تحلق الشيوخ أمام حانوت الهادى بن يونس ونادى مسعود الكوكى فأوتي بخشبة الخربفة.
- كلبك مات.
وتابع الحاج ابراهيم أصابع صديقه وهى تلتهم نواة التمر.
ذهب ((الكلب)) كما ذهبت ورقة من فئة العشرة دنانير .. التهمها قابض الحافلة وصاحب الشاحنة ((404 باشى)).
طلب من صديقه مسعود أن يعيد له نواة التمر فقال له :
- مالك يا حاج ابراهيم ؟. هل أصبحت تجهل قواعد اللعبة ؟
تنهد بعمق، إنه لا يجهل قواعد اللعبة، ويستحيل عليه أن يعيد ما مضى .. والتفت الى عمره الذى ذهب أكثره وتذكر خطبة الامام فى الجمعة الاخيرة عن الحياة القادمة وشعر بجزع .
كثيرا ما تناسى الحاج ابراهيم شبح الموت المقترب وحدث نفسه بأن هذا الغول الذى يخافه الناس ليس إلا إطلالة على عالم جديد قد يكون أكثر عدلا وماذا يشده إلى هذه الحياة الدنيا وقد وجد فيها ما وجد من المشقة والعذاب؟
ألم يشبهها الامام الشيخ مصباح بامرأة جميلة شريرة، وقال فيها قولة جميلة محال أن ينساها: ((فعالة غير الجميل. فلم عشقت جمالها ..؟)) صدق ذلك الشيخ العبقرى العالم الفاضل الامام الشيخ مصباح، فعالة غير الجميل ... وإلا فمن كان يتصور أن الحاج ابراهيم سينقلب هكذا، شر منقلب؟
لقد عايش الفرنسيين وعمل فى حقولهم ورعى خنازيهم واقتصد ..
وتزوج منانة بنت عمر بن مسعود أجمل فتيات الدوار. ثم كلف بفرقعة الضيعة وقتل جماعة من المعمرين المستبدين فقد تجاوزوا حدودهم، ولم يكتفوا بنسائهم الشقراوات .. ومدوا عيونهم الى ما متع الله به زوجات العملة من حسن، بل إن أحدهم قد ضاجع فتاة عربية تعمل عنده خادمة وأولدها ولدا أشقر خبيثا، فضج الناس وأحرقوا مزرعته وسجن بعضهم وذاق بعضهم سوط عذاب، وبلغ ذلك المجاهدين فكلفوه بفرقعة الضيعة وقتل أصحابها .. ومن يومها التحق بالجبال فما الموت بأبغض من حياة لهم معه فيها نصيب، ولم يعد الى السفح الا بعد أن وضعت الحرب أوزارها. ولماذا يجزع على حياة تنكرت له وقد كان يحلم بربيعها؟
- كلبك مات.
أسرت كلابه واحدا واحدا، وقال له منافسه: مالك يا حاج ابراهيم؟ إنك لا تلعب بشهية.
عشرة دنانير غدت هباء منثورا، ندم لأنه تسرع فى البحث عن شاحنة صغيرة أقلته الى زغوان .. ما عساه يحدث لو تأخر أسبوعا .. أسبوعين أو حتى ثلاثة .. ما دامت النتيجة، فى كل مرة، واحدة: أجلت القضية الى موعد آت ... فاتورة الكهرباء لن تتأخر بعد هذا الاسبوع والاستهلاك سوف يكون حتما مهولا باهظ الثمن .. والدنانير العشرة التى كان يعول عليها ذهبت كلها ... نهض هذا الصباح منذ الخامسة، وانتظر الحافلة ... فمرت، دون أن تتوقف .. وجرى وراء شاحنة صغيرة حملته على ظهرها وخضته حتى الاسهال .. ثم بقي طاويا، وقطع المسافة من زغوان الى تونس فى سيارة أجرة ... ودفعه الزحام حين صعد الحافلة الى طبربة، فوجد نفسه ملقى والارجل تدوسه فتلطخت أثوابه بالوحل وأصابته بعض الرضوض، إنه لا يقدر على دفع أصحاب المناكب القوية المتزاحمين على المقاعد. صرف كل هذه الاموال وناله هذا الاذى ليقولوا له: ((أجلت القضية الى موعد آت)).
