الثلث الاول لهذا القرن بتونس - لا سيما مدة ما بين الحربين العالميتين - حافل بالنضال والثورات ، زاخر بقادة الفكر من الصحافيين الايقاظ والسياسيين الحازمين والادباء الملتزمين الذين يطول ذكرهم فى هذا البحث فحسبى كشاهد على نضال ذلك الجيل البطولى أن أعرف بمواقف وأعمال أديب مفكر مصلح آمن بأن الالتزام قول وعمل فكانت كتاباته نوافذ مفتوحة على البيئة التونسية التى تفاعل معها فى الثلث الاول لهذا القرن بالتأثر والتأثير وكانت مشاريعه الاصلاحية التى تضمنها انتاجه الشعرى والنثرى منبثقة من واقعه مسلطة أضواء على مجتمعه مستهدفة تطوير هياكله وتحسين أوضاعه فى زمن معاناة الشعب التونسى ويلات الاستعمار التوطينى كالتفليس والتجهيل والتجنيس وكبت الحريات ومحاولة القضاء على مقومات الشخصية التونسية العربية الاسلامية واذابتها فى شخصية الدولة (( الحامية )) بمعنى المستعمرة .
ذلك الاديب المناضل الذى طرح تصوره لعلاج مشاكل مجتمعه بالشعر والمقالة والكتاب فى العشرينات والثلاثينات هو الطاهر الحداد ( 1899-1935 ) (1) . فهذا الاديب يندرج فى زمرة قادة الفكر والسياسة من الشباب الرافض للقديم بشتى مظاهره المتمرد على الواقع المر الاليم بمناخه الثقافي المتدلى وأوضاعه السياسية والاقتصادية والاجتماعية السيئة .
وقد نشأ الطاهر الحداد فى وسط شعبى متواضع لا يعرف العيش الا بعرق الجبين وتلقى منذ طفولته المبكرة - على غرار أقرانه - تعليما دينيا فى الكتاب
القرآنى ثم ازدادت ثقافته الدينية رسوخا مع الايام بتردده على المدرسة (( الخلدونية )) وجمعيتها والنادى الادبى لقدماء الصادقية وباختلافه على حلقات الدرس فى جامع الزيتونة الذى التحق به فى ظروف فاجعة وطنية أيام معركة الزلاج ومجازرها فى سنة 1911 (1) ثم تخرج منه محرزا شهادة التطويع فى سنة 1920 وتوثقت ثقافته العامة وتفتحت آفاقه بالمطالعات الخارجية التى نعتقد أنها كانت كثيرة ومتنوعة وكذلك بالاتصال برجال السياسة والادب كالشيخ عبد العزيز الثعالبى ومحمد على الحامى والطاهر صفر وأبى القاسم الشابى ومحمود بيرم التونسى . وأفاد معلومات قضائية عصرية من دراسة القانون فى مدرسة الحقوق التونسية التى دخلها عقب تخرجه من الزيتونة . غير أنه انقطع عن متابعة الدروس بها سنوات عديدة بعد نجاحه فى امتحان السنة الاولى فتوجهت همته الى النشاط السياسى والنقابى والاصلاحى بمختلف أنواعه والى الكتابة الهادفة طوال عشر سنين ما بين سنتى 1920 و 1930 . وفى ذلك العام الاخير منع من اجتياز امتحان شهادة الحقوق بأمر من مدير العدلية .
عرف الطاهر الحداد الشيخ عبد العزيز الثعالبى وهو صديق الزعيم على باش حانبة ومساعده فى حركة الشباب التونسى التى قضى عليها بعد معركة الزلاج وحوادث (( الترمفاى )) بالعاصمة وهو مؤسس الحزب الحر الدستورى ( القديم ) . والى هذه التشكيلة الحزبية الوطنية الثانية بعد حزب الشباب التونسى انضم الحداد فور تأسيسها فكلف بنشر الدعاية لها ثم انسحب منها عندما انزلقت لجنتها التنفيذية سنة 1925 فى مكيدة المقيم العام (( لوسيان سان )) وتبرأت من محمد على الحامى وجماعته الذين قادوا حركة اشتراكية تعاونية أفضت بهم الى تنظيم العمال التونسيين فى أول جامعة نقابية قومية فكان الطاهر الحداد نصير محمد على ومؤسستيه (( جمعية التعاون الاقتصادى التونسى )) و (( جامعة عموم العملة التونسيين )) وعضده الايمن بمواقفه وأعماله ومقالاته الصحفية الجريئة . ثم ألف تخليدا لذكرى تلك الحركة كتابه (( العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية . )) (2)
وبعد مديدة قضاها الحداد مفكرا فى أسباب خيبة حركة محمد على ارتأى أن الوعى الجماهيرى ما بلغ بعدفى زمانه درجة كافية يستطيع بها شعبه أن يتقاوى على قوى الشر والظلام وعلى الاستبداد بمختلف أنواعه فتصور علاجا جذريا لتخلف المجتمع بتقديم مشروع اصلاح اجتماعى وثقافى واقتصادى قطب مداره اصلاحات اقترحها للاحوال الشخصية التى تيسر ترقية الاسرة وهى الخلية التى من نظرائها يتكون الهيكل الاجتماعى وبسلامتها يسلم .
ويثبت البحث أن تفكير الحداد فى ترقية المرأة وفى تنظيم الاسرة بدأ يخامر ذهنه مذطفق يجمع الوثائق ويلاحظ بعض ما يجرى فى بيئته داخل البوت وخارجها بكل دقة ليحرر المقدمة الثانية بعنوان (( الحالة الاجتماعية والاقتصادية بتونس )) لكتابه (( العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية )) المطبوع لاول مرة فى سنة 1927 (1) وقد سارعت ادارة الامن الى حجز ما وجد من نسخه فى مطبعة العرب فى أوائل شهر جانفى من سنة 1928 . وفى تلك السنة نشر الحداد سلسلة من المقالات فى جريدة (( الصواب )) ليدافع بها عن المرأة التونسية دفاعا جريئا ذكيا فجاءت مقالاته التى عالج بها وضعية المرأة التونسية آنذاك معمقة حتى أنه ضمها بعد سنتين الى كتابه (2) (( امرأتنا فى الشريعة والمجتمع )) وقد حرر مقدمته فى سنة 1929 ثم أصدره تاما فى السنة الموالية فأثار به الضحة الكبرى التى تواصلت حملتها المسعورة المغرضة ضد شخصه وآرائه مدة طويلة وتجاوزت الحدود التونسية الى الجزائر والمشرق العربى (3) ثم أثيرت من جديد فى ظروف انشطار الحزب الحر الدستورى الى قدامى ومنشقين عنهم جدد فى مارس 1934 وذهب خصوم الحداد الى تلحيده وربطوا اسمه بأسماء أولئك المنشقين محمود الماطرى والطاهر صفر والحبيب بورقيبة والبجرى قيقة وغيرهم من مؤسسى الحزب الحر الدستورى ( الجديد )
(1) الذى تسمى فى سنة 1964 حزبا اشتراكيا دستوريا لما تقررت التجربة التعاضدية التعاونية . ومن المفيد أن نذكر بأن خصوم الحداد استحضروا اسمه فى كتاباتهم المناهضة فى سنة 1956 لـ (( مجلة الاحوال الشخصية )) (2) التى أعتبرها تقنينا تشريعيا وقضائيا عصريا لجل الآراء الاصلاحية الواردة فى كتاب الحداد (( امرأتنا فى الشريعة والمجتمع )) . (3) ولم يكن التطابق بين المجلة والكتاب من قبيل الصدفة اذ يعترف الحبيب بورقيبة المبادر بسن قوانين مجلة الاحوال الشخصية فى فجر استقلال البلاد بتأثره بالطاهر الحداد منذ سنة 1930 . (4)
عرفت الآن صورة سريعة مقتضبة لذلك الاديب المفكر الذى تفاعل مع مجتمعه بالتأثر والتأثير وسخر أدبه لطرح تصوره لعلاج مشاكل قومه فقبل مجتمعه شيئا من آرائه فى العشرينات والثلاثينات وقابل آراء أخرى له ثورية بالرفض لاسباب عديدة . لكن افكاره المرفوضة أو المعدول عنها آنذاك لا سيما ما يتصل منها بالتعاونيات فى مشروع التنظيم الاقتصادى وباصلاح الاحوال الشخصية وبترقية المرأة العربية المسلمة وجدت مناخا ملائما لمحاولة تطبيقها أو لتطبيقها بصفة عملية آنية ومستقبلية منذ فجر الاستقلال او فى السنوات الاولى التى تلته بعد ثلث قرن من جهر الحداد بها ولم تكن له وحده فى الحقيقة وانما شاركته فى عديد منها سواء كانت مجتمعة أو متفرقة ثلة من قادة الفكر والسياسية أمثال محمد على الحامى (5) والطاهر صفر (6) وأبى القاسم الشابى
(1) وغيرهم فى حين انفرد العديد من الافكار الاخرى التى جهر بها الحداد بطابع الريادة والتحديد فلم يسبقه اليها سابق من نصراء ترقية المرأة سواء فى شرقى العالم العربى كقاسم أمين (2) أو فى غربيه وبتونس خاصة مع محررين فى جريدة (( الحاضرة )) وجريدة (( الصواب )) ومجلة (( خير الدين )) وغيرها (3) وكان للزعيم الحبيب بورقيبة فضل السبق الى تطبيق مشاريع اصلاحية ثقافية واقتصادية واجتماعية حلم بها وناضل من أجلها الطاهر الحداد والشباب البطولى من جيله الذى تلاحمت صفوف أدبائه المجددين وقادته السياسيين الجريئين حتى أن الادب عندهم والسياسة أصبحا متكاملين وربما ممتزجين متحدين كما تشهد بذلك شخصية الطاهر الحداد الذى جمع فى مشاغله الادبية الاصلاحية بين السياسة والاقتصاد والعمل النقابى والاجتماعى .
