فى شارع ضيق من المدينة العتيقة خلف السور مباشرة امرأة تبحث عن دكان . العرق يتصبب من جبينها والدمع من عينيها . الحيرة تحرك رجليها والتعب يثقل قدميها . . فهى بين عدو ودببيب والشارع طويل كالسور والدكاكين مئات من مغاور وكهوف . ويدلها مار على دكان الشيخ مبروك فتقف امامه مترددة ثم تتشجع وتطرق الباب ، وتمر لحظات فيفتح الباب وتخرج امرأة عجوز متغضنة الجبين مقوسة الظهر
- " مالك يا امرأة ؛ - الشيخ ؟ الشيخ مبروك هنا ؟ - اى نعم . . اش حاجتك ؟ - بنتى . . بنتى تموت يا اختى . - ادخل "
وتفسح العجوز طريق البهو وتدخل فاطمة ويغلق الباب خلف المرآتين فى صرير مهول . وتقود العجوز فاطمة الى غرفة واسعة قليلة الاثاث مشوهة الحدران وتشير الى حصير ابلته الشمس والمطر واليات مئات الزائرات - " خوذ بقعتك واستنى دورك . "
وتنصرف العجوز وتجلس فاطمة على الحصير وتجيل النظر فى من حولها . نساء جالسات مثلها ينتظرن النوبة واجمات خاشعآت يحدقن فى باب الدكة كما لو كان باب الجنة وعلى وجوههن تأثير واحد كانما فكرة واحدة تجول في رؤوسهن . وتلبث فاطمة جامدة صامتة تحدق مثل كل النساء فى باب الصدر وكان يطول بها الحال لولا ان التفتت اليها جارتها وهمست فى اذنها سائلة :
- جيت للشيخ ياولية الله ؟
- اى نعم . . يا اختى - وانت . . باسم الله ومأشاء الله . . مريضة ؟ - المريضة بنيتى يا اختى - مسكينة . . وباش مريضة ؟
- لا يوريك ولا يفاجيك . . باسم الله علينا وعليهم . . " الصرعة من تحت يديهم "
سلمى فريسة لنوابات تتملكها فترغى وتزبد وتتشنج اطرافها وتتصلب ثم تغيب عن الوعى ، الجن والشياطين تركبها . عجز الطب تماما عن شفائها .
وتقص فاطمة على جارتها ما تعانيه وحيدتها من شر الجن والشياطين فى حديث طويل وتأتى نوبة الجارة فتنهض مسرعة وتلج باب الصدر لا تلوى على شئ وتبقى فاطمة تنتظر دورها .
فى بيت فاطمة سلمى البنت المعذبة مسجاة كعادتها فى سرير خشن تصارع الموت فى قعر غرفة مظلمة لا تعرف الشمس اركانها ولا يتخطى النور عتبتها . سلمى كخلق الثياب مسجاة ضاوية تضمنها الوحدة الى نفسها فتذوب كالشمعة فى سكون الليل . تنام لحظة ثم تستيقظ مذعورة باكية . انها تقضى كامل يومها فى هلس متواصل لا تقلع عنه حتى تعود اليه . ويطغى عليها السعال بين الفينة والفينة فتمزق شعرها واثوابها ثم تهدأ اعصابها وينقطع السعال فتظل هامدة مسجاة يتنازعها العرق والحمي عرق مثلج كالموت وحمي كانها الجحيم . وتبقى فى فراشها مدثرة ساكنة تستعرض فى ذهنها اشياء مبعثرة يبرز من بينها من حين الى حين وجه جميل او مشهد مروض مريح فتربطهما بفترة من شبابها وما شبابها ببعيد فاذا هى بين الاتراب تستعيد وجوههن وتدعوهن باسمائهن واحدة فهذه خديجة بنت السقاء رابح وهذه رقية بنت الخياطة حسناء وهذه حليمة وهذه بختة وهذه فضيلة . .
