هل عندنا نقد ادبى فى تونس؟
أول ما يتبادر للذهن هو الجواب بالنفى. فعندنا فى تونس حركة شعرية لا شك فيها. وقد زعم المرحوم زين العابدين السنوسى فى مقال له بعنوان ((قصة الشعر العربى على أرضنا)) أن قائمة الشعراء التونسيين اليوم تبلغ 470 شاعرا (1) وعندنا حركة ظاهرة فى فن القصة وخصوصا فى السنوات العشر الاخيرة فان ما نشر منها فى كتب مستقلة أو فى الصحف الأدبية ومجلات ((الندوة)) و ((المباحث))
و ((الفكر)) وغيرها كان ذا مستوى طيب ((وبعضها من مستوى يمكن وصفه بأنه مستوى ممتاز وذلك بالمقابلة بما ينشر من القصص فى اللغات التى لها تقاليد قصصية)) (2).
أما النقد - باعتراف كثيرين ممن كتبوا عنه - فانه لا يزال فى أزمة. يقول الدكتور الحبيب الجنحانى فى صفحة العمل الادبية فى سانحته بعنوان ((ازمة النقد)): أما النقد الادبى فلم يستطع أن يواكب حركة ازدهار الانتاج الفكرى فى الميادين الاخرى وبقى يشكو الهزال والندرة والقليل من الانتاج الادبى النقدى الذى نقرؤه أو نسمعه أحيانا تنقصه الموضوعية والدقة وهما الدعامتان الاساسيتان في كل حركة نقدية بناءة (3).
وقد جاء لكاتب هذه السطور فى مقدمة دراساته لاتجاهات الشعر التونسى الحديث: ((لماذا كان النقد فى أدينا الحديث منزويا ولماذا طغت فنون الادب
الاخرى وظل النقد منكمشا على نفسه لا يرفع صوته ولا يدل على مكانه ولماذا كان الشعراء عندنا يعدون بالعشرات ولكنا لا نجد الناقد بازاء الشاعر يجلو المحاسن، وينبه على العثرات ويحارب الاسفاف والركاكة، ويدل على المذهب الاصيل والطريق اللاحب ألأننا نكره النقد ونفزع منه ونعتبره عنوان العداوة الشخصية. أم لأن الناقد يرهب الخصومة ويؤثر العافية والسلامة؟ (4).
وتتجلى هذه الظاهرة - ظاهرة ندرة النقد فى الادب التونسى - فى عدم وجود أى كتاب خاص بالنقد سواء منه ما يتحدث عن مذاهبه وتياراته أو ما يتناول آثارا بعينها ويعرضها على المحك كما نرى ذلك عند مارون عبود أو ابراهيم العريض أو محمد مندور فضلا عن العقاد وطه حسين والمازنى.
ومهما يكن من أمر فان من يتدبر قضية النقد الادبى عندنا، ويستقرىء المجلات والصحف الادبية التى صدرت خلال السنوات الاخيرة يرى اننا أصبحنا نتجه بخطى حثيثة ثابتة واهتمام متزائد نحو هذا الفن الصعب.
مظاهر الاتجاه نحو النقد وقضاياه:
ان حركة النقد فى تونس وان لم تدخل فى طور التخصص والتأليف فانها قد اتخذت مظاهر عديدة تبدو لنا حول حركات فكرية ظهرت، وآثار شعرية ونثرية نشرت ودراسات وفيرة لقضايا الشعر المعاصر والقديم وخصومات أدبية أثيرت واستمر النقاش حولها زمنا طويلا كخصومة التجديد والتقليد وخصومة الشعر الحديث والالتزام فى الادب ومسألة الرمزية والواقعية وغير ذلك من المشاكل.
فمسألة التجديد والتقليد مثلا قد دارت حولها مناقشات بدأت من التساؤل هل من المفيد أن نتبع حركة التجديد ونفسح المجال للشبان فى المجلات والصحف ليكتبوا ما يشاءون تشجيعا لهم وتهيئة لأقلامهم الجديدة أم نغلق الباب فى وجوههم حتى تتم لهم الأداة وتشتد منهم السواعد - فمنذ صدور العدد الثالث من مجلة ((الندوة)) كانت كلمة الافتتاح فيه تعالج هذا الموضوع. فكاتب هذه الافتتاحية يرى أنه من باب الغش للشاب والتغرير به أن نجعله يعتقد اعتقادا خاطئا انه قد اكتمل ونضج واصبح قادرا على الانتاج المستوفى الشروط الفنية وبذلك نوقف نموه عند هذا الحد فيعيش حياته مشلولا شللا أدبيا فاجعا (5).
ويكتب الاستاذ أحمد خير الدين للمجلة مؤيدا وموافقا ثم يغتنم الفرصة لاعلان رأيه فى أصحاب التجديد المزعوم الذين يأخذون بيد النشء وهم فى الحقيقة يقودونه الى طرق شائكة ملتوية تنتهى به الى مهاو سحيقة فيقول: ((لقد
كنت وما زلت ليس من رعيل المحافظين فقط بل ومن أشد الناقمين المعارضين لأولئك الذين يزعمون أنهم من أنصار التجديد فى الأدب والذائدين عنه أشباح الفناء ... هؤلاء ما هم فى الحقيقة الا دعاة فتنة ومعاول تهديم)) ثم يهيب ((بذوى العقول الراجحة)) أن يلقموا كل ناعق سخيف النظم والنثر صخورا من الجحيم ويسقوه شرابا من حميم وأن يلقوا بانتاجهم الهدام السام فى أتون النسيان والبوار ... الخ. (6).
