هى ذكرى أحمد شوقى ، فيها نتوقف قليلا وتعود اليه نستحضره كما نستحضر الاموات . لماذا نعود اليه ؟ كيف تتم هذه العودة ؟ هل يمكن أن ينسى صمته ويكلمنا ؟ اسئلة تستوجب الطرح ونحن نتهيأ لاحتفال طقوسى له سماته الاجتماعية والسياسية والايديلوجية ، وربما كانت له يقظته الشعرية مع مدارات قضايا الشعر والشعرية فى العالم العربى المعاصر ، بل مع ما يرافق هذه القضايا من اختيارات فى اعادة قراءة الماضى والمستقبل مشروطة بمواصفات الاستعباد أو التحرر .
لسان الاموات هو الصوت لمختفى بين اصوات الإحياء ، لا تضيع آثاره ، ولا تمحي فجأة ، انه استمرار الماضى فى تعاقب الازمنة ، لا فى دوارنها
وفئات نذهب الى شوقي لنستحضره . وهذا مالا ننتبه اليه دوما . عادة ما نختزل الفئات الى فئة والفئة الى الواحد المتكلم به فتضيع السمات ، وينتهى الاحتمال .
وليس الذهاب الى شوقى مؤرخا بهذا الاحتفال ، فلاعادة قراءة شعر شوقي تاريخها الذى يستمد لحمته من الواقع والتحولات التى عرفها العالم العربي الحديث ، أكانت أدبية - ثقافية ، أم اجتماعية - تاريخية ، ولا شك فى ان هذا التاريخ يحتاج هو الآخر لتأمل يعلن انفصاله عن الوصف والتوثيق فيما لا يستغنى عنهما ، لان تاريخ اعادة قراءة شوقى محمل بدلالات تستوعب اسئلتنا الشعرية وخارج الشعرية .
ذهابنا اليوم ، اذن ، حلقة فى تاريخ اعادة القراءة ، كل منا يفتحها أو يغلقها نبعا لمرمى العين فى نسيج تصورات نظرية أو اختيارات يكون فيها الشعر صديقا أو طريقا .
ذهاب الفئات ، ذهاب الاختلاف . وفي الوقت نفسه يعين هذا الخطاب مكانه فى تقاطع الشعر مع النص الغائب ، لان طبيعة الاثارة التى تمت فى هذا المجال تستدعي تأملا مغايرا ، ما دام شوقي ( شاعر الاحياء والنهضة الشعرية ) ، ومن ثم يفرض مسألة علاقته بالنص الغائب . اما قانون هذا الخطاب فيكمن فى خرق المسلمات لاننا نلحظ جنوحا الى النسيان والتناسي كمقدمة لمحو ماضى الاسئلة وحاضرها حتى ولو بدا هذا الخرق أوليا .
خضع شعر شوقي لقراءات واعادات القراءة ، منذ بدأ شوقي ينشر شعره على الناس في المجلات والصحف ، ومنذ بدأ شعره يهاجر الى القراء وفي النصوص المتزامنة معه بكل من مصر والاقطار العربية الاخرى ( 1 ) وهذه القراءات واعادات القراءة بصيغتها النافية للمفرد تبين ان هناك خصومة حول شعر شوقي غير شبيهة بالخصومات الشعرية العربية القديمة ، وخاصة فى القرن الثالث فالخصومة حول شعر شوقي متعلقة بالتقليد ومدى اهميته ، وهي فى القديم متصلة بشرعية التجديد وحدود التجريب وهما وضعيتان متناقضتان ، أولاهما ترى فى الماضي حقيقتها ، وثانيهما تهتدى بالحقائق قدسية الحقيقة .
لننصت الآن لبيت شوقي :
قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم ان يكون رسولا
إذا كان مبدأ الخرق مدخلا لمبدأ الخلق ، فان الخرق هو اكتمال حالة
التفكيك . يهئ لنا بيت شوقي قواعد لعبة السلطة الاخلاقية :
- القاعدة الاولى : التقارب قبل التباعد بين المعلم والرسول ، تقاربهما فى
تعليم الحقيقة للناس ، والتباعد في درجة الحقيقة ومصدرها ، وهما محددان
بحاجز الخطاب الديني .
- القاعدة الثانية : ايفاء التبجيل من طرف المتعلم للمعلم ، فالاول جاهل
والثانى عالم ، وعملية ايفاء التبجيل دلالة على الاعتراف بالابوه المقدسة .
- القاعدة الثالثة : الامر بطاعة المتعلم للمعلم ، وهذا أمر صادر من مكان مجهول وبصوت مجهول صاحبه ، كأنه آت من مصدر فوق - انسانى ، متعال على المجتمع والتاريخ .
