الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

النساء اولا (*)

Share

                             - 2 - عالم الاسرة : ان عالم الاسرة اجل واخطر من ان نتناوله بهذه اللمسات الخفيفة لكننا - مع ذلك - نحاول ان نلمس بعض جوانب هامة منه فى اطار مغربى صميم حصرا للموضوع وحرصا على السير فى معالمه بخطى واقعية واضحة .

فمن المعلوم ان عالم الاسرة هو استمرار لعالم التربية وهو عالم النساء دون منازع ، عالم التضحية والتفانى والاستعراق فى الغيرية الى حد بعيد ، عالم لا محال فيه للراحة والهدوء عالم تستقل النساء بامتياز العمل فيه ، عالم تعظم فيه مسؤولياتهن وتتضخم حتى يصبح الامر فيه كله لهن وبين ايديهن ، عالم يعرف بهن ويعرفن به منذ كان الانسان .

الموقف بما يقتضيه جلال امام عظم هذه المسؤولية لا بد للنساء من مواجهة الموقف بما يقتضيه جلال المهمة وخطر التبعة ، حفاظا على التوازن فى العائلة من الاختلال ، فلا يعقل بتاتا ان يقابل علم الاولاد بجهل الامهات ، اذ الطفل فى حاجة الى ارواء ظمئه من المعرفة من قبل عارف او عارفه ، الزوج فى حاجة الى قرين معين على نوائب الدهر بثاقب الفكر ولامع العقل والاسرة فى حاجة الى مرجع حكيم تعود اليه فى التخفيف من حدة النوائب وحل العويص من المشكلات وبذل النصح القويم ، فمن يكن ذلك العارف ؟ ومن يكن ذلك القرين المعين ؟ ومن يكن ذلك المرجع الحكيم ان لم تكنه النساء ؟

من قديم التصورات المتبقية فى اذهاننا حول عالم الاسرة صور " النساء الجدات " مثالا للعقل الرزين ، تجمعن من حولهن فى المناسبات الدينية والوطنية سائر افراد الاسرة صغارها وكبارها فى مجمع عادى واحد قصد اندماج اعضائها بعضهم مع بعض ، وتعريف هؤلاء على اولائك ، وتعويد هذا احترام ذلك وادخال بعض العادات الاجتماعية والحضارية فى روع الصغار وتحبيبها لهم ليتعلقوا بها ويتوارثوها خلفا عن سلف .

ومن صورهن الاجتماعية الخالدة فى اذهاننا كذلك هيئتهن وقد جمعن بعض افراد الاسرة فى جمع استثنائى بمناسبة خلاف عارض بين زوجين حديثى العهد بالزواج من افراد الاسرة ليصلحن ذات بينهما وينصحنهما ويوجهنهما ويكرمنهما ليعود الوئام الى رحاب الاسرة الصغيرة الناشئة . فهل هاتان الصورتان قد سويتا من واقع مجتمعنا المغربى المعاصر الى حين واختفتا منه مع اختفاء الثقافة والعلم وظهور اسباب جديدة للثقافة ومعايير حديثة للعل ودخول بعض المفهومات الحضارية الجديدة الى اذهان الشعب فى اسرنا استحالت معها النساء الجدات اشباحا غير مرغوب فى توجيههن وبركة من البركات فى البيوتات لا غير .

اما النساء الامهات فمن مهماتهن الاولى العناية بتربية الاطفال مهما كانت المشاغل والمسؤوليات الملقاة عليهن خارج البيت ، لحاجة الطفل الماسة الى حنان الأمومة ودفء عاطفتها الرحيمة . ان الاطفال الذين يتلقون التربية الاولى على ايد غير ايدى أمهاتهم غالبا ما يفقدون حاسة الانتماء الى اسرة معينة لان هذه الحاسة انما تنمو وتتهذب فى ظل ظليل من نعومة الانوثة وحنان الأمومة ورعاية الاسرة وحدبها . وفى السنوات الاولى من حياة الاطفال يفتحون أعينهم على عادات وآداب تنطبع فى نفوسهم انطباعا ويتلقونها تلقى القبول والرضى كما قدمت اليهم . وتدل التجربة على ان عواطف المحبة للبشرية وتفضيل بعض العادات والاعراض عن بعضها الآخر من لدن بعض الاطفال انما هو نتيجة للتنشئة التى نشأوا عليها فى الاعوام الاولى فى الوسط الاسرورى الاول . ان الأمهات يطبعن بطابعهن عقليات ابنائهن وبناتهن ويكيفنها تكييفا ملائم لعقلية البيئة الاجتماعية التى يعشنها ، وان هذه الحقائق لتدفع بالأمهات الى الحرص الشديد على توريث العادات الصالحة لناشئتنا الفتية ، تلك العادات التى تتكون من مجموعها شخصيتنا الوطنية فى هذا المجتمع كمغاربة لنا اخلاقنا وعاداتنا وتقاليدنا ومقومات وجودنا الانسانى والحضارى . لا نريد من أمهات الغد ان يقدمن لنا نماذج للانسان المغربي على مثال ترفضه بيئتنا وتاريخنا المجيد .