- وماذا جد اليوم يا ابراهيم؟ ماذا حدث فى قضية ابنتك؟
- أجلت الجلسة
- مرة أخرى؟
- لقد استعطفت المقاول فمنحنى إجازة بيوم لألتحق بالمحكمة، والحافلة بين طبرية وزغوان لا تقوم الا مرة واحدة فى اليوم .. وقد جاءت مكتظة ... لست أدرى من أين ملأت جوفها كعلبة سردين، فمرت لا تلوى على شئ .. ولم تتوقف الا لتشرب بنزينا.
- هنيئا لك الراحة والاستجمام يا حاج ابراهيم.
- وهنيئا لاصحاب السيارات ما يبتزونه من نقودى.
- هكذا أراد الله يا حاج ابراهيم، فلا تشتك، واصبر وما صبرك الا بالله.
ذلك هو منزلى، يتهالك بين منازل متفرقة، وضيعة لا أشباح لها .. بلا لون .. كسماء مربدة.
كانت المنطقة تعج بالزياتين العرجاء والمنحنية والخاوية الاعجاز ... يقول لاصحاب حين يتحلقون حول ((الخربفة)) : إن بعضها يعود الى حقبة الرومان، فلما ألمت فترة التعاضد أمر بها فعصفت بها المعاول، وشبع سكان الجهة حطبا وكسدت تجارة الفحم والبترول الازرق. ثم خاف صاحب الارض أن يفقد ملكيتها الى الابد ففرط فيها للناس بالبيع .. وكنت حديث العهد بالبلدة، ضنينا ببقرة شهباء جميلة جلبتها معى من الريف واحتفظت بها، رغم التحضر، فنصحتنى الزوجة ببيعها لاشتراء شبر، نبنى به قبر الحياة. سامح الله الزوجات، ما كان على أن ألبي رغبتها، وقد قيل: خاب من سار فى الحياة بهدي النساء .. فقد عرفنا بعد ذلك فترة بؤس وخصاصة فجاع الاطفال ولم تجد بناتى ما يستترن به لولا بعض القمصان الخلقة التى يتكرم بها بعض الموسرين ... ثم انتعشت حالنا شيئا بعد أن توسط لى بعض المعارف، فألحقت بشركة للاشغال العامة ككسار حجارة، ثم كعامل بالطرقات ... كم تعبت فى وضع هذه الحجارة المتنافرة واحدة فوق أخرى .. فأنا أجهل قواعد البناء بالحجارة، وقد كنت طول حياتى أسكن منزلا من الطوب الاسمر المسوى فى شكل قوالب مستوية الاضلاع، مصقولة الجوانب .. أما هذه الحجارة التى لا تفهم لها شكلا، فلا قبل لى ببنائها .. لذلك احدودبت هذه الغرف الثلاث ونتأت حجارتها فى شكل دمل عم كامل الجسد.
اعترضنى الصغار وتعلقوا بأثوابى، وبدت زوجتى ((منانة)) تجلس وراء منسج ((الشوالق)) تصنع ((كليما)) لبعض عجائز الحى، تحاول أن تجمع خيوط القماش فى شكل مجموعات ملونة، وتتكون تحت ((خلالتها)) سطور لا تجمع بين ألوانها صلات التقارب أو قواعد الاشتقاق وتحصل فى النهاية على دينار تتلكأ العجائز فى دفعه ... وما عساها فاعلة؟ الابناء كثر، ويتحتاجون الى مصاريف وتحتاج البنات للذهاب الى الحمام وشراء طلاء لأظافرهن.. قامت منانه حين رأتنى أدلف الى الغرفة، فقد تغيبت أسبوعين، أنام حيث أعمل فى حضيرة للبناء بمنطقة سكرة، نبنى قصورا للموسوين ... كيف لى بالرواح كل يوم وثمن التذكرة الاسبوعية بالحافلة تساوى ثلث ما أتقاضى فى أسبوع .. ثم هناك الارهاق والزحام والحافلة التى لا تأتى فى الوقت المناسب أبدا ورائحة الجعة ودخان التبغ وبذاءة السكارى، ثم النساء والعجائز اللائى يقفن بجانبك إن رماك موج الزحام على مقعد ويجبرنك على التنازل لهن عن مكانك ... فضلت اذن أن أنام حيث أعمل متوسدا أكياس الجير والاسمنت، حتى أعود بعد أسبوعين.
مدت زوجتى أصابعها من خلال المنسج مسلمة ... أصابع سمراء قصيرة مفلطحة حطمتها الاعمال المنزلية والاحتطاب.
