بلادنا أرض الحضارة ... بزغت شمس الحضارة فيها منذ عصور سحيقة وتنغمس جذور الحضارة فى بلادنا من أعمق عهود ما قبل التاريخ . ولنا عن هذه الفترة البدائية شهادات أثرية تشير الى مجتمعات منظمة نظاما محكما فى شتى الميادين ، لا سيما فى دنيا الاقتصاد . ويرجح أن المجتمع كان يخضع فى تلك العصور الغابرة الى نظم عائلية حيث تكون العائلة وحدة سياسية واقتصادية واجتماعية . ولا شك انه ينبغى أن نفهم لفظة (( العائلة )) فى معناها الفسيح ، فشؤون العائلة يسوسها ويسمى عليها أكبر العائلة سنا من الرجال ، يسوسها طبقا لمجموعة من العادات والتقاليد والمعتقدات التى أقرتها العائلة على مر السنين .
على أن هذه النظم البدائية تطورت وانفتحت حلقة العائلة الى مجموعة من العائلات حتى نسجت القبيلة . ولا شك أن القبيلة كانت لها نظم سياسية واقتصادية واجتماعية تختلف عن التى كانت تخضع اليها العائلة وهو اختلاف ناشىء عن اختلاف مشاكل القبيلة بالنسبة الى مشاكل العائلة . وقد يكون ذلك الاختلاف كما وقد يكون كيفا .
على أن اصداء بلغتنا فى كتب القدماء من يونان ورومان تثبت أن القبائل اللوبية التى كانت تقطن بالسواحل التونسية لها نظم سياسية واقتصادية متطورة حيث يتحدث المؤرخون القدامى عن ملوك أفارقة كالذى عرف باسم يرباص (Jarbas) ، وكان متبوئا عرش القبائل اللوبية لما أقبلت أميرة فنيقية عبر البحر من شواطئ لبنان العطرة الى شواطئ تونس المقدسة : حلت عليسة ورفاقها بأرض بلادنا وأسست مدينة قرطاج . وسرعان ما عظم شأن هذه المدينة حتى كان لها من القوة والسلطان ما جعلها تسيطر على القلوب وتتسلط بحضارتها على مياه غربى البحر الأبيض المتوسط ، كما تشهد بذلك نصوص القدماء يونانية كانت أو رومانية . وتغنى بقرطاج وبأميرتها وبالأيدى التى شاركت فى تشييد قرطاج الشاعر فيرجيل (Virgile) وهو أعظم شعراء
رومة وأطولهم نفسا فى عهد الامبراطور أوغستوس ( Auguste ) وكان هذا الشاعر الرومانى محبوبا بين الأفارقة لأنه تغنى بما كانوا اليه يحنون .
تعلق اسم الأميرة عليسة باسم مدينة قرطاج حتى ذهب فى اعتقاد بعض المؤرخين أنها كانت تخضع لنظام ملكى . كانت على حد قولهم تعيش فى بداية أمرها تحت صولجان عليسة كما تشير اليه أساطير الأولين . وقد خلف عليسة على عرش قرطاج ملوك آخرون كما قد تتضمنه الألقاب المنسوبة لأولى الأمر فى المدينة . تلقيهم النصوص اليونانية بلقب (( بازيلاس )) ( Basileus ) وتلقبهم النصوص الرومانية بلقب (( راكس )) ( rex ) وكلا اللقبين يعنى (( الملك )) . ورأى بعض المؤرخين أن هذه الألقاب تشير الى نظام ملكى بقرطاج . وكادت هذه النظرية تفوز باجماع الباحثين فى حقل النظم البونيقية . ومن الذين يدافعون عن هذه النظرية القائلة بوجود نظام ملكى بقرطاج تجدر الاشارة الى الأستاذ الفرنسي جلبار بكار ( Gilbert Picard ) . فقد تعرض هذا المؤرخ الى احد نصوص القدامى جاء فيه أن قائدا بونيقيا يدعى (( مالكوس )) ( حسب الصيغة التى وردت فى النص الرومانى ) توجه الى جزيرة سردانيا على رأس جيش قرطاجى قصد إخماد ثورة نظمتها القبائل النوراجية ، ولكنه تجرع كأس الهزيمة ، وعاد خائبا الى وطنه ، ويضيف النص الرومانى أن القائد (( مالكوس )) حاصر مدينة قرطاج وأمله أن يدخلها بجيشه ويتسلط على الحكم فيها لكن المدينة أغلقت أبوابها فى وجهه وكانت الخيبة نصيب القائد .
