II
ب / العيارون
واذا ما كان الغلمان والجوارى يمثلون طبقة متأرجحة بين العامة والخاصة بحكم التبعية للخواص والعيش فى كنفهم فان " العيارين " يمثلون صنفا من العوام المتميزين عن سائر فئات المجتمع اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا وهم الى جانب هذا التميز ثائرون على مجتمعهم ثورة الصعاليك فى العهود السابقة لشعورهم بالمظلمة الاجتماعية . ومظاهر ثورة هؤلاء العيارين العنف وقطع الطريق وابتزاز الثروة ابتزازا مما مكن بعضهم من تسلق السلم الاجتماعى واحتلال منزلة جديدة ليست لاحد من أفراد طبقته (43) لكن التوحيدى لم يقف عند هذا التصنيف الاجتماعى والثقافى للمجتمع بل قسمه كذلك بالرجوع الى أصناف معاشه ووجوه كسبه محللا تأثير البيئة والمعاش فى أحوال المجموعة البشرية وعاداتها واخلاقها
2 ) البدو والحضر
ولقد تحدث فى " الامتاع " عن البدو والحضر حديثا لا يخلو فى أغلب الاحيان من سخط على المجتمع الحضرى وميل واضح الى المجتمع البدوى بالرغم من انتمائه الى أوساط حضرية منذ نشأته الاولى لكننا نفهم فى يسر بعض دوافع هذا السخط اذا عزوناه الى واقع عصره الحضارى والى نقده لذلك الواقع بصفة عامة . ونعنى بذلك حضارة القرن الرابع للهجرة تلك الحضارة التى وصلت منذ نصف قرن الى قمة هرم التطور وشرعت بعد فى الانحدار . فالى هذا الاعتبار نرجع اذن ولعه بتعداد فضائل أهل البادية ورذائل سكان المدينة . يقول فى اهل البادية ما نصه
ان أهل البر وأصحاب الصحارى الذين وطاؤهم الارض وغطاؤهم السماء هم فى العدد أكثر وعلى بسيط الارض أجول ومن الترفه والرفاهية أبعد وبالحول والقوة أعلق والى الفطرة والفطنة أفزع وعلى المصالح والمنافع أوقع ومن المخازى آنف وللقبائح أعيف وهذا للدواعى الظاهرة والحاجات الضرورية والعلائق الحاضة على الالفة والمودة والشدائد المؤذية والعوارض اللازبة ولهذا يقال عيب الغنى أنه يورث البلادة وفضيلة الفقر أنه يبعث الحيلة وهذا معنى كريم لا يقر به الا كل نقاب عليم " ( 44 ) وسريعا ما تذكرنا هذه الفقرة التى تعمدنا ايرادها كاملة لاهميتها بموقف ابن خلدون من الموضوع نفسه خاصة عندما نجده مدعما بفكرة تمجيد الفقر ومنافعه والنعى على الترف ومفاسده ! ولعله من المفيد ايضا أن نستمع الى قول التوحيدى فى اصحاب المدن يقول " وهذا المعنى على هذا النظم قد عدمه أصحاب المدن وأرباب الحضر لان الدناءة والرقة والكيس والهين والخلابة والخداع والحيلة والمكر والخب تغلب على هؤلاء وتملكهم لان مدار أمرهم على المعاملات السيئة والكذب فى الحس والخلف فى الوعد " ( 45 ) فليس من المجازفة اذن أن نقول ان القرابة بين هذه الآراء وما نجده فى مقدمة ابن خلدون فى هذه النقطة نفسها أمر لا مجال لانكاره ثم اننا نزداد يقينا وتأكدا من هذه القرابة عندما نرى أبا حيان يتخطى بيان الفواصل والحدود بين