أصابع زوجتى باردة ... أكذلك قلبها؟ وضحكت فى داخلى لهذا الخاطر السخيف، أيليق برجل مثلى أن يفكر ببرد القلوب؟ ولى الشباب ومضت حرارته ... مسألة العواطف احتوتنا وحملنا الشباب على خواطر مجنحة وحلمنا بامرأة نحبها وتنجب لنا كثيرا ... امرأة جميلة نمنعها من رؤية الشمس ومغازلة الهواء .. نحبسها فى غرفة من الطوب الاسود ونمنع الغرباء من غيثان حمى قطره مائة متر حفاظا على الحريم تلك هى الفحولة وتلك هى المنى ... أما اليوم فقد أصبح الحديث عن الحب كثيرا واختلطت النساء بالرجال وتزاحموا جميعا فى الحافلة والمدرسة والسوق والحقول .. وردد المذياع أغانى الحب وعرض التلفاز مشاهد التقبيل ... وأنا رجل فى أرذل العمر فهل يليق بى أن أفكر بدرجة الحرارة بداخل قلب زوجتى؟ ... هى زوجتى وكفى ... أوفر لها بعض القوت .. وتنجب لى أطفالا ... إناثا وذكورا .. لا يمكن أن أطالبها بأكثر من ذلك .. قال المقاول يوم باشرت العمل كسارا للحصى بمقطع الحجارة: ما هذا يا رجل؟ حاول أن تترك بين الطفل والطفل قدر شبر .. لماذا تنتجهم هكذا متلاصقين؟ وضحك حتى استلقى على كرسيه الوثير ... ثم أردف لما شاهد استيائى: مرتبى الشهرى يفوق ما تحصل عليه
أنت فى سنة ... وليس لى سوى طفلين، ولد وبنت ... فكر فى نفسك .. وفى صحة زوجتك يا رجل .. ماذا يبقى من امرأة انجبت عشرة أطفال؟ .. إن زوجتى فى الاربعين .. وهى بعد شابة .. ولا أشك أنها تفوق ابنتك جمالا ... وقد جاءت زوجته هذه الى مقر الشركة ... تسوق سيارة صغيرة .. جسدها لين ريان .. وكثيرا ما رأيتها ترتدى زى الرجال وتحوم بالملعب جريا حتى ينز وجهها عرقا .. ويضطرب صدرها ويهتز وتحمر كالعلم المرفوف على بناية الشركة ... لا يمكن أن أطالب زوجتى المسكينة بأكثر من ذلك ... عشرة أطفال .. ولكنها مع ذلك لا تزال قادرة على الانجاب ... تزوجتها وهى بعد بنية فى الخامسة عشرة ... وهى الآن فى الخامسة والأربعين .. رافقتنى فى حلو الحياة ومرها ... ولم تعرف سن اليأس بعد .. هكذا قال الطبيب .. قد تسبب لنا ذلك بعض التعقيد والانخرام فى تقسيم مرتبى الضئيل ... وفي .. فأنا كلما لامستها فى الفراش مانعت وانكمشت على نفسها كالحلزون .. مخافة أن تنجب طفلا آخر .. وقالت: اتق الله يا رجل .. إنك لا تحفظ اسماء ابنائك العشرة، وتنادى لطفى بأنور وأنور بمحمود وفوزية بلطيفة ولطيفة بسعاد .. فكيف بك اذا زاد طفل آخر؟. قيل لها فى مركز تنظيم التناسل: أن بامكانها أن تأمن الانجاب فى فترة ما من دورتها الشهرية .. ولكنها لم تفهم متى يأتى موسم العقم على وجه التحديد ... ولكن حتام أتحمل هذا البؤس؟ .. قلت لها: استمعى إلى جيدا يا امرأة؛ يجب أن تبحثى لك عن حل .. أوفليأت الطفل العشرون .. عزمت حينئذ على التوجه الى طبيب فربط قناتها بخيط وقال لها: قد أمنت الحمل الآن .. وزفت لى البشرى فى احدى الليالى وقد طهت لنا عشاء حسنا .. وبعد تسعة أشهر وضعت الطفل الحادى عشر، إنه ولدى محمد، ولد وقدماه ملتويتان الى الداخل .. وفسرت زوجتى هذه العاهة للنسوة المتطلقات بأن الخيط الذى وضعه الطبيب قد ضغط عليه فاعوجت قدماه أو أن المساحة لم تكن كافية لتحركاته وفكرت: هل أتركه هكذا فينمو أعرج عاجزا وينفتح لى فى البيت فم يستهلك ولا ينتج أم أذهب به إلى طبيب يقوم اعوجاجه؟
قبلني كل الابناء حتى مريم ابنتى الكبرى، فقد جاءت تحمل توأميها جاءت مسلمة، فقد بلغها أنى قدمت، ورأيت شحوبها واصفرار وجهها ونحافة جسدها وقد غار صدرها رغم أنها ترضع طفليها حليبا اصطناعيا ... وتقوست ساقاها وقد كانت ممتلئة ريانة قبل الزواج، أما مجولها الابيض فقد علته
مسحة من السواد ونقط إدام. وقالت مريم: الحال كما ترى يا أبى وزوجى عاطل منذ أسبوع، وقالت سعاد: لقد جاء العدل المنفذ يا أبى ... جاء ومعه رجلان عاينوا الغرف الثلاث وقيدوا ما وجدوا من متاع...قيدوا الخزانة ومائدة التجميل والتلفاز ... حتى التلفاز قيدوه فى ورقة عندهم وذهبوا.