مفهوم الادب عند الحداد :
لو ربطت الحداد بمناخه الثقافى لتبينت أنه يتصل بسنة أدبية نضالية تعتبر الكتابة (( رسالة حضارية )) توضح للناس سبل الانعتاق من القيود المجحفة بشتى أنواعها . فمن عصر محمود قابادو ( 1912-1871 ) (4) وهو
شاعر معاصر لخير الدين باشا التونسى (1820-1889) (1) رائد الحركة الاصلاحية قبل انتصاب الحماية الفرنسية فى تونس بربع قرن الى عصر الطاهر الحداد المنتمى الى الجبل البطولى الذى قدم لبلاده أجل الخدمات والتضحيات وغذى الحركة الوطنية بنفس جديد تدرج الادباء المتمسكون بالسنة النضالية من استخار الرسول والاولياء لينقذوا تونس من المصائب (2) الى الاستعداد الواعى للمستقبل بالكشف عما فى أعماق الشعب من من منابع القوة وبتوعية الجماهير ومخاطبتها مباشرة لتتقاوى على ضعفها وتثور على المستبدين بأمرها وتتحرر من الاصفاد التى تعرقل مسيرتها الحضارية .
وينتمى أديب ذائع الصيت من جيل الحداد هو أبو القاسم الشابى الى تلك السنة النضالية فيرتبط أدبه بمناخ ثورى يكسبه ابعادا رسالية لا تستهدف الفن للفن الا عرضا وانما تستغله خاصة لبلوغ غايات انسانية حضارية يسميها الشابى (( رسالة الدنيا )) (3) ويعنى بها مثل صديقه الحداد بذر (( ارادة الحياة )) فى الشعب وهى أحسن درس فى العبادة لو جازت عبادة أخرى غير عبادة الله كما يقول عبد الرحمان الكواكبى فى كتابه (( طبائع الاستبداد )) . ألا ترى أن الحداد قد اعتبر (( ارادة الشعب مراد السماء )) فى قصيد له بعنوان ((طال بنا النوم)) وجاراه فى نفس المعنى أديب تونسى آخر مناضل هو سعيد بوبكر (1899 - 1948) (4)لما اعتبر ارادة الحياة (( سعيا الى السماء )) فى قصيد له بعنوان (( الشرق والسماء )) (5) وجانسه فى التغنى بارادة
الحياة عديد من أدباء جيله مثل مصطفى خريف ( 1909 - 1967 ) (1) و محمود بيرم التونسى ( 1893 - 1960 ) (2) فى مقالاته وفى أشعاره التى نشرها بجريدة (( الزمان )) وفى جريدته الخاصة (( الشباب )) التى أعاد اصدارها فى تونس ثم فى صحيفتى (( السرور )) و (( السردوك )) طوال اقامته من سنة 1932 الى سنة 1937 فى تونس موطن آبائه الاول كما يظن وكان دخوله الى تونس فى مدة اغترابه منفيا بفرنسا بعيدا عن وطنه الثانى مصر بقرار من الملك فؤاد الذى ضج بلذعات محمود بيرم . فلما حل هذا الاديب الثائر بتونس بدعوة ملحة من الشاب المناضل محمد بدره تأقلم فى بيئته الجديدة وقضى خمس سنين بها يناضل بالحرف ويساهم فى ايقاظ الضمائر مع الشاب المفكر المتمرد من جماعة تحت السور وتعرف آنذاك على الطاهر الحداد وتعاطف معه حسب شهادة الشاعر مصطفى خريف فى مجلة (( الفكر )) ( ماى 1958 ) .
وكانت الدعوة التى توجه بها الطاهر الحداد وأبو القاسم الشابى وسعيد بو بكر ومحمود ببرم وثلة أخرى من الجماعة التى كانت ترتاد منتدى (( البانكه العريانة )) بمقهى باب منارة ثم اعتزلت حلقة الشيخ العربى الكبادى لتنتدى بمقهى (( تحت السور )) خطرة على الجامدين الخادرين لانها أزعجتهم وكدرت نومهم فى مناسبتين على الاقل أولاهما عندما ألقى أبو القاسم الشابى بيانه الادبى ذا الابعاد السياسية (( الخيال الشعرى عند العرب )) (3) على مسامع أدباء تونس بقاعة الخلدونية سنة 1929 فأثار به مهاترات بلغت حد اتهامه
بالمروق من الدين (1) وهى نفس التهمة التى الصقها الجامدون المغرضون بصديقه الحداد عندما جهر بمشروعه الاصلاحى المتعلق بالاحوال الشخصية وبترقية المرأة والاسرة والمجتمع فى كتابه (( امرأتنا فى الشريعة والمجتمع )) (2)
وكذلك كان تغنى الادباء التونسيين الايقاظ المتحملين مسؤولية الرسالة الادبية بالشعارات الوطنية وبارادة الحياة خطرا على الوجود الاستعمارى اذ كشفوا للشعب عن فضائح المستبد بأمره وحثوه على عصيانه تصريحا وتلميحا فسخطت ادارة الحماية على الادباء المتمردين وتنبهت لخطورة الكتابات الادبية الهادفة كما فى الفصل (( أشعار دستورية )) من مجلة (( افريقيا الفرنسية )) لسنة 1927 عقب صدور ديوان (( السعيديات )) لسعيد بوبكر . (3) وقد سارعت ادارة الحماية إلى حجز كتاب (( العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية )) للطاهر الحداد درءا لخطره . ولكن معاملة ادارة الحماية ومتملقى نظامها لمحمود بيرم كانت أقسى من التنبيه والتحذير وحجز النشريات . فلما عيل صبرها وصبرهم بلذعات قلمه أصدرت ادارة الامن أمرا اليه يوم 17 أفريل 1937 بمغادرة موطنه الجديد وأرض آبائه من قبل حيث استقر لمدة خمسة أعوام توهم أثناءها أن له حق الصدع بصيحة الحر على غرار الشباب اليقظ من الشعب التونسى الذى أحبه بيرم وتآلف معه . وقد لقى محمود بيرم فى النهاية نفس المصير الذى آل اليه محمد على الذى حكم عليه بالتغريب خارج وطنه فيفرى سنة 1925 .
