ظهر الاسلام وفي ضمنه نظرة خاصة للعلم والعلماء والتعلم . فهل حدد هذه النظرة بوضع نظام تربوى مميز ؟ وهل نص على اصناف العلوم نصا مضبوطا ؟ ثم ما هو الاساس للنظام التربوى الاسلامى الحديث ؟
لقد اهتم الاسلام بادىء الامر بالعلوم الدينية ، لكنه سرعان ما شمل اهتمامه سائر اشكال العلم كفلاحة والصيدلة والرياضيات ، الى غير ذلك . وقد اصبغ الاسلام على العلم نظرة مقدسة : " يعلم ما بين ايديهم وما خلفهم ، ولا يحيطون بشىء من علمه الا بما شاء " . ( 1 )
وقال برهان الاسلام الزرنوجى : " العلم امر عظيم وهو افضل من الجهاد عند اكثر العلماء . " ( 2 )
وفضل الاسلام العالم والعالمة على غيرهما ، وهو ما يفهم من الآية الكريمة : " هل يستوى الذي يعلمون والذين لا يعلمون . " (3) وقد اكد الرسول الكريم هذه الافضلية بقوله " العلماء ورثة الانبياء " ( 4 )
اما التعلم فقد امر به الاسلام امرا ، وهو ما يفهم من الآية الكريمة : اقرا باسم ربك الذى خلق ، خلق الانسان من علق ، اقرا وربك الاكرم الذى علم بالقلم ، علم انسان ما لم يعلم . " ( 5 )
وفي السنة الثانية للهجرة ( 663 ) واثر غزوة بدر التى انتصر فيها المسلمون ، كلف الرسول الكريم اسرى الحرب المتعلمين ان يقوم كل واحد منهم بتعليم عشرة من المسلمين والمسلمات مبادىء القراءة والكتابة . فكان التعليم فدية أولائك الاسرى عوضا عن الذهب والفضة والانعام التى لم يكن المسلمون فى غنى عنها ، وخاصة وهم فى حالة اقلاع اقتصادى وعمرانى .
وتبعا لهذه الصبغة التى صبغ بها الاسلام العلم والعلماء والتعليم اكتسى النظام الاسلامى للتربية لونا دينيا ، تاثرت به جل المؤسسات الاجتماعية والدينية مثل الاوقاف ، وزوايا الاولياء الصالحين ومقامات الصوفية ، والجوامع والكتاتيب .
وبسبب هذه النظرة التربوية الخاصة بالاسلام صارت العلاقة التى تربط المتعلم بالمعلم علاقة متميزة ، يحظى فيها المعلمون - مهما كان صنفهم - باحترام يصعب تصوره فى المجتمعات غير الاسلامية ، ولذا ليس غريبا ان يقول على بن ابى طالب ( 600 - 661) المعروف بابائه : " من علمني حرفا فقد صيرني عبدا له " وقد بقيت هذه العلاقة المتميزة بين المعلم والمتعلم الى يومنا هذا ، وهي واضحة فى قول أحمد شوقي :
قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم ان يكون رسولا
ومما يعتبر من صميم النظام التربوى فى الاسلام هو اعتبار العلم مرحلة يؤدى فى النهاية الى معرفة الواحد الاحد وجوهره الاعلى الذى هو جوهر كل علم .
انما يخشى الله من عباده العلماء) (6) ولذا كان العلماء المسلمون يدمجون علوم الحضارات الاخرى فى نطاق تصنيف الاسلام للعلوم ، وقد تصدى لهذا العمل كثيرون ، نجد من بينهم ابن سينا ( 980 - 1037 ) وعبد الرحمان ابن خلدون ( 1332 - 1406) هذا نموذج العلوم وفروعها ، كانت تعتمده الى عهد قريب بعض مؤسسات التعليم فى العالم الاسلامي
العلوم
علوم اللغة وفروعها
المنطق وفروعه
العناصر المشتركة بين اللغات كالنحو والصرف والاملاء والمحفوظات والعروض المقولات بارى ارمينياس التحليلات النابعة مباحث المنطق السفسطة البيان الشعر
العلوم الرياضية
علم العدد الهندسة علم البصريات الفلك الموسيقى علم الاثقال علم الحيل
علوم الطبيعة وما وراء الطبيعة
العلوم الطبيعية علوم ما وراء الطبيعة
مبادئ الطبعيات الاجسام البسيطة الكون والفساد الاعراض الخاصة بالعناصر المعادن النبات الحيوان علم الوجود اصول العلوم الاجسام غير المادية
علوم المجتمع وفروعها
الفقه والتوحيد
الا ان هذا التصنيف للعلوم لم يكن الوحيد المعمول به ، فقد كان للفارابي ( ت 950 ) تصنيفه ولنصر الدين الطوسى ( 1200 - 1273 ) تصنيفه . لكن القاسم المشترك الذي كان يجمع بين تصانيف مختلف العلماء المسلمين هو كون الانسان يستطيع الحصول على المعرفة من خلال سبيلين اثنين : الحقيقة الموحى بها ، التى تنقل بعد الوحي من جيل إلى جيل ، وسميت بالعلوم النقلية ، والعلوم على مستوى الادراك والعقل ، وسميت بالعلوم العقلية .
