الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

النحلة والزجاج

Share

- 2 - (*)

- أرجوك يا أبي . . . لا تحرمنا الليلة من مشاهدة المسلسل . . . إنه»  أفواه وأرانب « . . إنى أعتقد أن ذلك الرجل الغني صاحب المزرعه اصبح يحب الفتاة نعمت . . .

- أخرسي أنت يا وقحة ! حتى أنت ؟ ! مات الحياء وانتهت الدنيا .

- اتركيها يا منانة . . . الحب أصبح شغل الناس جميعا . . . ولكنهم ، رغم حديثهم عنه فانهم يتصارعون كالاكباش  .

- التلفزة علمتهم الرقاعة . . . التلفزة أحدثت ثورة فى رؤوس الاطفال إنهم يطالبون بملابس ولعب مثل التى يرون فى هذا الصندوق العجيب ، التلفزة أحدثت فى بيتنا شرا كثيرا .

- وماذا قلت من قبل ؟ ضل من سار فى الحياة بهدى النساء . . . ألم تلحى على طيلة شهور. . حتى اشتريت لهم هذا الصندوق العجيب كما تقولون و ها أنت اليوم تتندمين .

_  ألا تذكر أنك كنت تقف على حافة البئر كالهدهد وتلغط لغطتك تلك ، فيطفرون من هذا البيت وذاك . . . حيث يذهبون لمشاهدة التلفاز ، وأحيانا ينهرهم بعض اللئام .

_  وأنت ؛ ألم تكوني تقفين أمام الباب » فتقاقين « كدجاجة فقدت صيصانها حتى تتجمعوا حولك . . فتضرب بينهم ؟ وهذا ما جعلني أستجيب لك  وأشترى التلفاز .

_ فلماذا تقول : ضل من سار بهدى النساء ؟ ولكنى أفهمك يا رجل ، لعله قد ساءك أن أشبهك بالهدهد فشبهتني بدجاجة فقدت فراخها ؟ . . . ولكنى أعتقد أنه لولا التلفزة ما حدث ما حدث .

_  لا تقولى هذا يا امرأة . . أمر قدره الله . . ولا مفر من وقوعه .

_  ذلك دأبها يا أبي ، أنت ترحل ، وهي لا تنى تذكرني المصيبة وتضع نبعاتها علي . . حتى أضحت حياتي جحيما لا يطاق . . . أحيانا أثمني انها لم تلدنى . . . أو أنها كانت ولدتني ذكرا . . .  لأننقم من الاعداء . . . وأعمل صباح مساء لأرفع هذه المهانة .

_ لا تيأسي يا بنتى . . . ثقتي بالله قوية ، وإن بعد العسر يسرا ، سوف تنفرج الحال .

وتعلقت لطيفة بعنقي :

_  قل بالله يا أبى : هل تسمح لنا بمشاهدة » أفواه وأرانب ؟ « لماذا نطفئ التلفاز مباشرة بعد شريط الانباء ؟ وماذا يهمنا مما تقول المذيعة . . . هذه الاخبار لا تهمنا  . . نحن نريد مشاهدة المسلسل » أفواه وأرانب «  لماذا لغلق التلفاز وتغلق دونه الباب ! ؟ لا خوف من استهلاك الكهرباء فأخي . . . سوف يعود من الساحل بخبر كثير وسيدفع ثمن الاستهلاك بدون عناء فلا تحرمنا الليلة برحمة جدى . . .

- انظرى تسريحة شعرها . . . كم تروقنى !

_  وماذا أعجبك منها ؟ ألا ترين رأسها مكورا كبطيخة ؟

_  أحاول أن أتذكر : لمن تشبه تلك ؟

_ ووحدتها . .وهى شبيهة » وراقية «  ، ابنة المحام . . . طالبة بالجامعة وتسوق سارة صغيرة زرقاء كعبنيها  . . يوما الى مكتبة فوجدتها هناك . . . تدخن سجارة .

- فى مكتب أبيها ؟

- نعم . . . وليس ذلك عيبا . . لقد أشعل لها السجارة بنفسه .

_  وماذا تفعل مكتب أبيها ؟ هل قدمت هي أيضا قضية فى الطلاق . . ووكلت أباها للدفاع عنها ؟

_  تطلق ؟ كيف ؟

_  وتدخل » بشار «  بعنف :

_  ومن تطلق يا حمارة ؟ ! هل تتصورين أنها تتزوج عاطلا أو عامل حضائر أو ماسح أحذية ؟ والآن كفى ضجيجيا وتابعوا المسلل .