فهل أمهات الغد قادرات على توفير اسباب التربية الكاملة لابنائنا ؟ وهل فى استطاعتهن رعاية الاجيال المقبلة حق رعايتها ؟ وهل بامكانهن مسايرة التطور السريع الذى يشهده عالم اليوم فى ميدان الصناعة والتجارة والاقتصاد بوجه عام ؟ حتى يعيش ابناؤنا - داخل البيت وخارجه - عصرهم كما ينبغى لهم ان يعيشوه مثل ما يعيشه قرناؤهم فى كثير من بلاد الدنيا ؟

الحقيقة اننى لا اجرؤ على الاجابة على هذه الاسئلة نفيا أو ايجابا ! ولكن اكتفى باثارة التسآل حولها آملا ان تحمل الايام لنا الاجوبة عنها فى تصرفات أمهات الغد ازاء ناشئتنا السعيدة ؟

ولعل من حق الأمهات علينا بعد ، ان نكرمهن ونجلهن ونرفع من قدرهن ، مكانتهن وفقا لما توصى به اعرافنا وتقاليدنا وديننا الحنيف ، على غرار ما تفعله دول العالم من الاحتفال بعيد الأمهات وتوسيمهن وتبجيلهن . فذلك من صميم اعتقاداتنا ورفيع اخلاقنا عبر العصور : " وقضى ربك الا تعبدوا الا اياه وبالوالدين احسانا آما يبلغن عندك الكبر احدهما او كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهر هما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربيانى صغيرا " .

هناك دور آخر هو من الاهمية بمكان لا يمكن ان تقوم به الأمهات ولا الجدات وانما تتولاه النساء الزوجات ، وكثيرات هن اللواتى لا يقدرن هذا الدور حق قدره اولا يفهمنه ، فيهملنه اهمالا تاما قد يؤدى برابطة الزواج المقدسه الى الزوال فينال المجتمع من زوالها شر مستطير . والواقع ان هذا الدور محفوف بالاشواك والاخطار والتعقيدات كثيرة مشكلاته ، صعب حلها فى غالب الاحيان .

أولى هذه المشكلات ذلكم الصراع الرخيص الذى تدفع اليه الشابات حديثات العهد بالزواج دفعا مع الحموات والدات ازواجهن : هؤلاء يردن ازواجهن خلصا لهن ، وأولئكن يعز عليهن ان يرين ثمرات غراس ايديهن نقطف زهراتها - وقد اينعت - اياد ليست من اهل الدار على كل حال ، غريبة الوجه واليد وربما اللسان ايضا .

ان صراع هذين الفريقين هو صراع بين جيلين ومصلحتين ، صراع بين الامس واليوم ! فما اروع تلك اللواتى يقدرن على الجمع بين المصلحتين والتوفيق بين الجيلين والاعتراف للامس بفضله واحسانه ، ولليوم بنضرته وجماله .

ومشكلة أخرى لا يقل تعقيدها عن الاولى وتواجه هذه المرة الزوجين الشابين معا ، ولكن الحمل الأكبر فى معضلتها انما يثقل به كاهل الزوجات الشابات فى علاقاتهن الاولى مع ازواجهن ، وفى محاولاتهن للبحث عن قاسم مشترك للتفاهم بين الطرفين . وتثور هذه المشكلة لا محالة فى كل زواج . .

وفى أول كل اجتماع لاى عش جديد . والقاعدة العامة فى هذا الامر - رغم انه لا قاعدة ، لاختلاف الطبائع والميول والاذواق والشهوات - هى المثل العربى القائل : " لا تكن قاسيا فتكسر ولا لينا فتعصر " : وللأمهات العربيات نصائح قيمة طريقة فى هذا الباب يمكن لمن اراد الاطلاع عليها الرجوع اليها فى مظانها من كتب ادبنا العربى القديم .

وعن ابن عباس قال : " جاءت امرأة الى النبئ صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله انا وافدة النساء اليك : هذا الجهاد كتبه الله على الرجال . فان يصيبوا اجروا ، وان قتلوا كانوا احياء عند ربهم يرزقون . . ونحن معشر النساء نقوم عليهم ، فما لنا فى ذلك ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ابلغى من رأيت من النساء ان طاعة الزوج والاعتراف بحقه يعدل ذلك . وقليل منكن من يفعله " .