المجتمعين البدوى والحضرى ليهتم بالعلاقات بينهما وذلك عند تماديه فى الحديث عن الحضارة وتطورها فاذا به يرسم حضارات الامم والشعوب فى رسم خلدونى واضح يجعلنا نفهم ان تفكير صاحب المقدمة حول العمران وأنواعه وخصائصه لم يكن خلقا من عدم مع العلم بأن ابن خلدون لم يقف حيث وقف أبو حيان بل استغل تلك الآراء وبنى عليها نظرياته الاجتماعية والتاريخية . وفى هذا السياق نفسه يتأمل التوحيدى فى تعاقب الدول معتبرا بما جد فى عصره من زحف على العواصم واغتصاب للحكم وان كان يضرب الامثلة على هذا التعاقب بدولتى اليونان والفرس قائلا " كل أمة لها زمان على ضدها " ( 46 ) ويستنتج ان الدولة تكون قوية فى أوائلها لان أهلها لم تفسدهم الحضارة بعد فلا تزال تخضد من شوكتهم حتى يضعفوا وتحل محلهم أمة أخرى وهذا معنى قوله " كل قوم فى اقبال دولتهم شجعان . . . . وعلى هذا كل أمة فى مبدأ سعادتها أفضل وأنجد وأشجع وأمجد واسخى واجود
واخطب وانطق وأرأى وأصدق وهذا الاعتبار ينساق من شئ عام لجميع الامم " ( 47 )
3 ) العرب والعجم
وتبلغ هذه الصورة الاجتماعيه تكاملها بما أضافه الكاتب اليها من وصف للعناصر والاجناس التى زخر بها مجتمعه وقد ركز حديثه خاصة على التوتر الذى سيطر على علاقات العرب والاعاجم والذى تسبب فى حركة الشعوبية . ومن المعلوم أن تاريخ ظهور هذه الحركة سابق لعصر أبى حيان وان أدب القرن الثانى والقرن الثالث قد صور لنا تلك العلاقات المتوترة من خلال الشعر الذى يتهاجا به الطرفان والنوادر التى يتناقلها أولئك عن هؤلاء أو من خلال الروايات والاخبار التى تصف سوء المعاملة بين الجنس العربى والجنس الاعجمى . لكن الحديث عن ظاهرة الشعوبية قد انتقل مع التوحيدى ومعاصرية من مستوى الشعر والنادرة والرواية والادب بصفة عامة الى مستوى القضية العلمية فى المفاضلة بين الامم والمقارنة سنها اذ صار العلماء يتناولون هذه المشكلة بالدرس والنقاش والجدل كما تتناول قضايا علم الكلام . وقد قدم لنا صاحب " الامتاع " مثالا فى كتابه لهذا الجدل والنقاش بين فريق من العلماء والادباء تجادلوا في الموضوع والفوا فيه كتبا نذكر من بينهم محمد بن أحمد الجيهانى ( 48 ) والقاضى أبا حامد المروروذى ( 40 ) وابا الحسن الانصارى ( 50 ) وقد شرح التوحيدى موقفه من هذه القضية فى رده على ما ورد فى كتاب الجيهانى من تعصب للفرس وتحامل على العرب ففند اراء الجيهانى التى يعيب فيها على العرب البداوة وشظف العيش والنقص فى العلوم واجتهد فى وصف ما للعرب من حضارة يمكن أن تعادل حضارة فارس