أما الطاهر الحداد فقد أفضت به مسيرته النضالية فى آخر حياته الى اغتراب فكرى وروحى بين أهله وذويه على أديم وطنه وتلك الغربة لعمرى أشد من العقاب السياسى بالسجن المادى وراء القضبان فى مسلك النضال . وقد كان المسلك الاول للحداد سياسيا حزبيا مدعما بقصائد ومقالات صحفية نشرها بجريدة (( الامة )) و (( لسان الشعب )) و (( الصواب )) و (( افريقيا )) (1) وكان مسلكه الثانى اقتصاديا تنظيميا ثم نقابيا مبشرا بأسلوب فى النضال جرىء خرج بالقضية الوطنية - ولو الى حين - من المنتديات الضيقة ومن التعثر الذى صادف تلك القضية لقصور الدستوريين القدامى الذين اكتفوا بتقديم العرائض وانتظروا عطف الحكومة الفرنسية عليهم فلم يأت واذا بمحمد على يجوب البلاد مع رفاقه فى النضال ويتصل بالجماهير الكادحة ويعقد الاجتماعات ويوجه الاضرابات . وقد دعم الحداد مسلكه النضالى الثانى بمنشورات ومساجلات صحفية وجولات ثم بكتاب (( العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية )) . وكان مسلكه الثالث والاخير اجتماعيا متضمنا مشروعا اصلاحيا للاحوال الشخصية وشؤون الاسرة . وقد دعم الحداد مسلكه الثالث بعديد من المقالات وبكتاب (( امرأتنا فى الشريعة والمجتمع )) فامتد قلمه الى مواضيع حضارية مصيرية شغلت باله وبال الادباء الشبان المجددين فألف ونظم الشعر لا لتزجية الفراغ بأدب التملق كالمدح والتهانى بالمناصب وبتوافه مناسبات الزفاف والختان والولادة وكالمعارضات الشعرية التى راجت سوقها فى الثلاثينات ومن قبل على صفحات بعض الجرائد والمجلات فظهر التشطير والتخميس والتسبيع (2) .
وتدرك من اطلاعك على آثار الحداد وعلى مواقفه وأعماله أنه يعتبر الادب الرفيع مواجهة بليغة لقوى الشر والظلام ودعوة مستحثة على التحرر من القيود المجحفة المعرقلة لتقدم الانسان . ولا فرق عنده في المجتمع المتخلف المفتقر الى من ينير له السبيل بين الاديب ورجل الفكر والمثقف والسياسى لان واجبهم جميعا ان (( يتوحدوا )) مجتمعهم بخدمته وواجب الاديب بالاخص أن يوفق بين الابداع الفردى والابداع الاجتماعى . والرأى عنده أن البلاد المتخلفة
تحتاج أكثر من غيرها المتقدمة الى جهود أبنائها الملهمين القادرين على استيعاب مشاكل الناس وتصور الحلول لها وعلى النفاذ الى قلوبهم لتحريك العزائم برعشة الفن وبلاغة الحرف واشراقة الرؤى المستقبلية اذ الادب عنده ليس مرآة البيئة فحسب وانما هو مع ذلك ترياق الحاضر والمستقبل . فالاديب الحق من يحمل فى ذاكرته ماضى أمته ويتصور علاج مشاكلها الآنية التى تتخبط فيها ويتوقع مستقبلها ويتنسمه بحاسة اضافية باطنية تستنير بنور العقل . وهل أدل على ادراك الحداد أهمية رسالته الثقافية الاصلاحية وثقل عبئها من العينة التالية المقتطفة من مقال له بعنوان (( النهضة العامة كيف تنشأ وكيف تكون )) :
(( قد يقيض الله للامة فى أيام محنتها رجلا أو رجالا يحاولون انتشالها من تلك الظلمات فيقوم فى وجوههم أولئك الناس المغرورة بهم أمتهم فينسبونهم الى المروق من الدين أو القيام فى وجه الدولة ومحاولة قلبها فيحكم عليهم بالقتل أو السجن أو يبعدون عن أوطانهم . كل ذلك وأمتهم تنظر اليهم وربما كانت مسرورة بذلك حيث يوهمها أولئك المخادعون أنهم انما فعلوا ذلك انتصارا للحق من أولئك المبطلين .
هكذا يعانى الرجال المخلصون فى سبيل الحق وانهاض قومهم الى ما فيه خيرهم . ولقد قطعت أمتنا التونسية أعواما طوالا جرت فى بحرها على هذا المثال المكدر ، فكم كتب الكاتبون ووعظ الواعظون ، ولم يزل قولهم مهجورا حتى نضج الالم ، وناءت الصدور بحمل ذلك الثقل العظيم ثقل الاستبداد المرهق . وهناك من عرفت الامة أقدارهم فأصغت اليهم اصغاء المريض لطبيبه الذى يفسر له الداء ويشرح له طريق العلاج ، وشعرت بالحاجة فى نفسها فسعى أفرادها فى ارجاع تلك الاخوة المنسية ...
الوطن ... الوطن يدعوكم يا من أوتوا شيئا من معرفة الاحوال أن لا تبخلوا به على من حولكم فانما أنتم أبناؤه البارون . الكاتب يكتب والخطيب يخطب !