فعندما نشطت حركة الترجمة ، وانتقلت الى العالم الاسلامى علوم اخرى جديدة ، اقبل عليها العلماء المسلمون يقيمونها ويصنفونها واضعين نصب اعينهم مسالة التوفيق بين العقل والوحى او بالاحرى بين العلم والدين ، وقد برز ابو يوسف يعقوب الكندى (796 - 873 م ) فى بغداد وفى عهد المأمون ، وبسط فى كتابه " اقسام العلوم " النظام التربوى الاسلامى " الذى يرتضيه فى ميدان الرياضيات والمنطق والطبيعيات والفلك والموسيقى والفلسفة ، وقد كان متضلعا فيها جميعا ثم ظهر أبو نصر محمد الفارابي المذكور سابقا ، وطور ما كان شرع فيه ابو يوسف وبلور ما ورد فى كتاب اقسام العلوم ، وزاده من التفصيل ما اثر به فى مناهج الدراسات الجامعية الاسلامية ، وحتى جامعات الغرب ، عندما تكونت فيما بعد .
وهكذا سادت نزعة التوفيق في طلب العلم وتلقينه كلا من الشرق والغرب ، الى ان ضربت اطنابها النظريات المادية فى أوربا ، كالفلسفة الوضعية (7) Positivisme والمادية الجدلية Materialisme Dialectique ( 8 ) وخلاصتها ما نعلمه . " من ان العلم لا يعدو ان يكون حشدا من الذرات
المتشابكة . او جهازا آليا يمكن التصرف فيه وتسييره انطلاقا من العقل ، ومن العقل وحده . " ( 9 ) وانفصلت الدولة عن الكنيسة واصبحت العلمانية Laicite دليل رجل السياسة والقانون والاقتصاد وحتى التربية ، وتأثرت كثير من الشعوب الاسلامية التى تعرضت للاستعمار الاوربى ، بصفة مباشرة او غير مباشرة ، ولحق النظام التربوى الاسلامى شىء غير قليل من الاختلال . وكنتيجة حتمية للتاثر بالتقدم العلمي والتقنى للغرب ، بادرت مؤسسات التعليم التقليدية فى افريقيا وآسيا وغيرهما الى القيام بتحوير وتجديد فى برامج تعليمها : ( تعليم جامع الزيتونة ، تعليم جامع الازهر ، تعليم جامع القرويين ، تعليم جامع الاخضر ، تعليم مدرسة قم ، تعليم مدرسة مشهد ، تعليم مدرسة اصفهان ، تعليم مدرسة النجف ، تعليم مدرسة لكنو ، ) وتكون بذلك قد حذت حذو المدارس الرسمية التى تكفيها وتشرف عليها ، بشكل او باخر ادارة غربية . فهل تم من خلال تغير وتجدد التعليم الرسمى والتقليدى نصور جديد للنظام التربوى الاسلامى ؟
فعلا ، لقد تم فى هذه الظروف تصور جديد للنظام التربوى الاسلامى ويجسمه تياران :
1 - تيار علماني لا يخلو من التطرف ، ونجده عند طه حسين ( 1889 - 1973 ) الذي رسم خطة عامة للتربية فى كتابيه : " مستقبل الثقافة فى مصر ،
و"مرآة الضمير الحديث " ، تعتمد على العقل والتجربة العلمية لا غير . وهكذا نفي طه حسين فى بحوثه وجود الشعر العربى الجاهلى ، وقال ببشرية القرآن ، وسار فى نفس التيار سلامة موسى ( 1880 - 1959 ) الذي دعا فى مقالاته الى تبنى الحروف اللاتينية ، عوضا عن حروف القرآن ، وتحويل المساجد الى نواد للبراعة اليدوية كما جسم هذا التيار العلمانى القرار السياسي الذي اتخذه مصطفى كمال باشا ( 1881 - 1958 ) سنة 1923 غداة اطاحته بالخلافة العثمانية ، وتغييره لبرنامج التعليم الرسمى شكلا ومضمونا .
