الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

النظرية التاريخية, فى الكفاح التحريري التونسي

Share

- 2 - فى الفصل السابق ( * ) حددت مدلول نظريتى القائلة بأن كل حركة تحريرية فى البلاد التونسية تعتمد نظرة مضبوطة الى تاريخ البلاد وبالتالى تصورا محددا للاستقلال من جهة والارتباط بمجموعة أوسع من جهة أخرى وبينت العناصر التى تقوم عليها هذه النظرية . وفى هذه المرة سأحاول النظر فى مدى صحتها عند تسليطها على حركة خير الدين التونسى

ولذا فان البحث يقتضى تجزئة هذا التحليل الى عناصر أربعة : ضبط الثنائية الموجودة عند خير الدين ثم تحديد تصوره لتاريخ البلاد التونسية وأخيرا النظر فى فهمه لاستقلال تونس من جهة وارتباطها بمجموعة اوسع من جهة اخرى .

ثنائية خير الدين

إذا أنعمنا النظر فيما كتبه خير الدين وما صرح به فى مناسبات عديدة نجد هذه الثنائية بارزة بصورة أوضح عندما يقابل بين مفهومين وهما الدين والوطن . فيقول : " إذ الانسان ، ولو ساغ له المخاطرة بنفسه لمصلحة الوطن لا يسوغ له المخاطرة بديانته وهمته " ( 1 ) . وإذا كان ما يعنيه من كلمة وطن واضحا إذ يقصد بالذات هنا تونس فان كلمة ديانة تحتاج الى توضيح لأنها لا تقتصر فقط على الشعور الدينى البحت بل تتعداه الى ما ينجر عن ذلك من انعكاسات سياسية وارتباطات دولية

يقول خير الدين فى مناسبة أخرى لقنصل ألمانيا العام فى البلاد التونسية : " أنا بادىء ذى بدء مسلم وتونسى ولهذا فانى منشغل قبل كل شئ برفاهية الشعب المادية " ( 2 )

ويقول عنه القنصل العام نفسه : لا شك أن الوزير خير الدين ، خلافا لما كان عليه سلفه ، هو الرجل المقصود بالذات القادر على تمكين البلاد من الرفاهية المادية وكذلك مصالحها الروحية . . . . " ( 3 ) .

وليس من شك فى أن مصلحة الدين عنده أى إسلامه وكذلك مصالح البلاد الروحية متمثلة قبل كل شئ فيما يعطيه خير الدين من مفهوم للأمة الاسلامية ورمزها الحى ألا وهو الخلافة العثمانية وهو ما سنبينه فيما بعد .

فلقد حرص خير الدين طيلة أيام حكمه ، على أن يوفق بين واجبين واجب المحافظة على استقلال تونس فى حدود معينة ، وضمان رفاهية الشعب وواجب المحافظة أيضا على " حقوق تركيا فى تونس " ( 4 ) وهى حقوق دينية أولا وتاريخية ثانيا .

هذه الثنائية وجدت فى حكام الدول الاسلامية كلها التى قامت أثناء الخلافة الأموية والعباسية والفاطمية إذ يقول ابن خلدون : " وصار الملك للبربر وقبائلهم يتداولونه طائفة بعد أخرى وجيلا بعد آخر تارة يدعون الى الأمويين الخلفاء بالأندلس وتارة الى الهاشميين من بنى العباس وبنى الحسن " . وهى ظاهرة لم تغرس فى نفوس الحكام فقط بل كانت متغلغلة فى المسلمين كلهم وخاصة العرب منهم . وليس من الغريب أن يكتشف هذه الثنائية جاك بارك عندما يصف العربى بهذا الوصف وهو يعنى بالذات العربى الذى أثر فيه الاسلام وتشبع بالحضارة الاسلامية : " الانسان العربى الشمولى والذاتى ، العالمى والخصوصى (5) فالعربى له توق الى الشمول الذى أتاحه له الاسلام عندما ربط مصيره مع شعوب عديدة يتجاوب معها فى