احتكوا بسواد الامة ، واختلطوا بعوامها ، وحادثوهم بلسانهم البسيط ، وأفهموا أرباب العائلات واجباتهم فانما هم آباء الصغار الناشئين اذا عرفوا الأحوال وأدركوا الواجب عملوا لأبنائهم ما يجعلهم رجال المستقبل ... )) (1)
ويعتبر الطاهر الحداد من المفكرين القلائل الذين ارتأوا جدوى المزاوجة فى نضال الشعوب المستعمرة المتخلفة بين العمل السياسى والعمل الاجتماعى والحركة العلمية والاقتصاد وكان يؤمن بفائدة المزاوجة بين تلك الاعمال المختلفة لتكاملها وذلك قبل تعرفه على محمد على الحامى الذى غذى الحركة الوطنية بدم جديد فى سنتى 1924 - 1925 . ودونك عينة من مقال له آخر بجريدة (( الامة )) تدعم رأيه السابق وتتمه : (( أمامنا الوم طريقان : فاما أن نعمل عملا جديا مؤيد بحركة علمية واقتصادية للتخلص من عبادة الحاكم واما ان نرجع للتسليم بعبادته ريثما تعمل عوامل الانحلال عملها فينا فتختم روايتنا . بالفناء الاتم )) . (1)
الشاعر الوطنى :
تمرد الحداد الشاعر على الواقع السىء وشحن الحرف بنار الثورة على الجهل والفقر والاستبداد فكان للحرف وقع الرصاصة فى وطنياته وسياسياته واجتماعياته المعروفة حتى الآن وعددها قليل لان الحداد ناثر قبل كونه نظاما وينحصر فنه الشعرى فى التنغيم العذب والابداع الاجتماعى . وفى فنى المنظوم والمنثور نفر الحداد من أدب التقوقع والتصومع فآمن بالرسالة الادبية الهادفة الى ازاحة غشاية الاوهام عن بصائر قوم :
(( باللهو قد قطعوا أيامهم وهم فى أرضهم غرباء الدار والسكن ))
(( يعاملون بها كالشاة تطعم ما تحتاجه لنتاج السمن واللبن )) (2)
واذ كاشفك الحداد بأنه شب على حب الوطن منذ نعومة أظفاره اذ صادفت طفولته فاجعة قومية متمثلة فى معركة الزلاج ومذابحها ، فلا تعجب من تمكن ذلك الحب من (( أحشائه وأوصاله )) حتى أنه كان يستحضر فى كل حين ما يقتضيه حب الوطن من واجبات الفكر والعمل :
(( شربت حب ديارى مذ نشأت بها طفلا وقد عم أحشائى وأوصالى ))
(( عرفت منتها الكبرى على ولم أنس الفروض التى تقضى بأمثالى))
(( من كل حر أصاب الكرب موطنه فقام يسعى بأفكار وأعمال ))
(( تلك الخسارة لو انى نسيتك يا عزى ويا أملى في كل أحوالى )) (1)
ولم تكن ثورة الطاهر الحداد فى (( الوطن )) من قبيل الثورة اللفظية الغوغائية عندما تغنى بالفداء الفكرى لوطن انقلب آنذاك دار غربة تنبت الذل لاهلها فحن الشاعر الى وطن استقرار ينبت العز لاهله بأمنه ورخائه وآفاق مستقبله النضير :
(( أفديك بالنفس والمال مما يسومك سوءا فيه اذ لا لى ))
(( أفديك يا وطنى أفديك يا سكنى بك اعتزازى وفيك اليوم آمالى ))
وليس من المغالاة أن يعتبر الطاهر الحداد شاعر العشق الوطنى عندما يخاطب تونس بلغة العشاق فيتصورها غادة (( تشكو الاسى )) و (( تبكى الحظ )) و (( يد الاستقام توخزها )) فيجيئها الشاعر النطاسى المغرم يحبها فيصور لها علاج دائها ويريها الدواء فى عزائم أبنائها كما فى المقتطفات التالية من قصيد له بعنوان (( تكريم الزعيم )) قاله احتفاء بالشيخ عبد العزيز الثعالبى فى حفل تكريم أقامه الزيتونيون اثر خروجه من السجن فى تهمة المؤامرة ضد أمن الدولة سنة 1920 :
(( فتاة حسن بدا فى وجهها سقم يشين أبناءها أن يغفلوا السقما ))
(( قد أوهنتها يد الاسقام توخزها وخزا تعود به لاتعرب الكلما )) (2)
ويقابل بشاعر العشق الوطنى فى قصيد له بعنوان (( طال بنا النوم )) بين وجهين لحبيبته (( تونس )) أحدهما مشرق فى عهد فتوتها وتألق جمالها والثانى كالح وهن محا محاسنه تعاقب العقود عليه وصاحبته (( فى الرق مغلولة )) قد أصاب الرمح مقاتلها وما توفق بعد لانقاذها وفك اسارها من ابتغى تحريرها لكن الشاعر ظل مؤملا عودة الانس الى تونس بظهور منقذ خبير بقيادة الجماهير
(( لمشهد تبكى له تونس سعيره فى قلبها يلذع ))
(( عاشت به فى الرق مغلولة والرمح فى أحشائها يلمع )) (1)
ويقيم الحداد عقيدته النضالية فى شعره على ايمانه أولا بتغلب الحق على الباطل مهما استفحل داؤه شريطة أن يسعى الى الحق طالبه . وقد يغفو الحق بعض اغفاءة فيلين عوده من تغفل أهله عندما يصطدمون بقوى الشر وتغمرهم ترهات الباطل فينسون أن الحق غلاب لكن للحق صولة بعد التراجع يعرفها أهله الناهضون به مستصرخين :
(( الحق حق وان ظلت مسالكه لا بد أن يتجلى بعدما انكتما ))
(( لا يضعف الحق الا من تغفلنا فلنعقد اليوم في تأييده القسما ))
((ما أعظم الحق في نفس الالى عرفوا سلطانه فغدوا في نهجه خدما)) (2)
ويبنى الحداد ثانيا عقيدته النضالية فى شعره على ضرورة الزعامة الصادقة لشحذ عزائم أبناء وطنه فى مسيرتهم الحضارية . ولما كانت الزعامة السياسية فى أواخر العشرينات للشيخ عبد العزيز الثعالبى فقد خاطبه الحداد بقوله :
(( فى خير قومك خضت الهول مقتحما تبغى دواء به تستأصل الالما ))
(( دافعت عنهم وسهلت الطريق لهم وكنت خير مثال يوقظ الهمما ))
ويقيم الحداد ثالثا عقيدته النضالية فى شعره على ايمانه بالشعب فيكثر من من ذكره فى نظمه ونثره واذ اقترن هذا الاديب بشعبه فقد أسمعنا مثل هذا القول :
(( فذلتهم ذلى وعزى بعزهم وان وهبونى للسعير وقودا )) (3)
وتكثر النماذج الشعرية وخاصة النثرية الطافحة بحب أصيل يجمع بين الحداد وشعبه . وهاك لمزيد التيقن من تعاطفه مع شعبه وبنى وطنه المعذبين فى الارض عينة من نثره صور بها بعض مشاهد البؤس فى الثلاثينات بتونس (( ما أخطر وأتعس الحياة التى نقطعها اليوم ويظهر أنها لا تزال تنمو مع الايام الى أفظع مما نقاسيه اليوم . فلقد عض البؤس بأنيابه الحادة المسمومة روح الامة وجسمها المنهوك . فلا ترى الا منظرا أسود يملأ العين حزنا وغما ووجوها مصفرة تعلوها كآبة خرساء وهياكل شاحبة أضناها الجوع وضعف مواد العيش الذى يقتاتونه وثيابا بالية مرقعة بكل الالوان وأكثرهم متسولون . فلا تجلس فى أحد الامكنة العمومية الا وتراهم يمرون على التوالى ، فراشهم الارض صيفا وشتاء وغطاؤهم السماء ، فتراهم ملطخين ليلا فى الشوارع أو الدكاكين المرصوفة على ضفاف بعض الطرقات . والسعيد من حصل منهم على ذلك وكثيرا ما نراهم يتزاحمون على تلك الدكاكين لضيقها عنهم ، يفجع منظرهم الغريب ويذيب من كان مثلهم كئيبا . وكم من مناظر تسترها المنازل والبيوت وهى لا تبعد عن هذه المشاهد الا باحتجابها عن نظر العموم . فلقد رأيت ورأى كثير من الناس أن آباء كثيرين كاد لهم الفقر وأعيتهم طرق العيش فبعثوا بأبنائهم الصغار وهم فى سن التعلم يستررزقون لمساعدتهم على لوازم المعيشة فاندمجوا فى صف الحمالين وما سحى الاحذية ( الشياتين ) . )) (1)
ومن أركان عقيدته النضالية الثورية ايمانه رابعا بضرورة الفداء الفكرى والدموى عندما كانت تونس مصفدة بأغلال الاستعمار :
(( خلقت للموت في حفظ الكرامة لا للجبن تلبسه عارا مع الحقب)) (2)
وتعتمد عقيدته النضالية خامسا على وجوب تأصل أبناء الشعب فى موطنهم لبستحقوا الحياة فوق أديمه رؤوسا لا أذننابا تبعا :
(( بلادنا هذه أرض لنا خلقت فكيف نرتاد فيها عيشة الكرب ! ))
((ان لم نكن أرؤسا في أرضنا فلمن هذى البلاد اذن ؟ يا شر منقلب !))