2 - تيار مصلح معتدل ، ونجده عند محمود قبادو ( ت 1888 ) وخير الدين ( ت 1889 ) أولا ، ثم عند محمد الطاهر بن عاشور ( 1879 - 1973 ) والبشير صفر (ت 1917 ) من تونس والامير عبد القادر ( 1807 - 1883 ) وعبد الحميد بن باديس ( 1801 - 1883 ) من الجزائر ، ورفاعة الطهطاوى ( 1801 - 1873 ) من الشرق ومحمد اقبال ( 1873 - 1938) من آسيا .
فقد حرص كل من خير الدين ومحمود قبادو على اختلافهما فى التكوين العلمي ، على تغيير اساليب التربية فى العالم الاسلامى وفى تونس بالخصوص ، ودعوا حسب تصورهما لوظيفة التربية الى حتمية تركيز التعليم على التقنية وتمكين المسلم من التكوين اليدوى الصحيح ، والسيطرة على الآلة والطبيعة ، وذلك كشرط لازم للخروج من التخلف الحضارى ، واسترجاع اسباب القوة ، وقد جهرا بهذه الدعوة فى المدرسة الحربية بباردو ، وبالمعهد الصادقي ، وبحلقات جامع الزيتونة . ولم يتردد محمود قبادو رغم اشتغاله بالتدريس والافتاء وما يفرضان عليه من ناموس ووقار من ان يصوغ هذه الدعوة الاصلاحية فى التربية ولو عدها بعضهم بدعة من البدع ، فى شعر تعليمي ، تسهيلا لنشرها ورواجها .
ومن لم يجس خبرا أروبا وملكها
ولم يتغلغل فى المصانع فهمه
فذلك فى كنه البلاهة داجن
وفى مضجع العادات يلهيه حلمه
هم غرسوا دوح التمدن فرعه الر
ياضى والعلم الطبيعى جذمه
هم قتلوا دنيا الحياتين خبرة
فمن لم يساهمهم فقد طاش سهمه
وقد اعترف محمد الخضر حسين ( 1874 - 1958 ) بجرأة محمود قبادو فى اصلاح اساليب التعليم بقوله : " ان اول شعر ظهر فى تونس يدعو الى مجاراة الغربيين فى العلوم والصنائع والفنون واصلاح التعليم على هذا الاساس هو شعر الاستاذ والمفتى محمود قبادو . " ( 10 )
ثم واصل خريجو الصادقية والزيتونة دعوتهم الى هذا الاتجاه ، فقد حرص الشيخ محمد الطاهر بن عاشور الذى كان يدرس بالصادقية ويدرس بالزيتونة على رسم خطة تربوية تقى الشباب الاسلامى بتونس ما كان يتهدده من انقسام وتنافر ، وتضمن وحدته القومية والثقافية ، وتمكنه من تحقيق طموحه فى التحصيل على العلم .