ويعيد الكرة فى مقال ثان يفتتحه بقوله ((قلت فى القطعة الاولى من حديثى عن رسالة التوجيه وأنا هادىء الاعصاب، مؤمن بما أقول، وكافر بما يسمى أدبا جديدا بالمعنى الذي تعورف به الآن ذلك الادب المشوه المسيخ الذي قوامه خلبطة واعجام وشذوذ وابهام واسفاف فى الاستعارات واغراب فى الكنايات وكفر صراح بقواعد العربية وتحريف صارخ للآيات القرآنية وتستر برداء ما سموه بالرمزية ...)) وفى آخر المقال يرى أن من أهم المآخذ التى يأخذها على أولئك المشجعين للناشئة ارادة القضاء على الشيوخ وقطع صلة الشباب بمن تقدمهم وفى هذا يقول: إن أولئك النافخين فى بوق ما سموه بالادب الجديد - على علاته - بدعوى أن الزمان يفرض عليهم التطور بحكم تطوره وناموسه يرون القضاء على الشيوخ وقطع كل ما له صلة بالقديم (7).
ويغتنم الاستاذ حسين الجزيرى الفرصة ليبدى رأيه فى كلمة ((الندوة)) فيسميها كلمة الحق حيال ما يطمح اليه الشباب ليحاكى كبار الادباء ويود أن يكون له مثلهم شعر ونثر ويقول ساخرا ((يسوغ أحد أولئك الادعياء لنفسه أن يرفع القلم ليخط كلاما سقيما وعبارات جوفاء لا لب فيها ولا معنى ... فلا تفيدك أقواله إلا أنه سئم الحياة بين البشر فتأبط نايه وهرع فوق أجنحة الاثير المترجرج الى سفح جبل لا يرى فيه انسانا لأن بني آدم لم يفهموا حكمه ولم يفقهوا سيكولوجيته المتعانقة مع الهيولى فى فضاء لا نهائى (8).
ويحاول الاستاذ الهادى العبيدى أن يقف موقفا معتدلا من القضية فيقول: ((ان اليوم ليس يوم الشيوخ بل هو يوم الشباب - غير ان هذا لا يمنع من الاعتراف بالفضل فى قيادة الشباب المتزعم اليوم للاضطلاع بأعباء حمل المشعل وتأدية الرسالة الى أولئك الشيوخ الذين تقدموه وكافحوا ووجهوا وأناروا السبيل أمامه وعبدوه (9).
وقد وجه الاستاذ المنجى الشملى الخطاب الى أحمد خير الدين ردا على رسالته ((للندوة)) وانتصر فيه للشباب ولدعاة التجديد ومما قاله: ((رأيتك تهاجم
أنصار التجديد فتنحي عليهم باللائمه والشتم ... ان كنت حقا من الناقمين على أنصار التجديد - التجديد فى كل شئ طبعا - فما لك تسائر عصرك فى المأكل والمسكن واللهو والتسلى ... ليس السبيل على الذين يعملون على تكسير الاغلال لينظروا ببصر جديد فيسايروا العالم ويسايروا العصر وانما السبيل على من يريدون ان يكون شعارنا: اجمدوا وداوروا ونافقوا اولئك هم حجر العثرة (10).
هذا نموذج من المعركة التى دارت بعنوان التجديد والمحافظة الى أن انقلبت الى معركة بين الشيوخ والشباب. وما زلنا نذكر الفصول العديدة التى هاجم فيها الشباب جماعة الشيوخ ولقبوهم بأصحاب ((الأبراج العاجية)) ونعتوهم بالعقم والافلاس وهذا بلا شك يقابل ما يضيفه الشيوخ الى الشباب من ضحاله وغرور وفجاجة وضعف فى الأداة.
ويذهب الدكتور الطاهر الخميرى فى مقاله ((التجديد ومقاولة التجديد)) الى قريب من هذا الرأى فيقول: ((فكرت كثيرا فى سبب هذه الظاهرة الغريبة فلم أجد غير هذا: يميل بعض المجددين الى تقديم آرائهم فى صور مختلفة من التحدى. عوض أن يقولوا هذه سبيلي فمن شاء فليقبل ومن شاء فليرفض يقولون ما يشبه هذا هو الصراط المستقيم فاتبعوه أيها الجاهلون المتأخرون الجامدون المتزمتون كما يميلون الى استعمال نوع من الجرأة يظهر وكأن الغاية منه هى أن يقال ان صاحبه مفكر جرئ - هذا التحدى يغرى البعض باتخاذ موقف من يجد نفسه فى مأزق فيدافع كيفما اتفق وبما حضر من السلاح ... وتلك الجرأة تدفع آخرين الى مقابلة الجرأة بالجرأة فينسى الهدف وينصرف كل الاهتمام الى (الخصم) الجرئ (11).