إيمانها بدين واحد ويترابط معها فى مصالح عديدة اقتصادية وثقافية وله أيضا تشبث قوى بذاتيته فى انتسابه الى وطن معين

وإن الغريب فى الامر هو أن البربر عندما وصلوا فى آخر المطاف الى الاستقلال بالدعوة لانفسهم كما قال ابن خلدون لم يمنعهم ذلك من الوقوع تحت سيطرة الدولة العثمانية القوية المنيعة

وخير الدين الذى تربى فى تونس وتطبع بطباع أهلها وتغلغلت فى نفسه الحضارة العربية الاسلامية لم ينج من هذه الثنائية ويبقى يتأرجح بين نزعتين قويتين رجحت فيها بد لأي كفة الدين على الوطن وإن حرص خير الدين كل الحرص على ألا يفرط فى مصلحة الوطن بالصورة التى أملاها عليه ضميره ومعتقداته السياسية . وظاهر أنه لا يقحم مصالح الوطن فى الدين بل إن إسلامه يوجب عليه قبل كل شئ الوفاء للأمة الاسلامية أى لرمزها وهو الدولة العثمانية ثم يأتى فيما بعد وبصورة موازية وعلى حدة الوفاء للوطن الذى له عليه حقوق

تصور خير الدين لتاريخ البلاد التونسية

يعتقد خير الدين مثل كافة المسلمين أن الامبراطورية الاسلامية لم تزدهر ولم تهضم شعوبا كثيرة إلا باتباع تعاليم القرآن وان تشتت المسلمين وانقسامهم نشأ عن زيغ خلفاء الدولة العباسية الاخيرين عن التمسك بأحكام الدين الاسلامى وميلهم الى المحاباة ولولا قيام الامبراطورية العثمانية التى جمعت من جديد الممالك الاسلامية تحت لوائها لضاعت من يد المسلمين

هذه النظرة يبسطها خير الدين فى مذكراته ويشير اليها فى كتابه أقوم المسالك عندما يقول : " وبما نقلناه يعلم ما كان للأمة الاسلامية من نمو العمران وسعة الثروة والقوة الحربية الناشئة عن العدل واجتماع الكلمة وأخوة الممالك واتحادها فى السياسية " ( 6 ) .

ولكن تصور خير الدين لتاريخ تونس نجده مبسوطا بوضوح وببساطة

تدعو إلى الاستغراب فى مذكراته بالفرنسية يقول : " إن إفريقية كانت تارة بيد المسلمين وتارة خارجة عنهم . وكان من التقاليد المتبعة ، فى عهد الخلفاء أن يعهدوا بالولايات التى فتحت الى من ينوب عن سلالة الرسول الذين يقومون بالفتح أو الى من يعينهم الخليفة

" لهذا فان هارون الرشيد وهو من الخلفاء العظام ومن أكثرهم ، مهما يكن الامر ، حكمة وتبجيلا عهد بافريقية الى ابراهيم ابن الأغلب . ذلك أن هارون الرشيد عرف أثناء حكمه كيف يمسك بالولاة

" غير أن البلاد التونسية لم تدخل فى حوزة المسلمين نهائيا إلا فى الفترة التى طردوا فيها الاسبان ( وهو يقصد بالطبع الاتراك ) أى سنة 981 هجرى الموافق لسنة 1573 ميلادى ( يعلق المحققان لمذكرات خير الدين مشيرين الى أن سقوط حلق الوادى بيد الأتراك كان يوم 33 أوت 1575 ) .

" ويستخلص مما سبق تاريخيا ان البلدان الخاضعة للامبراطورية العثمانية أو الموالية لها Vassaux ليس فيها أسرة حاكمة تستمد من نسبها حقوقا مستقلة . بينما يستمد السلاطين سلطتهم وقوتهم الزمنية من تفويض إلاهى نقل اليهم عند مبايعتهم نوابا لمحمد وخلفاء له " . ( يعلق المحققان أن أول مبايعة تمت على يد آخر من بقى من سلالة الدولة العباسية ) ( 7 ) .

