- 2 - (*)
حاولنا سابقا عزل العناصر أو المكونات العامة المشتركة بين قصيدة شوقى وبين قصيدة أبى تمام وشعر النصف الاول من القرن الثالث عامة. ولنا الآن أن ننصت للفروقات، وخاصة تلك الموجودة بين قصيدة شوقى وقصيدة أبى تمام.
١ - البنية السطحية :
- يختلف عدد الابيات من قصيدة الى اخرى، فهو فى قصيدة شوقى ثمانية وثمانون بيتا، وفى قصيدة أبى تمام واحد وسبعون فقط.
- فرق سبعة عشر بيتا الزم شوقى بإضافة سبع عشرة قافية، كنتيجة أولية للفرق بين عدد الابيات وفى الوقت نفسه لم يستعمل أكثر من 50 % من قوافى قصيدة أبى تمام، وهى:
الكتب - الريب - الشهب - كذب - منقلب - الصلب - الخطب - القشب - الحلب - صبب - وأب - كرب - النوب - الحقب - الرحب - سرب - مختصب - الخشب - الترب - عجب - الرعب - لجب - يصب - كشب - عشب - تجب - الذهب - صخب - الهرب - الغضب - النسب - العرب - الحجب - الحسب.
وهى فى قصيدة شوقي على غير ترتيبها فى قصيدة أبى تمام .
- تتركب قصيدة أبى تمام من متتالية واحدة، ككل الشعر فى ذلك العهد، وقصيدة شوقى من سلسلتين يفصل بينهما توقف لاخذ النفس يجسده بياض. وتقسيم القصيدة الى أكثر من جزء من معطيات الشعر الحديث عامة.
تبدو السلسلة الاولى من قصيدة شوقى وكأنها تستعيد خطوطها العامة فى السلسلة الثانية مما يوحى بأن النص كان من الممكن أن ينتقل الى سلسلة ثالثة (أو أكثر)، وفى الوقت ذاته كان من الممكن أن يكتفى بسلسلة واحدة. والنفس موضوع هنا فى الشرائط المادية - الجسدية للانتاج الشعرى لدى شوقى (61)، فيما تتجلى قصيدة أبى تمام خاضعة لتبنين صارم يعتمد النمو والتكامل والتجانس.
- ولئن حاولت وشيجة الالفة (استشهادا واستعانة) بين معجم القصيدتين أن تبين، فان أكثر من فرق يكتسح الاذن والعين، على مستوى محاور المعرفة، والطبيعة، والحرب، والسلم، والتاريخ، والجغرافية، إضافة الى تبدل قانون قيود المعجم، فهو عند شوقى يخضع للجمل المقولبة فيما هو عند أبى تمام يتأسس انطلاقا من رؤيته للشعر والشعرية، وهو ما حصره القدماء خطأ، فى البديع.
ب - البنية العميقة :
- لا تتناول القصيدتان موضوعا تاريخيا واحدا (وهو نقيض ما حصل فى قراءة كل من شوقى وصلاح عبد الصبور لحادثة دنشواى (27) مثلا). فقصيدة أبى تمام تنطلق من معركة عمورية، وانتصار المعتصم (اختلف المؤرخون فى تاريخ معركة عمورية، هناك من يقول بحدوثها سنة 223 ه. وهناك من يقول سنة 224، للنسيان قانونه أيضا) (28)، وقصيدة شوقى من حرب - سلم - انتصار مصطفى باشا كمال (1923). هاتان القصيدتان تلتقيان فى الانتصار وتختلفتان فى القائدين العسكريين كما تختلفان فى الزمان والمكان وتتباعدان.
- ووتباين القصيدتان أيضا من حيث عناصر هذه البنية وتركيبها. فعناصر قصيدة أبى تمام، كبنيات جزئية، تتمحور حول الرؤية التحليلية للفرق بين الكلام والفعل (الكتب والسيف)، بين الايديلوجيا والواقع (الروايه والنجوم والزخرف والكذب والاحاديث الملفقة من ناحية والفتح من ناحية ثانية)، عمورية (الاسطورة والانثى)، والمعركة، وتلبية نداء المرأة الزبطرية (هل هو نداء الام أم نداء الارض ؟) والمدح، والربط والمقارنة بين معركة عمورية وغزوة بدر.
