الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

النقد، بين الشاعر والناقد

Share

بين النقاد والشعراء نفور قديم مستمر ، لا يكاد ينتهى ، فالناقد يدعى لنفسه الوصاية على الشاعر يوجهه ويقوم خطاه ، فما استحسن من شعره فهو حسن ؛ وعلى القراء ان يقبلوا عليه ويعجبوا به ، وما أنكر منه فهو سمج يحب ان يعرض عنه القراء ويتجنبوه . وليس أدل على ذلك من هذا الخبر : (( قال قائل لخلف الأحمر : إذا سمعت أنا بالشعر استحسنه فما أبالى ما قلت فيه انت واصحابك . قال له : إذا اخذت انت درهما فاستحسنته ، فقال لك الصراف إنه ردىء ، هل ينفعك استحسانك له ؟ )) (1) .

وفى كتاب الصناعتين بعدما ذكر أبو هلال العسكرى بضعة أبيات علق عليها قائلا : (( فهذه الأبيات سمجة الرصف - لأن الفصيح إذا اراد ان يعبر عن هذه المعانى ، ولم يسامح نفسه ، عبر عنها بخلاف ذلك - وكان القوم لا ينتقد عليها فكانوا يسامحون انفسهم فى الاساءة )) (2) . فيؤكد العسكرى على ضرورة وجود النقاد الذين يقفون بالمرصاد للشعراء لئلا يتساهلوا مع انفسهم ، نظرا الى عدم وجود رقيب يراقب نتاجهم ، فاذا وجد النقاد الذين يؤاخذون الشعراء على تقصيرهم ، لم يتسامح الشعراء مع نتاجهم ولم يختلط الجيد بالردىء على القارىء العادى .

ولكن هل يتساهل جميع الشعراء فى نشر شعرهم ؟ إن النقاد أنفسهم يعترفون بأن هذا التساهل لا نجده لدى جميع الشعراء ، فهناك المتساهل المتعجل المهمل ، وهناك المتريث المجود المتمهل ، ويروون أنه قد (( قال بعض الشعراء لرجل : أنا أقول فى كل ساعة قصيدة ، وانت تقرضها فى كل شهر ، فلم ذلك ؟ فقال : لانى لا اقبل من شيطانى مثل الذى تقبل من شيطانك )) .

وقال ابن رشيق بعد حديثه عن المهملين المتساهلين : من ذكر من بشار ابن برد حين قال له : بم فقت اهل عمرك وسبقت أبناء عصرك فى حسن معانى الشعر ، وتهذيب ألفاظه ؟ قال : لأنى لم اقبل كل ما تورده على قريحتى ،

ويناجينى به طبعى ، ويبعثه فكرى ، ونظرت الى مغارس الفطن ، ومعادن الحقائق ، ولطائف التشبيهات ، فسرت اليها بفكر جيد ، وغريزة قوية ، فاحكمت سبرها ، وانتقيت حرها وكشفت عن حقائقها واحترزت عن متكلفها ، ولا والله ما ملك قيادى الاعجاب بشىء مما آتى به . . . )) (3) .

وبالاضافة الى هذه الاقوال التى يرويها النقاد عن تجويد الشعراء وعدم إهمالهم فى نشر نتاجهم ، نجد الشعراء أنفسهم يؤكدون ذلك ويرفضون فى نفس الوقت وصاية النقاد عليهم . وقد وصف لنا بعضهم معاناتهم فى قرض الشعر ، وانهم يبذلون جهدا جهيدا لتجويد شعرهم قبل اخراجه للناس . واذاعته فيهم .

فهذا امرؤ القيس يصف لنا طريقته فى قرض الشعر فيقول :

((أذود القوافى عنى ذييادا        ذياد غلام جرىء جرادا

فلما كثرن وعنينه                تخير منهن شتى جيادا

فأعزل مرجانها جانبا             وآخذ من درها المستجادا ))

ويعلق ابن رشيق على هذه الابيات قائلا : (( فاذا كان أشعر الشعراء يصنع هذا ويحكيه عن نفسه ، فكيف ينبغى لغيره أن يصنع ؟ )) (4) .