وثالثة المشكلات حديث الوسادة الذى يحلو لبعضهن مماساة الرجال به فى كل وقت وحين ، دونما هوادة وفى مختلف الموضوعات وبالمناسبة وفى غير ما مناسبة . احاديث الوسادة هذه سلاح ذو حدين للنساء ان يجعلنها عذبة مستطابة مريئة كأحاديث شهرزاد ، من الروح الى الروح ، كما يمكنهن ان يجعلنها علقما مريرا مكرورا ممجوجا . . فلتعرف النساء ماذا تردن ولتخترن احاديثهن من بين الاحاديث العذبة المستساغة فذلك اسعد واهنا للنفوس .

ان الرجال وقد اضناهم تعب السعى فى طلب الرزق يأوون الى بيوتهم يخلدون فيها الى الراحة بعد التعب بحثا عن السلام العاطفى والامن الداخلى ، وما احد بقادر على ان يخلق هذا الجو الرضى الهنئ غير الزوجات المثاليات اللواتى يعملن على اداء واجبهن الاجتماعى فى هذا الميدان ويوفينه حقه كاملا غير منقوص .

لا اريد ان اترك هذا الموضوع قبل ان اشير الى مشكلة اخرى لها خطرها الذى لا ينكر ، فى تنظيم الاسرة الا وهى انفصام عرى الزوجية بالطلاق .

هنا لابد ان نقرر مع المقررين ان التبعة فى هذا الامر لا تعود برمتها الى سير النساء وسلوكهن ، بل من المعروف ان هناك عوامل واسبابا اخرى قد يتداخل بعضها مع بعض ولتشابك التحدث فى المجتمع هذا الخلل المكروه .

وما دمنا نتحدث عن دور النساء فلا بد من النظر الى هذه المشكلة من هذه الزاوية الخاصة تاركين ما عداها حصرا لأطراف الموضوع واختصارا له .

انفصام عرى الزوجية حل وسط تأذن به الشرائع والاعراف فى حالات خاصة تفقد معها الاسرة توازنها وراحتها ، وتصبح الحياة فى ظل الزوجية جحيما لا يطاق من قبل هذا الطرف او ذاك ، فيلجآن بمحض ارادتهما وعن علم وادراك لا حقد فيه ولا ضغينة الى انهاء هذه العلاقة بسلام فى انتظار البحث عن علاقة شرعية اخرى اكثر انسجاما ووئاما .

والذى ينبغى ان نلفت انظار النساء اليه الحرص على تلطيف الاجواء العائليه عند ارادة اللجوء الى هذا التدبير الاستثنائى حينما تصبح الصيرورة اليه لا مناص منها .

ليس الطلاق فى اعتبارى حربا بين اسرتين ولا قتالا بين طائفتين اجتماعيتين ، وانما هو تدبير مدنى لعلاج مشكلة اجتماعية بين رجال ونساء استحال اجتماعهما فى ظل رابطة الزواج . العداوة والبغضاء والشحناء التى ترافق عملية فصم عرى الزوجية هى من الرواسب الاجتماعية البغيضة ، وبقية من بقايا الجهل المركب ، لا تزيد المشكل الا تعقيدا ولا تساعد على حله فى شئ بل ان هذه الرواسب كثيرا ما تكون السبب الرئيسى فى استحالة فك بعض المشكلات المترتبة عن هذا الفراق . وان اروع تصور وادخله فى المعنى الاجتماعى والانسانى هو ذلكم التصور القرآنى البليغ الذى تقدمه لنا الآية الكريمة الواردة فى هذا المعنى قال الله تعالى : " لا جناح عليكم ان طلقتم النساء ما لم تمسوهن او تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين " .

" وان طلقتموهن من قبل ان تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم الا ان يعفون او يعفوا الذى بيده عقدة النكاح ، وان تعفوا اقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم ان الله بما تعلمون بصير " .

تشتكى بعض السيدات من تعسف بعض الرجال فى استعمال حق الطلاق الذى جعله الله بايديهم تعسفا كبيرا . حتى ان الرجل منهم ليبيع هذا الطلاق بيعا وربما يغالى فى هذا البيع بما لا طاقة للنساء على حمله فيجدن انفسهن مجبرات على مخالعة انفسهن باثمان باهظة او البقاء فى جحيم معاشرة رجل لا يردنه بحال من الاحوال .