وليس أفصح من هذا العرض التاريخى وهو يبين اعتقاد خير الدين الراسخ ان البلاد التونسية لم يستقر امرها على يد المسلمين إلا بمجهود الأتراك وهى إذن تابعة لهم ولهم عليها حقوق وهي الى ذلك مرتبطة بالسلاطين الأتراك روحيا ودينيا نظرا للتفويض الالاهى الذى وصل اليهم وجعلهم خلفاء للرسول محمد .

وهذا الاعتقاد - سواء كان ناتجا عن جهل بتاريخ هذه البلاد أو هو ترديد للموقف السياسى الرسمى التركى الذى اصبح مسلما به فى الجماهير الشعبية يفسر الوجه الثانى فى الثنائية وهو الدين والاسلام

الارتباط بمجموعة أوسع وتصور خير الدين لاستقلال نونس

وليس معنى هذا سوى أن خير الدين فى مباشرته لمهامه السياسية على رأس الحكومة التونسية آنذاك كان يضع فى المقام الاول ديانته قبل وطنه إذ هو يتصور " المخاطرة بنفسه لمصلحة الوطن " ولكنه لا يسوغ له المخاطرة بديانته . واذا كانت هذه العبارة الاخيرة فى سياقها المذكور أشمل من أن تدل فقط على الناحية التى نفصل القول فيها إذ هى تضم الشعور الدينى البحت فهى تعنى أيضا عند خير الدين رمز الاسلام وحاميه وهى الدولة العثمانية وكل ما يترتب عن ذلك . فكان حافزه والمعدل لقراراته والمسطر لعمله فى ممارسة شؤون الدولة اعتقاده بأنه مسلم من جهة وتونسى من جهة اخرى

وليس أدل على ذلك من حادثة لها معناها وهو إصرار خير الدين لاعانة الامبراطورية العثمانية سنة 1876 فى حربها مع سربيا . ذلك أنه بالرغم عن تعلله بحالة البلاد المالية التى منعته من ارسال الجيوش فانه " بادر باظها تأييده للقضية العثمانية وفتح فى البلاد اكتتابا جمع له ثلاثة ملايين من الريالات وسمح بارسال البغال والخيل والتجهيزات الى القسطنطينية ( 8 ) " مما جر القنصل الفرنسى روستان الى الكتابة فى إحدى رسائله : " إن خير الدين لا ينى يظهر ولاءه ( الى الدولة العثمانية ) . فقد تجاوز كل ولاة الامبراطورية - والمسألة مسألة تعصب لا يزحزحه عنه كل الاعتبارات السياسية " .

ولا تفوت الاشارة إلى أنه رغم اعتراض القناصل فى مواصلة هذه السياسة ومناوأة حاشية الباى لخير الدين فى هذا الباب فان نجاح الوزير الأكبر فى الاكتتاب والصدى الذى وجده فى الجماهير يدل على أن هذا الاعتقاد كان سائدا وأن أصل خير الدين لا دخل له فى هذا الموضوع .

على كل فان هذا التعصب الذى وجده " روستان " فى خير الدين يعلله الوزير الاكبر التونسى سياسيا ، ولعله يريد التهرب نوعا ما من هذه التهمة فيدعو " الى المحافظة على استقلال تونس بالصورة التى ضبطها فرمان 1876

ويقول : " إن ولاء تونس ( إلى العثمانيين ) ضمان لاستقلالها ، إذ ما دامت الامبراطورية العثمانية قائمة الذات فان الدول التابعة لها أو المعترفة بولائها نحوها لا تخشى شيئا لأن وجودها يمس بالمسألة الشرقية ثم إنه لو فرضنا أن الامبراطورية التركية سينالها تحوير يوما ما فانه ليس هناك ما يشعر بأنه من المفيد أو من الواجب على أوروبا إدخال تغييرات على البلاد التونسية " ( 10 )

