الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

النزعة الانسانية فى ادب قوقول

Share

اننا لا نتماسك عن الاعجاب عندما نطالع تصوير " غوغول " لنقائص مجتمعه تصويرا حبا متحركا قد اقتطع من وسط الجماعات المتلاطمة المتفاعلة فى خضم الحياة الهئج المضطرب

ونحن كلما وقفنا عند هذا التصوير داخلنا نفس الشعور الذى يلم بنا عندما نطالع مثلا لبالزاك ) 1 ( ونتعرف على ما حوى مجتمعه من انحرافات وجوائح تبدو بسيطة حينا وخطيرة احيانا . ومع ذلك فان اتجاه الكاتب الاول الادبى يختلف عن اتجاه الثاني . واذا كان المجتمع هو المجتمع والناس هم الناس فى كل زمان ومكان ، لا يخلصون من النقائص ولا يتخلى عنهم الفساد ولا هم يتخلون عنه ، فان نظرة الكاتب هى التى تتغير حسب تغير طابعه النفسانى ، وحسب تقبله او رفضه تلك الظاهرة الايجابيه او السلبية فى مجتمعه

وانت تتأمل نقائص مجتمع " غوغول " فلا تملك نفسك عن الضحك ، فتغرق فيه الى حد الاسراف ، وحتى تتحول فى نظرك نقط الضعف والانحطاط ضمن ذلك المجتمع الانسانى المعين الى ظواهر انسانية تقبلها كما تقبل وجود الانسان ذاته ، على انها جزء منه لا يتجزأ ؛ لا تتخلى عنه لانة لا يتخلى عنها ، وهو لا يتخلى عنها لانه انسان ثم لانه ضعيف . وهكذا فالانسان نقائص ، وهو ضعف ، وهو سفول ، واعماله رجس من عمل الشيطان كلما تحرك واندفع منطلقا فى تيار الحياة والمادة ، مقاوما له حينا ومستسلما له احيانا . هذا هو الانسان . وما دام الامر كذلك أفلا يحوز لنا ان نضحك مستخفين هازئين محتقرين لكل ما يبكى الانسان ويبعث فى روحه الجدية والحماس والطموح الى كل ما فى الحياة من سخافات ؟ . . . انة لا داعى الى البكاء ما دامت الحياة هى الحياة والمجتمع هو المجتمع ، والانسان يعيش بين هذه وذاك فى حيرته الابدية وقلقه المستمر وجديته الكاذبة

فاما ان نقبل واقع الاشياء واما ان نرفضه ، ونحن الى قبوله اقرب ، بدفعنا اليه لزومه للانسان ولزوم الانسان له عبر الازمان . وهل خلا قرز من القرون من تلك السخافة المطلقة التى يتنفسها الانسان ويعيش لها وبها ؟ ٠٠٠

وحتى ابرز ذلك الجانب الانسانى القوفولى جليا فانى احب ان اعرض لمعاصره بلزاك وموقفه ازاء ما يعرض على الناس من صور لحياتهم

ان كلا من فوق الروسى وبلزاك الفرنسى صادق الاداء والتصوير ، .غير ان الثاني يمتاز عن الاول باندفاعه الجدى ، فصوره كثيرا ما تبرز للاذهان متحركة ، قد قت من وسط الجماعات المتدفقة ، ولكنها مغلفة غشاوة من الكآبة والحزن ، هى كآبة من احس بغير الواقع اصلا للحياة من اعطى للحياة مثلا اعلا من الحياة نفسها ؛ هى كآبة من رأى الحياة على غير ما خلقت له ، فحاول تصويرها على النمط الذى يجب ان تكون عليه . انة ليرفض وضعا ، ولكنه لسوء حظه وضع مطلق ، يفوق في اطلاقه ما يحاول دوما تصويره من مثاليات هى اقرب الى الخيال منها الى الواقعية

ومن هنا تنبع تلك النظرة المتشائمة القاتمة التى تعتبر كل شئ ظلاما وضلالا وانحرافا ، اذ هى تعتبر الواقع غير الواقع ، فيدفعها تشاؤمها الى الاكثار من الالوان القاتمة فى تصويرها لما تقدم من لوحات ، وبذلك يتولد عن الواقع البسيط - بما فيه من مرارة وعذوبة - واقعان : الاول مثالي ؟ بخرج عن نطاق المبادىء والمثل الاخلاقية والانسانية والعقائدية ، والثاني صورى يعكسه التصوير وتنمقه القرائح ، فيبدو واقعا ولكنه واقع مزيف مظلم .

