ليس للعالم الاسلامي من حدود ، ولا يتألف كيانه من جنس واحد ، فاراضية تمتد على طول القارات الثلاث الكبرى : اوربا وآسيا وافريقية ، وسكانه مزيج من اجناس وعناصر وثقافات مختلفة . .
كما ان الأنظمة السياسية والاوضاع الاجتماعية والاحوال المعيشية في المجتمعات الاسلامية تختلف كثيرا عن بعضها كلما اتجه الانسان شرقا من البانيا ويوغسلافيا مارا فى طريقه بتركيا وايران ، وباكستان او غربا الى اندونيسيا ومدغشقر والسودان ونيجيريا وشمال افريقية .
وقل من يدرك حقيقة ما عليه الشريعة الاسلامية من سعة الانتشار ، واقل منهم من يعرف ان اكثر من خمسين مليونا من المسلمين - مثلا - من الروس والصينيين يعيشون وراء الستار الحديدى
ويزيد المجموع الكلى للمسلمين اليوم فى العالم على ٤٠٠ مليون مسلم يشغلون مساحة تربو على ثلاثة امثال مساحة الولايات المتحدة . . يجمعهم رباط رمزى واحد هو الاسلام ، وقلب هذه المجتمعات الاسلامية وعرقها النابض هو العالم العربى ، منشأ الاسلام ومولده منذ اكثر من ثلاثة عشر قرنا . . وعندما اقول ، منشأ الاسلام ، لا أعني هذا القول بالضبط فالمسلمون لا يعتبرون الاسلام دينا جديدا ولكنه امتداد واستمرار لنفس العقيدة التى ارادها الواحد القهار
للجنس البشرى منذ الخليفة وبعث بها عددا من الرسل والانبياء منهم ابراهيم ونوح وموسى وعيسى ، حتى انتقلت عبر القرون والاجيال الى محمد عليه السلام :
وقد كان لانتشار الاسلام من مكان ميلاده بالجزيرة العربية الى القارات الثلاث من الدنيا القديمة عميق الاثر فى نفوس وآراء من اعتنقه منها ، وكان سببا فى تغيير ومحو الكثير من التقاليد والعادات وان ظل بعضها قائما على هيئته الاصلية أو اتخذت اشكالا متطورة جديدة ، وهذا مما يفسر لنا اختلاف الاوضاع الاجتماعية فى شتى أقطار العالم الاسلامي ، ذلك بالاضافة الى أنه بمرور الزمن ونظرا لما كانت تتعرض له الاقطار الاسلامية من شتى انواع الضغط وضروب القسوة اجتماعيا وسياسيا داخليا وخارجيا فقد اخذت بعض تلك المجتمعات تعيش بعيدة عن الحضارة وما يتمتع به غيرها من المجتمعات الاسلامية الأخرى من تقدم ونهوض ونماء اجتماعى فى صميم العالم الاسلامى
ونتيجة لذلك فقد اصبح من الصعب التحدث عن النساء فى العالم الاسلامى واعطاء معلومات كافية عنهن فى الوقت الحاضر ومما يجعل الامر اكثر صعوبة التحدث عنهن للمستمعين الغربيين ، ذلك لأنه لم يكن للعالم الاسلامى من يمثله ويقوم بتعرف الغرب بشؤونه من قرون عديدة ، وقد يكون السبب فى ذلك ما كان يسود العالمين الشرقي والغربى من
منافسات وتطورات عقدية ، وما يجنح اليه المستعمرون من تدابير استعمارية ، فكان الغرب يستقى الاخبار عن العالم العربى مما يقرؤه فى كتاب الف ليلة وليلة كمرجع له فى التعرف على احوال العالم العربى وشؤونه . أما من حيث النساء ومكانتهن فيتلخص ما يعرفه الغرب عنهن فى أمور ثلاث هى . الحجاب ، والحريم ، وتعدد الزوجات
والعالم الأسلامى الذى نعرفه بالطبع ليس خياليا الى هذا الحد فقد تحررت المائتا مليون امرأة فيه كثيرا من الأساطير والخرافات وأخذن بدلا من ذلك يسهن فى العناية ويشاركن فى تحمل الأعباء فى اوطانهن . وممارسة مختلف الأعمال
ولأن الموضوع الذى نحن بصدده واسع جدا فسأحاول ان اتحدث عن المزايا الخلقية والحقوق الشرعية التى خص بها الاسلام النساء ، كما سأحاول أن أعرض ثانيا شيئا مما يسود الغرب من سوء الادراك والفهم عن النساء فى العالم الاسلامى
وكيما نقدر تماما تأثير الاسلام فى احوال النساء علينا ان نرجع الى وراء . . الى ما قبل الاسلام لنعرف ما كانت عليه احوالهن حينذاك . . يخبرنا المؤرخون ان الرجال فى البلاد العربية الوثنية والبلدان الشبيهة بها كانوا يعتبرون النساء فى عداد الممتلكات والسلع التى تباع وتشترى وتورث ، كما كان تعدد الزوجات شيئا معتادا تماما من العرب الوثنيين كما هو كذلك فيمن سبقهم من العرب منذ القدم ، والدليل على هذا ما وجد مسجلا فى الانجيل حيث يقص علينا فى غير موضع ان كثيرا من الملوك اليهود لهم اكثر من زوجة ، زيادة على ذلك فان بعض
القبائل العربية الموجودة فى تلك الايام كانت تذهب الى ابعد من ذلك فى تقاليدها فتدفن من لا ترغب فيهن من البنات وهن على قيد الحياة !