ويرى الاستاذ الشاذلى بو يحيى أن تيار المحافظة عند الشرقيين كان دائما أظهر من تيار التجديد عندهم حتى فى هذا العصر. وفى ذلك يقول من مقال بعنوان ((بين التقليد والتجديد فى الادب العربى)): لقد أفاق العرب من نعاسهم وليس لديهم من الزاد الا القديم العتيق أو زبدة ذلك القديم جمعها الجامعون. لذلك اكتست نهضتهم أول ما اكتست بذلك الثوب العتيق الجليل وترعرعت النهضة وهى الآن فى سن القرن أو تزيد ومرت بها أطوار وتنازعتها نزعات أخطر ما كان منها عليها فتنة الغرب الخلاب - فكان فى ذلك ما كان فى ما مر من الزمن: رقص الشرق ما شاء على نغمات الغرب وتوقيعه وندب ما شاء فقره وعيلة لغته إلا أنه لم يتخل عن القديم ماسكا بأذياله متشبثا به تشبت الغريق بخشبة النجاة ويقينه أنه متى عدم قديمه مستندا زلت قدماه فجره السيل الى الفناء فى هوة الغرب النهم (12).
وهكذا تستمر معركة التجديد والتقليد الى يومنا هذا فى انتاجنا الادبى ولا سيما فى ميدان الشعر - وانى أحيل القارىء الى المقال القيم الذي كتبه الاستاذ المنجى الشملى فى صفحه العمل الادبية بعنوان ((الشعر العربى المعاصر بين السلفية والاجتهاد)) فقد انتهى فيه بعد عرض نماذج كثيرة للمشارقة والتونسيين الى انه يمكن أن نعتبر أن الشعر العربى قد سلك طرقا جديدة بتفاوت بين الشعراء فى مختلف البلاد العربية منذ سنة 1946 ... وقد ركن الكثير منهم الى صياغة شعرية بعيدة عن صياغة السلف اجتهادا منهم فى أن مضمونا جديدا يقضى باحداث شكل جديد ولكن منهم من لم يروا (تحليل) الاجتهاد فى أوزان الخليل مرتبطين بشكل التراث الشعرى ارتباطهم بأصول التشريع جاعلين من الاخلاص للعقيدة الشعرية الموروثة اخلاصا الى العقيدة الدينية (13).
تيارات ادبية وكتل:
فى شهر نوفمبر من سنة 1961 ألقى الاستاذ صالح القرمادى بدار الثقافة بتونس محاضرة كان لها بعض الصدى وكانت محل كثير من التعليقات وقد نشرت بعنوان ((محاولة للتعريف بأسس للأدب التونسى الحديث)) حاول فيها أن يعطى صورة للأدب التونسى بتصنيف المشتغلين به الى كتل ثلاث عرف كل كتلة بخصائصها وأورد جانبا من الشواهد على تلك الخصائص بعد أن ذكر فى مقدمة المحاضرة ما يلقاه الناقد من صعوبة فى دراسة ذلك الموضوع وهي صعوبة تنشأ من تعلق النقد بكتاب وشعراء ومؤلفين معاصرين ما زالوا أحياء يرزقون ومن أن الدراسة لا بد لها أن تتعرض الى بعض أفكارهم بالحكم والنقد مما من شأنه أن يثير فى بلدنا بعض المشاكل الشخصية ... ((وقد تعرض بعض أدبائنا وكتابنا في الماضى الى هذا الداء العضال المتمكن فى شخصيتنا والذى يجعل منا قوما ينفعلون للنقد ويسخطون على كل من أخذ قلما فتعرض لفكرة من الافكار بالحكم والنقد (14).
أما الكتل الثلاث فهى فى رأى المحاضر أولا الكتلة التى تمثل العنصر العربى المحض رغم تأثرها المحتوم والى حد ضئيل بروح العصر وباحتكاكها بالحضارة الاروبية وهى طائفة يشخصها فريق عظيم من رجال الادب ربما صح أن نقول الفريق الاعظم منهم. انهم ينتحلون الشعر خاصة بل أحيانا لا يكتبون إلا الشعر ولا ينتحلون منه عادة إلا ما جرى على الاوزان العربية القديمة فيدافعون فيه - فى لغة عربية فصحى - عن حضارة العرب التليدة ومجدهم الخالد ويصرخون ويتألمون لمظاهر انحطاط البلاد فى القرن العشرين وينادون بنيها الى الخروج من الركود ومحاولة استرجاع مجد الجدود كما نراهم ينادون
بالذود عن القيم الدينية الاسلامية وبعدم مجاراة مظاهر المدنية الاروبية المنافية لتعاليم الدين الحنيف كسفور المرأة والاختلاف الى المراقص والتدهور الاخلاقى.
هذه الكتلة هى كتلة المحافظين التقليديين (15).
وعد منهم محمد الشاذلى خزنه دار وبلحسن بن شعبان ومحمد الصالح النيفر ومحمد الفائز ومحمد المكى بن الحسين ومحمد مناشو وسالم الاكودى ومحمد الخضر ابن الحسين وصالح سويسى وعبد الرزاق كرباكة.
