(1) النقد واغراضه :
اضطلعت مجلة « الفكر » منذ نشأتها والسنوات الاولى من انبعاثها وانطلاقها بمسؤوليتها كاملة فى مجال النقد . وأولته أقلام الكتاب والادباء ما يستحقه من عناية وبوأته المكانة اللائقة به من بين مختلف الفنون الادبية الاخرى ونظرا الى غزارة المادة فى هذا الباب وتعدد المقالات وتنوعها على مر السنين فى ميدان النقد عموما والنقد الادبى خصوصا فسنقتصر فى هذه الدراسة على عينات ونماذج تكون بقدر الكفاية بمثابة الامثلة المعبرة البليغة لما طفحت به أعداد « الفكر » ، قديمها وحديثها ، من المقالات النقدية ، الناقدة أو المتناولة لموضوع النقد وأغراضه وشتى مجالاته أو مظاهره .
فهذا محمد الحليوى يخصص مقالا بعنوان «اتجاهات الشعر التونسى» (1) للنقد الادبى بوجه عام ويبرز ماله من مكانة عالية ، ودور عام فى مجال الخلق والابداع وحركية الانتاج الفكرى وتطويره كما وكيفا . ويتناول بالنقد وضع الأدب التونسى فى مختلف أطواره وينكب خصوصا على دراسة الشعر فى شكله ومضمونه موليا اياه عناية كبيرة . ويبدأ محمد الحليوى مقاله هذا مؤكدا على أن موضوع الشعر التونسى الحديث لم يلاق من العناية والبحث ما هو جدير به رغم ما يوجد لدينا من ثروة ضخمة من الشعر وعشرات من الشعراء المحدثين الذين كتبوا فى كل الاغراض منذ نصف قرن ولم يألوا جهدا فى التعبير عن مظاهر حياتنا فى كل أطوارها منذ عهد الخلافة العثمانية الى عهد الاستقلال . ولكن هذا الشعر وهذه الثروة الضخمة من الكلام المنظوم بقيت مطوية فى بطون
الصحف والمجلات ، لا تظفر بمن يزيح عنها الغبار فينشرها فى كتب ودواوين ، ولا تجد من يرفع عنها الستار ويفحص محتوياتها ويتعقب اتجاهاتها، وينقد ما فيها من غث وسمين .
وبخصوص النقد فى حد ذاته يرى أديبنا أنه « ركن من أركان الأدب ، ووظيفة لازمة لكل حركة أدبية . فلا مناص لكل انتاج أدبى من النقد الذى يقيم الأثر ، ويدل على مواقع القوة أو الضعف وينبه الى سمات الصدق أو الزيف ، ويشجع القرائح الناشئة ويكشف النقاب عن الادعياء والمهرجين » .
ويرى محمد الحليوى أن الادب التونسى فى كل مراحله ، ولا سيما الشعر ، قد بقى انتاجا بلا تقييم . مهملا أو شبه مهمل ، لا يتصدى له أحد من أصحاب الملكات النقادة ليقول فيه كلمة النقد ، وليميز جيده من رديئه حتى ازدحمت سوقه بالادعاء والمرتزقة وكثر فيه اللجب والضوضاء (2) .
ثم انه يتساءل لماذا كان النقد فى أدبنا الحديث منزويا ، ولماذا طغت فنون الادب الاخرى وظل النقد منكمشا على نفسه لا يرفع صوته ولا يدل على مكانه ؟ ولماذا كان الشعراء عندنا يعدون بالعشرات ولكنا لا نجد الناقد بازاء الشاعر يجلو المحاسن وينبه الى العثرات ويحارب الاسفاف والركاكة، ويدل على المذهب الأصيل والطريق السوى؟ ألأننا نكره النقد ونفزع منه ونعتبره عنوان العداوة الشخصية ؟ أم لأن الناقد يرهب الخصومة ويخاف التعرض لعداوة الشعراء فيؤثر السلامة والعافية ويعتصم بصمته ؟ أم لأن الشعر بلغ من هوان أمره علينا الى الدرجة التى لا تثير اهتمام الناقدين وأصحاب الأذواق السليمة ؟
كل هذه الأسئلة جالت بخاطر محمد الحليوى حين رأى بتلك الكثرة الكثيرة من الشعراء وهذه القلة القليلة من النقاد ، مما جعله يصرح قائلا : « إذن فلا مندوحة لنا من استعراض هذا الشعر الكثير النائم فى مطاوى الصحف والمجلات ، ونفض غبار النسيان عنه وتبويبه وتعقب مختلف اتجاهاته ومعرفة مكانه فى ديوان الادب العربى الحديث وتقديم قيمته فى تراثنا الثقافى . وقد أحس أديبنا الناقد بضرورة القيام بهذا العمل منذ أن قرأ كتاب الاستاذ أنيس المقدسى الذى أسماه « الاتجاهات الأدبية فى العالم العربى الحديث » واستقصى
فيه كل الانتاج الأدبى - شعرا ونثرا - فى البلاد العربية والمهاجر . ولكنه أهمل الانتاج المغربى اهمالا ، ولم يتعرض للانتاج التونسى الا تعرضا خفيفا فى شخص أبى القاسم الشابى، مع أنه اجتهد فى أن يعطى صورة متكاملة عن الأدب العربى المعاصر في مختلف أطواره . ولعل للاستاذ المقدسى عذره فى ذلك الوقت . فان الشعر التونسى موزع فى عشرات المجلات أو الصحف التونسية التى لا تصل الى الشرق ولا تروج فيه . ولولا مجلة « أبولو » لما كان الشرقيون يعرفون شيئا عن الشابى . ولعل الشرقيين كلهم يحملون نفس الفكرة التى تحملها مجلة « الآداب البيروتية » حين وجهت للأستاذ المسعدى هذا السؤال فى جملة ما سألته عنه :