وبنفس هذا الاسلوب الطريف الذى يجعل فيه الشاعر نفسه ، تجاه قوافيه ومعانيه صائدا يخاتل صيده ، يقول سويد بن كراع العكلى : (٥)

أبيت بأبواب القوافى كأنما        أصادى بها سربا من الوحش نزعا (6)

أكالئها حتى أعرس بعد ما       يكون سحيرا أو بعيد فأهجعا (7)

عواصى الا ما جعلت أمامها    عصا مربد تغشى نحورا وأذرعا (8)

أهبت بغر الآبدات فراجعت    طريقا أملته القصائد مهيعا (9)

بعيدة شأو ، لا يكاد يردها                  لها - طالب حتى يكل ويظلعا (10)

إذا خفت أن تروى على رددتها              وراء التراقى خشية أن تطلعا (11)

وجشمنى خوف (( ابن عفان )) ردها       فثقفتها (( حولا )) حريدا ومربعا (12)

وقد كان فى نفسى عليها زيادة              فلم أر إلا أن أطيع وأسمعا (13)

وبنفس الطريقة التى وصف بها أمرؤ القيس وسويد بن كراع أسلوبهما فى قرض الشعر وتجويده ( أنشد الصاحب لأبى أحمد يحيى بن على المنجم فى نقد الشعر ) :

(( رب شعر نقدته مثلما ينـ             ـقد ( رأس الصيارف ) الدينارا

ثم أرسلته فكانت معانيـ                 ـه به وألفاظه معا أبكارا

لو تأتى لقالة الشعر ما أسـ             ـقط منه حلوا به الأشعارا

إن خير الكلام ما يستعير النا         س منه ولم يكن مستعارا )) (14)

والى هذا النوع من الشعر يرمى ابن رشيق بقوله :

(( ولا يكون الشاعر حاذقا مجودا حتى يتفقد شعره ، ويعيد فيه نظره فيسقط رديئه ، ويثبت جيده ، فيكون سمحا بالركيك منه مطرحا له راغبا عنه ؛ فان بيتا جيدا يقاوم الفى ردىء )) (15) .

واذن فهناك كثير من الشعراء الذين يعملون بأقوال بشار وامرىء القيس وسويد بن كراع ويحيى المنجم ويصدق عليهم قول أبى تمام :

ويسىء بالاحسان ظنا ، لا كمن      يأتيك وهو بشعره مفتون

ولكن رغم كل ما قاله هؤلاء الشعراء عن شعرهم وتجويدهم إياه فان النقاد لا يعدمون جوانب ضعف عندهم او عند غيرهم من الذين يتساهلون مع أنفسهم أو عند المتشاعرين ، لذلك يردد طه حسين نفس ذلك المعنى الذى سبق انتقاله أبو هلال فى شأن تلك الابيات :

(( إنا قد اهملنا النقد إهمالا ، وأعرضنا عنه اعراضا فنشأ جيل من الادباء يكتبون وينظمون ولا يشعرون بمراقبة النظم ، فيخيل اليهم انهم يجيدون ثم ينتهى بهم الى شىء من الغرور البغيض )) (16) .

وامام هذه الرقابة المستمرة الفاحصة من النقاد لشعر الشعراء ، ضاق بعض الشعراء ذرعا وصرخ ثائرا : (( النقاد ، عادة ، اناس كان ينتظر أن يكونوا شعراء ومؤرخين وكتاب سير لو استطاعوا ، وقد جربوا مواهبهم فى هذا أو ذاك ففشلوا ولذلك انقلبوا نقادا )) (17) .

وصاح شاعر آخر ضد فئة من النقاد : (( ما عدا أمثلة نادرة - لا يمثل النقاد سوى سلالة غبية خبيثة ، وكما يتحول اللص المفلس فى بأسه الى خفير ، كذلك يتحول المؤلف العاجز الى ناقد )) (18) .

وهكذا يتهم هذان الشاعران النقاد بالعجز عن انتاج اثر أدبى ذى قيمة ، لذا انقلبوا الى نقاد يؤاخذون هذا ويلومون ذاك على التقصير ، - او ما يحسبونه تقصيرا - ، وهم انما يفعلون ذلك لانهم عاجزون عن الاتيان بمثل ما يجىء به ذلك الشاعر الذى يوجهون اليه نقدهم .