وقد جسم هذه الدعوة الاصلاحية كتاب الشيخ " اليس الصبح بقريب " الذي قال عنه الاستاذ المنصف الشنوفي فى مقدمته :".... والكتاب جرىء ... متين الصلة فى روحه ، وفي الاصلاحات التى يدعو اليها . "
قد تسرب هذا التيار نفسه الى الجزائر عن طريق الطيب العقبى والبشير الابراهيمى والعربى التبسى وخاصة الشيخ عبد الحميد بن باديس الذين درسوا بتونس ومصر ، قبل ان يعودوا فى اوائل هذا القرن الى الجزائر ليكونوا جمعية العلماء ، وينادوا بضرورة اصلاح التعليم على اساس ان لا نهضة للامة الاسلامية بدون نهضته ، وقد بدأ عبد الحميد بن باديس بتطبيق هذا الشعار على برنامج التعليم الذي كان يتبعه تلامذة جامع الاخضر بقسنطينة وبنشر وجهة نظره فى شؤون التربية ، وما ينبغى ان تشمله فى تعليم العلوم الجديدة ، والتمكن من التقنية الحديثة . فى مجلة " الشهاب " ( 11 )
الا ان الذى وضع استراتيجية تربوية مفصلة ، فيها تصنيف وتقييم للعلوم ويعد عمله المرحلة الثانية فى نظرية التربية فى العالم الاسلامى بعد الفارابى والطوسي وابن خلدون هو الشيخ رفاعة الطهطاوى من مصر ، والذي يميزه فى هذا التيار التربوى الثاني هو ان تصوره للنظام التربوى الاسلامى الجديد لا ينبغي ان يبنى على النزعة السلفية من توفيق بين علوم النقل والعقل ، بل ينبغى ان يبنى على اقتباس الوسائل العلمية الممدنة للامة ، بقطع النظر عن اختلاف المعتقد الديني بينها وبين الامة او الامم التى تقتبس عنهم ، ولذا يقول فى هذا الصدد : " ان البلاد الاسلامية برعت فى العلوم الشرعية ... واهملت
العلوم الحكمية فجهلتها ، لذلك احتاجت الى البلاد الغربية فى كسب ما لا تعرفه " . ( 12 )
ولعله يلمح بلفظة "جهلتها" الى تخلى المسلمين فى بعض الفترات عن انواع من العلوم العقلية لتزمتهم ، فنتج عن ذلك ضعفهم ، وتفوق غيرهم عليهم ، ولعله يذكرنا ضمنيا بمناهضة الخليفة العاشر " المتوكل على الله " للمعتزلة ولفئة من العلماء وحرقه لكتبهم . وتعرض مؤلفات ابن حزم لنفس المصير على يدى حكام الاندلس ، وغير ذلك مما جرى من بعد ، فى عصور الانحطاط الاسلامى . بل لعله يشير الى تلك الفتنة التى تعرض لها جمال الدين الافغاني عند وجوده بتركيا ، وبمناسبة القائه محاضرة فى فوائد الصناعة وضرورة ادراجها فى صلب التعليم ، التى كان من نتائجها ان وقف ضده شيخ الاسلام افندى فهمى واتهمه بالزندقة والكفر ، والب عليه العامة ولم يحمه لا السلطان ، ولا رئيس الوزراء اذ ذاك . فغادر البلاد كالفار بجلده في شهر مارس سنة 1870 . (13)
ولذا كانت دعوة رفاعة الطهطاوى الى تجديد التعليم وربطه بالتقنية ربطا وثيقا دعوة صارمة ، لم يكتف فيها بالخطبة البليغة او القصيدة الشعرية ، او المحاضرة المثيرة ، وانما الف فى هذا الغرض كتابين اثنين اولهما " المرشد الامين للبنات والبنين " وثانيهما " مناهج الالباب المصرية فى مباهج الاداب العصرية " . وكرسهما لقضية التربية والتعليم في مصر بل في العالم العربى والاسلامى وابرز اهمية التعجيل بتعليم التقنية للشباب الاسلامى ، واقتباس الوسائل العلمية الممدنة للامة بقطع النظر عن اختلاف المعتقد الديني بينها وبين الامة التى تقتبس عنها .
ولذا نجده لا يتردد فى التعبير عن اعجابه وانبهاره بمدرسة البوليتكنيك بفرنسا Ecole Polytechnique وكانه يدعو ضمنيا الى تبنيها والنسج على منوالها : ومن اشهر المدارس مدرسة بوليتقنيقا " بضم الباء وكسر اللام ... يعنى مدرسة كليات العلوم وفيها تدرس الرياضيات والطبيعيات لتربية مهندسين فى علم الجغرافيا يهندسون القناطر والارصفة والجسور
والخلجان ، وكل آلات الحيل ورفع الاثقال واما مهنوسو العلوم العسكرية فهم يهندسون القلاع والحصون والبروج ... وارباب هذه المدرسه محققون لهم باع فى سائر العلوم ، ويكفى فى فضل الانسان ان يكون من تلاميذها . " ( 14)
وهكذا نلاحظ ان القاسم المشترك بين اعلام التيار التربوى الثاني امثال محمود قبادو التونسى وجمال الدين الافغانى الهندى ورفاعة الطهطاوى المصرى هو التركيز على تعليم التقنية واحياء الصناعات وكشف المخترعات والسيطرة على الطبيعة واستغلال مواردها . الا ان الطهطاوى كان يلح على ملاءمة التربية والتعليم لاحوال الامة . ويقول فى هذا الصدد:
" لا بد ان تكون تربية الاولاد بحسب موافقة احوال الامة وطريقة ادارتها وأحكامها لينتقش فى افئدة الصبيان الاساسيات والاصول الحسنة الجارية فى اوطانهم . فمثلا اذا كانت طبيعة البلد المولود فيه الانسان عسكرية مائلة الى الحرب والضرب ، تكون تربية الذكور تابعة لذلك ... واذا كان البلد زراعيا أو تجاريا وما أشبه ذلك ، كان مدار التربية الصحيحة للاولاد مبنيا على ذلك . " (15)
وهكذا يكون الطهطاوى قد نبه منذ قرن تقريبا الى اهمية التوجيه والتوظيف فى النظام التربوى .