والكتلة الثانية تمثل نزعة متأثرة بالحضارة العربية تأثرا عميقا، ومتمسكة بتعاليم الدين الاسلامى تمسكا ظاهرا إلا أنها متأثرة أيضا بما ادخلته الحضارة الاروبية من أساليب التمدن والتفكير الجديدة فى البلاد فهى تقبل حضارة العرب القديمة إلا أنه يبدو أنها لا تقف عندها ولا تقنع بها وحدها فتثور نوعا ما وتريد تطوير هذه الحضارة العربية ... وهذه الكتلة ليست ائتلافية بل يمثلها أناس نجد فيهم الثورى المنادى بالتجديد الكلى كما نجد فيها الداعى الى التجديد فى احتراز (16) ومقومات نزعتها العامة عند المحاضر هي الميل الى الثورة وحب التجديد والتطلع الى أحوال الشعب والطبقات الكادحة وارادة تحسين حالته الاجتماعية وخاصة حالة المرأة وعدم الاكتفاء بالحضارة العربية القديمة والسعى فى بناء حضارة عصرية جديدة تأخذ من الغرب (17).
وذكر من أفراد هذه الكتلة الشابى والطاهر الحداد وسعيد أبو بكر وحسين الجزيرى والهادى المدنى وأحمد خير الدين ومحمد بو شربية وابراهيم بو رقعة وقد انتحل هؤلاء عادة لغة سهلة شعبية تنزل أحيانا الى الدارجة.
أما الكتلة الثالثة فهى التى تأثرت بالحضارة الاروبية ولغتها وأساليب تفكيرها أكثر مما تأثرت بالحضارة العربية ولغتها وأساليب تفكيرها. ويمثل هذه الكتلة جميع مفكرينا وكتابنا الذين درسوا أولا بالصادقية ثم التحقوا بمعاهد فرنسا ثم رجعوا وقد تثقفوا ثقافة عليا فرنسية ونهلوا من أروبا نصيبا عظيما ... وهؤلاء لم ينتحلوا الشعر البتة ونراهم يتخذون النثر للتعبير عما خالج ضمائرهم من مسائل ونراهم يشاركون فى تحرير الفصول النقدية والتحليلية فى الصحف والمجلات (الثريا والمباحث) وفى تصنيف القصص الصغيرة التى تتناول مشاكل الحياة بصفة عامة أو مشاكل الواقع التونسى.
ويختم المحاضر باعطاء رأيه فى قيمة الأدب التونسى بهذه الكلمات:
((ونحن نقول انه لا ينبغى أن يبدى الانسان فى الحكم على قيمة الادب التونسى المعاصر ومصيره تفاؤلا مبالغا فيه كما يفعل البعض من نقادنا المطبلين المزمرين الذين يمدحون أدبنا ويغالون فى تمجيد قيمته حتى تؤديهم مغالاتهم تلك الى اعارة القيمة الادبية لما لا قيمة له أو الافراط فى تعظيم ما مستواه معتدل بسيط وقيمته وسطى كما انه لا ينبغى أن يغالى المرء فى احتقار منتوجاتنا الادبية المعاصرة وفي الازدراء بها وتحقيرها مغالاة تقود بعضهم الى الحكم شططا بعدم وجود هذا الادب البتة (19).
وكانت هذه المحاضرة مجالا لابداء تعاليق من طرف بعض الحاضرين الذين اخذوا على المحاضر مآخذ لا تخلو من وجاهة واصابة ولا سيما فى تصنيف الكتل ووضع بعض الافراد فى كتله لا تنطبق وجهتهم على التعريف الذى اعطاه لها. ولكنا لم نر من أخذ على المحاضر اقتصاره. وهو يحاول التعريف بأسس للأدب التونسى. على الستة والعشرين شاعرا الذين اختار لهم زين العابدين السنوسى أشعارا فى كتاب صدر منذ ما يزيد عن ثلاثين سنة. فهل معنى ذلك أن المحاضر يهمل جيلا كاملا من الكتاب والشعراء نشأ من وقت صدور الادب التونسى فى القرن الرابع عشر أى سنة 1927 الى زمن المحاضرة وهو سنة 1961 - لان الكتلة الثالثة لا تعنى إلا من تثقفوا بالصادقية ثم بمعاهد فرنسا العليا.
أما الاستاذ محمد مزالى فيرى أن وضع الادب التونسى الحديث وضع انتقالى اذ يتجاذب الادب التونسى اليوم تياران: تيار تقليدى وهو التيار المحافظ الذي يمثله أدباء يتجهون بأنظارهم الى الشرق والى الماضى معتمدين على أصالة الثقافة العربية قاصرين رغبتهم على اكتشاف ثروات السلف وتيار ثان يمثله أدباء تعلموا فى المدارس الفرنسية قطعوا ببلادهم وماضيهم كل صلة وأصبحوا لا يفكرون ولا يرون الأشياء إلا بمنظار الثقافة الفرنسية والاروبية - ويوجد بين هذين التيارين أدب تونسى أينع على أيدى أصحاب الثقافة المزدوجة من الصادقيين بالخصوص يمتاز بطرافته وحرصه على التوفيق بين انتمائنا الى ماض مجيد وانتسابنا الى الادب العربى من ناحية ووجودنا فى عالم حديث ولا سيما العالم الاروبى من ناحية اخرى (20).