ولما سير الحداد مجتمعه فتبين ان الجهل قد استفحل فأردى الشعب فى متهات التخلف ارتأى الشاعر والكاتب سادسا وجوب تبصيره سبل النجاة فحثه على طلب العلاج الجذرى الممتد الى أصل الداء باعتبار أن (( العلم أس النجاح )) كما فى قصيد له بذلك العنوان حيث جهر بأن الجهل (( أخفى عن البصائر نهج الخلاص )) وأصاب الامة بأمراض اجتماعية واقتصادية وسياسية خطرة كعلل (( التشتت )) و (( الخمول )) و (( الفقر )) (( والجوع )) (( والافات الجسدية )) و (( تراجع الفلاحة )) و (( تكاثر البطالة )) و (( الكفر بالله )) والاستسلام للحاكم المستعمر المستبد بأمر الشعب و (( التواكل )) وكثرة (( التشكى من تقصير الحكومة )) والاكتفاء بانتظار المنة بدلا من الاقدام على العمل التلقائى البناء فلو تسلح القوم بالعلم لامكنهم انقاذ الوطن من ذل الاستعباد ولفجروا الخيرات من أرض لهم غنية تنبت العز لاهلها متى قوى فى نفوسهم العزم على الترقى . وهاك عينات من قصيده (( العلم أساس النجاح )) (1) :
(( هيا الى العلم نسعى يا بنى وطنى فالعلم أساس نجاح المرء فى العمل ))
(( لكنما الجهل أخفى عن بصائرنا نهج الخلاص فأسرعنا الى الملل ))
(( وهكذا الجهل يردى أمة جهلت فضل العلوم فباتت أحقر الملل ))
(( داء التفرق أضناها وأسقطها حب الخمول فظلت مسكن العلل ))
الجهل أخفى عن بصائرنا
وهكذا الجهل يردى أمة جهلت
التفرق أضناها وأسقطها
ويطنب الحداد فى التغنى بالعلم فى مواضع شتى من نظمه ونثره كما فى قصيده (( أيها الشعب )) وفى عديد من مقالاته ويذكر فوائد العلم فى مقدمة كتابه (( العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية )) وفى القسم الاجتماعى خاصة من كتابه (( امرأتنا فى الشريعة والمجتمع )) . وها هو يعوض فى قصيد آخر بعنوان (( طال بنا النوم )) الخيال المجنح المألوف عند الشابى شاعر الابداع الفنى بالنم العذب المرغب فى الغرض التعليمى الاصلاحى وهو مقاومة الجهل الذى يعتبره الحداد أصل البلاء اذ أهوى بالشعب فى هوة الاستعباد والفقر والجوع والانبتات الحضارى فتآكلته الفتن ونخله داء التناحر حتى أصبح نهبا ميسورا للاجانب الجشعين فاستأثروا بخيراته واغتصبوا منه الارض :
(( أهوى بنا الجهل الى هوة الشعب فيها موثق قابع ))
(( صواعق الظلم على رأسه مجرد من ماله جائع ))
(( قد ضاع عنه مجد أسلافه وصائح المحق له رائع ))
(( أبناؤهم ما بينهم فتنة كل له فى أمرها منزع ))
(( قد أججوا حربا على بعضهم عادت على الباغى بما ينفع ))
ويتوسع الحداد فى تعداد مضار الجهل فيذكر انسياق الجماهير الجاهلة الى الشعوذة والدروشة فى قصيده (( مطالبنا العلوم )) كما فى هذه الابيات :
(( جهالتنا يا قوم أحنت رؤوسنا وأهلكت العقبى وصبت مصائبا ))
(( سكنا لعيش الغبن طول حياتنا على أن سنلقى فى المماة الرغائبا ))
(( وعمدتنا فى ذاك طبل وقبة نؤمل منها أن تصد النوائبا ))
(( ونحيى بها في كل عام مواسما وفي كل أسبوع من الرقص أضربا ))
(( ونرجو بلوغ المجد من سعى غيرنا كأن بلوغ المجد يعطى مواهبا ))
(( تقدمت الاقوام بالعلم واهتدوا لما فيه من بأس يرد الكتائبا ))
(( ونحن بأحكام القضاء وقهره نريد العلاعفوا ونأبى المتاعبا )) (1)
ويقيم الحداد سابعا عقيدته النضالية على ايمانه بمقومات الشخصية التونسية العربية الاسلامية وهى اللغة والدين والانتساب الى العروبة والارتباط بموطن الآباء والاحداد والتوفيق بين الاصالة والتفتح فى بناء حاضر الامة ومستقبلها وبقدر ما كان ايمانه بالشخصية التونسية قويا عتيدا بقدر ما كانت مواجهته عنيفة عاتية لعداتها الذين راموا ابتلاعها والقضاء على مقوماتها بسياسة التجهيل والتفليس والتنصير والفرنسة . ومن شعره في مواجهة عداة الشخصية قصيده (( بين مارق وخادر )) وهو عندى أحسن شعر الحداد صنعة وابداعا فنيا واجتماعيا . ويعنى الشاعر بذلك العنوان أن تونس فى عصره ضائعة بين مارقين من الخونة وأذناب الاستعمار الذين باعوا ذمة بلادهم وأعانوا عدوها على تطبيق سياسة الادماج والفرنسة باتخاذهم جنسيته ، وبين خادرين ، جامدين قابعين فى ظلمات الجهل ، منقادين الى الفقر ، متعودين تحمل العسف وتنكيس الرأس . ويسمعك الحداد فى قصيده نفثات ضمير حساس وزفرات شاعر مغرم بحب الوطن ، متفان فى هواه ، متألم لرؤية شعب يقاد إلى الفناء الذاتى فيستدرج الى الالحاق بشعب آخر دخيل عليه بواسطة التجنيس . وفى
قصيده صيحات يأس تتخللها بروق أمل تدركها عندما يهيب الشاعر بشعبه أن يفيق من نومه الطويل ويحطم قيود الذل ويعيد ما اندثر من مجده التليد ويبنى مستقبله النضير :
أتونس عندى فى هواك تولع وأنت منى نفسى عليك تقطع
نسيت بك الدنيا وعيشى وراحتى أريد لك الحسنى وخصمك يمنع
يريد انقراض الاهل منك ليبتنى هنا دار ملك آبد لا يزعزع (1)
المفكر والناشط السياسى والاجتماعى الثائر :
ولم يكن الطاهر الحداد مجرد شاعر سياسى لا يجود لقومه الا بالقصائد البليغة وانما كان مع ذلك مفكرا وناشطا سياسيا مكلفا بترويج شعارات الحزب الوطنى بالمقالة التحليلية المعمقة وبالجولات الدعائية عبر مدن وقرى الشمال والساحل التونسيين حتى جاءته فرصة تحقيق ما كان يعتقده من أولوية الاصلاح الاجتماعى فى بيئته المتخلفة بعودة المناضل محمد على من المهاجر المشرقية والاروبية بعد طويل اغتراب . فقد كان الحداد يعتقد ويكتب فى تلك الظروف (( ان البلاد التونسية .. محتاجة للاصلاح الاجتماعى أكثر من كل اصلاح . ويشترك فى ذلك جميع طبقاتها مهما اختلفت فيها أسباب المعيشة ... )) (2) ويجهر بأن من غايات المؤسسات النقابية القيام بعمل اجتماعى من دخلها لفائدة العمال وأبنائهم ويعدد بعض الامثلة من ذلك العمل كـ (( نوادى الارشاد لايجاد التهذيب العمومى )) وتكوين المكتبات للعموم والانفاق (( على تعليم أبناء العمال لتخريجهم فى العلوم والصناعات والزراعة حتى تصبح اليد العاملة التونسية ذات قيمة فى الانتاج توفر الاجر المناسب لها ويمكنها برأس مال يتكون منها أن تفتح أعمالا فى الصناعات تقتسم أرباحها وتحقق لنفسها بذلك حرية العمل عندما تقوى فيها الروح الاجتماعية مثلما كان ذلك فى أروبا عندما أسسوا الجمعيات التعاونية فى الزراعة والصناعة والتجارة والمالية . )) (3)
عاد محمد على الى بلاده مزودا بثقافة جامعية وبمشروع اقتصادى تعاونى وبتجربة حياتية نضالية أفادها من الحرب الليبية التى شارك فيها فى أواخر سنة 1911 ثم من مصاحبته القائد التركى أنور باشا ومن تردده على النادى الشرقى ببرلين وكان ذلك المنتدى (( مجمعا للشرقيين قاطبة بدون تفريق بين الاجناس )) (1) حسب ما ذكر المجاهد العربى الامير شكيب أرسلان .