انههن يلعبن حول بئر القرية فى صخب عظيم . . لله ما اعذب العاب الطفولة . لكن سلمى مريضة . . الذكريات تعييها وصور مأضيها القريب تثقل رأسها فتدثر تحت ازوارها وتغمض عينيها تستدعى النوم تستهويه
في دكان الشيخ مبروك فاطمة لا تزال جالسة على الحصير المتغضن تنتظر دورها الى جانب من سبقها ومن تبعها من الزائرات . وتلتفت فاطمه الى احدى النساء وتصبح فى أنة عميقة مدوية
- آه . . يا وخياتى . . مصيبة . . مصيبتى عظمى وتجيب احدى النساء فى نفس اللهجة وكانما تشارك فاطمة مصيبتها - " آه . . ما يحس الجمرة كان اللى يعفس عليها . . يا حليلك يا اختى . . المصيبة عظمى ، وتردد امرأة اخرى
- والطباء . . هم يعرفوا حاجة . . ما خليت ما جربت . . يا دوايات يا دوايات . . لا شئ نفع ولا شفع . . اكثر شى من العسل الاسود والسمن البقرى وضمايد زراعة الكتان . ؟
وتتابع امرأة ثالثة :
- " حتى ينفع دواء السبيسارى ولا حربوشة الطبيب ؟ أهو كيف ما يقولوا الاولين : آخر طب الكى . على بالشيخ مبروك . . قالوا لى لا بعدو ولا قبلو يدو تجمد الماء .
الشيخ مبروك ولى القرية وصاحب " الاحجبة " التى لا تخيب والتمائم التى لا تفشل . مبروك رجل عصبى طويل القامة طويل الذقن بارزا الحدقتين قليل الكلام كثير اللهج بذكر الله والادعية المختلفة : حزب اللطيف ودلائل الخيرات وهو معروف بمحافظته على الدقة . . الدقة فى كل شىء . . فى حركاته
ومواقيته ومواعيده . يخرج من دكانه عند الفلق من كل يوم عدا يوم الجمعة - يوم الزيارة - اذ يستقبل مرضاه أو اولياءهم فى بيته واكثر زبائنه من النساء يستقبلهن ويحرق لهن البخور ويقضى معهن الساعات الطويلة فى عزلة كاملة . كان يضرب فى طول البلاد وعرضها ليشترى لهن ما يطلب الجن من البخور والتمائم والهدايا . فهذا ديك ابيض تحلى ذنبه نقطة حمراء وذاك خروف اسود له غرة بيضاء والنساء ينفقن وينفقن والجن لا تشبعه هدايا . ثم تشفى المرضى ، يشفون تماما ويصبحون متمتعين بالصحة والعافية وتتواصل الهدايا تقربا وجزاء . ساعد الله الشيخ مبروك على خدمة اهل القرية . . لولاه . . لولاه لما . . لكن كما يقولون : " المؤمن على بركة عظيمة . . والشيخ مبروك ولى صالح يتفانى فى خدمة البشر لوجه الله . . لا لشئ . . سوى لوجه اللة . " انه يقضى طول يومه بين ديار القرية يطبب ويدعو ويزرع فى قلوب الناس حب الناس وطاعة الحكام وان جار الحكام . . انه يدعو الى الصبر والاستكانة والقناعة ، ولاخلاقه الطيبة كان الناس يحترمونه ويجلونه حتى الحاكم الفرنسى كان يستدعيه بين الفينة والفنية إلى داره فيجالسه ويحادثه ويستنير بنوره ويهتدى بهداه . الشيخ مبروك حقيقة " شيخ معتبر . . كثر الله من امثاله "
كلما غابت الشمس رجع الشيخ مبروك الى دكانه خلف السور العتيق مثقلا بما جمعه من الحشائش والحشرات التى يشير اليها - كما يقول هو - كتاب الرحمة فى الطب والحكمة لداود ذلك الكتاب الذي لا يعرف محتواه واسراره احد غيره . وقيل ان جنيا شابا يقرأ له كل مساء أصول الطب ويلقنه علم داود لان شيخنا امى درويش . ما شاء الله خالق المحجزات ومؤتى الكرامات على يدى اوليائه الصالحين