وبالاضافة الى هذا فان الشعراء يرفضون هذه الوصاية عليهم من النقاد أيضا لأن نقد الشعر من طرف إنسان لا يجيد قرض الشعر ، خطأ أى خطأ ، وحجتهم فى ذلك :

(( ان نقد الدينار - إلا على الصيـ        ـرف - صعب ؛ فكيف نقد الكلام ؟ ))

فالذى يريد ان ينقد الشعر ، يجب أن يكون شاعرا مر بتجارب تخول له إصدار هذه الاحكام على الشعر .

ولكن خلفا الاحمر يدعى لنفسه ولأضرابه هذه الخبرة رغم أنه راوية وليس شاعرا (19) فقد (( حكى ان رجلا قال لخلف الاحمر : ما ابالى - إذا سمعت شعرا استحسنته - ما قلت انت واصحابك فيه ! ! فقال له : اذا اخذت درهما تستحسنه وقال لك الصيرفى إنه ردىء هل ينفعك استحسانك إياه ؟ )) (20) .

الا أن الشعراء لا يقرون للنقاد بهذه الخبرة فقد ( حكى الصاحب بن عباد فى صدر رسالة صنعها على أبى الطيب ، قال : حدثنى محمد بن يوسف الحمادى قال : حضرت بمجلس عبيد الله بن عبد الله ابن طاهر وقد حضره البحترى ، فقال : يا أبا عبادة ، أمسلم أشعر أم أبو نواس ؟ فقال : بل أبو نواس ؛ لانه يتصرف فى كل طريق ، ويبرع فى كل مذهب : إن شاء جد وإن شاء هزل ، ومسلم يلزم طريقا واحدا لا يتعداه ، ويتحقق بمذهب لا يتخطاه ، فقال له عبيد الله : ان احمد بن يحيى (( ثعلبا )) لا يوافقك على هذا ، فقال : أيها الأمير ليس هذا من علم ثعلب وأضرابه ممن يحفظ الشعر ولا يقوله ، فانما يعرف الشعر من دفع الى مضايقه ، فقال : وريت بك زنادى يا أبا عبادة ، إن حكمك فى عميك أبى نواس ومسلم وافق حكم أبى نواس فى عميه جرير والفرزدق : فانه سئل عنهما ففضل جريرا ، فقيل : ان أبا عبيدة لا يوافقك على هذا ، فقال : (( ليس هذا من علم أبى عبيدة ، فانما يعرفه من دفع الى مضايق الشعر )) (21) .

وتأييدا لرأى أبى عبادة البحترى وأبى نواس ، - فى انه لا يعرف الشعر الا من دفع الى مضايقه ، وأن الرواة والنقاد والعلماء واللغويين لا يستطيعون ان ينقدوا الشعر ويوجهوا الشعراء - يقول ابن الرومى :

قلت لمن قال لى : عرضت على الأخـ        ـفش ما قلته فما حمده :

قصرت بالشعر حين تعرضه                  على مبين العمى اذا انتقده

ما قال شعرا ، ولا رواه ؛ فلا                ثعلبة كان ، لا ، ولا أسده

فان يقل : إنى رويت فكالدفـ                ـتر جهلا بكل ما اعتقده

ويؤيد الجاحظ أبا عبادة وأبا نواس وابن الرومى ، فى رأيهم تجاه هذا النوع من النقاد ، الذين لم يقرضوا شعرا ، اذ يقول :

(( طلبت علم الشعر عند الأصمعى فوجدته لا يحسن الا غريبه ، فرجعت الى الاخفش فوجدته لا يتقن الا إعرابه ، فعطفت على أبى عبيدة فوجدته لا ينقل الا ما اتصل بالاخبار ، وتعلق بالأيام والأنساب ، فلم اظفر بما أردت الا عند ادباء الكتاب ؛ كالحسن بن وهب ومحمد بن عبد الملك الزيات )) (22) .