قضايا النقد من خلال المجلات والصحف الادبية:
إن الذى يرجع الى مجلاتنا وصحفنا الادبية الصادرة خلال السنوات العشر الاخيرة بالخصوص يجد الاهتمام بالنقد يتزايد عاما بعد عام ويرى الكتاب يولونه عناية أكثر فأكثر - والحقيقة ان هذه العناية لم تكن موجهة الى درس
مناهجه ومذاهبه والتعريف بمدارسه وأئمته فى الشرق والغرب بصورة مركزة بل كان الاهتمام منصرفا الى مبادئ عامة منه أو مشاكل جانبية كالشكوى من ندرته فى انتاجنا الادبى أو محاولة اقناع الادباء بتقبله بصدر رحب وعدم الفزع منه كلما وجه الى أثر من آثارهم المنشورة أو الحث على ترك الانتقاد الذى يتناول الاشخاص واختيار النقد البناء الذى يرشد ويقوم ولكى نعطي صورة من هذه المسائل فاننا نعمد الى اقتطاف بعض الفقرات مما كتب فى تلك الاغراض. فمنذ سنة 1956 كتب أحد الباحثين فى مجلة الندوة يعزو أزمة الانتاج التونسى فى الادب الى أساليب النقد التى نالت من ذلك الانتاج. ((فأصلت فى جانب من المثقفين عقدة نفسية جعلتهم يخافون النقد فيضنون بالفكر على مجتمع ظامىء اليه حتى اذا سألت أديبا لماذا الانزواء والانطواء على النفس أجابك اجابة تفيد انه يخاف النقد (21).
ويشكو احد الشباب المتأدبين من فقدان النقد الموجه الرافع لحيرة الشبان الذين يسميهم ((القطيع الضائع)) فيقول فى جملة ما يقول ((... فعسى أن تتيح الظروف لدارسى الادب بتونس التعريف بخصائص المذاهب الشعرية لشعرائنا ومفاهيم الحياة عندهم وتجارب البشرية فيها حتى يكشفوا لنا عن قيم جديدة للفكر التونسى الحديث لنسير نحن على خطاهم ... الخ. (22).
وهذا شاب آخر يكتب فى صفحة الصباح الادبية مقالا يجعل عنوانه: ((حاجتنا الى النقد التوجيهى الموضوعى)) يذهب فيه الى أنه ليس لنا نقد ولا بقاد وان كان مما لا شك فيه ان لنا ادبا وأدباء. ويختم مقاله بقوله: ((اذن نحن فى حاجة الى النقد ولكن أى أنواع النقد نحن فى حاجة اليه؟ ويجيب باننا فى أشد الحاجة الى النقد التوجيهى الموضوعى كتابا وقراء على السواء - فحاجة الكاتب الى الارشاد والتوجيه ومعرفة مواطن الضعف والغثاثة فى أثره وبالتالى دفعه الى العمل المجدى لا تقل عن حاجة القارىء الذى يجد فى نقد أثر ما نورا يرهف حسه ويربط صلات التجاوب بينه وبين الكاتب (23).
ويذهب الاديب محمد مصمولى فى كلمته بعنوان ((النقد وضرورة التحاضن الفكرى)) الى أن الادب التونسى قد حقق منذ الاستقلال فوزا فى حصيلة الجهود الادبية ونتاجا لا تعوزه الاصالة الفنية والفكرية ولا سيما فى ميدانى القصة والشعر ((أما إذا أنت ترصدت ومضات النقد وتحسست صدقها وشمولها فقد تراود أجفانك أوهام من النقد ولا نقد وتجد اقلاما غير مختصة أقحمت نفسها فى المعركة ولا معركة)) وهو يطلب من المشرفين على المجلات والصحف الادبية بأن يتبنوا منهاجا يضبط مستوى أدنى للاقلام الطويلة والقصيرة حتى نضمن بذلك زمالة فكرية تترفع عن الدسائس التى تحاك بين أخوة الادباء وننجو مما
وصلت اليه بعض بلدان فى الشرق والغرب جعلت شعارها الاعلى فى النقد أنظمة قبلية يحتدم فيها وطيس التناحر والتطاحن (24).
أما عن نزاهة النقد والبعد به عن المهاترات والخصومات الشخصية فقد تناول هذه الناحية كتاب كثيرون وجعلوا منها شرطا أساسيا لازدهار النقد.
يقول الاستاذ حسن الزمرلى فى مقال بمجلة ((الندوة)) بعنوان ((بين النقد والاستنقاص)): إذا ما تجاسر واحد فقدم عملا ما نرى الناس يعرضون عن تشجيعه ونراهم ينتظرون بفارغ الصبر ذلك الذى سيقف من بينهم عقبة فى طريقه ليتناول البحث فى عمله بنية خبيثة فيأخذ فى التفتيش عن نقطة الضعف فى ذلك العمل؛ واذا ما اهتدى اليها وظفر بها فانه يضعها تحت مجهر يضخمها الى أن تطغى على كل ما جاء حسنا ومفيدا فى ذلك الانتاج - واذا غابت منه تلك النقطة فانه يحول نظره من الانتاج الى المنتج فيبحث في حياته الشخصية عسى أن يجد فيها ما يمكنه من النيل منه فلا يتردد عن وصفه بجميع النعوت فى كرامته وفى شرفه ويجعله موضوع سخرية وحديث الاندية بينما كان ذلك المنتج المسكين ينتظر أن تحمد أعماله، وأن يشكر على المجهود الذي قام به فى سعيه وراء إفادة مجتمعه)).