ما أن حل محمد على بوطنه عاقدا العزم على المساهمة فى بناء نهضته حتى تعاطف مع ثلة من الشباب الناهض المناضل من بينه خاصة الطاهر الحداد الذى كان يلازم محمد على ويبصره واقع بلاده اذ تغرب عنها طويلا ويحثه على تعديل مشروعه الاصلاحى التنظيمى الاول أعنى (( التعاونيات )) أو التعاضديات التى رام محمد على تكوينها فى جميع القطاعات الاقتصادية ( البنوك والزراعة والصناعات والتجارة ) . وهاك شهادة الحداد : (( من يوم أن جاء محمد على ونحن نتفاوض ونبحث عن عمل اقتصادى عام الفائدة يكون مطابقا لاستعداد الامة فى ماليتها وأفكارها . فلقد جاء لاول مرة بأفكار لا تتسع لها البلاد فارتأى تأسيس شركات تعاونية زراعية وصناعية وتجارية ومالية ... فلاحظنا له أنه ربما كان يقرر بذلك حلما من أحلام الفلاسفة بالنسبة الى الوسط الذى نحن فيه . )) (2)
وكان لملاحظة الطاهر الحداد وقع حسن فى نفس محمد على فعدل أفكاره وبدأ يدعو الناس الى تكوين نواة حركة تعاونية اشتراكية معتدلة ثم بعث الى الوجود (( جمعية التعاون الاقتصادى )) فى القطاع التجارى فحسب يوم 29 جوان 1924 بقاعة الخلدونية وساعده خاصة فى تأسيس تلك الجمعية الطاهر الحداد والزعيم الشاب الطاهر صفر وثلة أخرى من المناضلين فكان عملهم الاصلاحى الاقتصادى تمهيدا لمرحلة جديدة من النضال الاجتماعى مكنت القيادة السياسية فى جمعيتهم من الاتصال بالجماهير الشعبية التى كانوا يريدون ترقيتها وتحسين طاقتها الشرائية . وسرعان ما انتشر الوعى فى بعض الاوساط العمالية بالعاصمة فتحركت الجماهير الكادحة فى مناطق مختلفة من البلاد وكان اضراب عملة ميناء العاصمة يوم 13 أوت سنة 1924 أهم حدث عجل بنشأة أول حركة نقابية قومية ذات أهداف سياسية فى تونس - وفى الحقيقة ما كان العمال بعيدين
عن محمد على والطاهر الحداد ورفاقهما اذ انخرطوا فى المؤسسة الاولى (( جمعية التعاون الاقتصادى )) ثم استنجدوا بمحمد على ورفاقه عندما توقفوا عن العمل مطالبين أعرافهم بتحسين الاجور . وكأن الاحداث الدامية فى مدينة بنزرت يوم 11 سبتمبر 1924 والاضرابات والمظاهرات الشعبية المتعاقبة فى منزل جميل وجبل الخروبة وسيدى أحمد وحمام الانف وفى مناجم الفسفاط بالمتلوى وفى غيرها من الاماكن وما أفضت اليه من اعتقالات وأحكام زجرية بالسجن وأخرى قاسية بالتغريب خارج الوطن قد ناقضت ما كان يتصوره الطاهر الحداد من امكانية اصلاح الهياكل الاقتصادية والاجتماعية حينما كانت الامة لا تملك مقاليد حكمها فأثبتت نكبة (( جامعة عموم العملة التونسيين )) أولوية السياسة على التنظيم الاقتصادى والاجتماعى فى الكفاح التحريرى .
ولكن الحداد ظل مع ذلك مقتنعا بأن اصلاح الهياكل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية دعامة ضرورية للكفاح السياسى المستهدف تحرير البلاد اذ الغاية القصوى ليست فى نظره تعويض حاكم أجنبى بآخر من أهل البلاد فقط وانما أيضا فك اسار الشعب من قيود الجهل والفقر والمرض ومخلفات التدلى الحضارى ورواسب قرون الظلام . فلا عجب أن يتدرج فى مسيرته الاصلاحية وفى أدبه الاجتماعى من السياسة الى التعاونيات الاقتصادية فالتنظيم النقابى - وقد ساعدته الاحداث على ذلك التدرج - ليؤول به الامر أخيرا الى التفكير فى تحرير المرأة .
ومن طريف ما يلاحظ فى كتابه (( امرأتنا فى الشريعة والمجتمع )) تواجد عجيب بين عناصر سياسية وثقافية واجتماعية وعقائدية دينية بنى عليها الحداد مشروعة الاصلاحى المتصل بالاحوال الشخصية وبترقية المرأة والاسرة . ولو قمت باحصاء تلك العناصر المتواجدة فى ذلك المشروع الاصلاحى لطال استعراضها ولكنى اقتصر فى هذا المقام على مثال واحد منها يدل على اعتقاد الحداد أن دعامة كل إصلاح اجتماعى ومنه ترقية الاسرة فضلا عن الثقافة والاستقامة هى تلك الجهود الاقتصادية التى تقضى على البؤس وتستأصل جذور التخلف كما تبينه العينة التالية المقتطفة من كتابه (( امرأتنا فى الشريعة والمجتمع )) :
(( من الحق والواجب أن نهتف للحياة الطيبة النزيهة بما فيها من لذة وزينة وانما الذى ينقصنا ويلزم أن يقف من أجله كل شىء حتى يتم هو بذل الجهود الاقتصادية المتحدة لنقيم حياتنا على أساس ثابت مثل ما سارت عليه الأمم
التى تعيش اليوم على وجه البسيطة موفقة فى بلادها وحتى فى مد سلطانها لدحض كل خامل وضعيف . )) (1)
ومن بين الجهود الاقتصادية التى يعتقد الحداد وجوب بذلها للنهوض بمستوى الاسرة والمجتمع الاعمال الصناعية التى تقوم بها المرأة كالخياطة والتطريز والتشبيك وصناعة النسيج فى الصوف والحرير مثل قطع البرنس والجبة والزربية . والرأى عنده فى فصل طويل من كتابه (( امرأتنا فى الشريعة والمجتمع )) (( أن هذه الاعمال الصناعية فى جملتها تعد بحق أثمن مهر يقدم لبناء الحياة الزوجية على أساس تعاون مثمر خصوصا عند وجود الاولاد ولزوم الانفاق على تربيتهم وتعليمهم التعليم الصحيح . غير أنها جامدة فى حدود التلقين الموروث لم تعمل فيها حركة الفكر والتطور ولم تنتشر فى الجهات التى لم ترثها عن سلف ولو تم ذلك فى هذه الصناعات لكان للمرأة أعظم نصيب للمجتمع التونسى )) (2)
بعد أن علل الحداد خيبة حركة محمد على فى كتابه (( العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية )) بأسباب باطنية هى جهل الشعب وفقره وتدهوره الاجتماعى قبل الاسباب الخارجية وهى تألب الاحزاب وادارة الحماية على تلك الحركة ، جهر بأن داء الحياة ودواءها فى أعماق الشعب . أليس الحداد هو القائل : (( اذ نحن بقينا لا نفهم الا أن لنا آمالا نتمنى حصولها دون أن نفهم حقيقة الاستعداد الذى يجب علينا لها أو ندرك منابع القوة من أنفسنا فنبرزها فقد برهنا بذلك على جهلنا بالحياة وحمقنا فيها وأنانيتنا الاثيمة وفقدنا أهلية اكتساب الحقوق . ثم لا نطمع بعد ذلك فى غير الانحلال والموت . )) (3)
وهاك لمزيد التيقن من رأيه فى هذا الموضوع قوله : (( نحن أمة تطلب الحياة ولكن فاتنا ان نطلبها من أنفسنا فظللنا تائهين فى السير ولو فكرنا قليلا لوجدنا الحياة فى أعماقنا . وهذا ما حدا بى الى أن أبسط أعمق جزء فى حياتنا وأدقه فأصف ما فيه من الالم والبؤس والانحلال لنرى أوجه إصلاحه . هذا الجزء هو المرأة والعائلة . )) (4)
وينقسم كتابنا (( امرأتنا فى الشريعة والمجتمع )) الى قسمين أساسيين قسم تشريعى وآخر اجتماعى . أما القسم التشريعى فقد بناه على نظرية التدرج فى تشريع الاحكام المتصلة بالاحوال الشخصية واعتبر تلك الاحكام عرضية دنيوية لا تمس جوهر العقيدة وتقبل التغيير والتطوير . أما الاحكام الجوهرية كعقيدة التوحيد ومكارم الاخلاق واقامة العدل والمساواة بين الناس وما هو فى معنى تلك الاصول فانها خالدة بخلود الاسلام ( امرأتنا ص 6 ) .
