الاسلام دين ودولة ما في ذلك من شك ، ونحن يهمنا في هذا البحث ابراز جانب من جوانب الحياة العملية في الاسلام ونعني به موضوع التنظيمات المالية في نطاق الدولة الاسلامية .
المالية في الدولة الاسلامية
اعتبر الفقهاء المسلمون موضوع المالية (تنظيم الواردات والمصاريف) من الموضوعات الدينية وحجتهم في ذلك ان القرآن الكريم تعرض له في كثير من السور ولذلك فان هؤلاء الفقهاء كرسوا جهودهم للبحث والدراسة في علم المالية واصدروا تآليف كثيرة من مختلف اصناف المالية الاسلامية ولاسيما موضوع الجزئيات
المداخيل أو واردات بيت المال -
الواردات التى كانت تعود إلى بيت مال المسلمين كثيرة ومتعددة نذكر منها الغنيمة والفئ والزكاة والخراج والجزية والمكوس والمقاسمة ، ونحن باحثون بايجاز كل صنف .من هذه الاصناف
الغنيمة
كانت الغنيمة تشمل ما أسر من عتاد
وأموال ( عن الاسرى الذين يلقي عليهم القبض في ساحة القتال) وكذلك النسبي الذي يحتوى على النساء والاطفال والعجزة الدين لا يستطيعون المحاربة ، وكذلك الاراضى التى يستولى عليها المسلمون فى فتوحاتهم بعد ان يرفض اهاليها دفع الجزية وكذلك الاموال الاخرى مثل الذهب والماشية والمحاصيل . أما حكم الاسلام فى هذه الغنائم فقد ورد في القرآن العظيم ، قال تعالى : " واعلموا انما غنمتم من شىء فان لله خمسه وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل "
ومعنى ذلك ان خمس الغنيمة يدخل الى بيت مال المسلمين والاربعة الاخماس الباقية يتقاسمها المسلمون فيما بينهم .
الفئ
هو كل مال أحرزه المسلمون من غير قتال كالمال الذى يتركه المشركون والكفار بسبب فرارهم ، وعادة ، الفئ يقسم الى خمسة اقسام ، أربعة اقسام تنقسم بين الجيش ويشترى منها الحاكم العتاد والاسلحة لتجهيز المسلمين بكل ما يحتاج اليه لمواجهة اعداء الاسلام وفي عهد الفاروق عمر ابن الخطاب ( ض ) أمر أن يدخل الفئ كله الى بيت مال المسلمين ، وقد جاء فى كتاب الله المصون : " ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذى القربى واليتامي والمساكين وابن السبيل "
الزكاة
الزكاة قدر من المال يؤديه الاغنياء للفقراء مرة كل سنة وللزكاة حكم بالغة فى الاسلام
يمكن تفصيلها في بحث مستقل الان الشريعة الاسلامية أوجبت الزكاة على المال الذي يبلغ عشرين مثقالا ذهبا أو مائتي ٢٠٠ درهم فضة (١) وكل مال بلغ هذا النصاب ودار عليه الحول (٢) يفرض على مالكه الربع العشرى أى اثنين ونصف في المائة . .
وقد فرض الاسلام الزكاة على الماشية ولكن بشروط خاصة تختلف بحسب نوع الماشية وعمرها وهل ترعى في الخلاء أو فى اصطبلات معدة لرعيها ؟ لكن المواد المتاجر بها تكون خاضعة للزكاة دون أن يمر عليها الحول ، ونشير في الأخير الى ان الزكاة تقرض كذلك على المزروعات والمعادن والمواد الصناعية
الخراج
هو نوع من الضرائب التى عرفتها معظم دول العالم منذ الازمنة الغابرة ، ويقصد بالخراج الارض التى تكون في ملك السلطان فان الاشخاص الذين يتمتعون بها - ولو اشتروها بأموالهم الخاصة - انما اشتروا التمتع بغلاتها ولذلك وجب عليهم أن يدفعوا قدرا من المال مقابل هذا التمتع .
وقد اختلف الفقهاء في تحديد قدر الخراج فكل مذهب من المذاهب الاسلامية يقول بقدر معين ، ففي عهد الرسول الجليل والخلفاء الراشدين كان المسلمون كلما سيطروا على أرض قسموها فيما بينهم ، ولكن لما تولى عمر بن الخطاب أمور المسلمين وفتحت
الجيوش الاسلامية الشام ومصر وقرر ان تصبح جميع هذه الاراضى ملكا للدولة وسمح بأن تقسم وارداتها فقط بين المسلمين بحسب مرتبة كل مسلم وما قدمه من عمل للاسلام .
الجزية
الجزية ضريبة كانت تفرض على الذميين من يهود ونصارى الذين يريدون الاحتفاظ بدينهم في دار الاسلام ، وكانت الجزية تفرض على غير المسلم البالغ العاقل القادر بحسب طاقته وقد اختلف فقهاء الاسلام في تحديد قدر الجزية ، لكنهم اتفقوا جميعا على أن العجزة والاطفال والنساء لا يدفعون الجزية بالمرة .
والغرض من فرض الجزية على الذميين هو اشعارهم بوجود الدولة الاسلامية ، فاذا رضي أحد الذميين بها سقطت عنه الجزية لكن لا تسقط عليه الزكاة اذا كانت واجبة عليه .
المكوس
المكوس ومفردها المكس ضريبة من نوع الضرائب التى تفرض على التجار وهى تشبه الى حد ما في وقتنا هذا رسوم الجمارك . أما تحديد قدر هذه الضريبة فقد اختلف فيه لكن فقهاء المالكية أجمعوا على جعله ١٠ % أى العشر يدفع لبيت مال الدولة (٣)
المقاسمة
وضع عمر بن الخطاب رضي الله عنه نظام المقاسمة على أساس محاسبة الحكام وما اكتسبوه ومن أين اكتسبوا أموالهم وهو النظام المعروف في وقتنا الحاضر بقانون (من أين لك هذا ؟) أو (محاسبة الذمة للحاكم) فكان عمر بن الخطاب عندما يعين الوالي يحصى أمواله وكل ما يملك من ثروات . . وبعد مضى مدة على ولايته يحاسبه عمر حتى إذا وجد أمواله زادت على القدر المعروف عاقبه وحول أمواله الى بيت مال المسلمين ، ولكن مع كامل الاسف لم يبق لنظام المقاسمة مجال للتطبيق بعد حكم سيدنا عمر
وهناك نوع آخر من المقاسمة أقر على عهد الدولة العباسية أى مقاسمة الشعوب الاسلامية المحصولات الزراعية وقد طبق هذا النوع من المقاسمة في المغرب إلى أوائل النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبالضبط الى سنة ١٨٦٠ حيث منعت المقاسمة وعوضت بضريبة أخرى كانت خزينة الدولة فى حاجة اليها المواجهة المصاريف والنفقات التى كان تسيير الدولة يتوقف عليها .
الموازنة او الميزانية
كانت الدولة الاسلامية لا تعرف نظاما ماليا على شكل ما هو سائد الآن بشأن نظام الموازنة لكن ابتداء من عهد الدولة العباسية وبالضبط فى زمن الرشيد أدخل نظام الميزانية للدولة الاسلامية وقد بلغت الموازنة في عهده نحو ٢٤٠,٠٠,٠٠٠ درهم ودينارا وقد كان الدينار ذهبا والدرهم من الفضة وهذا المثال يدلنا على ها بلغت اليه الدولة الاسلامية فى التنظيم المالي من تقدم عظيم