ويختم الاستاذ الزمرلى مقاله بذكر جملة آراء لاصلاح هذه العقلية الضارة ويقول: إن النتيجة لا تحصل الا اذا تفهمنا جيدا معنى النقد وأدركنا حقيقته وعرفنا قيمته فى انارة أفكار الشعوب والجماهير وتوجيهها وتشجيع العاملين الحريين بالعناية والجديرين بالاعانة والاكبار ... فلنكف اذن عن الانتقاد ولنهتم بالنقد الصحيح ووظيفته فى تقدير العمل وترتيبه وتبويبه وتفسيره.
ولكن هل معنى هذا كله انه لم يوجد فى الأدباء والنقاد من كتب فى مذاهب الادب والنقد وعرف بطرف من مفاهيمه ومدارسه فى الشرق والغرب.
الواقع أن الباحث فى الانتاج التونسى لا يعدم هنا وهناك مقالات وفصولا فى هذه المذاهب والتيارات ومواقف تختلف باختلاف الأمزجة ونوع الثقافة وضروب الكتب والكتاب الذين تأثر بهم الدارس والناقد.
سئل الدكتور الطاهر الخميرى: هل تؤمنون بهذه المذاهب الكثيرة فى لادب على التخصيص وأيها تختارون فأجاب: انها لفتنة هذه المذهبية وأنا لا أومن بها ولا أختار منها شيئا - أفهم أن يصنف الناقد أو مؤرخ الادب بعض الاعمال الادبية حسب بعض المذاهب والنظريات ولا أفهم ان يتعمد الاديب الانتاج حسب مذاهب ونظريات - الانتاج حسب مذهب من المذاهب يجب أن
يكون عن غير قصد وعن غير وعي وإلا كان تصنعا باردا وتكلفا ثقيلا اذا قال الاديب أنا رمزى مثلا أو أنا واقعى فقد هلك (26).
وسئل الاستاذ محمود المسعدى: هل من سبب واضح فى اتجاهكم الى الادب الرمزى - فأجاب: قد ذهب الناس الى أن اتجاهة الادبى رمزى واخشى أن يكون بعضهم ينعتون بذلك الغامض المبهم من كلامى وبعضهم يشيرون به الى المعقد من معانى ... على أنا اذا اتفقنا على أن الرمز هو اللطف فى الاشارة والايحاء فقد يصح انى لست متجها الى الادب الرمزى فقط بل ملتزم للرمز اجتهادا - فاللغة التى أكتب بها رمز لطيف إذ العربية تكره التكرار والتحليل والالحاح والتفهيم الثقيل ... اما ان كان الرمز مما يتصف به التعبير فهو بالمعانى ألصق وجوهره بجوهرها أليق (27).
فهذا مفهوم للرمزية عند أشهر كتابها
وهناك مفاهيم أخرى لها نشير اليها اشارة عابرة فهى عند الشاعر عبد الرحمان الخبثانى أسلوب من أساليب التعبير عن الخواطر والعواطف والآراء لا يقوم على الصراحة والوضوح وانما يقوم على الاشارة والايحاء كما يتصورها الرامز وتعيش فى كيانه. وهي فى حد ذاتها غير معيبة ولا شائهه وانما تصبح كذلك اذا كتب بها من لم يتمرس بالأساليب الواقعية من قبل فالكتاب الغربيون جعلوا منها مدرسة بعد أن ثافنوا الاسلوب الواقعي ثم تحرروا منه لخلوه من الطرافة والمتعة الفنية. ويرى أن الرمزية تتلاقى مع البلاغة العربية فى ما نسميه بالمجاز المرسل والاستعارة والكناية - وما أبعد هذه الرمزية الشفافة المعقولة غير المغلقة وغير المغرقة عن رمزية جماعة من الكتاب فى لبنان وغيرها صبغت الادب العربى منظومه ومنثوره بصبغة الالغاز والاحاجى وجعلته طافحا بالابهام والغموض وجعلت كل عاجز بليد الطبع يتستر وراءها (28).
وهى عند الاستاذ محمد الصادق بسيس مذهب غامض وانه ضرب من التعبير لا تهضمه إلا عقول الخواص من أهل المعرفة وانه مذهب يقف على طرفى نقيض من المذهب الأدبى الآخر مذهب الوضوح العقلى والتحديد المعنوى والضبط الهدفى - لذلك هو يلوم الشاعر نور الدين صمود على اتخاذه الرمزية
وسيلة لاصلاح العقلية الشعبية الشاذجة حين كتب قصيدة ((الأصنام والسنابل)) (29).
ويجيبه الاستاذ نور الدين صمود: أنا أومن بالرمزية كمذهب أدبى له رواده وله روائعه فى شتى الآداب العالمية وله جدواه - على أن أئمة الادب يفرقون بين الغموض الناشىء عن عجز فى التعبير والغموض المتعمد لأغراض فنية ولا يرضى الادباء أن يمحى هذا المذهب الادبى أو تطمس مزاياه لمجرد أن رجل الشارع لا يفهمه (30).
كما أن المتصفح لمجلاتنا الادبية لا يعدم فيها دراسات لمذاهب أدبية وتيارات فكرية لا تخلو من فائدة لتكوين ذوق القراء والمتأدبين أو تعريفهم بتلك المذاهب وها نحن أولاء نكتفى بذكر عنوانات تلك الدراسات ونحيل من يريد الاطلاع عليها الى مصادرها لضيق المجال:
(1) ((الرمزية فى الأدب وظهورها بتونس في القرن 13 ه.)) بقلم : محمد الهادى العامرى.