وما لهم من معارف دينية لا تقل قيمة عن المعارف العلمية ( 51 ) لكن موقف أبى حيان لم يقتصر على هذا الرد انما جهر برأى قيم فى المفاضله بين الامم حارب به التعصب والتحيز وأسسه على الاعتراف بفضل كل أمه ومزية كل حضارة وعلى اعتبار التكامل بين الامم فى بناء الحضارة الانسانية فكان رأيه أقرب إلى الموضوعية والنظر العلمى النزيه يقول فى ذلك واذا وقف الامر على هذا فلكل أمة فضائل ورذائل ولكل قوم محاسن ومساوىء ولكل طائفة من الناس فى صناعتها وحلها وعقدها كمال وتقصير وهذا يقضى بأن الخيرات والفضائل والشرور والنقائص مفاضة على جميع الخلق مفضوضه بين كلهم (52) ويواصل أبو حيان تحليله الحضارى مشيرا الى مبدأين أساسين يقوم عليهما دراسة الشعوب والمجتمعات أولهما المفهوم النسبى للتفاضل ومعناه أن فضل أمة من الامم لا يعنى اشتراك جميع أفرادها فيه وكذلك النقص الذي توسم به الامة لا يشمل كل فرد انتمى اليها . وانما هى أحكام تلقى بصفه عامة وعلى أساس تقريبى نسبى وليست لها قيمة الاحكام القاطعه والنهائية يقول " ثم ان الفضائل المذكورة فى هذه الامم المشهورة ليست لكل واحد من افرادها بل هى الشائعة بينها ثم فى جملتها من هو عار من جميعها وموسوم باضدادهم يعنى أنه لا تخلو الفرس من جاهل بالسياسة خال من الادب داخل فى الرعاع والهمج وكذلك العرب لا تخلو من جبان جاهل طياش بخيل عيى وكذلك الهند والروم وغيرهم " ( 53 ) وثانيهما ان مصير المجتمعات مرتبط بجملة من العوامل والظروف تطبع حضارتها بطابع خاص من بينها عامل الطبيعة والمناخ لذلك فهو لا يكاد يصدق بوجود أمة عديمة الحضارة بل يعتبر ان لكل شعب نمطا حضاريا خاصا به يساهم فى تكوين التراث الحضارى البشرى . وهذا ما جعله يدعونا الى تصور حياة فارسى عاش فى بلاد العرب أو عربى عاش فى بلاد الفرس ( 54 ) ولسنا نريد هنا أن نستوفى النظر فى موقف أبى حيان العلمى بقدر ما نريد أن نبرهن على أنه لم يكن شعوبيا عندما تصدى للرد عل الشعوبيين ولم يكن ينتصر للعرب ضد الفرس اذا ما كان الجيهانى ينتصر للفرس ضد العرب كما يبدو لنا هذا الموقف طبيعيا من مفكر كان يضيق بما ساد عصره من بلبلة اجتماعية وفتن داخلية وكان يسعى الى ارشاد هذا المجتمع واصلاحه قدر طاقته
ب / الانخرام الاقتصادى
وقد رسم قلم أبى حيان صورا نابضة للانخرام الاقتصادى فى مجتمعه . فهو مجتمع لم توزع فيه الثروة بعدالة واتسعت فيه الشقة بين الطبقات فمن طبقة تعيش فى ثراء فاحش الى اخرى تكابد الفقر المدقع وقد تجمعت الثروة بين أيدى فئة قليلة من الخاصة والرؤساء والاعيان أما سائر أفراد الامة فلا يكادون يجدون القوت الضرورى . وقد وصف التوحيدى ما تعانيه فئة العلماء والمفكرين من ويلات الفقر فذكر حال الفيلسوف ابى سليمان المنطقى بقوله " وحاجته ماسة الى رغيف وحوله وقوته قد عجزا عن أجرة مسكنه ووجبة غدائه وعشائه " ( 55 ) ولقد تعمد التوحيدى ذكره فى حضرة ابن سعدان رغبة فى تحسين حاله والتخفيف عنه فأرسل الوزير اليه بمائة دينار ويقول فى وهب بن يعيش الرقى اليهودى وهو رجل متفلسف " انه شديد الفقر ظاهر الخصاصة لاصق بالدقعاء " ( 56 ) واما العلوى بن زكريا