فالمهم بالنسبة الى دراستنا هو اسم هذا القائد . فقد كان يسمى حسب النص الرومانى (( مالكوس )) فلاحظ المؤرخ الفرنسى جلبار بكار (Gilbert picard) أن اسم القائد يتركب من عنصرين مختلفين ، أو قل من عنصر بونيقى ألحق به الرومان صيغة لاتينية . أما العنصر البونيقى فهو يتركب من أحرف (( م - ل - ك )) ومن ذلك استنتج المؤرخ الفرنسى أن القائد البونيقى المنهزم بجزيرة سردانيا كان فى الحقيقة ملكا من ملوك قرطاج . ففي اسم (( مالكوس )) إشارة الى لقب القائد . أما اسمه الحقيقى فلم تحتفظ به النصوص القديمة . فهي في نظر جليار بكار ( Gilbert Picard ) شهادة صريحة تتعلق بوجود النظام الملكى فى قرطاج . إنه لتحليل طريف مغر ، ولكنه فى الامكان أن نفسر اسم (( مالكوس )) تفسيرا يختلف عن الذى يراه الأستاذ بكار ؛ لأن البونيقيين كانوا يعرفون الأسماء المختصرة . ومثل ذلك قولك (( يا عزيز )) عوض (( يا عبد العزيز )) فعزيز هنا هو اسم مختصر . فبالنسبة لمالكوس تجدر الاشارة إلى اسماء بونيقية عديدة نجد فيها عنصر (( ملك )) منها مثالا
ملكيتون ( Malayathon ) ويعنى (( عطية الملك )) والملك هنا هو الاله . قلنا إن البونيقيين كانوا يختصرون الأعلام فعوض (( ملكيتون )) قالوا (( ملك )) وهذا العلم البونيقى المختصر أصبح فى لسان الرومان (( مالكوس )) باضافة صيغة الأعلام الرومانية الى العلم البونيقى .
فتفسيرنا لاسم (( مالكوس )) يبرز أنه لا يشير حتما الى نظام ملكى ويمكن أن نعتبر (( مالكوس )) هو اسم القائد البونيقى الحقيقى ولا علاقة له بوظيفته السياسية . والثابت أن النقائش البونيقية التى أزيح عنها الغطاء حتى يومنا هذا ليس فيها ما قد يشير الى معنى الملكية . ولا أثر فيها للفظة "(( ملك )) فى معناها السياسى الزمنى .
ولكن النقائش البونيقية تثبت قطعيا أن نظام الحكم بقرطاج كانت تسيطر عليه أقلية من أهل المجد والثراء . لقد كان نظامها جمهوريا بالنسبة لتلك الاقلية المحظوظة ولا وزن إذ ذاك للطبقات الشعبية الكادحة . فكان مصير المدينة بين أيدى كبار التجار والفلاحين . أما العملة وصغار الصناع فلا تتعدى مشاركتهم فى الحكم حدود التزكية ، ولم يكن ذلك إلا فى ظروف استثنائية تهب فيها القوات الشعبية وتجهد فى التسلط على الوضع . وقد يشجعها بعضهم من ذوى الطموح ، ولكن النصوص القديمة تثبت أن الطبقات الشعبية لم تكن يسيرة الانقياد . (( ويظهر أن الفتن كانت كثيرة نسبيا ولكنها لم تسفر مع ذلك عن ثورات فلم تلق محاولات الاستبداد بالحكم - كتلك التى قام بها حنون الأكبر فى أواسط القرن الرابع - التأييد الشعبى الذى كان من شأنه أن يضمن لها النجاح )) (I) .