يريد » بشار «  أن يتابع الشريط ويتمثل أحداثه ويفهم خوافيه حتى يتنبأ بالحلول قبل النهاية . . .  يفترض حلولا ويقول انها لا تكون الا كذلك نظرا للروابط القائمة بين الاشخاص والتناقضات والتعاون والصراع . . . » محمود «  يتزوج » نعمت «  وتجبره أخته على الطلاق ، فبين الزوج والزوجة عداوة عرقية قائمة على امتداد التاريخ . . .

ونهرته أمه وقالت له احدى أخواته : إنه يحبها فكيف يكون بينهما عداء . . !؟ وانبرى يشرح لها أفكارا كثيرة غمضت على : انتماءات طبقية وصراع طبقات واحتواء واستغلال ثورة وتشف . . . أشياء كثيرة ومهاترات لا تحصى . . . أذكرها ولا أفقه معناها . . .

قالت زوجتى :

_  إنى أرقبك منذ حين أرك تنظر الى التلفاز  . .بل تقلب بصرك في وفي الاطفال . . . أم لعلك تتابع المسلسل فى وجوهنا ؟

وغضت سعاد بصرها فترة ولم تتكلم . . . شئ ما يقول لى انها عقل كبير وقلب كبير . . . انها تحادث نفسها أكثر مما تحادث من حولها وتغرق أحيانا فى فترات تأمل طويلة . . .

ندمت ندامة لا مزيد عليها لانعتها من الدراسة . . . وكم يؤلمني أن أراها تتناول الكتاب فتقرأ منه الصفحة والصفحتين بعد الجهد

والتعب ثم تلقيه ساخطة حانقة  . !! كان لها أن تتخرج معلمة أو ممرضة أو راقنة .  . . لو تركتها بالمدرسة . . . هل تفوقها » راقية « ابنة المحامي جمالا وذكا ؟ لماذا تسوق تلك سيارة وتخاف سعاد ركوب الدراجة ؟ لماذا تفني ابنتي عينيها فى التطريز ومعالجة الابر والخيوط ، وتهتم زوجة المقاول بالتجوال وانتقاء الفساتين والرياضة واللهو ؟ . .  لماذا تنفطر أصابع زوجتى وتتخشب يداها . . وتسيل بدا زوجة المقاول رقة ولطفا ؟ لماذا تنجب هذه أحد عشر طفلا ، ولا تنحب تلك سوى طفلين ينعمان بثروة أبيهما ؟ أستغفر الله من كل ذنب ، فبيده الامر ، وهو على كل شئ قدير ، وهو يفضل بعض عباده على بعض درجات . . . ولكن نظرة ابنتى وانكسارها قد حرفت فى أعماقى . . .كم وقفت سعاد أمام زجاج النافذة ونظرت الى الافق الممتد أمامها . . وسرحت خواطرها بين هذه الدور الجميلة المصطفة على جانبى الطريق ، المتلفعة برداء أخضر من أشحار البرتقال وأزهار النسرين . . . كم انتظرت بزوغ الشمر من وراء جبل » ميانة « وترقبت الشمس تصعد الجبل  . . !!وتشتد حدقتها فتحلس سعاد على كرسيها الصغير وتتناول إبرتها وتعالج خيوطها فى خيبة ومرارة وكأن الشمس لم تأتها بجديد تنتظره كل يوم حتى قالت يوما لأخيها » بشار «  :

_ انى مللت رؤية الشمس ، تبزغ من ذلك المكان كل يوم وهى لا تتغير ولا تأتى بجديد . . . فلو دعونا الله أن يحجبها عنا بهامة الجبل . .  أو أن يغير مكان بزوغها ؟ !

فماذا يدور بخلدها يا ترى . . . وهل تحلم سعاد بشئ بعيد ؟ لو كنت قادرا على تدريسها بنفسي لفعلت . . ولكن علومي ضحلة ، لا تتجاوز بعض الاحزاب من القرآن . . صحيح أني أكتب أحيانا رسالة الى قريب بعيد أو أطالع مجلة كلما عثرت منها على عدد قديم . . . تشغلني قراءته مدة أسبوع وأحيانا اقتصد قراءته حتى يتاح لى عدد آخر قديم . .  ولكن ذلك لا يكفى فعلومهم اليوم نغيرت  . . حتى الكتابة اتخذت شكلا جديدا ، وكم ضحك ابنائى حين رأونى أنقط الفاء من أسفل ، وأضع على رأس القاف نقطة واحدة . . وألوي جناح الكاف وأعقصها على رأسه كالعمامة ! أما » بشار « فلم يستقر ولم يقبل على الدراسة . . ولو فعل لأصبح اليوم سائق حافلة أو شاحنة أو رئيس حضيرة . .  كان كثير الخصام مع أساتذته ويشتمهم أحيانا . . ويراسلنى مدير المعهد فى شأنه فأمضى الالتزام بارجاعه الى جادة السبيل ، وأعود عليه لوما وتقريعا وضربا . . . فيعتذر بأن ذلك الاستاذ برجوازى متكبر وذاك