هذه القواعد الثلاث تبين اللعبة ، كل منها تستلزم الاخرى ، ولكن السؤال نقبض اليقين ، وكما يقول نيتشه ( لكن من يتوقف هنا مرة واحدة ، من يتعلم طرف الاسئلة ، لا بد ان يصيبه ما اصابني ) ( 2 ) لذلك نطرح سؤالين : هل شوقي هو المعلم الذي يجب ان نوفيه التبجيل ؟ وماذا سيكون عليه الامر لو نحن خرجنا على قواعد لعبة السلطة الاخلاقية ؟
ربما كان شوقي متعلما - علامة ، هذا احتماله لا يقينه ، لان المعلم ( بأل التعريف نهاية الحقيقة ، وهو ما لم يثبت فى الزمان ، فأول من شك فيها هو طه حسين ( 3 ) ، ومن هتك قدسيها هم جماعة الديوان ( 4 ) ، كما لم يثبت فى مسار التحولات الشعرية العربية الحديثة عبر اكثر من مكان ( 5 ) ، باختصار لم يثبت ان شوقى أثر ، لانه يفتقد سلطة البداية كما هى متجلية لدى البعض من القدماء والمحدثين معا .
هكذا يتسع النقب وتنهدم قواعد اللعبة ، وبدل الايفاء بالتبجيل نسلك رحلة الحوار ، نترك لاسئلتنا فسحة الانبثاق ، ونتقدم قليلا فى عتمة الوضوح ليكن المدخل هو تجلية الارضية النظرية الصامتة عبر الخطاب الشعرى ، وهو السائد ايضا في كون شوقي المعلم الاول ( أو الثاني بعد محمود سامى البارودى ) للشعراء العرب المحدثين . هذه الارضية النظرية تتمحور حول التجديد الشعرى كاحياء للشعر العربى القديم ( استنطاق أصوات الموتى فى النص وبالنص ) ، وهي طبعا الوجه الشعرى للاختيارات السلفية التى أرادت العودة الى ماض مجرد ، يأخذ حدوده وسماته من مطالب السلفيين فى التقدم . بعد انحطاط أمر العرب المسلمين مقابل التقدم الاوربى . هذه الارضية
السلفية رفضها طه حسين ، كما رفضتها مدرسة الديوان وكل الاتجاهات العربية الحديثة . لان المسألة ، فى عمقها ، اختيار لاتجاه الحداثة . ويرد السلفيون بان هذا الموقف المضاد لاختياراتهم فى طبيعة العودة الى الماضى رفض مسبق ونهائي للتراث والتاريخ ، حتى تصل مراتب الرفض الى الدين كنتيجة طبيعية ( حسب السلفيين دائما ) لارتباط القديم باللغة ، واللغة بالدين . لا نعلق الآن على هذا المنطق الصورى فى الحجاج ، يكفى ان نوضح اختيارهم الشعرى ( وقد تبدلت مواقعه مع مرور الزمن ) كوجه لاختيارهم الاجتماعى التاريخي - السياسي . ذلك حقهم فى الاختيار .
وليتم الحوار حول الرأى السائد فى كون شوقى المعلم الاول ( أو الثاني ) ذلك النص الذي قال عنه د . محمد حسين هيكل : ( اقرأ قصيدته العظيمة العامرة عن الحرب العثمانية اليونانية التى مطلعها :
بسيفك يعلو الحق والحق أغلب وينصر دين الله أيان تضرب
أو قصيدته في رثاء أدرنة أو تحيته للترك ايام حرب اليونان . اقرأ أيا من هذه القصائد التى قيلت قبل الحرب الكبرى ، أو اقرأ غيرها مما قيل بعد الحرب على أثر انتصار الاتراك على اليونان . كقصيدته التى مطلعها :
الله أكبر .. كم في الفتح من عجب ! يا خالد الترك جدد خالد العرب
وانك لمؤمن حقا بان هذه القصائد التركية هي أقوى قصائده عن الحواث واصدقها حسا وعاطفة ) (6) .
سنكتفي هنا بنص واحد ، وهو الثانى ، لما يمنحنا من امكانية مباشرة الحوار على مستويي : الشاعرية والرؤية للماضى ، ومن خللهما استنطاق العلائق المرئية واللامرئية بين الشاعر والشعر من ناحية ثم بين الشاعر والماضى والمستقبل من جهة ثانية . فاختيار هذا النص ذو طبيعة مزدوجة فى مساءلة التراث والتجديد ، ومن الممكن ان يلم البحث مستقبلا بقضايا اخرى ( وليست اهم بالضرورة ) وهو يقرأ احدى الخمريات ( حف كأسها الحبب ) والاندلسيات ( يا نائح الطلح أشباه عوادينا ) .