وهكذا فمن الروح الادبية لبلزاك تتبع المأساة فى أشد وأعنف مظاهرها ، حتى لتثير فينا الاشجان ، فتنهمر دموعنا بعد ما كانت نفوسنا قد امتلأت بؤسا ويأسا والما ، واذا فما الذى امكانا ؟ . . أكون واقع بلزاك الصادق او الوانه الموغلة فى القتامة ، المسرفة فى التشاؤم ؟ . .

ان المسألة لا تعدو ان تكون مجرد نظرة الى الحياة . و " بلزاك " من الكتاب الذين يرومون دوما النظر الى مآسى الانسان عارية عن كل الاصباغ التى تخفف من مرارة المأساة . انها عين عارية مجردة عن كل منظار يحول ٩ مجرده عن دل منطار يحول

الظلام الى بريق والحلكة الى نور كاذب . هي عين عارية تتفحص وتحقق نقائص الانسان عارية كذلك فى بيئات متعددة ومتباينة . فينتج عن كل ذلك شقاء وحسرة ، وضيق ، هى ضيق وحسرة وشقاء من التزم الواقع وارتبط به فصدم وخاب ظنه فيه .

وهنا نتساءل عما إذا كان فوقول الذى ينظر الى المأساة بعين ضاحكة بتجاوب باتجاهه النفسانى مع ذلك التصوير الهازل الذى عهدناه عنده أو قل : هل كان فوق يشقى كما شقى غيره من الكتاب الذين فتشوا بأيديهم مخبات القذارة الاجتماعية ، وبذلك يكون هزؤه سطحيا واستخفافه ظاهريا لم يصل الى اعماق الضمير ؟ ٠٠ .

أم هو يتوخى ذلك النوع من التصوير المرح للواقع بناء على ان ذلك هو واقع الانسان الطبيعى ليس له غيره ؟ ٠٠ واذا كان الامر كذلك فهل يحق اعتبار ذلك مأخذا او استناقاصا من حساسية " فوقول " ووطنيته وغيرتة كأديب مصلح ؟ .

الحق ان الكاتب كان يلتمس من وراء تلك الروح المرحة الخفيفة التى يعتمدها فى تصويره ضربا من التخدير او الدوار الذى يخفف او ينقص من وطأة القبح وحدة الشقاء وقوة المرارة . لا على الانسان اذا نيش فى خبايا الواقع المؤلم بشرط ان يوجد مع ذلك مخففا او مسليا ، هو فى نظر " قوق " وفى نظر كثير من الكتاب الآخرين ذلك الهزء الضاحك ، الذي يستمد من الفساد هزلا ينسى القبح ذاته .

لا ٠٠ ايها القراء الاعزاء ، انكم لا ترغبون فى مشاهدة البؤس الانساني عاريا . وكأنى بكم تقولون " وما الفائدة ؛ . . ألم ندرك بانفسنا ما في الحياة من اشياء تافهة وممقوته ؟ . . . ان الفرص لا تعوزنا لنقف عل المشاهد المؤلمه ، فبادر اذا بعرض لوحات جذابة ، اذ من الخير لنا ان نخدر أحاسيسنا " ) 2 ( " .

ومن الخطا ان نعتبر فوق كاتبا مغالطا فى تصويره لما فى الحياة من مظاهر منفرة قاسية او حادة ، وانما اتجهت همته الى التخفيف من تلك الحدة التى حدت " ببوتشكين " الى ان يقول :

يا إلا هى ما أشد تعاسة بلادنا روسيا " . .

هذه شهادة " بوتشكين " تثبت ما لهذا الكاتب من تصوير ينطق بالقسوة وينضح بالمرارة . يقول فوق : " لو قدر لاحد ان يشهد الهول الذي يرز من قلمي أول الامر لارتعدت منه الفرائص . وحسبي ان اذكر لك اني عندما قرأت الفصول الاولى من كتابى " الارواح الميتة " على بوتشكيا - وكانت فى صورتها الاولية - لم يتمالك ان تجهم رغم ابتسامته الدائمة وتسمه الملازم له كلما استمع الى ما اقرأ عليه من كتاباتي . وعندما فرغت من القراءة قال بصوت يقطر مرارة : " يا إلاهى ما أشد تعاسة بلادنا روسيا " . ولقد ادهشني منه ذلك ، كيف ؟ ٠٠ بوتشكين الذي يعرف روسيا حق المعرفة يفوته ا ن يلاحظ ان كل ذلك ما هو الا محض هزل مختلف . وعندئذ ادركت حقيقة العمل الفني النابع من اعماق اعماق النفس ، وفي اى صورة مهولة يمكن ان يخرج للناس الظلمات وما فيها من وحشة قاتمة . ولقد فكرت آنذاك في تخفيف حدة التأثير الذى يمكن ان تحدثه قصة الارواح الميتة . . . " ) 2 ) .