اقطاعى متسلط ، والآخر يدرسنا ما لا صلة له بحياتنا . . . وحدث بالمعهد اضطراب وتعاون أشقياء التلاميذ على تحطيم زجاج المعهد فقبض عليه وسجن أياما ثم فصل عن الدراسة. . وهو الى اليوم عاطل ، ينام نهارا ويستيقظ ليلا ، يخالط بعض زملائه المفصولين العاطلين وسفلة القوم . . .فاذا طلبت منه أن يخالط من هم أرفع منه منزلة ؟ فقد يناله من خيرهم أو يتوسط له احدهم في شغل . . قال : إن بينه وبينهم عداء عرقيا حتى ظننت أنه صنع من طينة غريبة ، منبوذة فى أطراف الدنيا ، وانكب على كتب الافرنج ، يقرأ ويعيد ويسطر ويحفظ ويستوعب ويفهم وينسخ ويرفض أن يشتغل . . . في ذهنه أشياء غريبة حقا ، أحيانا أحب أن اسمع هذره فأضحك حين يسألني عن الشغل وعلاقة العمال بالمقاول ، وعن الساعات الاضافية . . . وهو يؤمن إيمانا راسخا بوجوب اتحاد العمال لافتكاك المصنع وحضيرة البناء ومقطع الحجارة وحافلات النقل وحقول القمح وسكة الحديد . . . أحب أن أرى عينيه تلمعان حماسا وأحب سماع هذه الافكار لأعيد حديثها على رفقاء العمل للتفكه . . . ولكنى أشفق عليه من الجرى وراء أحلام لا صلة لها بواقع ولا أساس لها من منطق ولا مبرر لها من قانون .

وشد التلفاز وجوه العائلة فى مواقف حرجة ، وقطع » بشار «  حبل الصمت :

_  انى أتعجب من نفسي : كيف لم أكسر وجوه هؤلاء الذين أتوا لمصادرة ادباشنا . . ولكن ليعدوا الكرة ، وسوف يعلمون اى منقلب ينقلبون .

ولم يأبه أحد فى الظاهر .

وهمست سعاد : أرأيت تلك المقاعد الوثيرة يا أمى ؟ إنك تجلسين فى أحدها فيغوص بك في موجة قطن أو رغوة صابون . . . تتلمسه أصابعك فتجدينه لينا كجلد أرنب .

_  وهل حصل لك شرف الجلوس على مثله ؟

_  نعم في مكتب المحامى .. إنه يستقبل الزبائن فى مكتب أنيق . . . مقاعد وثيرة وصور كبيرة ملونة وصندوق مثبت بالجدار ، يكيف الفصول ، فاذا اشتاق الى الربيع ونوره واذا حن الى الصيف وحره أو الى الشتاء وقره ،  ضغط باصبه على الزر فاستجابت له الفصول . . .

_  كفى . . كفى كذبا واختلاقا .!

_  والأرض مفروشة بالزرابى . . .

_  والناس ينزعون أحذيتهم خارج المكتب ؟

_  يدوسونها . . وتتبعهم الخادمة بآلة ذات خرطوم وذيل . . تلحس الغبار .

وقالت ليلى : لو كان أبى و أمى وصالح وبشار وأنا كلنا نشتغل لاقتنينا كراسى كالتي نشاهد في التلفاز وتتحدث عنها سعاد . . . إنى أتخيل نفسى أدوسها بحذائى .

_  كراسى كتلك ؟ في بيتنا هذا الردىء المتداعى ؟ يجب ان نبنى منزلا أكثر أناقة .

_  ولكن لماذا نشتغل كلنا بهذا الشكل المريع ، يشتغل » بشار «  شغلا مريحا .

- محاميا مثلا .

_  أو عدلا منفذا أو طبيبا . .

