إذا كانت كل نظرية من شأنها أن تؤلف بين جملة من المعطيات وأن تعمم النظر فيها بشرط أن تخضع كل عناصرها الى مقتضيات التجربة فان المجال النظرى فى المادة التاريخية هين من الوهلة الاولى ولكنه موطن زلوق هين لأن الاحداث السابقة فى تاريخ بلد ما يمكن تخليصها من الجزئيات وتنظيم عناصرها حسب نسق معين يوضح سيرورتها . وهو موطن زلوق لأنه وإن أخرج التاريخ من مرحلته البدائية الواصفة فقط الى ضرب من العلم المنهجى الصحيح المعمم فانه يستحيل معه أن يتنبأ الدارس بأحداث المستقبل الممكنة وبظروف وقوعها . فيبقى إذن المجال النظرى فى علم التاريخ مرتبطا بالعنصر الانسانى المتحول المتطور المفاجئ خلافا لعلوم الطبيعية القارة .
لذا فان هذا الضرب من النظر هو فى الواقع محاولة لتخليص المادة التاريخية من ضباب الاحداث ومن تشابكها وهو أكثر من ذلك حرص على جعل الحلقة الاخيرة من الاحداث التاريخية تتجاوب مع النسق المنهجى المضبوط مسبقا ومع المقدمات المنطقية الموضوعة ابتداء .
وإن الذى نعتزم الخوض فيه واقتحام أوعاره هو محاولة لضبط نظرية تعتمد التاريخ فى الكفاح التحريرى التونسى ثم العمل على التدليل على صحتها ومحاولة التنبؤ بما يمكن أن تفضى إليه فى المستقبل رغم الاستحالة الظاهرة
وهذه النظرية تقول بأن كل حركة تحريرية فى البلاد التونسية تعتمد نظرة مضبوطة الى تاريخ البلاد وبالتالى تصورا محددا للاستقلال من جهة والارتباط بمجموعة أوسع من جهة اخرى .
وإن مدلول عبارة حركة حركة تحريرية هو محاولة تخليص البلاد من هيمنة الاجنبى وقد بدأت فى تونس مع خير الدين ، ذلك ان الذى يتبادر الى الذهن
هو أن خير الدين مصلح قبل كل شئ وان عمله هذا قد سبق انتصاب الحماية سنة 1881 غير ان المتعمق يجد أن كل ما قام به هذا المصلح إنما هو خوف من آفة بدأت فى ذلك الوقت تهدد البلدان الاسلامية وهو تسلط الاوروبى على هذه البلدان وظهر ذلك فى أبشع صورة باحتلال الجزائر سنة 1830 . ومن الطبيعى ألا يعزب على مثل خير الدين الخطر المهدد لتونس بانتصاب الفرنسيين فى الجزائر . لهذا فان عمله وإن كان لا يعد من قبيل الحركة التحريرية بالضبط فانه صنو منها لأنه كان يعتقد أن نهضة البلاد وتمسكها بأسباب التقدم يحررها مسبقا من هيمنة الاجنبى ويعصمها من الوقوع فى هذه الآفة الجديدة . ولا يمكن بحال من الاحوال الا نربط حركة خير الدين بحركة الشباب التونسى فيما بعد وحركة الحزب الحر الدستورى قديمه وجديده بعد الحرب العالمية الاولى . لذا فان حلقة تكون مفقودة لو أننا اقتصرنا على الحركات التى أتت بعد انتصاب الحماية بينما منطلقها كان قبل ذلك