« ما هى فى رأيكم أسباب تأخر الادب التونسى عن الادب العربى فى الاقطار الاخرى ، بصرف النظر عن اضطهاد الاستعمار الفرنسى للفكر التونسى ؟ »
وهنا يقف الاستاذ محمود المسعدى موقف الناقد الحصيف المتبصر ، داحضا هذه التهمة ، تهمة التأخر ومدافعا عن كرامة الأدب التونسى ، فيقول فى بعض جوابه (3) : « كان فى الماضى ولا يزال فى الحاضر بتونس انتاج فكرى ليس فى كميته ولا فى قيمته قليلا كل القلة ، ولكن مراكز الاشعاع ونقط الانطلاق ومصادر التصدير - ان صح هذا التعبير - لم تزل منذ القديم واقعة بالشرق - فكل كلمة تقال بالشرق تسمع بالمغرب العربى ، وكل حديث يدوى صداه هناك ، وكل شويعر أو كويتب يظهر بالشرق يصل صيته الى المغرب وقد فخمته الابعاد ودوت به أبواق الصدى المترامى وعلى العكس لا يكاد يصل الى الشرق من المغرب صوت ولا يصدى لديه صدى ، حتى التيارات التجارية جارية على ذلك ، فانه لا يكاد يصدر بالشرق ، وبمصر وسوريا ، ولبنان خاصة كتاب إلا استوردته تونس وطالعة الناس . أما اذا صدر بتونس تأليف ما ، فانه قل ما يستورده بالشرق مستورد ، أو يسمع به سامع .. وانى شخصيا واثق فى غير زهو فى أدب بلادى ولا جحود جائر لقيمته ، بأنه ليس متأخرا عن أدب الشرق الى الحد الذى قد يظن .. الخ (4) .
وبنفس هذا العدد ونفس المقال وردت مواقف نقدية جريئة تارة ومجحفة طورا لكل من الطاهر قيقة والدكتور الخميرى وعامر غديرة تجاه الادب التونسى والثقافة القومية والانتاج الفكرى بوجه عام وقد نفسر حدة هذه المواقف بما كان عليه الانتاج الادبى التونسى قديما من ضحالة أو من عدم رواج هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى قد نفسر ذلك أيضا بما كان يحدو هؤلاء النقاد من غيرة على الادب وحرص على وجوب النهوض به وحفز الهمم وايقاظ الوعى فى النفوس للسعى فى الانتاج ورفع مستواه كما وكيفا .
فمثلا يقول الاستاذ الطاهر قيقة مجيبا عن سؤال وجهته له مجلة « الفكر » .
« لا يمكن أن نتحدث عن وجود ثقافة قومية بتونس :
« الانتاج الادبى ضئيل . عديم القيمة أو يكاد والمسرحيات مجرد هراء يذاع على أمواج الاثير . والاغانى سمجة مائعة لا تساير الواقع القومى مطلقا » (5) .
وفى باب النقد وبشأن نفس المسألة ، يقول الدكتور الخميرى مجيبا عن السؤال :
« لماذا لم يقع انجاز ما من شأنه أن يبلور عناصر ثقافتنا الوطنية فى صورة قصص ومسرحيات وكتب تاريخية ونظريات فلسفية ؟ »
« .. ان العناصر غير موجودة ، فتونس لها شخصية دينية تكونت فى مئات السنين ولها شخصية سياسية بارزة معروفة باتجاهاتها ومواقفها . ولكن ليس لها شخصية ثقافية بارزة يمكن أن تبلور عناصرها ، فاذا ذكرنا الادب فهو باستثناء ما يعد على أصابع اليد الواحدة . تلك المترجمات الضعيفة والمقتبسات الظاهرة والمستترة ، والا فهو - عائشة القادرة - ومجنون ليلى - وكمية ضخمة من شعر المناسبات » .
أما الأستاذ عامر غديرة ، فى مقاله بمجلة « الفكر » فهو يرى بأن المتطلع الى الحياة الثقافية التونسية قد يعتريه به شىء من الملل وشىء من الانصراف لاحد له كلما شاهد فى عالم الادب ما يشبه التطفيف والغش والاحتكار ، أو ما يشبه الضعف والرداءة وقلة الابتكار . وان هذا الميل قد يصرف جيلا كاملا عن
القراءة باللغة العربية ، وقد يلجأ إلى المنتج الفرنسى والى الاساتذة الفرنسيين فيتخذ الشبان من الكتب الأجنبية غذاءهم ومن الأساتذة الغربيين مرشيدين وأصدقاء لابتعاد الاساتذة التونسيين فى كثير من الاحيان عن دور الارشاد والصداقة ، ولارتقائهم الى عليائهم وانصرافهم الى الأنانية وحب الذات والادعاء الفارغ (6) .
وقد اعتبر تصريح عامر غديرة بمثابة الانذار علق عليه محمد الحليوى بأن له معناه ودلالته ، ولابد أن يقرأ له حسابه المخلصون من قادة الفكر فى بلادنا » (7) .