أنا لا أحب هذا . أنا اشتغل عاملا بمنجم أو بمقطع حجارة ، فأحارب الاستغلال والرشوة وسرقة عرق الكادحين .

_  لقد عرضت عليك أن تشتغل معي ، لدى المقاول فرفضت .

_  صبرا جميلا يا أبى ، لدى كتب كثيرة يجب أن أقرأها أولا .

- ستتخرج بعد قراءتها مهندسا معماريا .

_  لا ، ولكن عاملا واعيا . يوعى الآخرين

وثارت ثائرة الزوجة وصاحت باحدى بناتها :

_  قومى فأطفئى التلفاز . .  الكهرباء تضيع هباء . . ونحن لا نسمع الا مهاترات وضجيجا .

غادرت » نعمت « دار زوجها الغنى الى دار أختها الفقيرة » جمالات « وسر » بشار «  : ألم أقل لكم ! الهدنة مستحيلة واجتماعهما على مائدة الطعام اكثر استحالة . . .سوف تموت » نعمت «  جوعا .

_ أتتصور » محمودا «  يفتك منها الخبز ؟

_ هذا اذا سقطت في يدها منه قطعة .

_ بالله اسكت . . . أنت لا تقول الا لغوا وضجيجا كيف يفتك منها الخبز ؟

_  أرأيت » محمودا « قد تحمل جهل زوجته قواعد الرقص بضجر كبير ؟

وردت سعاد بعنف . . اسكت أنت ! كفي تخريفا ! إنه يحبها ، ولولا ابنة الحرام أخته لكانا أسعد زوجين . .

_  يا طفلة . . يا جاهلة ! كيف نجمع بين القط والفأر ونجبرهما على التعايش السلمي ؟ سوف ترين نهاية المسلسل ، لن تكون الا كما خمنت أنا واذا كان العكس ، فذلك من خيال الكاتب . . .وهو بعيد عن الحقيقة ، وزواجك انت من » فريد «  غلطة لم يسمح بها التاريخ ، ألم تنفصل عنه ؟ لقد كنت أتوقع ذلك منذ أمد بعيد .

_  ولماذا بخلت بارشادنا أيها النبئ ؟

_  محادثة ذوى العقول المتحجرة مضيعة للوقت . .  انتبهى للمسلسل فذلك خير .

وسرحت سعاد بخيالها وشردت بعيدا ، لم تثنه للشريط ولم تتابع أحداثه . . لعلها تحلم بزوج عطوف . يوفر لها مقعدا تجلس فيه فتغوص فى موجة قطن أو رغوة صابون . .  ورأيتها تنتقل بعنيها فى أجزاء الغرفة وتعاين الاثاث قطعة قطعة . . لعلها الآن تتصور زوجها يصل عائلتها ببعض النقود . . وسمعتها تهمس : » مستحيل « وسألتها :

وما هو ذا المستحيل ؟

_  أبدا يا أبى . . هى خواطر حالت ببالى . . .

جاء عون وسلمني دعوة الى مركز الشرطة دون ان يوضح فحواها ، سلمها وعرك قرن دراجته النارية فانطلقت به ، تحلقت الجارات عند مرآه أمام الباب مستفسرات وذهبت لهن » منانة « موضحة مطمئنة أو على الاصح مفتعلة الاطمئنان ، فهى لا تعلم ما يخبئ الغيب وابنها غائب وابنتها تخوض خصاما غير مأمون النتائج . . .  وهي تخشى ألستهن ، وتخشى خصوصا أن يتقولن على ابنتها بعض الاقاويل . . .  فقالت لهن : إنه فى شأن سعاد. .  اعلمنا أن الجلسة تأجلت من جديد ، أما في البيت فقد خيم الوجوم والصمت وتفاقم الشعور بالذنب على المسكينة سعاد ، فانكبت على تطريزها لا ترفع عنه عينيها : ولا تنبس بكلمة .

انفجرت فى وجه العون مقهقها ، فاستغزب أولا ثم نهرني وأمرني بالخروج لما رأى أن الضحك الشديد لا يتركني ، واجتزت عتبة الباب ورميت سترة العمل الزرقاء ، واستلقيت على الاسمنت محدقا فى السماء . . بدا لى سحاب أبيض فى شكل جمل يجر محراثا . . . ولا رجل وراءه . . يتحرك الجمل ويثير المحراث زرقة السماء فلا تنبت زرعا وعاودتني نوبة الضحك فجأة وعيناى بالجمل الذي ما لبث أن توارى محراثه فذنبه ، ولم يبق ظاهرا فى المستطيل الازرق سوى رأسه وعنقه والنير عليه ، والتف الصبية حولى ، وجاءت منانة مستبشرة فقالت : هات يا رجل ، بشرنا بنبا يسر . دمعت عيناى واستقمت فى جلستى لعل النوبة تتوقف ، ثم استسلمت من جديد ، وتساءلت سعاد : هل استفاق ضميره وعاد الى الحق ؟ وبدا لى أن منانة غضبت من استرسالى فى الضحك فقامت منفعلة وانصرفت الى قدرها . .  أما الصبية فلم يبرحوا مكانهم .