فقد رآه التوحيدى بجامع الرصافة وقد " نام مستدبر الشمس فى يوم شات وبه من أثر الفقر والبؤس والضر أمر عظيم مع غزارة علمه واتساع أدبه " ( 57 ) أما أبو سعيد السيلافى أستاذ أبى حيان فقد كان " ينسخ فى اليوم عشر ورقات بعشرة دراهم ليعيش " ( 58 ) ونقل التوحيدى قول أبى بكر القومسى الفيلسوف واصفا سوء حاله واضرار الفاقة به " ما ظننت ان الدنيا ونكدها تبلغ من انسان ما بلغ منى ان قصدت دجلة لاغسل منها نضب ماؤها وان خرجت الى القفار لاتيمم بالصعيد عاد صلدا أملس . " ( 59 ) وقد كان أبو بكر هذا على حد تعبير التوحيدى " بحرا عجاجا وسراجا وهاجا " ( 60 ) ولقد كانت هذه الحال نتيجة سياسة مالية سيئة لم يغفل أبو حيان عن وصف بعض مظاهرها كغلاء الاسعار فى عهد الوزير ابن سعدان مما دعا العامة الى الهيجان والاستغاثة ( 61 وهذا الغلاء فى الاقوات من أهم الاسباب التى اغضبت الرعية على وزير صمصام الدولة البويهى وقد ورد فى ذيل تجارب الامم لابى شجاع هجوم العوام على
دار ابن سعدان فى شبه ثورة ! يقول أبو شجاع " وانضاف الى ضيق خلقه ما اتفق فى وقت نظره من غلاء سعر فتطيرت العامة ورجموا زبزبه وشغبوا الديلم عليه وهجموا على نهب داره وانتهت الحال الى ركوب صمصام الدولة إلى مجتمعهم حتى تلافاهم وردهم " ( 62 ) وهذا أمر يتناسب ما ذكره أبو حيان فى الامتاع من وصف لهيجان العامة عندما مر الوزير بهم ومن شكواهم اليه عوز الطعام وتعذر الكسب ومن رده القاسى عليهم " بعد لم تأكلوا النخالة ؛ ولا يدلنا ذكر أبى حبان لهذه الاحوال الاقتصاديه فى سمره مع ابن سعدان الا على رغبته الملحة فى الارشاد والاصلاح وتلافى الخطر . وكان من نتائج تدخله فى هذا الامر أن عزم الوزير على جبر الضرر بتوزيع مال على الفقراء وبالتدخل فى مراقبة سعر الخبز وجعله " ثمانية بدرهم " ( 3 ) وبعد هذا فان آثار التوحيدى زاخرة بالاشارات الى ما تردى فيه مجتمع القرن الرابع من صعوبات مالية بعثت العديد من الوزراء على الاستعفاء من مهامهم أو عرضتهم للعزل بعد فشلهم فى تسوية هذه الامور الاقتصادية ( 64 )
ج / تدهور القيم
وكانت النتيجة الطبيعية لهذا الانخرام الاقتصادى تلاشى القيم فى مجتمع ذلك العصر وتدهور الاخلاق وطغيان قيمة واحدة على سائر القيم الاخرى وهى : المال يضحى المرء في سبيله بماء الوجه وبأصدقائه وذوى قرباه . وأحسن أثر يصور هذه الناحية من المجتمع رسالة التوحيدى فى الصداقة والصديق فقد ذكر لنا أن سبب تأليفه لها هو انعدام الوفاء بين الناس وانتشار الانانية والنزعة الفردية بينهم ( 65 ) وقد صور لنافى هذه الرساله اخلاق فئات من معاصريه من فلاحين وتجار وذكر أن " كسب الدوانيق سد بينهم وبين كل مروءة وحاجز لهم عن كل ما يتعلق بالفتوة " ( 66 ) ومن أفصح ما نعت به التوحيدى أصحاب الاسواق فى عهده قوله " فانا لا نعدم من أحدهم خلقا دقيقا ودينا رقيقا وحرصا مسرفا وأدبا مختلفا ودناءة معلومة ومروءة معدومة " ( 67 ) فاذا كانت هذه حال هؤلاء فان حال المفكرين والعلماء لم تكن