وعناصر قصيدة شوقى، أى بنياتها الجزيئية، تعتمد المدح (من بين عناصره التشبيه بين خالد الترك وخالد العرب)، والسلم، والحرب، تشبيه معارك مصطفى كمال بغزوة بدر، والمدح، ونشوة العالمين الاسلامى والعربى، وقد وحدهما الاسلام.
بنيات جزيئية تأتلف وتختلف عددا ونوعا، والتركيب هو الاهم هنا، فهذه العناصر، كبنيات جزيئية، تختلف فى مواقعها (ساقها) ونسقها من نص لآخر، وهو بنيات تعتمد النمو والتكامل والانسجام فى قصيدة أبى تمام، وتعتمد تركيبا ينشأ منه التنافر والتراكم فى قصيدة شوقى.
هذه الفروقات المتعددة فى مستوياتها من حيث عدد الابيات، ونوعية القوافى وطبيعة محاور المعجم والتركيب اللغوى، ثم الفروقات الاخرى من حيث المعركة ومكانها، وزمانها، وقائداها، وشرائطها التاريخية والحضارية وعناصر البنية العميقة وتركيبها، كل هذه الفروقات، وغيرها، يؤكد على تبدلات لقصيدة أبى تمام وهى تهاجر الى قصيدة أحمد شوقى. ويمكن أن نركز هنا على تبدلات ثلاثة:
١ - من التجانس الى التنافر: يمثل البيت الجملة الاولى فى القصيدة وربما كانت الجملة الاولى، ببنيتها وقوانين هذه البنية، هى المتحكمة فى تركيب النص ككل، لا كايقاع فقط، وهو بديهى، بل كتركيب ونسق وتحويل. اذا سلمنا بهذه الفرضية فما سنلمسه بوضوح هو امتدادية النص لا تركيبيته؟ فجميع أبيات قصيدة شوقى تصريف استهلاكى (سيولة) للبيت الاول الذى يغلق النص ويلقى به على عتبة الانفتاح المستحيل. هكذا تتراكم الابيات وتمتد وتسيل حتى يبدو التنافر واضحا، وهذا ليس غريبا ما دام التركيب الكامل للقصيدة يقوم على ((العجب)) المثبت فى البيت الاول، وهو عنوان القصيدة برمتها، يقودها انفعال ((العجب)) لا رؤية التحليل والبناء والتركيب، وهكذا أيضا تضطرب القصيدة بين عجب الفتح، وعزة الصلح، وبطولة القائد والفرسان، والارادة الالهية.
وتأتى قصيدة أبى تمام من مكان التحليل والتركيب. منذ البيت الاول نسلك رحلة التحليل والتركيب والتجانس:
السيف أصدق إنباء من الكتب فى حده الحد بين الجد واللعب
فى الشطر الاول انتصار للواقع لا الايديلوجيا (السيف والكتب هنا غير مطلقتين، ولكن نسبيان فى سياق تاريخي محدد) وفى الشطر الثانى تركيب (لا تلاعب مجانى كما يظن بعض مبسطى البلاغة) بين الحد والحد، بين الجد واللعب، وهى المعنى المتعدد للكلمة الواحدة والثنائية الضدية المنصهرة عبر وحدة متلاحمة طول القصيدة بكاملها، كتحليل وتركيب. له التأمل لا الانفعال، الاقتصاد لا السيولة وهذا ما سوغ لطه حسين أن يقول ((وكنت أرى أن من الظلم أن يقاس هذا الشعر (ويقصد هنا قصيدة شوقى، وخاصة أبياته فى المقارنة والتشبيه بين معارك مصطفى كمال ويوم بدر، أى الابيات 62 - 63 - 64 - 65 - 66 من قصيدة شوقى) الذى لا يدل على شئ الى بيت كهذا البيت
فيه الشك واليقين معا، وفيه المبالغة والاقتصاد معا، وفيه اللفظ الرصين يدل على المعنى الجيد)) (29). انه انبثاق بهجة التجانس.