استحال الضحك سعالا فنشيجا فحشرجة . . وصاحت سعاد :

_  أبي ! مالك تسعل هكذا ؟

صرت التقط أنفاسى بصعوبة وامتدت يداى الى ازرار القميص افتحها ، بادرت منانة فأسندت رأسى الى ركبتها وقربت احدى البنات كوب ماء من شفتى فدفعته وأغمى على .

قيل : ان الجيران فزعوا لبكاء النسوة فاقتحموا البيت وتعاون رجلان على وضعى على الفراش . وأحضرت منانة زجاجة عطر قديم قربته من أنفى ودهنت صدرى ورقبتى وكتفى بزيت ممزوج بمسحوق عود القرنفل وتلت

على ما تيسر من قصار السور التى تحفظها . . . ورتلت بعض التعاويذ ونذرت لولية الله الصالحة » ميانة «  دجاجتها الوحيدة أنا افقت سليما . وأفقت هادئا متزنا لا أشعر بألم . . . تلمست رقبتى وانكرت لزوجة الزيت . .فقلت لمنانة : ما هذا ؟ لم تجب ، وانخرطت فى بكاء عنيف .

قالت لطيفة باسمة : كدت تموت . . .  لم أكن أعرف أن من السعادة ما قتل .

وبدأ البيت يضيق وأنا أذرعه جيئة وذهابا ، ونظرت الى المستطيل الازرق فوق رأسي وسألت زوجتى : أين الجمل ؟ لقد كان هناك ، كان يحرث السماء وكانت الأتلام تمتد وراءه مستقيمة زرقاء . . . هل رأيت السماء تنبت شيئا يا منانة ؟ هل نالك من خيرها نصيب ؟ ولكن أين الجمل وأين المحراث ؟

جئ بالمؤدب فتلا ما تيسر من القرآن وأنا أستمع اليه ، وسألنى وهو بتناول الشاى : ماذا تحس ؟ قلت له : لا شئ ، أنا بخير ، وقد سمعتك تتلو سورة الجن . .  قال : أنت مريض يا رجل . .  ولكن ستبرأ إن شاء الله على يدي .

صحت بالمؤدب : أنا مريض ؟ أرأيت الجمل يمر بالسماء ويجر وراءه محراثا يثير به زرقتها ؟ أرأيت النير على عنقه ؟ قال المؤدب مجاريا : نعم رأيته . . . لقد ركبه أحد ومضى به بعيدا . فقلت له : وولدي . . هل رأيته ؟  ولدي . . .

سألوني : متى غادر البيت ؟ وأين ذهب وهل قام بالخدمة العسكرية ؟ ولماذا أتركه بدون رعاية أو مراقبة ؟ وأعلموني ختاما انه ضبط على الحدود متسللا خلسة الى ليبيا ، وانه الآن سجين ينتظر المحاكمة بتهمة محاولة اجتياز حاجز الحدود بدون جواز . .  وأنه بامكاني زيارته . . .بفابس .

أمسك الحاج ابراهيم بتلابيب المؤدب وبدأ يهزه بعنف :

_  استمع إلي أيها المؤدب . . أنا اقدر وأحترم ما حوى صدرك من كلام الله ولكننى لست مجنونا ، وأنا شديد الوضوح ، من قال لك : إنى مجنون ؟