يقولون ان الشيخ مبروك يصارع الموت بدواء الحياة . تأتيه المرضي من اقصاها الى اقصاها فلا يتركهم الا وقد سلب علاتهم وذهب يامراضهم والناس فى القرية لا يعرفون غيره مداويا فاذا اصابت العلة الواحد منهم ذهب الى الشيخ مبروك صاغرا مسلما ، مصدقا بعلمه وادويته مقتنعا بأوامره ونصائحه كل ما فى الشيخ مبروك يدعو الى الرهبة والجلال . كأن في ثيابه القذرة من الرقبة الى الاطراف أشبه ما يكون باليهودى التائه اسحاق الذى تحدث عنه اساطير الاولين لا يشبع من مشى ولا يملأ معدته اكل . ولنهمه هذا سماه بعض الخبثاء فى القرية " الشيخ دجاجة " ما اقبح قول السوء . الشيخ
مبروك الناحل الضاوى العظامى الذى يصوم دهره ويصلى كامل ليله تلصق به هكذا مثل هذه النعوت البذيئة سامح الله الجاحدين . . انهم سفهاء لا يعقلون . الشيخ مبروك خادم القوم منزه عن النقائص وهو فقير قانع بمصيره راض بفقره . الا يرتدى فى الصيف والشتاء على السواء ثوبا واحدا : جبة مشقوقة على طول جسده يسترسل تحتها على سراويله المشوهة العفنة قميص اسود بيضه العرق والغبار . الشيخ مبروك رجل صالح تغطى رأسه عمامة عريضة غير مفتولة وتحلى صدره ساعة ضخمة هى ادق ساعة فى القرية يقول انه اشتراها من مجاور فى مكة لان الشيخ مبروك حاج بيت الله ، كل مؤمن على بركة عظيمة ، ولساعة الشيخ مبروك هذه قصة طويلة كقصة المسبحة التى لا تفارق رقبته . الساعة . . خيطها اسود غليظ يطوق عنقه والمسبحة . . من حبوب الفول الحجازى تتمايل ذات اليمين وذات الشمال كرقاص الساعة على وقع خطواته المتئزنة الثقيلة
الناس فى القرية يشعرون نحوه بعاطفة غريبة يمتزج فيها الخوف بالتقديس والتطير بالتفاؤل . . كل ما فى الشيخ مبروك يدعو - فى الحقيقة - الى التفكير . . لكن من ذا الذى يستطيع ان يسير نفس الحاج فيعرف حقيقة ما يبدى وما يخفى . انه يمثل العلم والسحر والكرامة فى آن واحد وفوق كل هذا فهو الطبيب الشافى شرب من منهل علوم الجن حتى ارتوى وسلمه الله او الجن او الشياطين مفاتيح الحياة والموت فلا مرض يستعصى عليه ولا علة . الم يات المعجزات بارجاعه البصر للاعمى والسمع للاصم والحركة لليد المشلولة ؟ الم يصل علمه الى معالجة الكثير من الامراض التى حار فى معالجتها امهر الاطباء ؟ فهو يداوى الرض والتواء المفاصل وفك العظام وامراض العيون على اختلافها من جرب ورمد وغشاوة وغمص وشلالات
وطال الحديث بالنساء الجالسات امام باب الصدر على حصير البهو فاستفضن ينوهن بخصال الشيخ مبروك ويحدثن عن كراماته ومعجزاته وادارت فاطمة وجهها الى امرأة بجوارها وقالت
- كل مؤمن على بركة عظيمة . . الحمد لله . . الشيخ رحمة للعباد . يفرج الله على بنيتى . قالوا عليه ياسر . . لكن انا ما نصدق اللى ما نجرب وقاطعتها الجأرة فى حدة . .