فمن الواضح إذن أن هذا التعليل السياسى المرتكز على شعور دينى يؤمن بانتساب تونس الى الأمة الاسلامية من شأنه أن يربط البلاد بالدولة العثمانية ويجعل حدودا لاستقلالها ويتضح أكثر فى ما كتبه خير الدين فى مذكراته عندما مال الباى الى رفض طلب الباب العالى إذ يقول : " ولكنى ، وأنا المدافع الدفاع المستمر عن حقوق لا جدال فيها تملكها الامبراطورية العثمانية نحو تونس والمقتنع بهذا والمتيقن من الضمانات التى تخولها هذه الحقوق للايالة لا يمكن لى بعد أن كنت الأداة الفعالة فى التقارب السعيد الذى اقره فرمان سنة 1288 أن أرضى فى وزارتى بمثل هذا الصنيع المنافى للعدالة ولمشاعرى الدينية وكذلك لمعتقداتى السياسية " ( 11 )

وهكذا فان إلحاحى فى إيراد ما كتبه أو أمر بكتابته خير الدين حرفيا فى هذا الباب مرده الى أننى أريد أن أبين هذه الثنائية وأن أضبط حدودها لأنها ستتلون فيما بعد وتأخذ أشكالا أخرى فى الحركات السياسية المتوالية سواء حركة الشباب التونسى أو الحزب الحر الدستورى . لأن مثل هذه المسألة قد حف بها كثير من الغموض ومن العموميات واستخدمت لأغراض شتى ولم يتسن الخروج بها من الفوضى والغوغائية والانتهازية إلا مع حركة الحزب الجديد ولأن ابعادها وانعكاساتها ما زالت ظاهرة للعيان من حين الى آخر

وإن خير الدين يمضى الى أكثر من هذا فى تحديد استقلال تونس فيقول : " وإذا سلمنا ، خلافا لذلك ، بأن الايالة مستقلة تماما وانها غير تابعة لأية دولة عظمى فانها لا تعدو أن تكون مجموعة ضعيفة من البشر ، تعد مليونين من السكان وفى وضع جغرافى يعرضها بسهولة الى الاستيلاء من طرف أية دولة أوروبية " . * * *

لهذا فان الخطر الذى يهدد تونس عند خير الدين هو الاستيلاء عليها من طرف دولة أوروبية وأنها عندما تبقى مرتبطة أشد الارتباط بالدولة العثمانية فذلك هو الضامن لاستقلالها ، إذ الاستقلال عند خير الدين معناه العمل لمصلحة الوطن للحاق بمستوى الدول الاوروبية والبقاء فى البوتقة العثمانية أى بصورة أوضح المحافظة على وضع تونس كبلاد تعد جزءا من الأمة الاسلامية .

وهو تصور معروف سارت عليه الممالك الاسلامية منذ القديم غير أن الجديد عند خير الدين هو إبرازه هذه الثنائية بصورة أوضح لأنه ، إذا كانا الوجه الأول منها وهو الاسلام والارتباط بالأمة الاسلامية معروفا فان الوجه الثانى وهو التعلق بالوطن كتونس يمكن اعتباره عنصرا جديدا إذ فى القديم كان التركيز يصرف دائما الى المحافظة على الملك من دون ربطه ربطا كبيرا بالرقعة التى انتصب فيها ذلك الملك . بل نجد هنا أن الملك أصبح طرفا ثالثا

وخلاصة القول فان وطنية من نوع جديد برزت مع خيرالدين وهو هذا الذى جعلنا نجد عمله بداية فى سيرورة الحركة التحريرية وانه لا يمكن لرجل فى مستوى خير الدين أخلاقا ودينا واطلاعا على السياسة أن يكون سلوكه فى ذلك الوقت غير السلوك الذى سلكه ، خاصة وأن خير الدين الذى احتك بأوروبا وعرف تقدم الغرب أحس أكثر من غيره بهذه الثنائية وكيفها على حسب ما يمليه عليه الواجب باعتباره مسلما اولا وتونسيا ثانيا

يتبع

اشترك في نشرتنا البريدية