اما محمد اقبال الذى عاش ماساة الحرب العالمية الاولى وما نتج عنها من قتل لعشرة ملايين وجرح لعشرين مليونا ، من البشر ، وتزييف الكثير من الحدود بين البلدان ، والذي لمح تباشير الحرب العالمية الثانية ، والذى راي الوجه السىء لـــــــ " حضارة المعادن والتقنية " والذي امكن له ان يرى التناقص بين الايدولوجيات الغربية التى عوضت الدين ، فكارل ماركس Karl Marx يؤله البروليتاريا ، وسيقموند فرايد SIGMUND Freud يؤله غريزتى الجنس والعدوان ، ويعتبر الرجل مجرد طفل فى ثياب رجل ، وفريديريك نيتشة Friedrich Nieztche يؤله الانسان المتفوق SUPERMAN هذا الرجل المصلح الذى يتخلص من كل مركبات المغلوب ، ويعلن عن تمسكه بنزعة التوفيق بين العلم والدين ، يقول " وليس الخلاص اليوم لامة الاسلام فى تقليد الغرب ، فالغربى بمذهبه المادى سخر الطبيعة ، وسيطر عليها ، ولكنه ادرك من الحقيقة نوعا منها فقط ، ولذا هو شقي قلق مضطرب ، وانما
المسلم مطالب ان يفهم الاسلام فهما صحيحا يعيد اليه السيطرة على الواقع والطبيعة ويبعد عنه فى الوقت نفسه جفاف حياة الغربى وقلقه النفسي فيها ، ويجعله اكثر الماما بالحقيقة العلمية . " (16)
ويلتقى اليوم المربون التونسيون بمحمد اقبال فى تصور للنظام التربوى الاسلامى الجديد يكاد يكون واحدا ، حيث يقول البشير بن سلامة " ونحن في تونس قد آمنا بان الانسان اداتنا وغايتنا في آن واحد ، لابد لنا ان نتدبر امرنا لننحت التونسى ونربيه على هدى المبادىء الاسلامية الخالصة المصقولة بوهج العصر ، المتماشية مع أسمى القيم الانسانية والمتقدمة على ركب الرقي البشرى من دون تعصب او نكوص على الاعقاب . وان ثقتنا فى الاتجاه القويم الذى اقرته الحكومة التونسية بالنسبة لبرامج التربية القومية واوكلت تطبيقه الى الاستاذ محمد مزالي المؤمن المنادى به ليوازيه عزمنا جميعا على التفكير الجدى فى المحتوى الذى يجب ان نحدده بالنسبة لروح برامج التعليم وتفاصيلها حتى لا نحيد عن رسالتنا الحقيقية وهى تكوين التونسي تكوين عصريا لا يخرج عن حضارتنا العربية الاسلامية ، وديننا الحنيف ولغتنا الفصحى ، ولا اخال الا عزم المسلمين صحيحا . " ( 17 )
ويتأكد هذا الاتجاه التربوى مرة اخرى ، وعلى صعيد العالم العربي الاسلامي ، فى مؤتمر وزراء التربية العرب ، الذي انعقد سنة 1978 بمدينة الخرطوم ، تحت اشراف المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ، حيث ختم اعماله بتقرير ضخم وصفه الاستاذ السعودى حسن مجيد الدجيلي بانه وثيقة فلسفية مهمة تحدد الاستراتيجية التربوية المنشودة ، ومما جاء فى العنصر الاول لهذا التقرير ما يلى :
" ومن حيث ان الاسلام قد نظم حياة الانسان والمجتمع احسن تنظيم فلا بد والحالة هذه أن تستلهم التربية العربية أصوله ومبادئه لتطوير المجتمع العربى وتجديده (18) .