- ما تشكش يا ولية . . تخاف على روحك باسم الله علينا وعليهم . . هذا شىء مجرب ما فيه شك . اكثرش منى انا . قبل ما حبلت بالوليد هذا كنت يبعد عليك الشر ما نضناش وقداش جرى فى لويلتى وقداش قاسيت . . ما خليت اش نعمل . والرويجل متاعى لا يوريك ولا يفاجيك رد لى عيشتى مرار . يبات ويصبح يقول : يا امراة ياما تحبل ياما امشى لوج لى على امرأة اخرى . حك لى فمى ربى يكافيه ويسأمحو . الله وحدو يعلم آش جرى فى . لاخليت دواء ما جربتوش . . وحياة راسك لا نفع ولافاد . حتى دلتنى جارتى يذكرك ويذكرها بالخير والخمير - توا ماتت . . كل مؤمن على بركة عظيمة . . وقالت لى : عليك وعلى الشيخ مبروك . . امشى لسطحة الجامع الكبير واسأل عليه . والله وخيتى خذيت برايها وما كذبت خير . لبست حرامي في ساعتو ومشيت نلوج على الشيخ . وما فات الشهر ونصف الشهر اللى بعدو حتى طلع على الشهر الصحيح . نحمدوه ونشكروه . . عندى توا اربعة والخامس فى بطنى . . مزية الشيخ ما ننساهاش
واقتنعت فاطمة بكرامات الشيخ وظلت تردد - ما شاء الله ما شاء الله . كل مؤمن على بركة عظيمة . وكانت تطول الجلسة لولا ان فتح باب الصدر وظهرت العجوز على عتبته واشارت الى فاطمة بالدخول : - دورك يا ولية
فنهضت فاطمة بسرعة وتبعت العجوز فى لهفة واغلق الباب وراءهما . وتمت الزيارة وخرجت فاطمة بعد ساعة مؤمنة بحكمة الشيخ مبروك . غدا يدخل الشفاء الى بيتها . لقد وافق الشيخ على مساعدتها وسيخرج الجنى من جسم سلمى مهما كلفه الامر
هكذا كان الشيخ مبروك يستقبل مرضاه او اولياءهم فى بيته . وكثيرا ما كانت تاتيه النساء العقم يرتدن مواليد يتقين بهم شر بعولتهن ويبعدن شبح الضرة الممقوت فكان الشيخ يستبقيهن فى بيته ليلة كاملة يقضيها في دعاء مستمر الى مطلع الفجر فاذا لم تكف الليلة ولم يجد الدعاء عدن اليه صاغرات لاهفات وبتن عنده ليالي عديدات الى ان يحصل الحمل بسلام . وكان الشيخ اذا سئل عن سر هذه القدرة الفائقة يرفع عينيه الى السماء مبتهلا خاشعا ويقول فى غير لجلجة ولا تردد " الله خالق كل شىء وليس يعسر على
الله شئ . . أطع الله وأطع اولياءه الصالحين . . " ويسكت الشيخ ويمضى السائل الى شأنه مقتنعا على كل حال بضرورة طاعة اولياء الله والشيخ مبروك بدون نزاع من الاولياء المقربين . الطاعة قبل كل شىء . . الطاعة العمياء والاستسلام التأم . . كان مبروك يفرض على مرضاه ان يثقوا بعلمه ومعرفته وان يعتقدوا فى الصلاح المنبعث من صدره . وكثيرا ما كان يقول : " إذا مت فليرحمني الله ويرحمكم . . بموتى يموت علم الفلك وعلم الاسماء والسميه وعلم الرمل والنصية وعلم داود صاحب النفحة الشاقية " وكان الشيخ يفرض على مرضاه ايضا استعمال كل ما يقدمه من ادوية على اختلافها من معجون آفيون ونبات سيكران ولعوق ودهان وشمشم و عسل ودفلى ونعنع وحشى ورمل وخل وتمائم وحروز . ومن يشق عصا طاعة الشيخ وهو درويش ابن درويش من سلالة دراويش يقدسه عامة الناس ويهابه ذوو الجاه والثراء ويحترمه الحكام لانه جمع بين علوم قل من يجمع بينها له قدم راسخة فى علوم الظاهر والباطن وهو الامر الناهى فى علم الجن والازواج وهو المتصل الدائم بآل باسم الله .
ولم يلبث شيخنا ان تطرق إلى بيت فاطمة ام سلمي المجنونة المعذبة . كان يدخل الى البيت جريا على عادته مطاطئ الراس يسلم فى غير مبالاة وفى تقاوة فائقة ثم ينحدر على سرير سلمى وتنحدر معه ملابسه الفضفاضة على اليمين وعلى الشمال ثم يرفع راسه الى السقف ويتمتم بآيات متقطعة غير مفهومة يجلس بعدها عند رأس المريضة ويأخذ يدها الناتئة بين يديه الفضتين بعد ان ينفث من ريقه ثلاث مرات على وجهها . ويمضى فى تمتمته الغريب ساعة من الزمن ثم يخرج من قفة كانت لا تفارقه فى غدوه ورواحه صحنا من خشب متغضن مكتوبا من داخله يقدمه الى فأطمة ويأمرها بان ترحضه بقليل من ماء الزهر ثم يعطى السائل العكر الى المريضة لتشربه فى سرعة كى لا تطير من الكأس النفحة الشافية . وكانت سلمى تذوق الوان العذاب في كل زيارة . كانت تكرهه فتطبق جفنيها وتدير وجهها عرض الحائط كى لا تراه جاثما عند رأسها كالشبح المخيف يشع الخبث والشعوذة من عينيه الحداقتين . وكان هو لا يأبه بذلك السخط فيمضى فى شغله صامتا دائبا يمر
حشائشه على وجهها ويلمس جسدها الفانى بيديه الغليظتين كما لو كان يريد ان يخلع عنها ثيابها ثم ينحدر على وجهها الملتهب ويفتح فاه البخر العريض فيندفع منه على اهدابها ووجنتيها ريح محرقة وريق كثير .