وهكذا فان " فوق " كان قد فكر فى امكانية تخفيف مدى التأثير السئ ، ويهمنا ان نتعرف على تلك الامكانية ، والى اى مدى افاد ذلك التفكير ؟ ٠٠٠

كان " فوفول " قد احرق القسم الثانى من كتابه الارواح الميتة ، وقد دفعه الى ذلك تساؤله وحيرته ازاء اتجاهه الفني في الكتابة . فمن أهم المسائل التى كانت تشغله وتحيره هى مسألة التصوير . فهل للكاتب يعنى بالشكل أم بالمحتوى فى تصويره لواقع مجتمعه ؟ . . . يرى الكاتب الروسى ان المهم هو صدق التصوير : " ان جمال الاسلوب واختيار لتعابير ، وانتقاء المفردات تبدو هنا قليلة الاهمية ، فالعبرة ليست بالاسلوب وانما بالصدق والأصالة " ) 2 ( .

وبذلك يتضح لنا جانبان هامان ، اولهما صدق الاداء ، اداء ما يقدم الى الناس من صور وألوان . وثانيهما محاولة إلباس قسوة الحقيقة او مراره او الواقع ثوبا من المرح والاضحاك فى غير اسراف حتى لا تتأثر الحقيقة ! بشوه الواقع ، والعجيب فى الامر أن روح " قوق " المرحة ابعد ما تكون عن التكلف او الثقل ، واقرب ما تكون الى الاصالة النابعة عن نفس انطبعت بذلك الاتجاه ، فبسمت لكل ما فى هذا الوجود من مرارة وعذوبة

ربما يكون سبب ذلك ان الحياة نفسها لا تخلو ولن تخلو من حضور العنصرين جنبا لجنب . وواجب الفنان الحق ان يبرز هذه ويشعر الناس بتلك ، حتى يكون واقعيا كالحياة نفسها ، وحتى يكون فنه مستمدا من الحياه ليعكس الحياة

على ان الصور العاكسة لكل ما يقتبس من الحياة يجب ان تكون بدورها سادقة اصيلة . ويوضح " غوغول " هذا المفهوم بقوله : " لقد كان او تشكنن " الوحيد الذى تفطن لذلك ، فكان يذكر لى دوما ان لا كاتب قد منتلك - مثلما امتلكت - تلك الموهبة التى تمكن من ابراز تفاهة الحياه تضيفي على الخشونة مظهرا شديد القوة ، حتى تجعل أدق الجزئيات سريعة لاستيلاء على النظر ، تلك هى حاستى الرئيسية التى لم تتوفر بالفعل لاى كاتب آخر ، لانها ولدت معي ، ونمت اثر ظروف اخلاقية عشتها . وهذا لامر لم ابح به حتى " لبوتشكين " نفسه " ) 2 (

انها ظروف اخلاقية عاشها الكاتب ، لا لتصرفه عن الخوض فى المسائل للاخلاقية بقدر ما تدفعه فى حرارة وحماس الى اظهار المفاسد والمساوىء لتتخذ منها منطلقا الى الاصلاح . ان تعطش " غوغول " الى الاصلاح لا يخفى على احد ؛ وطريقته فى ذلك تستمد جذورها من الدين الداعى الى نكران الذات ، وخدمة الغير فى تجرد واعراض عن الاغراض الشخصية ومتاع الدنيا .

ذلك انه يرى كغيره من الكتاب الكثيرين - السعادة فى التخلى عن كل مما يغرى الانسان من تلك الحياة الناعمة المترفة التى لا تعرف حدودا لنعومتها وترفها ، والدخول فى حياة جديدة تعتمد الخبر العام واعانة الضعفاء وخدمة الارض وتوخى البساطة والاكتفاء باليسير

وبقدر ما كانت تلك الدعوة دينية ، كانت كذلك وليدة ظروف اقتضتها بداية الحضارة الحاضرة التى تعود بأصولها الى الققرون البعيدة ولا سيما لقرن الماضي ، حيث اصبح الناس يتوخون سبلا غير شرعية ، تقوم على الارتشاء والغش ، واللصوصية والخداع والمراوغة لتوفير المال الكافي للوصول الى عيش مترف ناعم باذخ

هي دعوة معاكسة لتيار آثم ، وقف الككاتب على حقيقته ، وعرف اتجاهه وسير ابعاده بفضل حاسته المرهفة المتولدة عن الازمة الاخلاقية : " ولا

ينسنى لنا ان نشعر بنفرة شديدة من الحسة والدناءة الا اذا امتلكنا الخصال الحميدة المقابلة " .