واذن فهناك نوع من الادباء النقاد يمكن ان يثق فيهم الشعراء ويطمئنوا الى نقدهم ، بل ينصح بعض النقاد الشعراء بالبحث عنهم والاخذ بآرائهم لأنهم يقومون الخطى ويسددون الآراء - قبل مرحلة النشر - ولكن على الشاعر ألا يغتر بالموجهين المزيفين وان يحسن انتقاءهم ، ومن هؤلاء النقاد الذين ينصحون بالبحث عن الناقد ؛ ( بوالو ) الذى يقول :

لقد سلف عليك ان أحب الانتقاد

وصحح على حكم العقل وكن سهل المقاد .

ولكن إياك ان تذعن حالما يتوجه إليك غبى بالملام .

ان نصحه لمخوف ؛ وان حملت قوله محمل اليقين

فما نجوت من تهلكة الا لتصبح من الغارقين .

انتخب ناصحا راسخ القدم مأمون النقيبة ؛

العقل يسدد خطاه والمعرفة تنير سبيله

ينقب قلمه المكين عن الهفوات فى الحال

ويكشف عن مواضع الوهن فى تضاعيف المقال

هو وحده يهتك ظلمات شكوك المضحكة

ويزيح الوساوس عن ذهنك الخائف .

هو الذى يبين لك باى حماسة ناجحة

حين يسير الفكر الوثاب احيانا فى مجراه . . . الخ . ( 23 )

وما اروع وصية ( بوالو ) للشاعر اذ قال له :

التمس لشعرك اصدقاء في نقدك سراع ؛

وليكونوا امناء مخلصين لما يخط منك اليراع

وليكونوا على هفواتك جميعا خصماء أشداء .

انزع فى حضرتهم عن زهو المؤلفين ،

ولكن لا يلبسن عليك الاصدقاء بالمداحين

ذاك الذى تظنه يهتف لك لهو ساخر منك مخاتل

احبب ان يتوجهوا اليك بالقول النصيح ؛ واقل اللغو والمديح ( 24 )

بيد أن هذا الناقد الكامل نادر الوجود :

هذا يجيد حوك القريض وتعوزه صحة الاحكام .

وذاك اقام لنفسه شهرة فى نظم الكلام

وهو لا يميز ( فرجيل ) من ( لوكان) ( 25 ) .

ولعل ابن المقفع كان يشير الى هذا النوع من الناس ، ويحذر من نفس النقاد الذين حذر منهم (( بوالو )) فقد قال : (( عود نفسك الصبر على من خالفك من ذوى النصيحة ، والتجرع لمرارة قولهم وعذلهم ، ولا تسهلن سبيل ذلك إلا لأهل العقل والسن والمروءة ، لئلا ينتشر من ذلك ما يجترئ به سفيه أو يستخف له شأن )) ( 26 ) .

ومهما يكن من أمر فان : (( النقد كالشمبانيا : لا يوجد ألعن منها اذا كانت رديئة ولا افخر منها اذا كانت جيدة )) ( 27 ) . لكننا لسنا ندرى ما هو النقد الجيد - الذى يشبه الشمبانيا الجبدة - فى نظر الشاعر ؟ أهو ذلك الاطراء والتقريض واظهار المحاسن والسكوت عن العيوب ؟ . وما هو النقد الردئ - الذى يشبه الشمبانيا الرديئة - فى نظر الشاعر أيضا ؟ أهو ذلك النقد الذى يظهر العيوب ولا يسكت عنها ولا يلتفت الى محاسن الشعراء أبدا ؟ . الحقيقة إن هذين النوعين من أردا أنواع النقد وابعدها عن الموضوعية ، إنهما أردأ من الشمبانيا الرديئة ، ومن لنا بناقد ينظر الى الآثار الادبية بعين فاحصة أصيلة فيميز الأصيل من الزائف ، ويشير الى المزايا مشيدا بها مكبرا لصاحبها ويشر الى الأخطاء منها عليها محذرا منها ، فى رفق ولياقة مقبولين . فذلك هو الناقد الأصيل الذى يشبه نقده الشمبانيا الجيدة .

على ان بعض الشعراء لا يحبون هذا النوع الاخير من النقد ويميلون الى النوع الاول ، ( الاطراء والسكوت عن العيوب ) . واذا تعرض لأخطائهم ناقد فقد عرض نفسه للردود البذيئة المؤلمة ، و (( للهجاء )) أيضا ؛ فى أيام ازدهار هذا اللون من الادب ، وأيام كان (( الهجاء )) وسيلة من وسائل النقد أو الرد .