وعقب على ذلك بقوله مستجيبا لتلك المواقف أو مجيبا عنها : « إن واجب الوفاء لأدبنا التونسى يحتم عليها أن نجند أقلامنا ، كل فى ناحية اختصاصه لخدمة هذا الأدب وابراز شخصيته وخصائصه ، والبحث عن اتجاهاته حتى يمكن العمل لتقويتها اذ كانت ضعيفة أو اكمالها ان كانت ناقصة أو تقويمها ان كانت منحرفة ، ثم التفكير الجدى فى مسألة تيسير النشر . فنبدأ بنشر ما هو مطوى فى بطون الصحف والمجلات من شعر ونثر جدير بالجمع والحفظ الى جانب ما ننشر من الادب النائم فى قمطرات الادباء والشعراء . وما يستحدث فى هذا العهد الذى بقى علينا أن نقيم فيه أمر الأدب كما أقمنا فيه أمر السياسة . ولعله اذا اصبحت لنا مجموعات من الكتب والدواوين المنشورة أمكن لمن ينكر وجود الأدب التونسى والقرائح المنتجة أن يعدل من رأيه . وأمكن لثقافتنا القومية أن تنطلق وتتابع سيرها وتتطور مع تطور حياتنا لتصل الى المستوى الذي يتطلبه المتطلعون . ويهددون من أجل فقدانه باللجوء الى الآداب الأجنبية » (8) .
وقد كانت لكل هذه المواقف وان شئت قلت : لكل هذه الدعوات صداها البعيد فى استنهاض الهمم وحفز القرائح على الخلق والابداع فراجت - بعد الستينات - سوق الادب ببلادنا وعكف المسؤولون على حظوظ الثقافة بهذه الديار على تشجيع حركة الانتاج الادبى والفكرى ، نثرا وشعرا ، وعلى طبع
ما كان نسيا متسيا من التراث والتعريف بمن كان مجهولا مغمورا من سالف الكتاب والشعراء عندنا ولا تزال الجهود تبذل دؤوبة دؤوبة فى نفس الاتجاه ، ولئن كان لمجلة « الفكر » فضل ، وحركة النقد فيها قيمة ووزن ولرسالتها النبيلة اشعاع وحظ فهى متجسمة كلها فيما لقيته من صدى لدى هؤلاء المسؤولين على مر السنين وخلال الاعوام القليلة الماضية حيث ازدهرت الحياة الثقافية وعم الانتاج الادبى - نثرا وشعرا - كافة الميادين وشمل شتى الاجناس والانواع واستوعب مختلف الابواب والاغراض ، وها هى « بيت الحكمة » تبعث بعد أحقاب مرت على ما ظهر من مثيلاتها فى ربوع المشرق والمغرب العربيين - لتدعم النهضة الثقافية وتضمن لها مسيرتها الموفقة نحو ما تصبو اليه من بعيد الآفاق وفسيح المدى .
ومن أبرز ما نشر فى باب النقد بمجلة « الفكر » بعض المآخذ التى كان يأخذها الباحثون على الشعر التونسى الحديث ، من ذلك مثلا أنه « لم يواكب الثورة التونسية ، ولم يشارك فى معركة التحرير مشاركة فعالة كما هو المأمول من كل حركة أدبية تشهد كفاح أمة وتعيش فترة نضالها فتساهم فى تغذية الشعور القومى وتوجيه المعركة وجهة قومية وتسجل أطوار الكفاح - ومن هذه المآخذ قول الأستاذ عامر غديرة فى العدد الخامس من مجلة الفكر لسنة 1960 .
فقد تساءل : « ماذا فعل الذين تناولوا القلم للكتابة أثناء الحرب العالمية الثانية وبعد انتهائها ؟ وماذا كتبوا عن الشخصية التونسية المكافحة المتحررة؟ وما اهتموا به فى مؤلفاتهم ؟ وكيف حددوا القيم وكيف عالجوا المشاكل ؟ وهل وصفوا العقلية الجديدة أم ما بالهم سكتوا عن الثورة كأنها لم تكن !؟ الخ..»
وقد رد عليه بعضهم بقوله : (9)
« ونحن لا نريد أن ننكر على الاستاذ غديرة تساؤله فربما كان هناك ما يبرره وانما نريد أن نجيب على جانب منه ، هو الجانب الخاص بالانتاج الشعرى . ان الشعر التونسى الحديث لم يسكت ازاء الثورة ولم يقصر فى أخذ قسطه من الكفاح التحريرى وان كان المنتوج الذى شارك به هزيلا من الناحية الفنية
ومحصورا فى دائرة ضيقة من شعراء الشباب . فأول ما نلاحظه فى هذا الشعر أنه لم يسهم فيه من تعودنا أن نسميهم بكبار الشعراء ، ولعل ذلك راجع الى تعودهم التقية فى عهد الحماية وميلهم الى المجاملة « والتعايش السلمى » - كما يقولون - فأغلب هذا الشعر - ان لم يكن كله - كان لجماعة من شعراء الشباب، ممن نشأوا فى صلب المعركة وحملوا فى قلوبهم الفتية آلام أمتهم وامالها وعاشوا فى صباهم مأساتها الدامية وتغذوا من دمائها ودموعها .
وقد قلنا : ان هذا الشعر كان هزيلا من الناحية الفنية وهذا رأينا فى هذا الشعر الحر الذى طغى سيله فى السنوات الأخيرة ، وأصبح هو القالب المختار لهؤلاء كلما أرادوا التعبير عن مشاعرهم أو تسجيل خواطرهم ، ولا شك أننا لا نستطيع حمل اولائك الشباب الثائرين على القيود أن يتقيدوا بأوزان الخليل وقوافى القصيد العربى الموحدة وأن يرزحوا تحت أعباء البحور المتعددة وتفعيلاتها المتشعبة ، ولكن معظم النقاد لم يقروا هذه الطريقة الجديدة فى نظم الشعر ولم يقبلوا منها الا ما كان على جانب وافر من القيمة الفنية التى يقرها الذوق ويقبلها الفن الخالص .