للحداد تصنيف طريف لمحتوى كلمة (( الاسلام )) فيفهم من حديثه عن الاسلام أنه يعتبره عقيدة وأمة وحضارة ودستورا اجتماعيا . فالعقيدة لا تتغير والدستور الاجتماعى يتطور لمسايرة التقدم مع مراعاة النقاوة والاستقامة .
وفى المشروع الاصلاحى الاجتماعى الذى عرضه الحداد على بنى وطنه دعوة الى تمكين المرأة المسلمة من حقوقها المدنية استنادا الى أدلة يستمدها من القرآن والفقه . فهو لا يمانعها حق الشهادة والانتصاب للقضاء . ويعترف لها بحرية التصرف فى مالها . ويجهر بأن نزول ميراثها عن الرجل ليس أصلا ثابتا غير قابل للتغيير فى الاسلام بل انه قد يتبدل مع مرور الزمن فيتساوى الذكر والانثى فى الميراث. ويعرف بالزواج تعريفا طريفا فيقول عنه انه (( عاطفة وواجب وازدواج وتعمير)). ويقيد عقد القران والزواج بالفحص الطبى المسبق درءا للآفات التى قد يتوارثها النسل من أبوين مصابين بأمراض مزمنة ودونك عينة تكشف عن رأيه فى الفحص الطب الزواج :
(( فى الناس من هم مرضى بأمراض مزمنة خفية قد لا تظهر وهى هادم قوى للنسل وصحة المرأة . ومع ذلك فهم لا يحجمون عن الزواج اندفاعا مع الشهوة التى لا يملكون معها ضميرا يشعر بمسؤولية ما فى هذا الشأن فتكون جنايتهم مزدوجة على الزواج وعلى النسل ... ولقد شعر علماء العمران ورجال التشريع بهذا الخطر السارى بين الازواج والمنتقل فى الابناء ثم يكون ارث الاجبال القادمة فقاموا يضعون البيانات الضافية عن لزوم الكشف الطبى قبل الزواج ، منعا للنكبات الاجتماعية وحرصا على سلامة الشعب من طريق العائلة . وهذا ما أخذت به الافكار الناهضة فى أمم الشرق الاسلامى . ولا تلبث حكومات الشرق جميعا أن تسنه قانونا نافذا . وخير لهؤلاء الذين يستعدون للزواج أن ينفقوا ما أعدوه على صحتهم لينالوا العافية ان كان العلاج نافعا والا فما كان أغناهم عن زواج يجنون به على حياة غيرهم وينالهم من ذلك نصيب )) (1)
ويدافع الحداد عن حرية الاختيار بالنسبة الى الزوجين . واذ كان يؤمن بأن الاسرة هى أساس المجتمع وكان تعلقه شديدا بالشخصية القومية فانه ناهض الزواج بالاجنبيات كما يبينه قوله (( ان المرأة هى التى تلد الشعب وفى أحضانها ينمو ويثقف وفيها الامل الاول فى اعداده للحياة والواجب . والمرأة الاروبية لم تخلق لنا ولم تتهيأ للاندماج فينا وليس لنا الا أن نتزوج من بنات جنسنا . واذا كان فيهن بعد عن صفات الكمال المطلوبة فليس علاج ذلك فى الانقطاع عنهن بالزواج بالاجنبيات وتركهن عوانس فى البيوت ولكن العمل بتطويرهن وحمايتهن فى هذا التطور من الاخطار البادية فيه اليوم )) (1)
وينادى الحداد بضرورة اعداد الفتيان والفتيات للحياة الزوجية بنوع جديد من التربية التى يكتشف بها المتأهلون منهم للزواج ما هيته باعتباره أنسا وواجبا وتعميرا . ولئن صرح بأن الاسلام حرم موانع الحمل لتعطيلها غرض التعمير فانه أفتى باباحتها متى خيف على سلامة الاسرة وحياة الام بل تعدى ذلك الى اباحة عملية الاجهاض . وهكذا ترك الباب مفتوحا للمجتهدين فى موضوع التنظيم العائلى فى البلدان الاسلامية ( امرأتنا ص 32 )
والرأى عنده أن يقتصر الرجل على زوجة واحدة حفاظا على سلامة أسرته وحرصا على تضامن أفرادها ويعرف الطلاق بأنه أبغض الحلال الى الله و (( فراق بعد تعذر الوفاق )) لا انتقام من المرأة كما هى العادة فى المعهد الزجرى المسمى (( دار جواد )) حيث كانت المرأة تسجن عندما ترغب فى الطلاق ويصعب على الزوج قيادها والتخلى عنها . يقول الحداد :
(( ان المرأة فى هذا الحال قد يقوى فيها عامل السخط فتهمل شؤون بيتها وزوجها ... ولكنهم أسسوا لها معهدا خاصا بها لعلاجها هو ما يسمى ( دار جواد ) منزل خاص يقيم عليه الشيخ القاضى رجلا قيما يسمى ( جيدا ) وامرأته وتسمى ( جيدة ) يضع الرجل زوجه باذن قاضى الشريعة عندهما فى المنزل ويضيق عليها فى طعامها وكسائها وتنام وحدها ليلا ولا تباح زيارتها الا باذن ومشقة . كل ذلك لتنزل الوحشة فى قلبها فتطلب بنفسها الرجوع الى بيت الزوجية تائبة مستغفرة معلنة الرضا تملصا من تلك النكايات القاسية عليها وليس بعيدا أن تثور الفتنة مرة بعد اخرى وتتكرر زيارتها الى ذلك المعهد الزجرى . فأى معنى لهذه الزوجية المضطربة كمن به جنة ؟ وهكذا كان الامر ويكون فالآباء يريدون السعادة لبناتهم بالاكراه والجبر والازواج يطلبون
تقرير الزوجية ودوامها بالاكراه والجبر . وقد مكنهم القضاء الشرعى من هذا المعهد الاصلاحى لحمل زوجاتهم فيه على الرضا والرغبة فى بيت الزوجية بالاكراه والجبر لا بالاقناع والمحبة . )) ( 1 )
وفى هذا السياق ينادى الحداد بوجوب (( تحكيم القضاء فى كل ما يقع من حوادث الطلاق والزواج حتى لا يتم منها الا الموافق لغرض الشريعة ونصوصها ولا يبقى مجرد لغو يصدر من فم رجل ينقض بيتا بما فيه من أهله . ))
واذا تم الطلاق فلا بد فى نظره من امتاع المتضرر من الزوجين بتعويض مالى تضييقا على المطلق وبكتابه (( امرأتنا فى الشريعة والمجتمع )) وقف الحداد فى وجه تيار التقليد الاعمى والاجترار العقيم ونظر الى الاسلام نظرة مستقبلية تحدى بها رجال الدين الجامدين المتمتعين آنذاك بامتيازات اجتماعية ومادية صرفتهم عن فتح باب الاجتهاد وجهر لهم بحقائق جارحة استثارت غضبهم ولم يتردد فى مواجهتهم مباشرة بابراز القطيعة التى تفصلهم عن واقع الحياة فى المجتمعات الاسلامية المعاصرة . ودونك ما كتبه عن الفقهاء فى سنة 1930 : ان عامة فقهاء الاسلام من سائر القرون الا ما شذ يجنحون الى العمل بأقوال من تقدمهم فى العصر ولو بمئات السنين ويحكمون بأحكامهم مهما تباينت أحوال المجتمعات الاسلامية باختلاف العصور وهم يميلون فى أخذ الاحكام الى تفهم ألفاظ النصوص وما تحتمل من معنى أكثر بكثير مما يميلون الى معرفة أوجه انطباق تلك النصوص على حاجات العصر وما تقتضيه مصلحة المجتمع الحاضر الذي يعيشون فيه . وما ذلك الا لبعد الصلة بينهم وبين دراسة الاحوال الاجتماعية التى يجتازها المسلمون لمعرفة أوجه الاحكام الصالحة لحياتهم . وهذا الجهل الواضح هو الذى منعهم من الشعور بحاجة المسلمين فى تطور الحكم بتطور الحياة . )) ( 2 )