أحسن منها لما دب بينهم من " التحاسد والتمارى والتماحك " ويتمادى أبو حيان فى تعميم هذه الظاهرة على شتى الطبقات لايكاد يستثنى منها واحدة يقول : " فوالله ما أسمع ولا أرى هذه الاخلاق الا شائعة بين أصناف الناس من الجند والكتاب والتناء والصالحين وأهل العلم " ( 68 ) وقد بعث هذا الوضع التوحيدى على سوء الظن بجميع الناس وعلى النقمة عليهم فقال فى رسالته إلى القاضى أبى سهل على بن محمد " جاورتهم عشرين سنة فما صح لى من أحدهم وداد ولا ظهر لى من انسان منهم حفاظ ولقد اضطررت بينهم بعد العشرة والمعرفة فى أوقات كثيرة الى أكل الخضر فى الصحراء والى التكفف الفاضح عند الخاصة والعامة والى بيع الدين والمروءة والى تعاطى الرياء بالسمعة والنفاق " ( 69 ) ثم لخص هذه المشاعر اليائسة بقوله " غلب الياس من جميع الناس ( 70 ) ولم يصمت صاحبنا عن نوع آخر من الانحلال الخلقى هو الخلاعه والمجون وهى ظاهرة ترتبط ايضا بالوضع المادى الاقتصادى الذى اشرنا اليه سابقا فكم من غلام سقط فى هذا التفسخ بسبب الحاجة وكم من ثرى أغراه ماله بتعاطى الموبقات . فهذا علوان " غلام ابن عرس " يقول لاهل مجلسه " حاجتى والله اليكم غدا أشد من حاجتكم الى اليوم " ( 71 ) وها هو ذا صاحب الامتاع يصف لنا أهل المجلس بقوله : " فلا يبقى من الجماعة أحد الا وينبض عرقه ويهش فؤاده ويذكر طمعه ويفكه قلبه ويتحرك ساكنه ويتدغدغ روجه ويومئ اليه بقبلته ويغمزه بطرفه " ( 72 ) وقد عم هذا الولع جميع الناس من عامه وخاصه وصغار وكبار وان كانوا من أصحاب النسك والوقار (73) ولا يعدم القارىء لكتاب الامتاع والمؤانسة أمثلة عديدة تصور وطأة الغلمان على قلوب الخاصة وهو أمر شبيه بما يذكره مسكويه المؤرخ عن الامير عز الدولة من انصرافه عن شؤون الدولة بسبب غلام تركى أسر له فى موقعة بالاهواز (74) وقد أثرت هذه الظاهرة فى نشاط الفقهاء فى القرن الرابع فاجتهدوا اجتهادات مختلفة فى تحليل الغلام أو تحريمه ( 75 ) . وقد استفحل الامر بانتشار دور
خاصة للهو كما وصفها الثعالبى ولم يكن قاصدها يتكلف لارتيادها سوى درهمين وقد أشار المستشرق آدم متز إلى ما أسس فى زمن عضد الدولة من بيوت للفواحش كانت تفرض عليها رسوم وضرائب تؤدى لبيت المال(76) فمن البديهى اذن أن نعلم أن تدهور القيم فى هذا المدتمع دليل قاطع على ضعف العقيدة وتدهور الدين لان المجتمع الاسلامى يستمد مبادئه الاخلاقية من قاعدة دينية أساسا وقد كان ضعف العقيده من أبرز ما لاحظه التوحيدى فى مجتمعه فرأى أن الشريعة قد أصبحت وسيلة تبرير لأإراض وأهداف خارجة عن حدودها أى أنها صارت مجرد شكل قانونى لعمليات غير قانونية وهذا معنى قول أبى حيان فى وصف معاصرية