وبقدر ما عنيت مجلة « الفكر » بالنقد على الصعيد القومى التونسى ، فقد عنيت به بوجه أعم على صعيد العالم العربى ، وقد خصصت عددا كاملا - وهو العدد 3 من السنة 7 بتاريخ ديسمبر 1961 - لدراسة واقع الادب العربى المعاصر وذلك بمناسبة انعقاد مؤتمر لدراسة قضايا الادب العربى المعاصر ، حضره برومة مدير هذه المجلة بين السادس عشر والواحد والعشرين من شهر نوفمبر 1961 ، تحت اشراف معهد الشرق الايطالى ومجلة « تمبو بريزنتى » الايطالية والمنظمة العالمية لحرية الثقافة ، وقد شارك فى هذا المؤتمر عدد كبير من الأدباء العرب من مختلف البلاد العربية وبعض من كبار المستشرقين ، الايطاليين منهم على الخصوص ، وقد زخز هذا العدد بالمقالات الدراسية والتحليلية والنقدية ، تناولها المشاركون فى هذا الملتقى ، المنتسبون الى شتى التيارات الفكرية والمدارس الأدبية ، وتصدوا لمناقشتها وابداء الرأى فيها بكامل الجدية والعمق .
وسنقتصر على نموذجين مما جاء فى هذا العدد فى مجال النقد أولهما : ما ورد على لسان محيى الدين محمد فى مقاله : « الأدب العربى بين التقليد والتجديد : موقف الأدباء العرب « حيث وقف موقف الناقد الجرىء لواقع العالم العربى ووضع الاديب العربى ، فصرح قائلا : (10) .
« ليست أعرف وطنا يمكن أن يصبح الماضى بالنسبة اليه مشكلة وحنينا ، أكثر من وطننا العربى .
وكذلك لست أعرف أديبا فاقدا للصلة بينه وبين حاضره أكثر من الأديب العربى الحديث . واذا كان سبب ذلك موقفا حضاريا يعانيه الوطن العربى جميعا أو أزمة خلخلت بين جيل قديم ومهترىء وجيل حديث ينادى بالتغير والتطور .. أو مرضا نفسيا اسمه «فقدان الثقة». اذا كان سبب منها صحيحا، أو كانت كلها صحيحة أو خاطئة . فان نظرة فاحصه للفكر العربى الحديث يمكنها أن تشعر بانفصام محزن بين الحياة التى يعيشها الأديب العربى الشاب . وبين ما يمكن أن نسميه « جذوره الثقافية » وذلك لأن هذه النظرة سوف تكشف للوهلة الأولى أنه ما زال هناك أدب تقليدى يكتبه شعراء قدامى الروح ، ويقرؤه ويتنفسه جيل مازال فاقد الانتماء والاتجاه ، وفى نفس الوقت يجد الملاحظ أن هناك شعرا مكتوبا على الطريقة الاوربية الحديثة ، وبالمناهج نفسها .. » .
وها هو نفس صاحب هذا المقال يتحدث عن النقد عند العرب فيقول : (11)
« .. ان النقد العربى قديم كالشعر ، وهو كالشعر أيضا ، يستمد وجوده من القيم الشكلية التى احتضنها صنيعة ، ومعظم ما كتبه الجرجانى وأبو هلال العسكرى والآمدى وابن المعتز وقدامه ، يخضع لتعريفات النقد الشكلى،بالرغم من اعتراضات الدكتور محمد مندور وبرغم مؤلفه القيم « النقد المنهجى عند العرب » .. وعلى ذلك فقد ظلت هناك مدرسية نقدية كاملة تحاول أن تطور النقد الشكلى ليصبح ذاتيا ، وقد نجحت فى ذلك . فى نفس الوقت الذى عادت فيه بعض العقليات الممتازة من دراساتها فى أوربا ، لتحاول أن تدخل بعض التعديلات . ثم بمرور الوقت بعض التغييرات الجذرية فى حركة النقد الحديث ، وكان على رأس هؤلاء : طه حسين ومندور ولويس عوض ، والعقاد ، والزيات ومحمد عوض محمد » .
ويرى نفس الكاتب أن قد « وقع المحظور - على حد قوله - بأن أصبح الادب بفروعه جميعا ، خاضعا فى كثير من جوانبه للحركات الفكرية الاوربية ، يتأثر
بها وينسج على منوالها ويحقق ، فيما يكتبه ، نفس القيم التى تتحقق فى الكتابات الغربية التى يعجب بها ، بل ان الشعر العربى نفسه، وهو - باستثناء الزخرفة ، الفن الوحيد الذى يملك خلقية عربية أصيلة ، يقع فى المحظور نفسه .. »
والى جانب هذا الموقف النقدى الحاد نجد نفس الشدة والحدة - ان لم نقل: الاجحاف - فى موقف نقدى آخر لجبرا ابراهيم جبرا تجاه الأدب العربى الحديث، فى مقال له بعنوان : « الرواية والقصة القصيرة والمسرحية ودورها فى المجتمع العربى » صدر بنفس العدد المشار اليه آنفا ، حيث يصرح قائلا : (12)
« لم يعرف العالم العربى يوما مثل هذا العدد الكبير من الكتاب ، وان يكن الكثيرون منهم كتابا لا وجه لهم ، وأغلب الظن أن ما يكتب اليوم من شعر ونثر يزيد عما كان يكتب فى أى فترة من فترات التاريخ العربى . ولئن يكن المستوى فى بعض الحالات رفيعا ، خليقا بأمة ناهضة فانه يكاد يكون معدوما فى معظم الحالات . فبين قطب البلاغة الكلاسيكية التى ما زالت عزيزة على المتمسكين بالاسلوب القديم ، و « قطب الهذر السقيم الذى لا يخلو منه اى عصر ، نجد الجزء الاكبر مما يكتب بالعربية اليوم ، مراهقا تافها ، لا عضل له ولا عصب . ولئن تتواتر أحيانا اسماء الروائيين ، فان المتمعن فى مطولاتهم ليدهش حين يراهم ينتسبون خيالا وهدفا الى كل ما هو سوقى ومبتذل فى مطولات المجلات القصصية المصورة فى الغرب حيث يتقاسم الابطال الفضيلة والرذيلة على السواء ، وينتهجون الطريق الى الاولى عن طريق الثانية .. » .