- يا رب . . جلت اسماؤك . . يا من جعلت لكل داء دواء ورسمت لكل علة شفاء . . انزع الداء من صدر هذه المجنونة التى قفلت صدرها في وجه كل دواء وابت ان تخضع للشفاء . يارب انزع الداء . اعتقدى يا بنيتي في الله وفى خدامه الطائعين وثقى . . ثقى بمفعول ندى الصبح وحشائش الارض وحشراتها يجب ان تثقى بى ليأتى شفاؤك على يدى . . اواضعة انت في شخصى الحقير كل ثقتك وكل ايمانك دعك من هذا الجنى الكافر الذى يذبل شبابك ويدنس جسدك . .
ولم تحرك سلمى ساكنا بل ظلت جامدة شاخصة فى وجهه وابتسامة ماكرة تعلو شفتيها واعاد المطبب اسئلته مرات متوالية وسلمى صامتة لا تحير جوابا بل ادارت وجهها عرض الحائط فاعرضت عنه .
وهنا اخرج الشيخ مبروك من قفته اوراقا يابسة من شجر التين كان قد رسم على صفحاتها خطوطا وارقاما وحروفا لا عربية ولا اعجمية هي اشبه شئ بكتابة الاطفال فى اول عهدهم بالكتابة ومد الاوراق اليابسة الى ام سلمي
- اطبخى هذه الاوراق المباركة . . علها . . علها . . ولم يتم كلامه اذ نظر إلى سلمى نظرة حملها كل شكه فى نجاح مسعاه الى خلاصها . وبكت الام ولطمت خديها وراحت تؤنب ابنتها فى قسوة . ولكن الشيخ اسكتها
- سأقضى الليلة عند رأسها . . الليلة وليالي اخرى اذا اقتضى الامر وكان ما أمر به الشيخ . ليال قضاها فى غرفة سلمى يدعو ويسهب في الدعاء وهى تصيح وتمعن فى الصياح والام حيرى تنتظر النفحة الشافية ودخل الشيخ يوما على فاطمة فوجدها تبكى ورفعت اليه عينيها الدامعتين متوسلة متسائلة فاتحنى عليها يسليها
- لا تبكى هكذا يا ولية الله . . الموت والحياة بيد الله خذي هذا الحجاب وعلقيه فى عنق المريضة بخيط احمر من الصوف . . شديه الى العنق شدا محكما . . فيه الفسوخ والشب والجنزار والعنتتروت ورمش عين الجان .
لا تياسى . . مرض ابنتك يطول اذا هى اصرت على جموحها وصلابتها . يظهر لى ان النفحة الشافية لا تمر بهذا البيت وانى لاشعر بقوة مضادة لقواى الروحية .
وسكت الشيخ لحظة ثم اخرج من قفته تميمة ثانية مدها الى ام سلمى :
- ادلكى عنقها كل صباح بقطعة من القماش الابيض مبللة بقطر الندى وضعى بعد ذلك من هذه الحشرات المباركة سبعا فى كل مرة فى قطعة القماش نفسها ثم اربطيها حول عنق المريضة ولا تنزعيها الا فى الغد الباكر فى نفس الوقت فاذا وجدت الحشرات سوداء كالفحم يابسة كالصخر فانها قد امتصت الداء وذهبت بالعلة الى غير رجعة . .