مستمسكون من الملة بما أصلح البضائع وينهون عنها كلما عادت بالوضائع " ( 77 ) ويقدم لنا كتاب الامتاع صورة لهذا المجتمع المكون من أكلة ربا وباغية وشربة خمر والذى يصادفك به سوى " ذئب مستعر بذنبه يختلك عن دينيك ودرهمك يكذب ويبخس فى الميزان ويطفف فى المكيال ( فهو مجتمع قد تداعت فيه القيم وانقلب سلمها حتى صار " المنكر معروفا والمعروف منكرا " (79) ويبدو أن أبا حبان لا يرى صلاحا لهذه الحال الا بالرجوع الى دين قويم وسياسة صالحة فلقد سئل أستاذه أبو سليمان مرة خلال حوار له مع بعض جلسائه عن صورة الزمان الخالى من الآفات فأجاب " أن يكون الدين طريا والسياسة مغروسة ( 80 ) ومعنى ذلك أن التوحيدى يرجع أسباب هذا التدهور الى عاملين أساسين هما فساد السياسة وفساد الدين ، كما يرجع نهضة الامة الاسلامية فى العهود السابقة الى صلاح السياسة لذلك نراه يقول على لسان ابن زرعة واصفا تلك العهود السالفة ومقارنا لها بالعهد الراهن هذا لان الزمان من قبل كان ذا لبوس من الدين رائع وذايد من السياسة بسيطة فأخلق اللبوس وفنى وضعفت اليد بل شلت وقطعت (81)
د / الفتن المحلية والخطر الاجنبى
وقد انضاف الى ضعف العقيدة واضطرابها تسرب الاثر الاعجمى الى عقائد
المسلمين (82) فحدثت البلبلة العقائدية والفكرية وتشعبت المذاهب وحدث بينها تطاحن مستمر وهو تطاحن قائم على التطرف والتعصب . وقد قدم أبو حيان صورة أمينة لتعدد المذاهب والفرق فى عصره فقد كانت بغداد فى عصره مسرحا لجميع الحركات الروحية وكان فيها لجميع المذاهب أنصار ( 83 ومن أمثلة الفرق والمذاهب الفكرية التى ذكرها التوحيدى ما ورد فى قوله وصار الناس أحزابا فى النحل والاديان فهذا نصيرى وهذا أشجعى وهذا جارودى وهذا قطعى وهذا جبائى وهذا أشعرى وهذا خارجى وهذا شعيبى وهذا قرمطى وهذا راوندى وهذا نجارى وهذا زعفرانى وهذا قدرى وهذا جبرى وهذا رافضى وهذا مستدركى وهذا حارثى ومن لا يحصى عددها الا الله " ( 84 وسرعان ما انقلب هذا التطاحن بين المذاهب من صراع فكرى الى فتن دامية وذلك سبب ما كانت تقوم به الخاصة من تهييج العامة خدمة لأغراضها يقول أبو حيان " وصارت العامة مع جهلها تجد قوة من خاصتها مع علمها فسفكت الدماء واستبيح الحريم وشنت الغارات وخربت الديارات وكثر الجدال وطال القيل والقال وفشا الكذب والمحال وأصبح طالب الحق حيران ومحب السلامة مقصودا بكل لسان وسنان " ( 85 ) ويستمر التوحيدى فى التعبير عن أسفه لهذا الوضع القلق ملاحظا أنه وضع بلغ من الفساد مبلغا استوجب شماتة اليهود والنصارى والمجوس وتمادى أيضا فى الحديث عن الفتن الداخلية التى تسببت فيها الفرق الارهابية من الحنابلة والشيعة وما أحدثوه ببغداد من فوضى وشغب ( 86 ) وقدم صورة لما حل بهذه المدينة من فتنة عند هجوم الروم على المسلمين عبر " نصيبين " سنة 362 هـ ووصف خوف الناس