وقد نجح الاسلام فى سنوات قليلة بعد سلسلة من المعارك الفاصلة فى القضاء على هذا النمط من الأعمال والتصرفات الوحشية فى سخاء طائفة من الحقوق والمسؤوليات ، واشاد بشخصيتها الشرعية وسمح لها بان تحتفظ باسم عائلتها بعد الزواج ، ومنحها الحق فى امتلاك ما تشاء وحرية التصرف والاستغناء عما تملك كما تشاء بدون أى تدخل من زوجها او ولى امرها ، وعلاوة على ذلك فقد سمح لها ان تقوم هى نفسها كوصية على القصار كما جعل لها الحق فى الاشتغال بالتجارة ومقاضاة من تشاء فى المحاكم الشرعية . . هذا فى الوقت الذى لم يتحقق تحرر المرأة فى اوروبا الا بعد مرور عدة قرون . .
وبينما نجد الاسلام فى الواقع قد قضى بأن ترث المرأة من أبويها ما يعادل نصف حصة الذكر من التركة نجد المرأة قبل هذا التشريع لم تكن تتمتع بشئ على الاطلاق من التركة . ذلك بالاضافة الى انه ليس على المرأة المسلمة ان تصرف بنسا واحدا من دخلها الشخصى فى اعالة اطفالها وشراء ما يلزم البيت من حاجيات ، حيث يقع على كاهل الرجل وحده كامل المسؤولية فى الصرف على العائلة وتأمين ما يلزم لها من شؤون
علاوة على ذلك فان الكاتب المنصف البصير لا يملك الا ان يعجب بوضع المرأة الممتاز فى العلاقات الاجتماعية التى شرعها
الاسلام من شأنها ، حيث يتحدث القرآن الكريم عن العلاقة بين الرجل والمرأة بما يلائم مكانتها من الآيات ، ويصور هذه العلاقة بالثقة والحب والعطف المتبادل بين الزوجين كما روى عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم انه قال - فى احدى المناسبات - ( خيركم خيركم لأهله ) كما روى عنه أيضا أنه قال : " الجنة تحت أقدام الامهات " وخلاصة ما تعنيه الآيات والاحاديث مباشرة هو ان حسن معاملة النساء والرفق بهن واجب ديني حض عليه الاسلام .
زيادة على ذلك فان أول ما عنى الاسلام أن جعل طلب العلم فرضا على كل مسلم ومسلمة ، فكان لذلك اثره التقدمي الكبير فى الدور الهام الذى قامت به بعض نساء المسلمين فلم تكد تمض أكثر من ثلاثين عاما على ظهور الاسلام حتى أصبحت السيدة عائشة زوج النبى رضى الله عنها وغيرها من النساء على درجة من العلم والمعرفة جعلتها محط انظار رجال العلم لغزارة علمها وسعة معرفتها بالدين .
في القرن الثاني عشر من الهجرة كانت الى القرن الثاني عشر من الهجرة كانت ( شودا ) فى بغداد ، المعروفة باسم ( مجد النساء ) من أبرع نساء عصرها حتى انها كانت تحاضر فى الجامعات والمساجد وتسلم بيدها
الشهادات لرجال العلم المعروفين فى ذلك العهد ، كما برز فى الصوفية ايضا بعض النساء مثيلات رابعة العدوية .
واذا كان لى ما أقول فى هذا الشأن فهو ان الاسلام فى الواقع لم يحظر على النساء الأسهام والاشتراك فى الحياة الاجتماعية العامة ، فقد طالعتنا الكثير من الكتب والمراجع التاريخية لأن النساء فى صدر الاسلام كن يزاولن بعض الاشغال والمهن يتعلمن ويعلمن فى المدارس ، ويتاجرون فى الاسواق ويعقدن الاجتماعات والمجالس الاستشارية بل كن ايضا يحاربن فى ساحات القتال مع الرجال جنبا الى جنب
ان الاسلام على العكس مما يفهمه الكثير لم يامر باعتزال المرأة للشؤون الهامة . . وقد ذكر المؤرخون ان هذه العادة قد انتقلت الى المسلمين من البيزنطيين فيما بعد وخاصة بعد ان اصبحت المجتمعات الاسلامية اكثر ترفا وثقافة فحينئذ وحينئذ فقط بدأ النساء يحرمن من الاشتراك فى الشؤون الهامة ويجبرن على ملازمة بيوتهن المريحة والتفرغ لأعمال البيت وشؤون الاسرة .
(عن مجلة الرابطة الاسلامية باللغة الانكليزية) . .