وتشهد النقائش البونيقية والنصوص اليونانية الرومانية أن نظام الحكم بقرطاج كان يتميز بتفريق السلط . فكانت السلطة التشريعية تنبثق مما تسميه النصوص الأدبية بمجلس الشيوخ ، ولكنه ليس فى إمكاننا الى حد اليوم معرفة عدد أعضاء هذا المجلس ، كما نجهل الشروط التى ينبغى أن تتوفر فى المترشح لعضوية مجلس الشيوخ . ومن المرجح أن يكون هذا المجلس التشريعى وقفا على بعض العائلات البونيقية العريقة فى المجد والثراء . لقد تساعدنا النصوص اليونانية الرومانية على حضور بعض جلسات عمل مع
شيوخ قرطاج . ويعود لمجلس الشيوخ النظر فى شؤون المدينة جميعها سياسية كانت أو اقتصادية وله النظر فى الشؤون الحربية والمعاهدات . ومجلس شيوخ قرطاج هو الذي يعين القضاة ، وإليهم تعود السلطة التنفيذية .
وقد يشارك الشعب البونيقى فى السياسة التشريعية وفي ضبط قوانين المدينة . لكن مساهمته فى هذا الميدان تكاد - كما قلنا - لا تتجاوز حدود التزكية مع الملاحظ أن نفوذ الشعب البونيقى - قد يتضخم فى الظروف الاستثنائية كالأزمات الاقتصادية والحروب وغيرها مما قد يخل بالنظام والتوازن ويبدو أن نفوذ القوى الشعبية قد ازداد فعلا فى القرون الأخيرة من حياة قرطاج أى خلال الحروب البونيقية الثلاثة حيث أصبحت الطبقات الشعبية تضغط على توجيه الحياة السياسية والشؤون العسكرية . وأصبح للشعب البونيقى حق النظر فى تعيين القضاة . فكان عبد ملقرط البرقى وابنه حنبعل يستمدان قوة من الشعب القرطاجى ومن الجيش . وفى نهاية الحرب البونيقية الثانية عاد حنبعل الى قرطاج حيث قلدته الطبقات الشعبية مهام الحكم واستطاع مقاومة الأقلية التى كانت لا تفكر إلا فى مصالحها . كذلك اصطدمت السلطة التنفيذية بالسلطة التشريعية فى مستوى مجلس الشيوخ .
ونحن نعرف أن السلطة التنفيذية كانت بأيدى السبطين . والسبط هو القاضى فى لغة بنى كنعان . وكان - حسب النظم السياسية البونيقية - لأعضاء مجلس الشيوخ حق انتخاب شافطين اثنين لمدة سنة واحدة ، وكان لهم نفوذ عظيم ؛ فاليهما تعود رئاسة مجلس الشيوخ وإدارة المداولات به . وهما اللذان يسهران على تنفيذ ما قد يصدره مجلس الشيوخ من مقررات فى شتى الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية . ويبدو أن قيادة الجيش البونيقى كانت مناطة بعهدة الشافطين فى القرون الاولى عن حياة قرطاج ثم انتزعت منهما وأصبحت تمنح الى من برهنوا على حذق وحنكة فى الميدان العسكرى .
تلك نظرية تقدم بها الاستاذ جلبار بكار فى عدد من دراساته المتعلقة بالنظم البونيقية . ولنا فى كتب القدماء شهادات قد تثبت صحة هاته النظرية .
ومما لا شك فيه أيضا أن البونيقيين كانوا يكرهون الحكم الفردى وقد حكموا بقساوة على الذين حاولوا التسلط على الحكم والانفراد به . لكن النظام السياسى فى بلادنا - أيام قرطاج - لم يتصف بالديموقراطية الحق بل كان أمر المدينة شورى بين أقلية محظوظة عرفت كيف تنفرد بالحكم قرونا طويلة . وكانت
تنفر من الطبقات الشعبية التى كثيرا ما تكون ميالة فى الغلو والفوضى ( وفى نظر الأقلية الحاكمة ) . وعلى كل فروح الديموقراطية تبدو عريقة فى تونس ، ولم يقبل الشعب القرطاجى على مساندة الذين خامرتهم مطامح الاستبداد بالحكم ؛ فكانت الهزيمة من حظهم وبئس المصير .
تلك هى النظم السياسية التى عاشتها قرطاج الى أن دخلها (( شبيون )) يقود كتائبه ، فانهالت على المدن البونيقية نهبا وتخريبا . لقد حطم الرومان قرطاج وتسلطوا على الارض التونسية التى كانت تعيش تحت ظل الحضارة اليونيقية ، وأصبحت بلادنا تخضع لسلطان رومة وقوانينها . وكانت ولاية افريقية العتيقة يسوس شؤونها وال تعينه رومة مباشرة ليسهر على مصالح الرومان بالديار الافريقية . كانت إذ ذاك مدينة أوتيك عاصمة الولاية وكان يقيم بها الوالى الرومانى ومنها يصدر أوامره ويراقب تنفيذها .