ب - من الكتابة إلى الخطابة والكلام: ان الملاحظة الاولى من التبدلات تلتقى عضويا وبنيويا بطبيعة الممارسة الشعرية.
تتجسد قصيدة شوقى فى سياق العودة الابدية للماضى، وككل عودة شعرية، يستضئ العائد. بما يجذبه لهذا المتكلم الشعرى وهو يهاجر الى لساننا، وغيره الى لسان القارئ. وكانت قصيدة أبى تمام اكتمالا لبحثه الشعرى وقد دخل مرحلة وصف الحرب بعد معركة بابك ((ذلك أنه لم يكن قبلها عاشقا لوصف الحرب، أما بعدها فقد كثر كثرة جعلته من مميزات شعره (30)، ومن خلل عشق الحرب ينفذ الى عشق جسد اللغة. ان قصيدة أبى تمام، بهذا المعنى، ليست وصفا لواقعة تاريخية، هى عمورية، أى ليست نقلا للتاريخ أو تاريخيا للاحداث وبالتالى ارتكاز دلائلية (سيميائية) النص على المحور العمودى، وما هو خارج النص بتعبير ريفاتير (31)، ولكنها أساسا بحث بعيد لغور فى نظرية الشعر عند أبى تمام، وقد انحصر تجليها لدى القدماء فى انتهاج البديع، وما هى بالبديع فقط لان البلاغة لا قدرة لها على محاورة النص.
يمارس أبو تمام الحرب داخل النص كما هى خارجه، فهذا العنف والتمزيق والهدم فى قصيدة أبى تمام نقل شعرى غير مباشر لواقع موضوعى يتقاطع مع حالاته الجسدية فى علائقها الواعية واللاواعية بجسد اللغة. انه خرق اللغة والذات والمجتمع.
نحن هنا أمام صناعة لغوية، لها الهنك والنسف، تغزو اللغة دون أن تقتلها وتمزج التجربة التاريخية بالتجربة الانطلوجية. دلائلية هذا النص تنبثق من تقاطع المحورين الافقى والعمودى، داخل النص وخارجه وما المعركة الا حجة لالتقاء الحواس والاجساد، لتقاطع الحياة والموت.
وقصيدة شوقى تتغيب المدح والوصف وتاريخ المعركة (من بعيد على عكس أبى تمام)، وكأن حقيقة الشعر تأتى من خارجه، ومن استشهاده بنص غائب
كمصدر للادبية والشعرية فى النص لا من جدلية الداخل الخارج ، تركيبه الداخلى ( نسقا وسياقا ) ، وخارجه العينى كما نلحظه فى قصيدة أبى تمام ، فتعتقد قصيدة شوقى بعد المعركة داخل النسج اللغوى للنص ، وغياب هاجس الغزو للنص كعاشقة تغوى ولا تستسلم ألا لمفترعها كما يقول أبو تمام ( 12 ) .
هذا التبدل الثانى انتقال من الكتابة فى قصيدة أبى تمام الى الخطابة والكلام فى قصيدة شوقى ، وبينها مسافة من الوعى الشعرى لا سبيل الى اخفائه .
ج - من الانتاج الى الحنين : إن أبا تمام منتج ومعيد للانتاج ، لا مستهلك ، وهو حالة شوقى . بمعنى آخر أن أبا تمام يلحم الصعود التاريخى والشعرى وشوقى يغشى سقوطهما . يكتب أبو تمام هذا النص الغائب بكل اختصار ، فيحوله ويتحول معه ، جسديا وشعريا ( والشعر هنا جسد أيضا ) . وهذا التبدل الثالث هو ما يؤطه مفهوم الشعر ودلائليته ، فهو عند الاول معاناة ونسكية واعادة انتاج ، أى كتابة ، وهو عند الثانى الهام وانقياد واستهلاك ، أى خطابة وكلام .