(2) ((المدارس الفكرية فى تونس)) بقلم: محمد فريد غازى. (3) ((أدباءنا والأديولوجيات)) بقلم: الطاهر وطار. (4) ((الأدب بين الحقيقة والواقع)) بقلم: عبد العزيز قاسم. (5) ((بين التجديد والتبعية)) بقلم: محمد الأمين خلفة (35).
حركة نقدية وخصومات:
بعد هذه الجولة القصيرة خلال الكتل والتيارات والمذاهب يحسن بنا أن نحاول القيام بعملية احصاء عاجلة لما يمكن أن نسميه ((حركة نقدية)) نكتفى فيها بالاشارة والتذكير ونترك التعمق والتفصيل واستخراج المميزات الى مجال أوسع وظروف مؤاتية. ولنتساءل أولا هل توجد لدينا مؤلفات تدخل فى باب النقد الادبى أو تمت اليه بسبب من الاسباب - وسوف ينكر علينا بعض الناس ذكر كتب - فى هذا المجال - هي أدخل فى باب تاريخ الادب أو الترجمة الشخصية منها فى باب النقد الادبى ولكننا نفضل التوسع فى اطلاق هذه
الكلمة حتى ولو كان النقد من باب التقريظ أو من باب النقد الاجتماعى فلكل شئ بداية ثم يخضع لقانون التطور أو يتجه الى ميدان التخصص - ومن رأيى أن أول كتاب يتحدث عن النقد هو كتاب ((الخيال الشعرى عند العرب)) الذى نشر سنة 1928 والذي ينتقد فيه الشابى بحماس الشباب جوانب عديدة من مسائل الادب العربى انتقادا بعيدا عن الموضوعية العلمية بل هو أشبه شئ ببيان Manifesto مدرسة ثورية فى الادب تريد أن تبدل مفاهيمه وتحول وجهته - ومن الكتب التى نعتبرها ذات نزعة نقدية ظاهرة كتاب الاستاذ الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور ((الحركة الأدبية والفكرية بتونس)) الذى وان كان يمكن عده فى تاريخ الادب الا أن الصورة الموجزة المركزة التى يقدمها لكل أديب ويبرز فيها أهم خصائصه وميزاته الادبية تجعله جديرا بأن يعد من كتب النقد - أما كتاب المرحوم زين العابدين السنوسى الذى صدر جزؤه الاول سنة 1927 بعنوان ((الأدب التونسى فى القرن الرابع عشر)) فيمكن عده من صميم كتب النقد زيادة على انه كتاب مختارات شعرية وقد وفق فيه المؤلف الى كتابة تراجم للشعراء الستة والعشرين الذين اختار لهم ولم يكتف فى الترجمة بذكر سنة الميلاد وحياة الشاعر بل عمد الى تحليل شخصيتهم الأدبية واستخرج من أدبهم سمات تبرز مميزاتهم وقيمة شعرهم من النواحى الفنية والاجتماعية. وللدكتور الطاهر الخميرى كتيب بعنوان ((مكافحة الثقافة))، عالج فيه بأسلوبه الواقعى الدقيق - زيادة عن بعض الموضوعات الاجتماعية - جملة مفاهيم لكلمات تستعمل فى غير معناها أو فى غير موضعها عند الكتابة - ويمكن أن نعد كذلك من كتب النقد كتاب ((مع الشابى)) لكاتب هذه السطور وهو يحتوى ما نشر عن أدب الشابى من نقد ودراسات وردود ثم كتاب ((شاعران: الشابى وسعيد أبو بكر)) وهو دراسة أدبية ونقدية لشعر هذين الشاعرين استعرض فيها مؤلفه مصطفى رجب بالخصوص شعر سعيد أبى بكر الذي لم يدرس الى ذلك الحين دراسة جدية ومن الكتب التى ألفت عن الشابى كتيب لطيف لمصطفى الحبيب بحرى نشره بدمشق سنة 1961 - أما الطاهر الحداد فقد خص بكتابين أحدهما لمحمد المرزوقى والجبلانى بن الحاج يحى والثانى لأبى القاسم محمد كرو.
كما تتجلى الحركة النقدية فى هذه الثروة الطائلة من الدراسات والمقالات والمناقشات التى دارت أو كتبت منذ ثلث قرن عن حياة الشابى وأدبه وحول آثار على الدوعاجى ومحمد العريبى والطاهر الحداد وعبد الرزاق كرباكه وغيرهم من أدبائنا الراحلين. وقد احصينا فى كتابنا ((مع الشابى)) جميع الدراسات التى كتبت عنه الى وقت صدور الكتاب سنة 1955. لكن الكتابة عن الشابى أصبحت معينا لا ينضب عند الادباء والناقدين بتونس وفى البلاد العربية وفى خلال السنوات العشر الاخيرة كتبت عن الشابى دراسات نقدية تغلب عليها الموضوعية والبحث الرصين نذكر منها دراسة الاستاذ عامر غديرة بعنوان ((محاولة جعل اطار لترجمة الشابى)) (36).
ودراسة المرحوم محمد فريد غازى بعنوان " كيف ندرس الشابى " (37) ومرض أبى القاسم الشابى (38) ومقال الاستاذ الشاذلى بو يحيى بعنوان " أبو القاسم الشابى والشاعرية الحق " (39). وفى السنة الماضية خص الشابى بعشرات الدراسات بمناسبة مهرجانه ونشر معظم هذه الدراسات في عدد خاص من مجلة الفكر (40) .