ودامت هذه الحال الى أن نبض قلب قرطاج من جديد إذ أمر قيصر بتشييد مدينة رومانية على أطلال المدينة البونيقية وانقاضها . فكانت قرطاج الرومانية وغدت عاصمة الولاية يقيم بها الحاكم الرومانى لمدة سنة واحدة . وكانت قرطاج تتهيأ فى شهر جويلية من كل سنة وترتدى أحسن حللها لقبول الحاكم الجديد ، وكان للحاكم قصر جميل بقرطاج يقيم به صحبة أهله وذويه . وكان الحاكم يصطفى مساعديه من بين أصدقائه وأقاربه أحيانا ومن بين الأفارقة أحيانا أخرى ، على أنه يشترط أن يكونوا من الذين استوعبوا الحضارة الرومانية ولهم من الثروة ما يمكنهم من فرض أنفسهم على المجتمع .
فالوالى هو الذي يصل بين السلطات الرومانية والديار الافريقية التى باتت تخضع لسلطان الرومان ؛ وهو الذى يعمل على تنفيذ القوانين ويعمل حتى يكون الوضع بافريقية لا يتضارب والمصالح الرومانية . وهو الذى يمثل رومة فوق أرض وقع اكتساحها من طرف الجيوش الرومانية . ويعود للوالى النظر فى أمهات الامور سياسة كانت أو اقتصادية . وله القول الفصل فى القضاء . تراه يجوب الولاية مدينة تلو الاخرى للحكم بين الناس . وعلى المدينة أن تساعده على القيام بمهمته القضائية على أحسن وجه . وإن حل بمدينة تراه ينكب على شؤون بلديتها وينظر فى تصرفاتها ويراقب مدى احترام القوانين القيصرية فيها .
ومن مسؤوليات الوالى الرومانى أن يسهر على الاشغال العمومية فى نطاق الولاية كتعبيد الطرقات وتشييد الحنايا لجلب المياه . وتنجز هاته الأشغال العامة بمساعدة أعوان ثلاثة يقع اختيارهم غالبا من بين أقارب الوالى نفسه .
وفضلا على هذه المهام كان الوالى الرومانى يسهر على شؤون بيت المال فيعمل على جمع الأموال من ضرائب وغيرها . ولا تنفق الأموال إلا بأمر منه . فهى ولا شك مهمة عويصة يساعده قابض على القيام بها .
فليس لبلادنا - إذن - حياة سياسية عادية فى القرون التى رزحت فيها تحت نير القوانين الرومانية ، وكانت اذاك افريقية العتيقة ( وهى تونس الحالية كما ذكرنا ) أرضا مصيرها بين أيدى المكتسحين تخضع للسلط المركزية الكائنة بمدينة رومة . ويتجسم ذلك الخضوع فى تسمية وال رومانى يأتى الى قرطاج ليمثل قيصر فيها ويسهر على تنفيذ أوامره . أجل كانت بافريقية العتيقة اذاك طبقة من المحظوظين يتمتعون ببعض الحريات السياسية والامتيازات الاقتصادية غالبهم أتوا من البلاد الايطالية عن طريق الجيش أو التجارة ، ومنهم افارقة استوعبوا الحضارة الرومانية وقاموا بأعمال برهنت على اخلاصهم لرومة ومبادئها ولقيصر وصولجانه .
ولما اندثرت الامبراطورية الرومانية زحفت قبائل الوندال على بلادنا تحت قيادة (( جنسريك )) ( Genseric) الذى فتح قرطاج سنة 539 بعد ميلاد المسيح . واستوى على العرش يسوس البلاد إذ أصبح نظام الحكم فيها ملكيا لا يقرأ حسابا لأهل هذه الديار . وكان الملك إذ ذاك مصدر السلطات جميعها تشريعية كانت أو تنفيذية . فكان (( جنسريك )) ومن خلفه من أبنائه وأحفاده يحكمون حسب أهوائهم ومصالح عرشهم . وأصبحت الارض ومن عليها ملكا لهم بتصرفون فيها حسب مشيئتهم ، ولا فرق بين خزينة الدولة وخزينة الملك وكان للملك مساعدون منهم وزير أكبر وهو العضد الأيمن بالنسبة لملك الوندال . فكان الوزير الأكبر يترأس الديوان ويحرر الأوامر ، وتناط بعهدته أخطر المهام السياسية . وقد يكلفه الملك بالسهر على مجرى الأمور وتنفيذ القوانين .