لذا قالوا : (( ان الرواة - وهم نقاد فى عصرهم - لم يكونوا يتكلمون فى الشعراء الا بعد موتهم ، اتقاء لمعرة اللسان والوقوع فيه ؛ وقد جهدوا بأبى عبيدة أن يفضل بين مسلم والنواسى فكان يقول : انا لا احكم بين الاحياء .

وهذا الأخفش قد طعن على بشار فى كلمة ( لم يسمع وزنها ) عن العرب فهجاه ( بشار ) حتى استوهبوا منه عرضه ، فكان الاخفش بعد ذلك يحتج بشعره فى كتبه ليبلغه ( ص 54 ج 3 الأغانى ) وكذلك فعل سيبويه حتى توقاه واستكف شره )) ( 28 ) .

ومهما كان رأى الشعراء فى النقاد ، ورأى النقاد فى الشعراء ، وسواء ارضى الشاعر بحكم الناقد أم لم يرض ، فان النقد فرع هام من فروع الادب , والناقد عنصر ضرورى للنهوض بالادب يعين القارئ على اكتشاف الاصيل القيم وطرح الزائف الردئ بماله من خبرة واطلاع وتجارب وممارسة ، فليس للادباء الحق فى رفض آراء النقاد فيما يقدمونه من آثار أدبية للقراء ، وان كان لهم الحق فى الدفاع عن آثارهم بموضوعية فيقبلون الصحيح ويرفضون - بالحج - ما عداه . واذا اراد الهروب من النقد فليهرب من ميدان النشر لئلا يعرض نفسه للنقاد ، (( وقد قيل : لا يزال المرء مستورا وفى مندوحة ما لم يصنع شعرا ويؤلف كتابا ؛ لان شعره ترجمان علمه ، وتأليفه عنوان عقله . . . وقال الجاحظ : من صنع شعرا أو وضع كتابا فقد استهدف : فان أحسن فقد استعطف وان أساء فقد استقذف . . . )) .

وإذن فان كل من ألف فقد عرض نفسه للنقد ، ومن لم يشأ أن يعرض نفسه للنقد فليعمل بنصيحة بشر بن المعتمر ، اذ قال ، - لكل من يهم بتأليف أثر أدبى ، : (( فانك اذا لم تتعاط قرض الشعر الموزون ، ولم تتكلف اختيار الكلام المنثور - لم يعبك بترك ذلك احد ؛ فان انت تكلفتها ولم تكن حاذقا مطبوعا ، ولا محكما لشأنك ، بصيرا بما عليك ولك ؛ عابك من انت اقل منه عيبا ، ورأى من هو دونك أنه فوقك . فان انت ابتليت بان تتكلف القول وتتعاطى الصنعة ، ولم تسمح لك الطباع ، فلا تتعجل ، ولا تتضجر ، ودعه

بياض يومك او سواد ليلك وعاوده عند نشاطك وفراغ بالك فانك لا تعدم الاجابة والمواتاة ان كانت هناك طبيعة . . . )) ( 29 ) .

على ان الشاعر مهما سمحت له الطباع ، ومهما توانى ، وعاود النظر فى شعره ، وتركه بياض يومه أو سواد ليله ، فانه محتاج الى ناقد ينبهه ، وينبه القراء ، الى حسناته وأخطائه ليشجعه من ناحية وليشعره من ناحية أخرى بأن هناك من له بالمرصاد ، يحصى عليه أخطاءه ، ويجب أن يعتقد الشاعر ان ما يتوجه به الناقد له من نقد إنما هو لصالح الشاعر ، ولذلك يجدر به أن يتقبل نقده بصدر رحب ، فاذا لم يكن ذلك موقف الشاعر من الناقد تحرج الناقد , واضطر الى أحد أمرين ، إما الى الاطراء والتقريض ، والسكوت عن العيوب , ارضاء للشاعر ، واما الى السكوت والعزوف عن نقد بعض الشعراء . وأحرى بالشاعر والناقد معا أن ينظرا الى هذه الكلمة : (( وانا اعلم ان كل كلام يكرهه سامعه لم يتشجع عليه قائله ، الا ان يثق بعقل المقول له ذلك ، فانه اذا كان عاقلا احتمل ذلك ، لانه ما كان فيه من نفع فهو للسامع دون القائل )) )( 30 )

فليتشجع الناقد وليثق بعقل المقول له ، وليتقبل الشاعر نقد الناقد ، وليعتقد أن ما فى نقده من نفع ، راجع له ، وأن ما فيه من أغلاط او مغالطات فهى على الناقد يحاسبه عليها القراء والتاريخ الادبى .