وكما رأينا فان يقف موقف الرسام البارع الذي يعيش بالفن وللفن ، فيكتفى بتصوير المفاسد وايصالها الى ابصار الناس وبصائرهم  ليهزؤوا بها ويضحكوا منها ، او ليهتزوا لها اهتزاز المتألم المتشائم ، وانما دوره ابعد مدى من الحدود التى يقتضيها الفن

واذا فان يعسر علينا ان ندرك حقيقة الرسالة الادبية كما يراها " قوقول وهي أولا : تصوير مختلف اوجه الفساد ، ثم التماس الطرق الملائمة لاصلاحها بقدر الامكان ثانيا . ذلك لان كاتبنا لا يعرف لنفسه برحا عاجبا ، ولانة بضع نفسه فى موضع الانسان الروسى الذى يحوى عيوبا ويتطلب اصلاحا تم يستمد تلك العيوب من ذاته محللا لها ، مبديا ما فيها من مواطن السخافة والقوة ، مضفيا عليها من عنده تلك الصيغة من السواد والحلكه المؤثرة على القارىء ، فتشعره بالمرح المبطن بالمرارة والألم

وبذلك فهو يتخذ من ابطاله نماذج مضاعفة لذاته كشخص روسي ، ثم كشخص انسانى له ما للآخرين وعليه ما عليهم ، وعلى هذا الاساس فاننا تصدق ان قلنا ان يعيش امتزاجا مطلقا بين شخصيته وشخصية بطاله ليقاسمهم اتجاهاتهم وأهواءهم ، حبهم ونفورهم ، متخذا من هذه وتلك الدوافع الاساسية المحركة لهؤلاء الابطال ، التى هي في الحقيقة دوافعه هو ، ودوافعى أنا وانت وكل الناس . . : " لم يدرك احد من قرائى انه انما يضحك منى انا كلما ضحك من ابطالي " ) 2 ( .

دعما يدعم فى اذهاننا هذا الرأى ، ما نلاحظه فى مفاسد مجتمع قوقول من اسانية صادقه قلما نجدها لدى غيره من الكتاب ، رغم محاولته الهادفة الى جعل كل ذلك ضمن غلاف فنى تصوي خيالى . فلا الخبال ولا مقتضيات الفن التصوي الادبى ولا غير ذلك من الاعتبارات الفنية القصصية استطاعت ان تنقص شيئا كثيرا او يسيرا من تلك الانسانية القياضة فى ) جوانب القصة . ونحن نعيش هذا الشعور فيلازمنا ونلازمه خلال مطالعتنا للارواح الميتة ، حتى لنشعر اننا صورة لذلك الرحل ، نسخة من حوف او ان شئت نسخة من " فوققول " اى نسخة من الانسان

" - . . واذن فمن منكم - وقد تشبع بروح التواضع الدينى - يركن الى حساب الضمير فى ظل الهدوء والدعة ، ليتعمق فى هذا التساؤل المحرج : " ألا يوجد فى ذاتى جزء من " تشيتشيكوف " ؟ . . لا أظن ان احدا يقدم على ذلك . . "

وكما كانت النقائص انسانية فى ظاهرها وباطنها ، كانت كذلك الحلول التى التمسها الكاتب لها ، وهى كما ذكرت حلول تعتمد اصلاح النفس وايقاظ الضمير ليتحرك نحو حب الخير والتضحية

واذا كان فى كل واحد منا شئ من بطل " قوفول " فينبغي ان تكون نظرتنا لنقائصه ومفاسده الاخلاقية نظرة تنعكس علينا لتكون هي بدورها واقعية انسانية قوامها الرحمة والتسامح ، بعيدة عن الحقد والنقمة اللذين نجدهما عادة عند كل من اساء تقييم نفسه فنزهها عن كل نقيصة ، واساء نقييم نفوس الآخرين ، فاستنقصها واستصغرها واستقبح خصالها حتى لم يبق لها من بذور الفضيلة شيئا

و " غوغول " لا تعوزه النظرة الانسانية لانه لم يغتر فيخرج نفسه من بوتقة الانسان ، ولذلك فهو يتترفق بابطاله حتى يشعرنا بعطفه عليهم لا سيما عندما يلوذون بالندم معترفين بخطاياهم ، واعدين بالتخلى عنها والالتزام بسلوك جديد نظيف

وهكذا تكون المساوى انسانية وكذلك طرق علاجها ؛ اما الردع فهو انسانى كله ، اذ هو يجمع بين الحزم المتيقظ والحلم الذي يسير جنبا لجنب مع التوجيه والنصح

وبذلك يثبت الكاتب حقيقة عظمى هى رسوخ القوى التى تنازع الانسان قوى الخير والشر ، او ان شئنا المادة والروح ، وان ذلك التنازع لا ينتهى ولن ينتهى لان عليه بنى نظام الاشياء

اشترك في نشرتنا البريدية