وقد حظى الادب المغربى بعناية خاصة من قبل الدارسين والنقاد . فهذا الاستاذ الاديب الطاهر قيقة يبدى مجموعة من الخواطر حول القصة الجزائرية (13) التى بدت له « صورة نابضية فاترة ، ملتطمة أحيانا ، لمحنة شعب أرغم على مجابهة جميع مشاكله الحياتية من سياسية واقتصادية واجتماعية فى وقت واحد ، ويرى ان القصاص الجزائريين ، وان افتتنوا بالواقع المحلى المحيط بهم ، مثل مولود فرعون ، تجنبوا حصر
أدبهم فى المحيط الضيق الذى يعيشون فيه بل أبرزوا تأثر مجتمعهم الصغير بما يحدث فى المجتمع الجزائرى الكبير حتى أصبحت تلك المجتمعات الصغيرة لها أبعاد كسبتها من انعكاس احداث الوطن الكبير عليها ومن توقها الى جمع اشلاء مجتمع أكبر مزقه الاستعمار وما فتىء يؤكد على فوارقه فيضخمها بهتانا وافتراء . ويرى كذلك أنهم اذا تحدثوا عن قضية البطالة فى تلمسان أو فى منطقة القبائل أو فى قسنطينة ربطوها بقضية وجوب القضاء على الاستعمار وتحرير الامة الجزائرية .
ولذا فان التزام القصة الجزائرية لم يكن سطحيا لفظيا ، يتناول ناحية من واقع الامة ولكنه التزام شامل عميق يتوق الى تحول جذرى وثورة عارمة مجددة للمجتمع .
وفى تقييمه المجمل للادب الجزائرى . يرى الاستاذ الطاهر قيڤه ان القصاص الجزائريين عرفوا كيف يجتنبون مزالق الادب المبتذل من ميل الى التقاط النواحى الشاذة أو الغريبة ، فى السلوك أو العادات ، أو من إثارة الحمية والغضب بالفات النظر الى المظاهر المفزعة الفظيعة للواقع ، أو من توخى أساليب الشتم والسباب والسخرية اللاذعة للحكم على الواقع ومجابهته (14) .
وحظي الادب التونسى - على وجه الخصوص - قديمه وحديثه بعناية الباحثين ، واستقطب النقد الادبى اهتمامهم ، ومن أطرف ما جاء فى هذا المجال ، استعراض لفن النقد عند الحصرى القيروانى ومحاولة نقد هذا النقد (15) وتقييمه وقد جاء ذلك على لسان عبد الجبار الشريف فى درسه لصاحب « زهر الآداب وثمر الالباب » اذ يقول متحدثا عن الموازنات التى أوردها الحصرى بين الشعراء ما يدعم براعته فى فن النقد : أما بالنسبة لآرائه النقدية فنجد له رأيا طريفا فى الاسلوب والمعنى يقوم على ان الفن الأدبى موهبة وثقافة . فلا أدب بدون موهبة كما لا أدب بدون ثقافة ، كما لا أدب من غير صناعة يؤازرها طبع قوي . فاذا كان الطبع قويا واللغة
والأسلوب ضعيفين . سقط الأثر الأدبي . وإذا كان جهد الأديب انصرف الى الجانب الشكلي وأهمل المعنى سقط الأثر الأدبي أيضا . والاتجاه القويم عنده هو أن يكون الأدب مظهرا للطبع والصنعة معا ، ويرى صاحب المقال أن الحصري ، في طريقة نقده يسير على منهج المتقدمين ، وهو لا يخرج عن هذا المنهج إذ وسيلته تتبع اقتباسات وسرقات الكتاب والشعراء . وهذه الطريقة نستشف منها ثقافة الحصري واطلاعه الواسع حيث نراه يتبع أصل المعانى الشعرية والنثرية المقتبسة أو المسروقة ، ويقرر أن هناك معاني كثيرة مشتركة لا يمكن أن يتهم أحد فيها بالسرقة أو الاقتباس . ومن أمثلة ذلك ما ذكره عن ابن بسام ، وعلي بن خليل ، فقد قال الأول :
« لا أظلم الليل ولا أدعي أن نجوم الليل ليست تغور »
« ليلي كما شاءت ، فان لم تزر طال وإن زارت فليلي قصير »
إنما أغار ابن بسام على قول علي بن خليل ، فلم يغير الا القافية :
« لا أظلم الليل ولا أدعى
أن نجوم الليل ليست تزول »
« ليلي كما شئت قصير إذا
جادت ، وإن ضنت (16) فليلي طويل »
لقد استعرضنا أهم أغراض النقد كما نشرت وانتشرت بمحلة « الفكر » وها نستعرض الآن بعض عينات مما جادت به أقلام روادها من الساهرين على حظوظها بوجه خاص وعلى الثقافة بهذه الربوع بوجه عام وهى مناسبة تنصاع لمثل هذا العرض - مناسبة الاحتفال بثلاثينية « الفكر » وما تنطوى عليه من تكريم واحتفاء .