واذا كانت مجلة الاحوال الشخصية الصادرة فى 13 أوت 1956 قد ألفها التونسيون اليوم فان مضامينها المطابقة لما جاء فى مشروع الطاهر الحداد فى
أواخر الثلاثينات كان حدثا بغيضا فى نظر رجال الدين فتألبوا عليه وان كانت للخصومة أسباب أخرى ليس هذا البحث مقام عرضها وتفصيلها ( 1 )
أما القسم الاجتماعى من الكتاب فانه يعالج الثقافة الصالحة لتكون البنت زوجا فأما تؤدى واجبها الاجتماعى على أحسن وجه ، فيصنف الحداد تلك الثقافة الى عدة أصناف فمنها الصناعية والمنزلية والعقلية والاخلاقية والزوجية والصحية ويقترح مخططا تعليميا مستقبليا سابقا لزمانه بربع قرن اذ يستهدف مشروعه التربوى غايات مختلفة وان كانت متكاملة فمنها التربية الاسلامية وتهذيب الذوق وتكوين العقل الدرب على الصواب بالعلوم الصحيحة وترويض البدن بالالعاب الرياضية وغير ذلك فكان مشروعه التعليمي الذي اقترحه لتربية الفتاة التونسية فى الثلاثينات حلما من أحلام الفلاسفة حسب عبارة استعملها الحداد نفسه فى حكمه على المشروع التنظيمي للاقتصاد الشامل كما فكر فيه أولا محمد على . لكن طرافة المشروع التربوى الذي عرضه الحداد طلائعي بشر بما أصبح اليوم واقعا فى بلادنا فتحقق حلم ذلك الرائد بعد موته بربع قرن عندما استقلت البلاد .
وقد أبدع الحداد فى تصوير مشاهد من حياة الاسر الشعبية داخل البيوت فى القسم الثانى من كتابه فأرهف سمعه ودقق الملاحظة ودون لوحات ناطقة بما يقع فى تلك البيوت من ترهات وأعمال تضر باستقرار العائلة وحياة الامة كما تبينه هذه المشاهد الغابرة من حياة آلاف الاسر التونسية فى الثلاثينات :
يكون للرجل ازواج عندنا فيسكنهن فى دار واحدة فتعمل الغريزة عملها في اتساع هوة الخلاف بينهن ومع الزوج فتكيد الواحدة للاخرى كيدا كأن تسرق لها متاعا لتتلفه أو تخفيه أو ترمي لها كمشة من الملح أو الفلفل فى طعامها الذى تهيئه للزوج أو تخلق ما تنسبه اليها أولا تقوم بدورها فى نظافة المنزل وترتيب شؤونه فتقوم بينهن ضجة هائلة من الشتم والسباب القبيح وقد يكن ذوات أبناء ينضم كل منهم الى أمه فتتسع المعركة ويعظم خطرها على حياة المنزل وعلى تلك الاخلاق الناشئة فى محيط يأكله الحقد والتحاسد وتغمره الجنائية
على ذلك النشء . ومهما كان للرجل من قوة وهيبة فهو لا يستطيع بها حبس تلك الغرائز عن الثورة الا مددا منقطعة . )) ( 1 )
وأمثال تلك المشاهد الغابرة التى دونها الحداد للتاريخ عددها كثير فى القسم الاجتماعى من كتابه (( امرأتنا فى الشريعة والمجتمع )) وفى المقدمة الثانية لكتابة (( العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية ))
ويكتشف قارئ آثار الحداد أن لهذا الاديب المفكر شخصية قوية مكنته من ادراك عبء مسؤولية رجل الفكر وأهمية دوره المجهرى القيادى - فقد أحيا الادب التوتسى فى عصره بتصادم أفكاره ونظرياته الجديدة بأفكار دعاة القديم ومواقفهم السلبية وأثرى التأليف بمعان حضارية انسانية وجعل الادب بوضوح الرؤية المستقبلية (( رسالة الدنيا )) لا تزجية فراغ ومتعة زائفة .
وما كان الحداد غرا سابحا فى بحر الخيال ليتوهم أن جميع ما دعا اليه وناضل من أجله يحتم الاخذ به وتطبيقه فى الثلاثينات بتونس وانما كان أديبا ومفكرا ومصلحا طلائعيا ذا اتصال بالواقع ينظر الى مجتمعه نظرة آنية لكنها مشفوعة برؤى مستقبلية . فما غاب عنه مثلا فى كتابه (( امرأتنا فى الشريعة والمجتمع )) أن بيئته لم تتهيأ بعد لتطبيق مشاريعه الاصلاحية لان أفكار أهل البلاد لم تع فى الثلاثينات بصفة جماعية مقومات النهضة ولم تستعد بعد لقبولها . أليس هو القائل : (( أين نحن من هذه الواجبات النافذة عند غيرنا ؟ فان أفكارنا لم تتدارسها بعد فضلا عن السعى فى تحقيقها )) ( امرأتنا ص 106 ) .
ومع ذلك فان الحداد ظل مقتنعا بصحة رؤيته اذ شامت عينه الباطنية ما تخبئه الايام عندما قال فى ظروف الخصومة المسعورة ضده عقب صدور كتابه (( امرأتنا فى الشريعة والمجتمع )) : (( ما الذى ارتكبت غير الكتاب الذي الفت والرأى الذي أبديت ذلك الرأى الذى وان قوبل اليوم بالمعارضة من هيئات مختلفة الغرض فى عملها فلا بد أن يظهر بعد خمس أو عشر من السنين رأيا صائبا أو ضروريا لحياتنا يزداد انتشاره بمرور الايام . )) ( 2 )
الخاتمة :
هكذا قدم الحداد للادباء التونسيين من بعده درسا فى الالتزام الادبى فأبان لهم أن الكتابة (( رسالة الدنيا )) كما يقول الشابى وأنها لا تستهدف الفن للفن وانما تستغله لتكون نداء الحرية والتطور . فاذا فقدت الكتابة تلك الوظيفة اشتبهت على الناس السبل وما دروا أن التبصر يبدأ بالحيرة الايجابية وبالرفض المتحسس سبل البناء الجديد وبالقدرة على تجاوز الموجود السلبى الى الممكن الايجابى ليكون الحاضر حاملا فى طياته الماضى معدا المستقبل الافضل . وما من شك فى ان الطاهر الحداد وثلة من رجال الفكر والادب والسياسة المتعاطفين المتكاملين فى الثلاثينات والاربعينات قد مثلوا طور المخاض الذي سبق ولادة أمة جديدة أبصرت نور الحياة مع طلوع فجر الاستقلال سنة 1956.
1975/3/24