من هو الجدير بأن تتلو عليه سورة الجن وتلبسه صورة الشياطين ؟ أنا ؟ لقد أخطات الحساب . . . اتهموني بالاستلاء على مصوغ لأتزين به . .أو تتزين به زوجتى . . تعالى هنا يا امرأة ! هل أن هذا العنق يصلح للعقود ؟ هل تصلح هذه الاصابع لحمل الخواتم؟ . . هل يصلح هذا المعصم للاسوار ؟ انظر الى الاطفال واحدا واحدا هل ترى فيهم وجها واحدا تعلوه مسحة نعيم ؟ اذهب وقل لهم : إن ابراهيم ليس مجنونا . وقل لهم : إنه يأنف السرقة والاحتيال . . وماذا يفعلون بأثاث بيتي يا مؤدب ؟ إنه لا ينفعهم ، ولا حاجة لهم فى بعض الدنانير الصدئة . . من سيشترى مثل هذه النفايات ؟ فقير مثلى ولا شك ،  وهم يأخذون النقود ، نقودا مبللة بالعرق ، تلوث حافظاتهم النظيفة . . قل لهم كل هذا أيها المؤدب . . قل لهم : إن ابنى عاطل والآخر سجين  . .ويقولون: » زره فى سجنه بفابس« . . . أين هو الاثاث الذي يريدونه . . . أخرجيه يا امرأة . . اخرجيه الآن . . انت طالق ان لم تفعل . . هات الوقيد . . لا داعى لاثبات ملكيته . . سوف يأخذه العدم ونستريح .

انبعثت النار فى لحظة جنون ، وتعالى صراخ الصبية ، وأقبل الناس يرومون الاطفاء فمنعهم الحاج ابراهيم وسد الباب الضيق بجسمه ووقف ينظر الى ألسنة النار تلعق الخشب قبل أن تلتهمه فى تلذذ وشره . . لكنه لم يجرؤ على لمس التلفاز . . دخل الرجال عنوة وأنقذوا ما أمكن انقاذه والحاج ابراهيم يصارعها بجسمه النحيل ، تكسر زجاج النافذة فبقي محجر البيت مظلما كعين مطموسة .

خرج من جاء من الاجوار . . . وبقى المؤدب يحوم وسط الدار عاقدا يديه وراء ظهره محوقلا . . وأطرق ابراهيم صامتا ، وكف الصبية عن البكاء والنسوة عن تمزيق الثياب والصدور والشعور .

طفلا مريم يلهوان حبوا على الارض عاريى العورة ، يجمعان قطع الزجاج ، فجرح أحدهما وسال دمه . . فحملته أمه وخرجت تلبى داعى زوجها ، فقد أقبل الساعة من القهوة سكران ، وهي تحذر غضبه فى مثل هذه الظروف ، فالخمر والبطالة يجعلانه مشاكسا غضوبا قررت أن تتحمل الليلة صفعاته بأريحية وتسامح اذا رأى الطفل جريحا . . فأين تذهب وأبوها على تلك الحال . . وتنهد ابراهيم بعمق وأخذ المكنسة وجمع قطع الزجاج . . أحس أنه غير قادر

على رفع رأسه الى السماء ، فبحث فى قطع الزجاج لعله يرى الجمل والنير على عنقه ، ولكن قطعة الزجاج كانت عشواء . .فحطمها بعقب الحذاء .

جاء العدل المنفذ وهدد بابلاغ الامر الى السلط ، فدست منانة فى جيبه ورقة من فئة خمسة دنانير . . . فتحسسها وسكت ، واكتفى بأخذ التلفاز وعرضه للبيع بالمزاد .

قالت سعاد : إني أشعر كل ليلة بالبرد الشديد ، بعد أن تحطم الزجاج ، فأحضر أبوها قطعة خشب عوض بها البلور المكسور .

تقف سعاد وراء النافذة حيث تعودت أن تقف طويلا ، ولكن الخشب الثخن لا يتبح لها رؤية الدور المتصففة في نظام وتناسق وسط باقة خضراء ، فتجلس على كرسيها الصغير وتغرز عينيها فى التطريز حتى تكون العتمة فتقوم الى زر الكهرباء . . .

تغير نظام الحياة وأصبح النوم يأتي مباشرة بعد » قطعة الخبز «  أو » ملعقة الكسكسى «  .

حاء » صالح «  بعد أن أوقف عشرين يوما . . . جاء وفي جيبه تخطئة بخمسين دينارا من أجل اجتياز الحدود ، وروى لعائلته قصة ايقافه من طرف حراس الحدود  . . قال إنه كان يتقدم في الرمال ولكن قدماه تغوصان وتعوقانه وعلق أبوه :

_  جرى لك ما جرى للنحلة والزجاج . . ثرى الحرية والانطلاق فتهجم ، ولكن يحدها حاجز لاتراه .

وأطلق الأب ضحكة واسعة رنانة .

وأدرك العائلة الوجوم . . . إن تلك الضحكة ستنقطع بعد حين وسوف تصبح نشيجا فحشرجة . . .

اشترك في نشرتنا البريدية