- ألم تسألوهم ماذا يريدون؟
- ومن يسألهم؟ بشار نائم حتى العشية. وقد رجوناه أن يقوم فيستقبلهم ويسألهم عما يريدون، فسب الدين والملائكة وضربنى ورجع فنام.
- وصالح.
- لم يعد بعد .. حمل أدباشه وأخذ من أمي دينارين وقال: إنه مسافر الى الساحل للبحث عن شغل هناك فقد بلغه أن الشغل موجود.
قيدوا الادباش وأمهلونى خمسة وعشرين يوما ... حين ينقضى الاجل تقام السوق فى بيتى ويتزايد الناس بالدينار للفوز بأثاث خلق: خزانة ومنضدة تجميل وكرسى باحدى أرجله عرج طفيف، وحشية وزربية أصلى عليها كلما عدت، وأنام على ظهرها فى ليالى الصيف حين تشتد حمارة القيظ وأهجر الفراش.
أمهلونى خمسة وعشرين يوما لأثبت ملكيتى لهذه الاشياء والا فسوف تباع بالمزاد لتسديد ثمن مصوغ وهمى أدعى خصمى انه سلمني اياه بمناسبة عقد قرانه على ابنتى سعاد.
كان شابا همجيا سئ الطبع لا يتورع عن تهديدنا واسماع ابنتى وزوجتى نابى القول .. فاضطرت لطلب الطلاق، وفشل القضاة فى اصلاح ذات البين فانتقم، وادعى دعواه وأقسم فى المسجد بأغلظ الايمان.
كان شاهد سعاد حين اشتغلت لديه فى معمل للنسيج. فأعجب بجمالها وأغراها بمعسول الوعد، فامتنعت .. فخطبها منى ووافقت ... وأسرت لأمها أنه راودها عن نفسها فاستعصمت فهددها ووبخها وتطاول علينا.
كيف اثبت ملكيتى لهذه الاشياء، وقد مضى عليها بضع سنين، وهو يدعى أن ابنتى هى التى اقتنتها حين كانت تشتغل بمصنع النسيج ؟..
كانت سعاد تنتظر أن أقول لها شيئا يطمئنها، وتوقفت زوجتى عن نسج الخيوط، وتحلق بى بقية الصبية ... هل أقدر أن أصنع من أجلهم شيئا؟ هل أقدر أن أذهب الى ذلك الشاب فأرجوه أن يتركني وحالى، فله فى مغازاته الاربع وضياعه ومواشيه وحساباته الجارية وأسهمه كفاية، ففيم يطمع من أجير مثلى؟ لم لا أشكوه الى المقاول، مؤجرى، فهما لا شك صديقان، وقد يكون المال والاعمال جمعتهما فى مناسبة ما، ثم إن مؤجرى وجيه، على علاقة بكل الناس وعلية القوم، أذكر أنه تدخل مرة لفائدة أحد العمال فقضى مأربه وتوسط للكثير لدى السلط والادارات والمؤسسات والشركات ولكن ماذا أقول لهذه العيون المحدقة التى تنتظر كلمة اطمئنان؟ رأيت الجدران بأحجارها الناتئة وعليها مسحة من البياض المغبر وتخيلت أنى أدخل احدى الغرف الثلاث فلا أرى سوى الجدران مائلة، بارزة وغائرة كوجه حفره الذل وبالت عليه المهانة، وأتكلم فأسمع صدى صوتى ترده على الجدران وقد خلت من متاعها فبقيت كعجوز تجردت من الثياب. عيونهم تلسعنى بسياط النداء، وهمست:
- لا يمكن أن يفعلوا هذا ... سأمنعهم من دخول بيتى.