والشواهد ليست قليلة لتأييد هذا القول اذ نجد فى الطبعة الجديدة لكتاب أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك لخير الدين التونسى فى تحليل الدكتور المنصف الشنوفى ما يدل على ذلك إذ يقول : " فأصبحت تونس منطقة نفوذ فرنسى باعتبارها متاخمة للجزائر " ( 1 ) والجزائر فى تلك الفترة مستعمرة فرنسية ، ويقول خير الدين نفسه : " الافضل أن ندفع غاليا ثمن اقتراض نقترضه فى بلدنا ونحافظ بذلك على حريتنا من أن نربح بعض الفوائد المادية على حساب استقلالنا " ( 2 ) وهو خوف ظاهر بدأ ينتاب خير الدين من الجشع الذي لاح له فى مساعى الدول الاوروبية وخاصة فرنسا فاصلاح خير الدين ليس إلا كفاحا مسبقا لتحرير تونس مما يهددها "فعالج فى مقدمة أقوم المسالك مشاكل ثلاثا حاول أن يجد لها حلولا وهي ضرورة الاقتباس عن الغرب المتحضر مدعما ذلك بالحجج النقلية والعقلية ووجوب تغيير نظام الحكم المطلق السائد فى بلاد المسلمين على أساس إحياء القيم الاسلامية الخالدة وجعلها ملائمة للعصر مع الالحاح أن هذين الاصلاحين يرميان
الى غرض أسمى وأهم وهو ضرورة الخروج بالمجتمع العربى الاسلامى من مجتمع تقليدى متقادم مهدد بالانهيار والابتلاع من قبل الغرب المستعمر الى مجتمع رأسمالى عصرى أصيل " ( 3) .
لهذا فان القواعد التى ارتكز عليها الكفاح التحريرى فيما بعد موجودة فى تخوفات خير الدين مما يجعلنا ننطلق من هذه الفترة فى تحليلنا لهذا الموضوع .
هذا فيما يخص مدلول عبارة حركة تحريرية ومجالها أما عن نظرة كل حركة تحريرية الى تاريخ البلاد فمعناه أن زعماء هذه الحركات يتصورون تاريخ البلاد التونسية حسب منظار خاص ويحاولون ربط عملهم السياسى بصورة عامة بهذه النظرة . وبعبارة أوضح فان لكل من هؤلاء فهما خاصا لتاريخ تونس يجعلهم يختارون منهاجهم السياسى ويكيفونه بحسبه والذى يهمنا من كل هذا هو التخريجة الثانية من النظرية القائلة بأن هناك تصورا مضبوطا للاستقلال من جهة وارتباطا بمجموعة اوسع من جهة اخرى
وهذه المسألة هى عين المشكل بالنسبة لجميع البلدان التى تنتمى الى الحضارة العربية الاسلامية فمنهم من يرى أن " الاسلام .... رابطة مقدسة تصغر أمامها الروابط كلها ودعا الناس لاتباعه ليكونوا أمة واحدة تجمعها وحدة الاعتقاد والتفكير والعمل الصالح حتى يستتب للمسلمين إقامة هذه الجامعة فلا تخترقها جامعة أخرى تثلمها " ( 4 ) وقبله تمسكت النخبة والمسلمون بصفة عامة بالخلافة سواء كانت صحابية أو أموية أو عباسية أو فاطمية أو عثمانية ومنهم من رأى ان الجامعة الاسلامية ورمزها الخلافة بدأت فى وقت من الاوقات تتصدع إذ انتابها الضعف ونخرتها العلة فبحث عن جامعة أخرى يلتقى فيها الدين لا محالة ولكن أساسها اللغة والجنس بالمعنى الواسع للكلمة فكانت الجامعة العربية وظهرت أولا فى اجتماع كلمة مجموعة من البلاد العربية ضد الخلافة العثمانية ثم فى قيام هيكل الجامعة العربية نفسه ثم فى ظهور فكرة القومية العربية وبالتالى الوحدة العربية المتمثلة فى الأمة
العربية بالمعنى الاسلامى للامة من حيث الترابط والتآخى ووحدة المصير حتى اصبحت هذه الدعوة فى وقت من الاوقات تناهض فكرة الامة الاسلامية والجامعة الاسلامية وتعتبر أن الامة العربية هى الاصل وإنما الاسلام فرع واجتماع المسلمين حول هذا الدين فى فترة معينة قد انتهى أمره