بالموصل وأخبر فى تفصيله لاحداث هذه الفتنة أنه " شهد أولها وغرق فى وسطها ونجا فى آخرها " ( 87 ) كما بين مواقف الخاصة والعامة من هذا الحدث فأما العامة فقد انقسمت الى طائفتين الاولى ترثى لحال الدين وتستنكر الاعتداء والاخرى تستغل الفرصة للعبث والفساد وأما الخاصة فقد انقسمت ايضا الى فئتين فئة تريد الدفاع عن حوزة الاسلام وفئة تريد الاخلاد الى السكون . وفى هذه البيئة المتدهورة ظهرت فئات من مستغلى الوضع ومن الذين يتحينون الفرص
( 82 ) المصدر السابق ص 75 ج 2 (83) الحضارة الاسلامية - آدم متز - ج 1 ص 110 ( 84 ) الامتاع - ص 77 - 78 - ج 2 (85) الامتاع - ص 76 - 77- ج 2 ( 86 ) المصدر السابق ص 147 ليلة 38 ج 3 ( 87 ) المصدر السابق ص 150 ليلة 38 - ج 3
للسطو عل الثروات ولنهب الضعفاء مستعملين فى ذلك حد السيف فاذا بزمر من المتسكعين يتسلقون فجأة سلم المجتمع وينقلب بعضهم من قاطع طريق إلى سيد ذى جاه وأمثلة هؤلاء كثيرة ذكر منهم أبو حيان " أسود الزبد وابن كروبه وأبا الدود وأبا الذباب وأبا الارضة وأبا النوابح " وغيرهم ولعل فى هذه الكنى دليلا على اصحابها (88 )
(5) قيمة النزعة وجدواها
ومن المفيد بعد هذا التحليل - أن نتساءل عن قيمة هذه النزعة الاجتماعية فى أدب أبى حبان وأن نتفطن الى ثلاث حقائق بارزة فى هذا المجال : الحقيقة الاولى هى أن هذه النزعة قد جعلت من أبى حيان ومن أدبه شاهدا على المجتمع العربى الاسلامي فى فترة معينة من التاريخ شهادة أمينة منصفه فبرز لنا هذا المجتمع فى صورته الشاملة واطاره العام بطبقاته وأجناسه وأصناف معاشه كما برز لنا فى مظهره الحركى مجتمعا يعانى صراعا اقتصاديا وسياسيا ومذهبيا ويستهدف لخطر داخلى وآخر خارجى وقد كان أبو حيان صورة بشخصيته وبأدبه لهذه الملابسات والاحول فقد عاش هذا الصراع نفسيا وماديا . والحقيقة الثانية هي ان صاحبنا لم يكن شاهدا وملاحظا فحسب بل كان منتقدا ومستنكرا لهاته الاوضاع فهاجم الانحلال الاخلاقى والتعصب والعنصرية والفوضى المذهبية وضعف العقيدة ونادى بمجموعه من القيم الاجتماعية والروحية أهملها معاصروه والحقيقة الثالثة هى ان أبا حيان يمثل بحق المفكر الواعى لبوادر التدهور فى المجتمع الاسلامى والمتفطن لمواطن الضعف يحكم فيها عقله ولا يذهب فيها مذهب العاطفة ويقارنها بمواطن القوة فى المجتمعات الاسلامية السابقة لعهده فيصل به تفكيره الى نظرات عميقة تذكر بنظرات ابن خلدون وان كان يرى دائما ان الحل ممكن والنجاة متيسرة بالرجوع الى الدين والتمسك بسيرة السلف الصالح وان رجل الحكم - ممثل السلطتين الدينية والدنيوية هو القادر على انقاذ الامة مما تردت فيه . وهو بتفكيره هذا يمثل نخبة من المثقفين فى عصره كانوا يلاحظون الاوضاع بأسف ويتمنون اصلاحها ولكنهم لا يرون الامر بأيديهم ويشاهدون الخرق يزداد كل يوم اتساعا ( 89 )