وقالت لطيفة ابنتى الوسطى:
- جهاز التلفاز يا أبى ... جهاز التلفاز هو المهم ... لا يمكننى أن أعيش بدونه ... من سيروى لى حكاية ((أفواه وأرانب؟)) وأحوال العجوز جمالات وأبنائها؟.
لطيفة لا تصارع لأوامر أمها بالسكوت وتتشبت بوجوب بقاء التلفاز، من يقول لى - لو ذهب التلفاز - عما جرى بين الفتاة ((نعمت)) ومخدومها الغنى؟ أنا متأكدة من أنه كذاب ... هو لا يحبها ولا يمكن أن يحبها وهل يحب غني فتاة متشردة فقيرة خادمة ؟!
وتحمس ولدى محمود:
- لا يا أبى لا يمكن أن يحملوا التلفاز سأصعد الى السطح واطاردهم بالحجارة، ولن أدعهم يطؤون عتبة الباب.
وأردفت سعاد :
- إنه نافذتنا الوحيدة على الحياة . - لن أتركهم يحملونه يا بنيتى . . .
عاد الحاج ابراهيم الى بيته مرهقا وسأل عن ابنه (( بشار )) فقيل له : إنه قد تأبط علبة السجائر وخرج ، حاملا معه علبة الكبريت الوحيدة بالبيت . بحثت منانه عن عرف وقيد ، وبعثت ابنتها الى جارتها ، فجاءتها بجمرة فى قطعة من ورق مقوى ، تتساقط على الارض فترفعها البنية ، حتى وصلت بها الى كانون أمها فى وسط كفن كثيف من الرماد ، وأشعل الكانون .
يحلو السهر حول براد الشاي فى ليالي الصحو . . حين يكون الأب راضيا والأم غير عليلة ولا مخاصمة لزوجها والابناء مجتمعين ، ويأتى الأب فى منتصف كل شهر حين يقبض أجرة أسبوعين من الجهد بمخروط يسلمه الى منانه فتضعه فى صدرها الى حين يجتمع الشمل فتفتح المخروط وتسلم الابناء نصف كمشة من (( القلوب )) السوداء ذات الرائحة الذكية .
يحب (( بشار )) أن توزع (( القلوب )) بين أمه وإخوته بالتساوى بقطع النظر عن فارق السن أو فارق الحظوة عند الأبوين .
اغتم الحاج ابراهيم لسلوك ابنه وقال : (( ألا يرى ما نحن فيه من بؤس ؟ الا يحاول أن يعيننى على شؤون العائلة ويكفينى - ولو ليوم - مؤونة الشقاء والجرى وراء الخبزة الهاربة ؟ . . حتى متى أعيله وهو بعد فى التاسعة عشرة ، قوي البنية ، شديد ، لا يكف عن مشاكسة أخواته البنات ، يسب الدين والملائكة ، ويدخن السجائر ، ولا يصلى ولا يصوم . . ! ؟ ابن ابراهيم كافر زنديق . . هذا ما يقول الناس عنه . . وهذا ما أسمعه همسا وعلانية . . . شعره يتدلى على كتفيه . . والسجار يتلو السجار لا هم له سوى التسكع عبر الأزقة أو الانكباب على كتب الكفار . . لم أره مرة يمسك مصحفا أو يطالع كتابا من كتب الدين . ومال على زوجته باللائمة : (( كم مرة حاولت أن أطرده . ! لم أعد أطيق وجوده . . . رجل مثله ينتظر أن يجود عليه شيخ مثلى بقطعة خبز . . وكلما انصرفت جاء بعدى ووجد الاكل والسجائر انت سبب البلاء
لانك تشجعينه على التواكل . . . يسهر مع أقران السوء حتى منتصف الليل , وينام حتى المساء . ليلهم نهار ونهارهم ليل . . هؤلاء ذكرهم الله فى القرآن . . لقد لاحظ المقاول فى المرة الاخيرة أنه لم يبق بفكى الاسفل سوى سنين - تداعيا للسقوط ، فقال لى : وكيف تأكل الخبز يا حاج ابراهيم وهو جاف يابس ؟ آن الاوان أن تستريح وتترك العمل لمن يقدر على القيام به ، ففهمت أنه يلوح لى بوجوب التقاعد . . . إنه يعلم أن عدد السنين التى قضيتها بالشركة لا تكفى قانونيا للحصول على منحة تقاعد . . فكيف ستعيش هذه العائلة المسكينة التى ترى ما حولها من طيبات الحياة ، فيحدها زجاج الواقع . . واقع شفاف . . ولكنه حاجز مانع على كل حال .