وفيما يتعلق بالتشريع كان ملك الوندال يعتمد على ثلة من أصدقائه يجتمع بهم من حين الى آخر ويتشاور معهم فى شتى الميادين السياسية والاقتصادية حتى يكون محيطا بكل ما قد ييسر أو يعرقل تخطيط سياسته وتنفيذها . فكان أصدقاء الملك يجتمعون فى مجلس شورى وقد يستشيره الملك وقد لا يفعل .
أما أهل البلاد فكان الملك لا يشعر بوجودهم إلا عند استغلالهم وابتزاز أموالهم والقضاء على الثائرين منهم . ذاقت بلادنا الأمرين فى عهد الوندال الذين كانوا لا يفكرون إلا فى استغلالها وتفقيرها ، ولكن أهل هذه البلاد كانوا
يأبون الضيم ودوس الكرامة فباتوا يفكرون فى تحويل الوضع السياسى والاقتصادى ، فكانت الثورات العديدة وقد ارتدت ألوانا دينية : كان الوندال يدينون بالأريوسية وكانت الكنيسة الافريقية اذاك كاثوليكية ، فشبت نار الفتنة بين المجموعتين مما أضعف قوى الوندال وساهم فى تفكيك هياكلهم .
وما إن شعر الروم بضعف الوندال وعجزهم عن التسلط حتى أقبلت جيوشهم تحت قيادة (( بيليزار )) ( Belisaire ) وأرسى أسطولهم بالسواحل التونسية سنة 533م . واستولوا على قرطاج وأصبحت بلادنا ولاية بيزنطية سلط عليها ملك الروم حاكما عاما ذا نفوذ عظيم ، فهو الذى كان يصدر الاوامر المتعلقة بالشؤون الداخلية . على أنه كان يصدرها فى نطاق السياسة البيزنطية العامة . وهو الذى كان يدير أموال الدولة ويسهر على أموال الملك بافريقية . وكان يراقب الموظفين كما كان يقضى بين الناس ولا تقبل أحكامه الاستئناف . وكان حريصا على فض المشاكل الدينية . كان الحاكم العام - إذن - مصدر السلط التشريعية والتنفيذية وليس لاحد أن يراقبه سوى ملك الروم ، وفى تطبيق السياسة الداخلية كان يتخذ مساعدين علاقتهم به مباشرة لا يسألهم أحد سواه . وكان له ثلة من المستشارين يجمعهم من حين الى حين ينظر معهم فى المشاكل العدلية الخطيرة . ولعله كان يشاركهم فى درس بعض الشؤون السياسية .
فيبدو - اذن - من الواضح أن لا وجود فى بلادنا إذاك لحياة سياسية وليس لأهل البلاد أى تأثير سياسى ، بل كانوا لا يشاركون إلا بالخضوع أو بالثورة . وكثر عدد الغاضبين والثائرين على وضع يسوده القلق وعدم الاستقرار والطمأنينة حتى أقبل فرسان العرب وكبدوا جيش الروم هزيمة سبيطلة فى منتهى النصف الاول من القرن السابع ميلاديا وتواصلت الحملات حتى أصبحت بلادنا عربية اسلامية .
والظاهر بعد هذه البسطة الوجيزة أن بلادنا عرفت روح الديمقراطية وإن كانت نسبية فى عهد قرطاج . وكانت إذاك لبلادنا دولة لها كيانها ونظمها السياسية والادارية الأصيلة ، ولما دخل عليها الرومان تسلط قيصر بنفوذ المطلق . لكن الأفارقة عرفوا كيف يستغلون الأوضاع المساعدة ليشاركوا فى إدارة شؤون بلادهم بل تجاوز نفوذهم حدود تونس أحيانا . أما الوندال والروم فلم يتركوا لأهل البلاد حرية بل كان الجبروت والاستبداد حتى جاء الفتح الاسلامي واستعادت البلاد كيان دولتها .