فهذا نوع أول من النقد يتوجه به عبد العزيز قاسم فى دراسة له بعنوان الأدب بين الحقيقة والواقع ، إلى معشر الشعراء ببلادنا فى لهجة تتراوح بين خفة الاريحة من ناحية وحدة اللسان وسحر البيان من ناحية أخرى ، إذ يقول :
« لقد كثر الشعر وتضخمت عملته فى بلادنا (وفى هذا الكلام من التورية ما فيه ...) فالشعراء يشكلون الأغلبية بين محترفي الأدب عندنا ، ويبدو أن هذه الأغلبية فى صعود مستمر ، فهذا « بريد الفكر » وبريد الاذاعة يكادان لا يحملان إلا المحاولات الشعرية ، ومن حقي التصفيق لهذه الظاهرة بوصفي من أنصار الشعر ولكن الغالب على الظن أن هواة الأدب إنما هم أميل إلى الشعر لأنهم يعدونه أسهل من سواه ، ويحس القارىء المطلع من هلهلة قصائدهم أنهم يجهلون معاناة الخلق » .
ويعود عبد العزيز قاسم بعد ما يزيد عن الست سنوات ليتخذ موقفا نقديا لم يقصره هذه المرة على الشعر وإنما شمل القصة والمسرح وامتد الى وضع النقد بالبلاد ، فى لهجة لا تقل حدة عن الأولى ، فيصرح قائلا (18) :
«... استوقفنى الشعر الممزق الضائع بين ماض يشده فيحكم وثاقه باسم الأصالة ، وبين حاضر يعمد فيه بعضهم إلى تفجيره باسم التحرر تفجيرا مخطرا ، واستوقفتنى القصة المتخبطة فى تجارب مرتجلة لتقنيات غريبة لا تخلو من مجانية وابهام أو واقعية مسفة ، واستوقفنى المسرح المتعثر فى خطى طفولته ، واستوقفنى النقد بل استوقفنى مكان شاغر ينتظر اليوم الذى يحتضن فيه النقد العلمى الصحيح ، ذلك النقد الذى يكون سمادا ولقاحا لحقول الأدب ، لا عشبا طفيليا يخنق جذوره ، نعم استوقفنى النقد وفكرت فى الموضوع طويلا وكنت أود أن أحدثكم عن الأخطار والمضار الكثيرة المنجرة عن تلك الحملات الجوفاء والتعاليق المسمومة التى هى ليست من النقد فى شىء ، اذ لعل النقد فى الأدب التونسى يمثل أشد جوانبه مأسوية .. »
على أن مجلة «الفكر» لم تستأثر بهذا النوع من النقد على ما فيه من صدق وبعد نظر الى جانب ما اكتساه من حدة أحيانا ، بل قد نقع على نقيض ذلك اذ يصطبغ النقد بصبغة الثناء والاطراء فى نطاق الموضوعية ، والواقعية لا محالة ، والبعد كل البعد عن المجاملة والمحاباة . فهذا أحمد خالد « مع ابن خلدون في منهجه التربوى » (19) لا يخفى اعجابه بصاحب المقدمة فيما أبداه من آراء تربوية أصيلة ومناهج تكوينية قويمة ، فيقول فى نهاية درسها وتحليلها ، ناقدا صاحبها نقدا ايجابيا فى لهجة المتسائل المثبت :
« وفى تغنى ابن خلدون بالتعليم ما ينعش المربين ويحبب اليهم شدة الصبر على إفهام المريضين ويجعلهم يتقاوون على ما قد يصيبهم من إعياء ، تخلفه صناعة صعبة المراس فيتغنون معه بقوله : « وحسن الملكات فى التعليم والصنائع وسائر الاحوال العادية يزيد الانسان ذكاء فى عقله واضاءة فى فكره بكثرة الملكات الحاصلة للنفس اذ قدمنا ان النفس إنما تنشأ بالادراكات وما يرجع اليها من الملكات فيزدادون بذلك كيسا لما يرجع الى النفس من الآثار العلمية » .
ويعلق أحمد خالد على ذلك بقوله :
« فخبرنى هل تعرف كلاما أبلغ وانفذ إلى نفس المعلم المقبل على معاناة البحث عن أنجع سبل التبليغ من تلك الحقيقة التى تغنى بها ابن خلدون التى وضعت تحت لوائه جامعتنا التونسية فعساها تبعث الخلدونية من جديد وينجم فى رحابها ألف خلدون » .
أما الاستاذ محمد الطالبى فلم يخف اعجابه وتنويهه خلدون لكن فى أسلوب مغاير لما رأينا منذ حين ، فى أسلوب انشائى هادىء هدوء طبع صاحبه ، بسيط بساطة العالم المتواضع حصافه الدارس الفضولى (فى المعنى الايجابى) والباحث المنقب المتتبع للاسرار والمتعمق فى الاغوار ، فيبدى حكمه فى صاحب المقدمة « ونظريته فى سلطة الدولة » قائلا : (20) .