قالت سعاد : الحمد لله ، نحن قانعون . . وأرجوك يا أبى أن تكف من ترديد هذا النغم الحزين .
- الحمد لله يا ابنتى . . . ولكن أخاك أورثنى الجنون . . لقد رجوت المقاول أن يشغله ، فقبل ، إكراما لى . . . وعندما عرضت عليه الامر قال : أنا ؟ ! أشتغل بمقطع حجارة ، تحت إمرة بناء جاهل لا يعرف من الحياة سوى تكسير الحصى ؟ أنا مثقف ، ولدى كتب كثيرة يجب أن أقرأها قبل أن اشتغل . .
عاد الحاج ابراهيم الى بيته بعد أن قابل العدل المنفذ ، ولم يجرؤ أحد على سؤاله ، فهو يكره أن يسأل حال وصوله ، وتنحنحت الزوجة وسألته , وتفاقمت أسئلة الصغار :
- ماذا قلت لهم ؟ - ماذا كان ردهم ؟ - هل قبلوا أجلا جديدا ؟ - هل سيرفعون التلفاز ؟
إلا سعاد ، فقد جلست بعيدا تنكب على تطريزها ، وتتظاهر بأن الامر لا يعنيها ، وتساءل الحاج ابراهيم : أتكون هى سبب البلاء أم أنا أيضا مسؤول ؟
لقد خطبها ذلك الشاب وقد ناهزت العشرين . هل أزوجها أم أنتظر ؟ الطفلة قد نهدت وامتلأت ورق صوتها وانطوت على نفسها ، وصارت تطارد اخوتها وتغلق دونها باب الغرفة بدعوى أنها تريد أن تقيل . . . وتضاحك حاج ابراهيم . . . تريد أن تقيل حتى فى عز الشتاء ! أحيانا تطالع كتابا ، ومرة تطلى أظافرها وتسرح شعرها الطويل بشكل جميل . . . وفهمت أنها قد نضجت ، وأنها تريد زوجا ، وخطبها ذلك الشخص فقبلت . . . يجب أن تزوج الطفلة يا حاج ابراهيم ما دمت سيد الموقف والا فقد تفقد زمام الامور . مسكينة سعاد ، إنها تتعذب وتعتقد أنها سبب البلاء ، ولكنى أشعر أن لى فيه ضلعا ، ماذا كان يحدث لو تركت بناتى يتابعن الدراسة ويختلطن بالذكور ؟ لو فعلت ذلك لما كان للرجل على تفكيرهن تأثير . . ولرأين فيه الرفيق والاخ . . فى الحقيقة . . أنا لا أفهم مثل هذه الاشياء . . ما كنت أراه صوابا هو أن الانثى اذا بلغت النكاح فانها تعزل عن الذكر . . ويجب التفريق بينهما فى المضاجع ، هكذا تعلمنا وهكذا أمرنا ولكنى سمعت هذا الكلام من أحد المثقفين ووجدتنى أؤيد رأيه وأشعر بالندم لانى حرمت بناتى مريم وسعاد ورفيقة من الدراسة . . . كن ينتقلن من فصل الى فصل بلا عناء ، وكنت أنوى تركهن بالمدرسة حتى يبلغن الشهادة الابتدائية . . فقال لى أحد الاصدقاء من الشيوخ أجننت يا رجل ؟ كيف يرعى الذئب مع الحمل ؟ أو تسلم ببراءة الذئاب ؟ أحجبهن بالمنزل . . فمستقبلهن ليس بكتب ولا بكراريس . . . مستقبل المرأة رجل ، والرجل لا يأتى به نحو ولا تصريف . . .
تعالى ، سعاد ! لماذا تجلسين هناك وحيدة ؟
وجلست الى جانبى على الزربية . . فقبلتها من جبينها فانخرطت فى البكاء ولم تسكن .