من يراجع كتاب ( حافظ وشوقى ) للدكتور طه حسين ( 7 ) يدرك أن هذه القصيدة كانت مناسبة لاختبار الذوق الشعرى العام فى مصر ، وتأثير هذا الذوق على مواقف النقاد ، ونوعية اهتمام النقاد المجددين بالشعرية العربية ، وعن خللها بقضية العلاقة بين التجديد والمعارضة .
أ- الذوق الشعرى العام : يقول طه حسين : كنا جماعة منا العمامة ومنا الطربوش ، منا المصرى ومنا السورى ، منا المسلم ومنا غير المسلم ، وكنا جميعا مرتاحين الى انتصار الترك . متشوقين الى ما يسجل هذا الانتصار ويشيد به .
وتناول شاب منا الصحيفة فأنشد القصيدة فى شئ من الحماسة غريب ، وفى شىء من الاتقان فى الصوت واخراج الحروف وتقطيع الوزن وقذف القافية كما تقذف الحجارة فرضينا واعجبنا ، وتحمس بعضنا فصفق وافترقنا على أنها قصيدة رائعة ( 8 ) .
ب - تأثير هذا الذوق على مواقف النقاد : يقول طه حسين أيضا : ( ثم التقينا ( هو وصديقه محمد حسين هيكل ) فى مجلس من هذه المجالس التى أخلو فيها اليه وحدنا فنتحدث فى حرية ، وينتهى بنا الحديث فى كثير من الاحيان الى ما يكره كثير من الناس . فأعدنا قراءة القصيدة وحينئذ لاحظت أنت ولاحظت أنا : اعجابنا لم يكن الا ظاهرة اجتماعية ( 9 ) ، وأن بين الذوق العام وذوقنا الخاص تناقضا غير قليل هذه المرة ) ( 10 ) .
ج - قضية العلاقة بين التجديد والمعارضة : وهي تتوزع عبر المقالة بكاملها ، بل انها كقضية عامة شغلت طه حسين ، تتوزع عبر الكتاب كله ونورد هنا فقرة لها دلالاتها الكبيرة " أذكر وتذكر أنت أيضا اننا لهونا يومئذ باخضاع هذه القصيدة لهذا الذوق المعقد ، فضحكنا وأغرقنا في الضحك والسخرية من هذه الصور العتيقة البالية تتخذ بتصوير الحياة الجديدة الحاضرة ) (11) .
كان نشر هذه القصيدة ، اذن ،فضحا للوعى الشعرى الساذج الذي يمجد الخطابة والكلام واثباتا لانشغال النقاد بأمر العلاقة بين القديم والحديث . واحساسهم بسيطرة الذوق العام عليهم وهو ما سينفضح أكثر فى مقدمة محمد حسين هيكل فى ديوان شوقي .
انها القصيدة التى كتبها احمد شوقي بعد معاهدة لسوزان ( 24 يوليو - تموز 1923 ) وهي المعاهدة التى حفظت انتصار مصطفى باشا كمال ( الغازى كما لقبته الجمعية الوطنية التركية ) فى سقارية ثم ازمير فيما بعد .
ويمكن حصر مؤشرات العناصر الاولى للقصيدة من خلل :
أ - ابباتها : تتكون هذه القصيدة ( 12 ) من ثمانية وثمانين بيتا ، مقسمة الى سلسلتين :
السلسلة الاولى : من ستة وستين بيتا ، والثانية من اثنين وعشرين بيتا ، كل سلسلة تبدأ بتوجيه الخطاب الى مصطفى باشا كمال . فى السلسلة الاولى :
الله أكبر .. كم في الفتح من عجب ! يا خالد الترك جدد خالد العرب
وفي السلسلة الثانية :
تحية ايها الغازي وتهنئة بآية الفتح تبقى آية الحقب
وكل منهما تجمع بين الغازى ( الفاتح ) والفتح .
ب - ايقاعها : تندرج القصيدة ضمن بحر البسيط ، ورويها هو الباء ، وحركته الكسر .
ح - فضاؤها : يلتحم من ارتباط المدح بوصف الاحداث ( من بينها المعارك ) فى نسق يتألف الحاضر فيه مع الماضى ( سقارية - أزمير - بدر ) وتتقارب فيه الامكنة ( تركيا - الهند - سوريا - مصر ) ، ويظل عنصر التآلف والتقارب بين الازمنة والامكنة هو الاسلام والعروبة .