وعبثا بكت سلمى وتوسلت الى امها ان تقيها ذلك العذاب فقد اجبرتها امها فى صباح الغد ان تتحمل دبيب تلك الحشرات المؤذية القذرة . وباتت ليلتها تتخبط فى ديدانها مستغيئة محمومة . واستفحل بها الداء وعاودتها الرعشات فالقت بحشراتها الى الارض فى ثورة وجنون . وكادت الام ان تجن لمرأى عشرات الشيخ المباركة طرية لدنة صفراء لا يشوبها سواد
وقرر الشيخ فى ذلك اليوم ان يقرنها فى الاصفاد ففعل وكان يحمل عند دخوله الى البيت حزمة من الحشائش المقدسة امر ان يؤتى بها ثم راح يمر الحشائش الطرية المبللة على وجه سلمى فى عدم مبألاته المعهودة
- ليرحض اجدادى الصالحون بقطر ندى الربيع جسمك المحموم . . وليغسل روحك المدنسة دموع الرحمة من اجفان ملائكة السماء وليطهر نفسك العليلة المقيدة فى اصفاد الجنى الساكن بجسدك شذى ازهار اول الربيع ولتنعشك قبلات حشائش داود المبللة بقطر الندى المشبعة باشعة قمر أول الربيع .
وكان فى كل ترنيمة من ترنيماته يمر حشائشه النتنة على وجه سلمى وصدرها ويديها وهي تستغيث فى اضطراب شديد الى ان استنزف منها الجهد واغمى عليها ، وبات الشيخ عند رأسها الى ان طلع الفجر فغادر البيت لا يلوى على شئ . وكان صاحبه فى ذلك اليوم وقضى معه الليلة فتى كان الناس في القرية لا يعرفون له اسما ولا مأتى قيل انه ابن جنية افتكها الشيخ
من عقالها وعاش معها دهرا ثم ماتت انسية ودفنت بربض القرية . وكان الفتى ناقص عقل لقبه الناس لقبا غريبا " المتختخ " فلم يعرف له اسم غيره . وقيل عن هذا الفتى ايضا " ولد ناقص عقل عطف عليه الشيخ واسكنه معه يحضر له أكله وماءه وضوءه " . وكثيرا ما كان الفتى يهذى بكلام فارغ . . كلام غير مفهوم ولكن كثيرا ما كان يتنبأ . . انها قوة الشيخ مبروك وكرامة من كراماته . ومر الفتى فى ذلك اليوم امام عيادة الطبيب . . طبيب شاب طلع على القرية منذ سنة او تزيد . . من يدرى بالضبط متى نزل ذلك الطب الشاب بالقرية . . فلم يكن له زبائن ولم يخطر لاحد بالقرية ان يزور عيادته ولو مجرد زيارة خاطفة . مرضاه قلة لا تذكر وهو يعودهم فى بيوتهم كما يفعل الشيخ الغيرة تقتل هذا الطبيب الشاب والحسد . . الحسود لا يسود ابدا .
واستوقف الطبيب فى ذلك الصباح " المتختخ " وسأله عن حاله وعن الشيخ مبروك فاجاب انه فى طريقة الى الخباز وان الشيخ ينتظر اكلة الصباح . الليلة الماضية كانت ليلاء والمريضة جامحة عنيدة . ومد له الطبيب قطعة من الحلوى يستهويه ويسترويه وتمتم الفتى كعادته وطالت الوقفة . " الشيخ لا يريد لها الا الخير وهى لا تريد . . لو عملت بما يشير عليها لدخلت الجنة بعد موتها . . لكنها لا تريد . الشيخ يقول ان بظهرها ألما وهي ترفض ان تنام على ظهرها وان تسمح له بان يرقد بجانبها ليحميها من الجني الكافر اللعين . . الشياطين هى التى تضرب ظهرها بالسكاكين . . هكذا قال الشيخ . . لكنها مجنونة لانها تصرخ كلما غطاها بجسده ليحميها من الشياطين انها اغضبت الشيخ . . انها اغضبته ولا بد من عقابها . . سيحدث اهل القرية عنها وسيحدث امها فتضربها ضربا مبرحا لانها اغضبت الشيخ واهل القرية يصدقون كل ما يقول الشيخ . . لا بد ان تمحو خطاها . . "
