسع محروق ، والعاشر قصير جدا ، والحادي عشر املس رهيف ، والثانى عشر قصبه ما زال اخضر لينا اما الثالث عشر فهو جميل ، متناشق ، عقد قصبه قليلة لونه اصغر لماع ، انه يعجبني يعجبني حقا ، ابتسم افرح ، أقلبه من جديد ... اقلبه مليا ليس فيه اى عوج ، ليس فيه اى صدع ، ليس فيه اى خلل ، انه جميل رائع ، اتجه الى باب الحانوت اقلبه فى ضوء الشمس ، انه جميل جدا رائع حقا ، بديع فهذا احسنهم بدون شك ولا ريب هذا ابهاهم انى وجدت بغيتي ، وجدت اجمل ناي واروع ناي فى الدنيا ...

التفت الى خالى واقول له مبتسما ملوحا بالناي : - هذا ! اريد هذا الناى ! يلتفت الى الشيخ ويحدق فيه مليا ثم يقول له مهددا متوعدا مغمضا عينا فاتحا عينا محركا يده عند كل كلمة .

- اسمع جيدا ، هذه المرة اعفو عنك لكن انظر ، انظر مليا الى هذا الطفل ويشير نحوى بيده اليمني ، بيده القوية الممتلئة ، بيده التى بقيت ماسكة بى وبقيت ماسكا بها طوال نهج حمام الرميمي ، انظر اليه وافتح عينيك لو يعود اليك مرة اخرى واسمع كلمة واحدة منه كلمة واحدة فقط.

فيجيب الشيخ باضطراب وصوت خافت نحيل. - نعم كلمة واحدة فقط نعم يا سيدى - سمعت - نعم سمعت وفهمت يا سيدى

_والا فهذه الطاسة ، ويتناول الطاسة ويلوح بها أمام عينيه ، فهذه الطاسة ادخلها فى راسك ، واضربها ضربة واحدة ، وحتى عزرائيل لا يستطيع نزعها عنك .

- آه آه العفو ، العفو يا سيدى العفو ...

تابع الطفل سيره في نهج حمام الرميمي ، مبتسما حينا ، ضاحكا احيانا وقد خفت حركته ونشطت : هكذا سيذهب الى باب الخضراء هكذا سيشاهد خاله على بعد مع اصدقائه في المقهى ويقف امامه ويبقى صامتا جامدا ثم يقص عليه قصته على حدة ... يسير الطفل ويسرع والناى المصدوع الطويل بارز من جيب سرواله القصير يتدحرج عند كل خطوة يخطوها كانه عصا شرطي صغير .

بلغ زنقة سيدى فتح الله ، وهي فى منتصف نهج حمام الرميمي تقريبا او اقل بقليل ، مسك الناى امام تلك الزنقة بيده اليمنى واخرجه ولم ينظر اليه, بل جعل يسرع الخطى اكثر فاكثر ، وقد عاد اليه نشاطه كله ، وعند اقترابه من زنقة سيدى بلهانى ، خير ان يذهب الى منزله اولا وقبل كل شئ لكى لا يطول غيابه عن امه فتتحير ، ثم يخرج بعد ذلك ويذهب الى باب الخضراء وصل إلى الدار . دفع الباب ودخل وعند صحن الدار شاهد امه داخل غرفت واقفة فجمد في مكانه . نظرت اليه ، امسكها لحظة ثم سالته :

- هل اشتريت الناى ! ؟       فاجابها قائلا :      - نعم اشتريت      - اين هو ! ؟     فاظهر لها الناى على بعد      فقالت له :    - الحمد لله ! استرحت الآن ! ؟

فأوما لها براسه ولم يجب ثم قفل راجعا وامام باب الدار اخرج الناى من جيبه فظهر له ذلك الشق الرقيق الطويل ذلك الخط المشؤوم الاسود النكد , ظهر له الصدع ممتددا نحيفا سقيما لم يتغير ، فعاد اليه ألمه دفعة واحدة وهزه هزا عنيفا ٠٠0

جلس عند حائط الجيران ، قبالة باب الدار ، وادنى الناى من فمه بدون أن وشعر ونفخر فارسل انغاما مقتضبة . ونفخ وتمادى فى النفخ واعمل اصابعه فى الثقوب فاستوى الاداء بعض الاستواء وانبعثت انغام وتلاحقت وازدحمت فكأنها كانت محبوسية ووجدت منفذا . وتمادى الطفل وتربع فاستقام الأداء واتسقت الانغام وانساقت فأتت لطيفة رقيقة حلوة طريقة وارتفعت أكثر فاكثر وجعلت تيسرى في صمت الهجير فاتته رائعة خلابة وجعلت تتسلل الى الديار المجاورة تدخلها دارا دارا والطفل يحرك اصابعه وينفخ والانغام تلو الانغام تعلو اكثر فاكثر تتبع فياضة عذبة مملؤة سحرا وجمالا ...

... ووصلت الانغام الى سمع صبية مستلقية على فراشها فانصتت واعجبت ، وتساءلت ثم قامت ، وجعلت تمد السمع والبصر ، وجعلت تتنقل على اطراف اصابعها حتى وصلت الى الباب واطلت فشاهدت صديقها الصغير ينفخر في ناي صغير . بقيت زمنا تنظر اليه منبهرة معجبة ثم قالت له :

- ما أجمل هذه النغمات وما احلاها !   توقف الطفل عن اللعب ونظر الى صديقته مندهشا حيران ثم قال لها :   - كيف ! صحيح صحيح ما تقولين ؟ ! اعجبك الناي ؟؟   فاسرعت قائلة :   - اني لم اسمع انغاما اجمل منها فى حياتى ...

تهلل وجه الطفل بشرا ونظر الى نايه وكانه فى حلم . واداره ونظر الى ذلك الصدع الطويل الشديد الطول وأمر عليه يده كلها بفرح شديد .

كان في ساعة من ساعات السعادة التى يشعر بها الاطفال من حين لآخر ولا توجد سعادة تعادلها فى الدنيا .

اشترك في نشرتنا البريدية