هذه العناصر الاولية ، مفردة وجمعا ، هي التى منحت القراء جوابا عن سؤالهم في تلك اللحظة وخاصة الرأى العام ، وفي الوقت نفسه رأي فيها
المثقفون ، والنقاد منهم خاصة ، علاقة بعيدة الدلالة بالقصيدة فتح عمورية لابى تمام . يقول طه حسن ( ثم سكت حينا وسألتني : وأين أنت من قصيدة : أبى تمام التى يمدح بها المعتصم وقد فتح عمورية ؟
قلت ذلك فوجهت لك ثم رأينا معا أن شوقي انما اتخذ قصيدة أبى تمام هذه نموذجا حين أراد أن ينظم قصيدة فى انتصار الترك " ( 13 ) .
هكذا اتضح بسهولة للنقاد آنذاك هجرة قصيدة أبى تمام الى قصيدة أحمد شوقي فأصبحت الاولى نصا غائبا بالنسبة للقصيدة الثانية .
تهدف الشعرية الى الكشف عن أدبية النص الادبي ، لا كحالة مفارقة لمعيار ، بل كنسق وسياق وتحول (14 ) وهو ما يفترض قراءة النص من خلل ما ينسجه ويبين نصيته ، كما أن الكشف عن الادبية يتعدى ملاحظة الخارجى والهامشى كعنصر معزول وينفذ الى تركيب النص وطبيعة اقتصاده اللغوي ودرجات تحقق انسجام ترابط العناصر المتضادة فيما بينها .
على ان محاولتنا في القراءة الحالية لن تنشغل بتمام هذا الهدف عبر استقصاء مكونات وقوانين المحور الترابطي Syntagmatique والمحور التواردى Paradygmatique ولا مساءلة هذه الحدود العامة للشعرية أو علاقة الشعرية بالالسنية ، لان القراءة هنا مقتصرة على علاقة قصيدة شوقى بالنص الغائب ، أى ما يعرف بالتداخلات النصية .
ان النص ، كدليل لغوى معقد ، أو كلغة معزولة ، شبكة تلتقى فيها عدة نصوص . فلا نص يتوجد خارج النصوص الاخرى ، ينفصل عن كوكبها . وهذ النصوص الاخرى اللانهائية هي ما نسميه بالنص الغائب ، غير أن النصوص الاخرى المستعادة فى النص تتبع مسار التبدل والتحول حسب درجة وعي الكاتب بعملية الكتابة ، ومستوى تأمل الكتابة لذاتها ( 15 ) .
ننفصل هنا عن مصطلحات : المعارضة ، النص المعارض ، ننفصل أيضا عن تعدد المصطلحات المتمحورة حول ( السرقات الشعرية ) ذات البعد الاخلاقى ( الاثم الاخلاقي ) ما دام وجود النص ، أى نص ، يستلزم وجود نصوص أخرى سابقة عليه أو متزامنة معه . كما أن الانفصال عن مصطلح ( المعارضة ) ومشتقاته ناتج عن كون العلاقة بين النصين المعارض والمعارض لا يمكن أن تقوم على التماثل ( فنحن ننسى أن العلاقة بين النصين ليست من نوع التكافؤ البسيط ) كما يقول طودوروف ( 16 ) .
وتتم اعادة كتابة النص الغائب فى النص من خلل قوانين ثلاثة هى : الاجترار والامتصاص والحوار ( 17 ) ، وفي الوقت نفسه من خلل مستويات لوائح الكلام التى تشكل ما يمكن تسميته بمجموعة من النوى ، المركزية منها والهاشمية ، وهي الدليل ، والمتتالية ، بحسب تعريف شيومسكى لها ، وما بعد المتتالية ، أى الفقرة أو النص . وجميع هذه النوى ، أو بعضها دون البعض الآخر تتبادل المواقع فى النص ، تغير السياق وتتغير لادلتها عبره ، مما يعطى النص حركة دائمة ، ويخضع مجموعة النوى ، مركزية وهاشمية ، للعبة الحياة والموت . ودون ادعاء الممارسة النظرية ، أو الوصول الى بلورة منهج ، يتسع الحقل المفهومى لقراءة النص الغائب كخارج داخلى .
يمكن استخلاص مكونات أو عناصر دال التداخل النصى لدليل شوقى ، أى البنية السطحية لقصيدة شوقى ، كدليل ، معقد ، من خلل ما يلى :
أ - دال النص المهاجر ( قصيدة أبى تمام ) الذي تتحدد عناصره فى :
- عدد أبيات القصيدة ، وهو واحد وسبعون بيتا ، والقصيدة من مطولات أبى تمام .