« لاحظ (ابن خلدون) فأحسن الملاحظة ، وخرج من ملاحظته بآراء واقعية ، هى نتيجة التجربة ، تجربة ما كان ، لا أمر فيها البتة بما يجب أن يكون ، وإن كانت للكاتب ككل كائن حى ، ميول واهواء . فموقفه اذن كان موقفا علميا ، كان موقفا موضوعيا ، يكاد يكون عصريا : ففى عصر كان فيه كل شىء يوزن بوزن الدين ، ويفسر تفسيرا ماورائيا ، نرى ابن خلدون لا ينظر للدين ، فيما يخص سلطة الدولة الا كعامل من العوامل العديدة المتشابكة المتفاوتة تأثيرا فى هذا الصدد . »
ويردف الاستاذ الطالبى قائلا فى نهاية بحثه ، فى نفس السياق التقييمى لابن خلدون :
« وهكذا يبدو لنا ابن خلدون ، فى نظرته الى السلطة ، شديد الواقعية متجردا - بقدر ما يمكن أن يتجرد انسان عاش فى بيئته وتكون تكوينه - من قوالب الآراء الموروثة . فهو يتعرض طبعا لآراء الفقهاء ويعرضها علينا ، وهو يتعرض لآراء الفلاسفة فى الموضوع ويبسطها غير مخف عدم الارتياح اليها . وفى الحقيقة فانه لم يجد ما يرتاح اليه أثناء علاجه لهذا الموضوع سوى الواقع الذى حاول أن يفهمه ويدرك سر بعض قوانينه . فالفرق كبير والبون شاسع بينه وبين الماوردى وابن جماعه ، وابن تيميه ، وأمثالهم ممن بذلوا جهد اليأس كى يخضعوا الواقع الى النظرية التى صاغها الفقهاء من دون مراعاة هذا الواقع واستثارته كما يجب .
وبنفس الوضوح والبساطة على السواء يختم صاحب المقال تعبيره عن رأيه فى ابن خلدون بقوله :
« ابن خلدون عالم . فموقفه من سلطة الدولة موقف الملاحظة . ثم تأويل تلك الملاحظة قصد البلوغ الى ادراك بعض السنن التى تمكننا من ان نفهم فهما أحسن حقيقة هذه السلطة وجوهرها . وتعيننا على تصورها تصورا يجعلنا ندرك كنهها . واذا ما نحن أدركنا ذلك ، لعله يتاح لنا أن نحسن اخضاع هذه السلطة الى ما نريده منها . اذ الحكم على الشىء وحسن استخدامه فرع عن تصوره تصورا واقعيا » .
واستتأثرت الحياة الأدبية بتونس عموما بعناية الاستاذ البشير بن سلامة فتناولها بالدرس والنقد وذلك فى مقال له بعنوان : عودة الى لغة الشعر
العربى ولئن جاء نقده شديدا متشددا فانما ذلك حبا فى أن يكون لتونس مستقبل افضل مما كان فى مجال الوعى الثقافى الصحيح والانتاج الادبى الخصب والنقد الموضوعى المتجرد مما يساعد على الخروج من التخلف والانطلاق نحو الخلق والابداع والتحلى بروح الانشاء البناء والبعد عن نزعة التهديم الاعتباطى والمجانى ، من ذلك قوله (21) :
« والواقع هو أننا فى تونس نعيش فى المجال الادبى فترة غريبة ، ليست هى اللامبالاة وركود الحياة الادبية ، وليست هى الحيوية والنقد البناء والغوص فى المشاكل الجوهرية ، وانما هى اليقظة بالكتابة فى الصحف والمجلات نقدا وخصاما وسبابا ، ولكن فى أمور هامشية ؟ أما فى المسائل الهامة التى تقتضى الدراسة والمعرفة والشعور الحاد ، فالقوم يركنون إلى الهمس ، والمناجاة واللوم المقنع ، والاسف المبهم والاشارات العابرة ، والنقد الضعيف المتستر بالوكالة .
ويرد مؤلف هذه الدراسة القيمة على فئة النقاد - أو قل المنتقدين - الذين تهجموا أو تحاملوا عليه عوض نقده نقدا موضوعيا مجردا ، وأخذوه عوض محاورته حوار الادباء النزهاء أو الزملاء الاصفياء فيقول دون أن يذكر منهم أحدا (22) .
« هؤلاء القوم من فهم من آرائى أننى أدعو الى كسر بناء اللغة العربية فانبرى لائما أو ذائدا عن كيان هذه اللغة ، وهو فى الحقيقة غاب عنه انه بموقفه هذا يدعو من دون وعي الى تحنيطها ، ومنهم من لامني على سكوتى عنه وهو الذى كتب فى الموضوع وأجاد ، ومنهم من اعتبر تفريقى بين اللغة والاسلوب هو مجرد وهم أو هو ضرب من السفسطة .. »
وفى مكان آخر يكتسى النقد عند البشير بن سلامة صبغة أدبية لا تقل حدة أحيانا وطرافة أحيانا أخرى عما عودنا به فى مقاله السابق الا ان هذا الحدة وهذه الطرافة نابعتان من قوة ايمان ورسوخ عقيدة بما يراه الصواب
عند اصدار حكمه . ونلمس ذلك فى نقده لأبى القاسم الشابى من خلال مقاله : « ماذا بعد أربعين سنة » (23) وفى نقده بالخصوص لبعض آراء أبى القاسم ومواقفه من الشعر العربى كما عبر عنها فى » الخيال الشعرى عند العرب » ولا سيما قولته الشهيرة بل صيحته المدوية ، ( وهذا نصها ) :
« انما الذى يغض منا معشر التونسيين ان نتخذ من هذا الادب ( أى الادب العربى ) الذى لم يخلق لنا ، غذاء لارواحنا ورحيقا لقلوبنا لا نترشف غيره » (24) - وقد لخص البشير بن سلامه رأيه فى أبى القاسم بقوله تعقيبا على تلك الصيحة :
« ... إن شاعرنا فى الاغراض وفى الصور وفى الخيال فانه بقي سجينا فى الاوزان العربية القديمة ، فكلفه ذلك ثمنا باهظا . اذ أنها طمست فى كثير من القصائد العواطف الجامحة والصور المشرقة والآراء النيرة المبثوثة فى كتابه : « الخيال الشعرى عند العرب » وفى رسائله ومذكراته .