ودواء هذا الداء الوبيل وعلاج هذا المرض الاجتماعى الكريه هو فى اجتماع كلمة النساء فى هذا العصر على اشتراط ان يكون امر طلاقهن بايديهن فى كل عقد نكاح ، لا نكاية فى الرجال ولكن ضمانة لحقوق بعض النساء عمن يبقين معلقات لا هن بالزوجات ولا هن بالمطلقات وفى ذلك ما فيه من ضرر كبير على المجتمع باسره . اقول هذا الراى وارجو مخلصا الا يكون فيه ما هو خارج عن متعارف الملة حائد عن الضرورى من امر ديننا الاسلامى الحنيف .

نظرات للنساء فى مجتمع الرجال :

لا استطلع هنا فى هذا الموضع من البحث ان اصور بصدق وموضوعية نظرات النساء لمجتمع الرجال الا من وراء حجاب لذا لا بد من التأكيد على ان هذه الصورة من وراء الحجاب قد يكون فيها بعض التجنى على الحقيقة من إذ تختلف نظرات النساء لمجتمع الرجال اختلافا كبيرا بين امرأة وأخرى ، حيث تختلف نظرات النساء لمجتمع الرجال اختلافا كبيرا بين امرأة وأخرى ، بين حالات الرضى وحالات الغضب عن حد قول الشاعر :

وعين الرضى عن كل عيب كليلة

كما ان عين السخط تبدى المساوئا

وبين حالات المحبة وحالات الكره . . وهكذا . . . والرجال ليسوا سواء . . ففى الرجال الاخوان والازواج والاباء والاصدقاء وكل ينظر الى مجتمعه بمعيار . ومع ذلك لا بد من اخذ عينة واحدة منظورا اليها من احدى هذه الزوايا على سبيل المثال لا غير :

روى صاحب عيون الاخبار فى كتاب النساء " قالت امرأة لابنتها عند هدائها (1) : " اقلعى زج ( 2 ) رمحه ، فان اقر فاقعى سنانه (3) ، فان اقر فاكسرى العظام بسيفه ، فان اقر فاقطعى اللحم على ترسه (4) ، فان اقر فضعى الاكاف ( 5 ) على ظهره فانما هو حمار " .

فى الوصية نظرة نفسية نافذة الى الضعف ينبغى ان تستغله النساء فى التدرج نحو الغلظة على امر الرجال .

هذه نظرة نصور لنا عينة واحدة من عينات هذا الخضم المتلاطم من الافكار والآراء والنظريات .

وهناك نظرات متفائلة لا تخلو من كثير من مخايل المحبة والاجلال والتقدير لمجتمع الرجال ورعاية حقوقه كاملة .

ولقد عرفت النساء المغربيات فى عصرنا الحاضر وفى عصورنا الزاهية الاولى بنظراتهن الواقعية العميقة ، المقدرة لمجتمع الرجال حق التقدير .

وهناك نظرات متشائمة اخرى لبعضهن ممن يعتقدن ان مجتمع الرجال مجتمع غامض تنعدم فيه الارادة وتعوزه الصراحة وينقصه الصدق ، ذلك لانه يعانى - بفعل التطور الصناعى والميكانيكى الذى يشهده العصر الحديث - تصدعا فى الارادة وانقساماما فى الشخصية وضعفا فى الثقة بالناس . .

لا اريد ان استرسل فى هذا المجال ، ولكن اكتفى بالاشارة إلى ان لكل النساء فى كل الرجال نظرية وقولا ، ولهن عنهم احاديث ونظرات . . .

اما عن نظرات الرجال لمجتمع النساء فليس ها هنا موضع تفصيل القول فيها على كل حال . . .

هذه نظرات عن النساء اولا لم اقصد فيها انصافهن ولا الدفاع عن حقوقهن ، فهن على هذا الامر اقدر واشجع ، ولم ارد بها نصحهن او توجيههن ، فمنهن يطلب النصح والتوجيه ولم اتحامل فيها على مجتمع الرجال لفائدة مجتمع النساء ولو فعلت لما نفعنى ذلك فى شىء ، فالمجتمعان هما من نفس واحدة . . . فهى اذن ليست شيئا من ذلك كله ، وانما هى آراء متناثرة افتح بها الحوار فى هذا الموضوع الخطير ، فان يكن فى الآراء بعض من عوج وفى الحوار شئ من الجرأة فحسبى ان اكون قد رسمت بهذا الحديث علامة استفهام ليس تاريخه هذا المساء ، بل هو استفهام باحث عن الحقيقة منذ عقل شيئا من الحقيقة آمل ان يوجد قريبا ان شاء الله من يشفى الغليل فى الجواب عنه فى مجتمع الرجال او النساء .

اشترك في نشرتنا البريدية