ويقابل هؤلاء منذ بدء التاريخ العربى الاسلامى من يحقر من شأن العرب ولا يفضلهم على العجم وهى نزعة عرفت تحت شعار الشعوبية ظهرت فى الشرق العربى وفي المغرب العربى كذلك . وفى الواقع فان الاسلام بتعاليمه السمحة وبما أشاعه بين الشعوب من التسامح والتساوى قد جرأ الشعوب على ألا ترضى بأى تسلط مهما كان سواء من العنصر العربى الذى كان متفوقا أو غيره حتى أنه يمكن القول بأن الاسلام شجع فى الواقع على بناء الوطنيات ( ٥ ) . وليس من الغريب أن نجد مثلا ابن خلدون يقول عند استعراض الدول التى قامت فى إفريقية و " ذهبت ريح العرب ودولتهم من إفريقية فلم يكن لهم بعد دولة الى هذا العهد وصار الملك للبربر وقبائلهم يتداولونه طائفة بعد أخرى وجيلا بعد آخر تارة يدعون الى الأمويين الخلفاء بالأندلس وتارة الى الهاشميين من بنى العباس وبني الحسن ثم استقلوا بالدعوة لأنفسهم آخرا " وهذا يدل على ما فى أنفس أهل هذه الديار من رغبة فى الاستقلال بالحكم لأنفسهم منذ القدم
والواقع أن الامر عند عامة المسلمين أعقد من هذا إذ أن أغلبهم يسوى بين عبارتى مسلم وعربى حتى أن معظم البربر تعربوا واتخذوا لأنفسهم أنسابا عربية . لهذا فان الاشكال فى هذا الموضوع بين وليس من غرضنا هنا الامعان فى تقصيه لكن الذى يهم هو أن فى نفس كل أهل هذه البلاد ثنائية لا محالة تتمثل فى مظهرين اثنين متناقضين من أول وهلة : حب التحكم فى المصير والاستقلال بالامر باعتبار الانتساب الى وطن معين سواء كان تونس أو مصر أو غيرهما بدرجة أقل من جهة ، ومن جهة اخرى الشعور العميق بالانتماء الى مجموعة أوسع هى الأمة الاسلامية أولا ثم تكيف بحسب الظروف فأصبح الأمة العربية الى أن صار بالنسبة الى افريقيا الشمالية يشير الى كيان آخر هو المغرب العربى وتطور هذا الاتجاه فظهر القول بالوحدة العربية وبوحدة المغرب العربى الكبير
هذه كلها مظاهر لهذه الثنائية التى لم تجد توازنها طيلة الدهور والدهور اذ كثيرا ما تتغلب ظاهرة على اخرى وهو بالضبط هذا الذي في العزم تقصيه فى هذه الدراسة التى تتناول بالبحث الحركات التحريرية الهامة وهى حركة خير الدين التونسى وحركة الشباب التونسى وحركة الحزب الحر الدستورى القديم ثم بعده الجديد
وإن الغرض من هذا الموضوع هو أن أبين أن هذه الحركات كلها قد ارتكزت على جانب واحد من هذه الثنائية ولم توجد التوازن بين المظهرين بل كان الواحد يتفاقم على حساب الآخر فيكون الاختلال إلا فى حركة واحدة نجحت نجاحا لا مثيل له وهى حركة الحزب الحر الدستورى الجديد التى استنبط لها قواعدها وضبط خطتها الحبيب بورقيبية .
فى العدد القادم سأتتناول بالدرس هذه الحركات كلها من الوجهة التى حددتها اى ان كل حركة تحريرية فى البلاد التونسية تعتمد نظرة مضبوطة الى تاريخ البلاد وبالتالى تصورا محددا للاستقلال من جهة والارتباط بمجموعة أوسع من جهة اخرى ( يتبع )