والدليل على ذلك أن أحسن قصائده وأقواها شحنة شعرية وأكثرها انسجاما مع آرائه ومذهبه فى الشعر ، هى التى لم يلتزم فيها قافية واحدة بل تصرف فيها تصرفا مكنه من تخفيف حدة القيود التى أحكمها رواد الشعر العربى فى الجاهلية .. » (25) .
مسك الختام :
أما الاستاذ محمد مزالى ، مدير هذه المجلة ، فلم يفتأ يشدنا فى مختلف مقالاته ومحاضراته واستجواباته وخاصة افتتاحياته المنشورة « بالفكر » منذ تأسيسها الى أفكاره وخواطره ومواقفه النقدية البناءة وما تتسم به من قوة الحجة وسعة العارضة وعمق النظر وما يرنو اليه دوما من بعد المدى وعلو الأفق . فها هو يتوجه ، فى احدى افتتاحياته الى الشباب فى لغة الاستاذ والمربى والولى والمسؤول والاديب الناقد على السواء فى لهجة صادقة
حماسية حارة ، هدفه حب الخير له من خلال دعوته اياه الى وعي مفهوم السعادة والعمل الجاد الدؤوب على تحقيقها فى أسمى معانيها وأنبل مقاصدها فيقول (26) . إن القضية تتمثل - اذا تصدينا لواقع شبابنا - فى أنهم عندما يطالعون ما ينشر فى جرائد الغرب ومجلاته أو هم يشاهدون مسرحياته وأقلامه أو يجوبون أقطاره ، لا يأخذون الا الجانب السلبى ولا ينبهرون الا بنقط الضعف التى يعتبرها مفكرو أوربا أنفسهم سوسة تنخر حضارتهم ( نذكر فى هذا الصدد رأي « مالرو » مثلا فى أزمة الشباب الفرنسى ) بينما السعادة التى ينشدونها لا تحصل بالتقليد او مجرد اشباع الرغبات المادية أو الانساق مع التيارات المتضاربة فى سلبية يتفاقم معها الشعور بالعجز والعقم .
ويردف الاستاذ محمد مزالى قائلا ، موضحا وجهة نظره فى السعادة الحق كما ينشدها الشباب عموما والمثقفون خصوصا : « إن السعادة التى بطمح اليها الشباب - والمثقفون منهم بالخصوص - لا تكون الا اذا أدركوا أن لحياتهم معنى وهدفا ، وان قيمتهم فى تغيير الواقع تغييرا يجعله أقرب ما يكون لتصورهم الحق والخير والعدل والجمال .. وإن الاقدام على عملية « رفض » الواقع واحكام الخطة لتطويره بالفعل وغرغرة الفراغ وترديد الشعارات الجوفاء . يقتضى شجاعة وعزيمة ومثابرة وروح تضحية وصبرا على الحرمان وقدرة على مغالبة الفتور واليأس .. إنه التحدى المقدس الذى كم يحتاج الشباب الى رجع لوائه مهما كان الموضوع والاختصاص : فى السياسة ، فى الاخلاق . فى البحث العلمى ، فى الفن ، فى الرياضة فى الادب ، فى الطب ... » .
الخاتمة : ولا نرى خاتمة أحسن لهذه الدراسة وبهذه المناسبة السعيدة - مناسبة الاحتفال بمرور ثلاثين عاما على مجلة « الفكر » والاحتفاء بمديرها ومؤسسها - من الخاتمة التى أنهى بها محمد العيارى - وهو من خيرة ما انجبته كلية الاداب - مقالا له نشره بمجلة « الفكر » « حول فن الادب فى فكر محمد مزالى » . حيث قال : (27) .
« وهكذا يبقى محمد مزالى مفكرا متحررا بالدرجة الاولى ، مؤمنا بأن
للادب دورا رئيسيا فى حياة المجتمعات الانسانية رافضا القيود مهما تكن أشكالها ومهما تكن الاثواب التى تتشح بها . وبذلك يبقى محمد مزالى منضويا تحت لواء فلسفى أقرب ما يكون الى الوجودية التى لا تعترف بأى سلطان خارجى على سلطان الانسان فى كل ما يقول ويفعل لعلها الفلسفة الفكرية التى رافقته فى الدفاع عن الحرية والديمقراطية لخلق مناخ سليم خال من الضغوط بمختلف أشكالها ، حفاظا على صيانة الفكر وصفاء الفن وحماية الادب من التقهقر والاسفاف » (28) .
وبفضل قوة الايمان بالانسان وبرسالته الفكرية والثقافية والحضارية كما هى متجسمة فى شخص مؤسس « الفكر » ومديرها ، يمكن أن نضيف القول : إن فى كل ذلك سر استمرارية المجلة وتعميرها ثلاثين عاما وان فى ذلك سبب تواصلها على نفس النسق السنة تلو السنة ، مشعة بمضامينها المتنوعة الثرية ، ومن بينها شتى فصول النقد الادبى والعلمى البناء الذى بفضله تتأصل الثقافات وتتأمل الامجاد وتبنى الحضارات .