- ايقاعها المركب من بحر البسيط ، وهو من بين التشكلات الايقاعية المنفصلة ومن بين الأكثر استعمالا فى شعر أبى تمام ( 18 ) ، وفن رويها ( الباء ) ، الاول
فى الاستعمال لديه ايضا فبائيات أبى تمام تصل الى 72 من مجموع 328 قصيدة ، أى بمعدل 17 % ( 19 ) ، ومن حركة الروى ( الكسر ) الذي هو الاخر فى المرتبة الاولى . اذ يصل فى شعر ابى تمام الى 51 % ( 20 ) .
- معجمها : المعرفى ، الطبيعى ، الحربى ، التاريخى ، الجغرافى ، وافتقاد القيود الانتقائية للمعجم ، مما أنشأ ما سماه القدماء بخصيصة البديع ، ولكن الظاهرة الاسلوبية - البلاغية ليس بمقدورها أن تلم بالنص كتركيب متكامل وككتابة .
ب - مدلول النص المهاجر الذي ينبني نسجه عبر فضاء النص من مدح ، ووصف ، وتألف بين الماضى والحاضر ، وتقارب الامكنة ، ولحمة الاسلام والعروبة لهذه المكونات .
أما مدلول النص الغائب كتداخل نص فيتجلى من خلل التأثير المتعدد المستويات فى قصيدة شوقى . ويمكن اعطاء الصورة الرياضية لهذا التداخل النصى ( 21 ) .
دليل التداخل النصى =
دال النص المهاجر اليه ( = دال النص المهاجر + مدلوله ) مدلول النص المهاجر اليه ( = التأثير )
يمكن أن تتموضع دلائلية ) سميائية ( التداخل النصى فى عزل العناصر أو المكونات المشتركة بين النص المهاجر ) النصوص المهاجرة ( والنص المهاجر اليه ) 22 ( ، ثم البحث عن قوانين الهجرة .
ويتضح عبر الاستقراء العام أن الخصائص الايقاعية لقصيدة ، شوقي تحيلنا على الخصائص الايقاعية السائدة فى شعر النصف الاول من القرن الثالث للهجرة .
وإذا كان نص شوقي يندرج ضمن البسيط ، فان هذا التشكل الايقاعى هو الثالث من حيث الترتب في النصف الاول من القرن الثالث ، ويمثل 15،27 %. من التشكلات الايقاعية المستعملة فى هذه الفترة ، يتقدمه الطويل به 18،81 % والكامل ، سيد هذه التشكلات الايقاعية ب 60، 20 % والمرتبة الثالثة هى نفسها التى يحتلها في شعر أبى تمام ( 23 ) الذي يمثل كل من الكامل والطويل والسيط والخفيف والوافر 82،65 % من مجموع شعره .
وكثرة استعمال البسيط في هذه الفترة تلتقى مع كل من استعمالات الروى ( الباء ) وحركته ( الكسر ) فاضافة إلى مرتبته الاولى لدى أبى تمام ، يصل إلى المرتبة الثالثة فى ديوان البحترى . وسواء بالنسبة لابى تمام أو البحترى او ( الاغاني ) فان الكسر يظل فى المرتبة الاولى ( 24 ) .
ايقاعيا ، تمتد العلاقة بين قصيدة شوقي وشعر النصف الاول من القرن الثالث . ليس هناك أبو تمام وحده ، ولكن شعر هذه المرحلة برمته . على أن الايقاع وحده لا يضبط مركزية التداخل النصى ، ويظل دليل أبى تمام ( قصيدته ) وحده يشكل النواة المركزية ( الى جانب الايقاع نجد المعجم والفضاء ) ، فيما تظل النصوص الاخرى ، لابى تمام وغيره ، للفترة نفسها ولما قبلها وبعدها ، نوى هامشية . هناك هجرة اكثر من نص غائب الى نص شوقى ، واعتماد نص أبى تمام كنواة مركزية لنص شوقي تجلى ( بالنسبة للكاتب والقارئ ضمانة ومظهرا للادبية ( 25 ) فى تلك المرحلة . وككل نص غائب ، مركزي و / أوهامشى خضع نص أبى تمام ، وغيره ، لاعادة الكتابة فى قصيدة شوقى ، بمعنى أنه خضع للتبدل والتحول تبعا لقانون قراءة شوقى للنص الغائب ونوعية الوعى المستحكمة فيها .