الفروقات والتبدلات تحتمى بدلالاتها . ان قصيدة أبى تمام . كنواة مركزية ، هاجرت الى قصيدة شوقى من خلل القراءة واعادة الكتابة ، يتحكم فيها قانون الاجترار الذى يحصر نص أبى تمام ، ومن ثم شعر النصف الاول من القرن الثالث للهجرة ، فى بعض خصائصه وعناصره الشكلية البرانية ، ويتعامل معها معزولة عن نسقها وسياقها . قانون يرى الى النص فى سكونيته وعلاماته العابرة وهو ما يجعل " الحدود القصوى " لوعى شوقى (33) تلتقى بالحدود القصوى للرؤية السلفية إلى كل من الماضى والحاضر ، وهى تعتقد ببرانية الخصائص الكتابية لنص أبى تمام ولا تاريخيتها .
وقراءة الاجترار ، حين تعجز عن استيعاب النص الغائب أو محاورته ، أى حين تلغى امكانية نفى جزئى أو كلى له حسب كريسطبقا (34) ، تكتفى بالنص الغائب كاستشهاد ومصداقية أى كاستهلاك ، وهى علاقة العجز والقصور لا علاقة الفعل والتخطى .
لهذا تكف " المعارضات " عن أن تكون مجرد لقاء صامت ومنسى بين شوقى وأبى تمام ، وتمتد لتصل وتلامس أخطر قضايانا التى مازلنا نسألها فى زمننا : ما هو التراث ؟ كيف نقرأه ؟ لماذا نقرأه ؟ ويعتقد السلفيون ، عن خطأ ، أنهم الحافظون للتراث ، الضامنون لنقاء المستقبل ، وهم ، لو يدرون ماحون له ، مطفئون وهجه ، يختزلون ماضى الاسئلة وحاضرها فى جواب أحادى له هيئة القش وسلطة الخواء .
وكان شوقى يرى الشعر فى الماضى لا فى المستقبل ، رغم أنه انفتح على الاداب الاوربية بعد تعلمه الفرنسية ، ولم تكن هذه الرؤية عفوية ، ذاتية ، وإنما هى مشروطة بالحدود القصوى لفئته الاجتماعية . وكما كان لباس شوقى أوربيا وشعره يكتفى باجترار القدماء ، كذلك كان يتقن الفرنسية ووعيه الشعرى سلفيا ( اللباس الاوربى واللغة الفرنسية - أو الانجليزية - هى دليل النبالة فى مصر آنذاك ) .
إن علاقة شوقى الخارجية بالشعر العربى القديم ( والشعر عموما ) تتساوق مع الرؤية السلفية ، المحدودة بطبيعها وماذا عسانا نقول أكثر مما قال طه حسين عن العلاقة بين القصيدتين ؟ لننصت اذن " ثم أخذنا ننتقل فى القصيدتين من بيت الى بيت حتى انتهينا الى أن ذوقنا القديم على تحرجه لا يستطيع ان يسيغ قصيدة شوقى ، بعد ان أبى ذوقنا الحديث أن يسيغها ، وكانت خلاصة رأيك ورأيى أن هذه القصيدة انما هى أشبه بالتمرين المدرسى يذهب به الاطفال مذهب المحاكاة للنماذج الفنية التى تلقى اليهم ، فيوفقون فى الصورة ويخطئون الموضوع " ( 34 ) .
لكل قراءة متاعها ومتعتها وغابتها ، وهذه المحاولة لقراءة النص الغائب لا تهدف الى التقليل من أهمية شوقى التاريخية ، ولكنها تتجنب اختياره كعلاقة متقدمة مع التراث فيما هو علاقة وهمية بالحاضر ومنقطعة الجذور فى المستقبل انه الوعى الشقى ، لا ماضى ولا مستقبل له . اذن لماذا نعود اليه ؟ نستحضره؟ ان لم يكن من اجل تفكيك هذا الوعى الشقى ؟
بهذه القوانين اقرأ لأخرق المسلمات وأدفع بالسؤال الى محنته .