على أن رسالة الناقد لا تتوقف على تشجيع الشاعر ، وتقويم خطاه ، بل تتعدى ذلك الى ما لا يقل عن التشجيع والتقويم أهمية ، فالناقد من أكبر وسائل الاعلان والاشهار ، فقد ينشر الشاعر أثرا جديرا بالعناية ولكن القراء العاديين يمرون بذلك الأثر كما يمرون بأثر عادى ، ودور الناقد هنا هو التنبيه الى هذا الأثر ، فيجعل القراء يعودون اليه ويقفون عليه طويلا ، يقول الاستاذ عبد القادر المهيرى فى هذا المعنى : (( . . . الناقد . . . هو همزة وصل بين القارئ والمنتج ، وهو الذى يلفت الانظار الى قيمة الانتاج القيم ، وهو الذى يجعل منه حدثا لانه قد تنشر أشياء لها قيمة ولكن لا تثير من الصدى ولا تثير من الضجيج ما تستحقه لانه يجب ان يحاط الانتاج الفكرى بضرب من الضجيج يجعل من لا يهتم به عادة يلتفت اليه ويقبل عليه )) ( 31 )

على أنه يجب أن نحذف من بين النقاد اولئك النقاد ( الموسميين ) أو نقاد ( المناسبات ) الذين يطيلون الصمت ازاء ما يكتبه الادباء رغم اعجابهم بنتاجهم وقد يبدون اعجابهم ببعض آثارهم فى دائرة ضيقة ، وغالبا ما يكون ذلك أمام الاديب صاحب ذلك الاثر الادبى . فاذا عثروا على أثر أدبى - لذلك الاديب نفسه - لم يرقهم ؛ حملوا القلم وهولوا الأمر أيما تهويل وأولوا وتمحلوا وهاجموا . . . ظانين انهم نقاد يحمون الادب ، وهم فى الحقيقة مهدمون مثبطون للعزائم ، يتبرأ منهم النقد والادب لانهم لا يخدمونهما ولا يعينون القارئ على اكتشاف النماذج الاصيلة الحسنة وعلى طرح المزيفيين وتزييفاتهم ، بل بفسدون عليه متعته السليقية بالآثار الادبية بترهاتهم وأباطيلهم .

وقبل أن أنهى الحديث فى هذا الموضوع ، يخيل لى ان سؤالا قد يدور فى خلد بعض القراء وهو : لماذا سلكت الاصمعى والاخفش وأبا عبيدة وخلفا الاحمر وغيرهم من الرواة والنحاة وبعض الشعراء أيضا فى عداد ( النقاد ) ؟

وأجيب على هذا السؤال بان النقد عند العرب بدأ فى مراحله الاولى - لغويا ، وأن أبا عبيدة وأضرابه كانوا نقادا للشعر العربى ، الى جانب روايتهم له . وان آراء هؤلاء الرواة ، التى كانوا يصدرونها عن هذا الشاعر او ذاك ، ما هى الا نقد من نوع خاص ، ولو تطورت النظريات النقدية فى زمان هؤلاء الرواة لطبقوها ونقدوا بها الشعر الذى يروونه ، ويعطون آراءهم فيه .

واذا رفض بعض القراء اعتبار الرواة نقادا فهل لنا أن نطالبه برفض آراء أرسطاطاليس النقدية . . . وهل للاجيال الآتية أن ترفض آراء هذا الجيل فى النقد اذا مرت عليها الايام ؟ !

تلك بعض آراء النقاد فى الشعر والشعراء ، وبعض آراء الشعراء فى النقد والنقاد ، مقتطفة من آداب بعض الامم على مر العصور .

اشترك في نشرتنا البريدية