واستمع الطبيب الى هذيان الطفل ساعة من الزمن . ومد له قطعة اخرى من الحلوى وذكره الخبز واكلة الشيخ فاخذ الطفل يعدو الى دكان الخباز خوفا من عقاب الشيخ . ومر يومان وسمع فى القرية قائل يقول ان سلمى المجنونة القت بنفسها فى البئر وانها استراحت واراحت أمها من عذاب شديد . ولم يصدق الطبيب الشاب هذا الخبر فى بادىء الامر فاشاعات القرية لا تحصى
كثيرها زائف او مغال فيه . وتحقق الطبيب من امر هذا الانتحار بعد ساعة من الزمن والقى التبعة على الشيخ دون اى تردد أو شك
وشاع في القرية خبر تهجم الطبيب الشاب على الشيخ الوقور فقيل تبا له من مغرور . . انه عدو الله والملائكة والناس اجمعين . كيف يتصدى للشيخ بهذه الاذاية ولا يتورع . . ووجد من بين وجهاء القرية من زجره وانذره اعازم هو على اسقاط احدى يديه او اعماء احدى عينيه الا يعرف ان الشيخ له دلال على الله يكفى ان يرفع يديه الى السماء ليستصبها جام الغضب على رأس كل عات مغرور ؟ او يمكن ان يدفعه الحسد الى مثل هذه الدناءة . يؤول كلام فتي ناقص عقل لا يفهم من حديثه شئ . شيخنا مبروك أطيب قلب فى القرية واكرم نفس وأسلم معدن فكيف يرغم فتاة مجنونة على الفحشاء والعياذ بالله . يجب ان يكف عن غيه والا ان يحتمى ببيته خوف العاقبة
وكثر اللغط وكثرت الاشاغات وذهب بعضهم الى القول بان الطبيب الشاب غادر القرية لا يلوى على شئ . وسارت الحياة سيرها المعتاد وقوى ساعد الشيخ يوما بعد يوم حتى كاد الطبيب ان يغادر القرية فعلا . . حتى مرضاه وهم قلة هجروه والتجأوا الى الشيخ صاحب المعجزات
وذات يوم . . كان الطبيب فى غرفته منكبا على بعض مطالعاته اذ طرق الباب ودخلت فتاة كانت من زبائنه بخطى متعثرة خجولة كانما كانت قادمه على امر عظيم . وذكرت الفتاة لطبيبها ما فعل الشيخ المتزمت بشبابها . . بعرضها . . يستقبلها . الفتاة حامل والحمل من مطببها . . وقد فعل بها ما فعل بسلمي من قبلها . . شياطين تمزق ظهرها بالسكاكين وام تضربها وقرية تسخط عليها إذا هي اغضبته ولم تستجب الى طلبه . . ولعوق يحاول ان يسقط بها الجنين جنين يدعى الشيخ انه ليس منه ولا احد يصدق انه منه ، فهى فتاة مستهترة وابوها لا بد ان يقتلها ليحمى شرفه ويتقى الفضيحة والعار . خير لها ان تغادر القرية او تموت . .
هكذا قتل لها الشيخ فى غير تورع او خجل .
واستمع الطبيب الى حكاية الفتاة وعزم فى هذه المرة ان يشغل ساعات فراغه فى محاربة الشيخ ومقاومة اهل القرية اذا اقتضى الحال . انه لقاطع دابر الشيخ من القرية مهما كلفه الامر . وعمت القصة المؤلمة الارجاء وملأت كل اذن وشغلت كل شفاه الى ان اصبح باب الرزق فى وجه الشيخ في ضيق سم الخياط
وفى صبيحة يوم من ايام ذلك الربيع شاهد الناس الشيخ مبروك يحمل قفه وبعض متاعة مغآدرا القرية بخطاه الثقيلة المتزنة تتمايل حبوب الفول الحجازى ذات اليمين وذات الشمال على صدره كرقاص ساعته الضخمة وسأله بعض الفضوليين عن مقصده وعن تركه الفتى ناقص العقل " المتختخ " فأجاب فى لهجته المعهودة : " لقد وجبت هجرتى اذا طغى الكفر على العباد وتنكرت لى الاكباد - النفحة الشافية لا تمر على هذه الديار بعد اليوم . . أما الولد فمنكم واليكم واما قفتى فلتمائمى ولعوقى . . " ولاول مرة شهد شاهد من اهل القرية ان الشيخ ابتسم وانه حث فى خطاه الى ان توارى فى الافق