أما رواية السد التى نشرت في جانفى 1956 بعد ترقب طويل وشوق مديد فقد تلقتها الاوساط الادبية كحدث تاريخي هام لا في أدبنا التونسي وحسب بل فى الادب العربى المعاصر ولا نبالغ اذا قلنا أن ما كتب عنها نقدا وتحليلا قد دفع النقد الادبى بتونس دفعة قوية نحو الجدية والنضج ففي خلال تلك السنة اشتغلت الصحف الادبية والمجلات بنشر الدراسات الفاحصة والنقد التفسيرى لهذه الرواية (41) .
وفى السنة الموالية لصدور السد نظمت الجامعة الحرة ندوة أدبية علنية دار فيها نقاش طويل شارك فيه ثلة من الاساتذة الجامعيين حول الرواية فوقع الحديث عن شخصياتها والمشاكل الفلسفية التى تثيرها كما تناول البحث جوانبها الفنية كمسألة الخيال والاسلوب الكتابى وشخصية المؤلف من خلالها ومشكلة الفعل والمرأة فى السد وغير ذلك . وختم مؤلف الرواية الاستاذ محمود المسعدى النقاش بالقاء أضواء على شخصيات روايته وما ترمز اليه الاشخاص من معانى كما شرح بعض المواقف التى وقع الخلاف في فهمها وتأويلها (42) .
أما عن موضوع الرواية نفسها فقد لخصه الاستاذ المسعدى لمبعوث مجلة الآداب " البيروتية فقال : " هي رواية عالجت فيها مشكلة الفعل والخلق الانسانى من بعض وجوهها فهى تتناول مشكلة وجودية تنتسب فى جوهرها
الى بعض ما عالجته فى القديم الميتولوجية اليونانية الخالدة وعالجه فى العصر الحديث الكثير من كتاب الغرب ومفكرية ولكنها مع ذلك منزلة تنزيلا فى صميم الفلسفة الوجودية الشرقية أو بالاحرى الاسلامية بكل ما تذهب اليه من تحديد لماهية الانسان ومنزلته من الله ومن الكون ومن تقدير لامكانيات الانسان وفعالية ارادته ولقدرته وخلقه ولكل ما تحويه تلك الفلسفة من روعة الايمان وقوة الشك ( 43 ) .
ورغم مرور ما يقارب الاحد عشر عاما على صدور السد ورغم ما كتب صاحبها في الدفاع عنها وتفسير مراميها فهي لا تزال تحرك الاقلام الناقدة المفسرة ولا تزال محل اهتمام اهل الادب والفن . فقد كانت هذه الرواية بركة على حركة النقد فى تونس وآخر ما قرأناه عنها دراسة نشرت فى العمل الادبى بعنوان قضية الحقيقة فى تجربة غيلان بقلم الاديب على شلفوح وآخر ما سمعناه عرضها في الاذاعة في قالب مسرحية يوم 30 اكتوبر الاخير بعد أن قدم لها باقتطاف بعض آراء من كتبوا عنها فى الماضي من كبار الادباء والنقاد .
ومن مظاهر حركة النقد المعاصر بتونس تلك الفصول التى كانت تنشر فى الصحف والمجلات بمناسبة صدور كتاب " البعث " فى كل شهر وقد بلغ عدد الكتب المنشورة فى هذه السلسلة واحدا وثلاثين كتابا . فكان أغلب هذه الكتب يثير موجة من النقد والتقدير والتقييم تختلف قوة وضعفا ويدوم النقاش حولها حسب أهمية الكاتب أو الكتاب أو حسب الموضوع الذى يتحدث عنه (44) وكذا القول بالنسبة للروايات والقصص التى أحرزت على جائزة البلدية (45) .
أما ظهور دواوين الشعر فى السنوات الاخيرة فقد كان دائما من الحوادث الادبية التى تثير اهتمام النقاد والادباء وتدور فيها المناقشات والردود وتنظم حولها صفوف المؤيدين للشاعر والمتعصبين عليه بسبب أفكاره أو طريقته فى نظم الشعر أو تجوزاته البلاغية واللغوية . وما زلنا نذكر ما أثاره صدور ديوان " أفق " للشاعر محمد العربى صمادح (46) والنغم الحائر للشاعر الهادى
نعمان (47) وبقايا شباب للشاعر محمد المرزوقي (48) وشوق وذوق للشاعر مصطفى خريف (49) وأخيرا ديوان قلب على شفة للشاعر أحمد اللغمانى (50) بل إن قصيدا واحدا هو قصيد " الأصنام والسنابل " للشاعر نور الدين صمود قد أحدث حركة نقدية وأثار من القضايا الادبية والمواقف الصاخبة ما أظهر أن هناك عندنا تيارين من الافكار وجيلين من الادباء وأن المواقف والمفاهيم فى طريق التبلور والوضوح .
ويمكن أن نعد من النقد الصميم بعض الاذاعات التى يشرف عليها ثلة من الادباء الجهيرين من اصحاب النزعات النقدية الواضحة فأحاديث الدكتور الحبيب بلخوجة عن " شعراء الخلود " و " عرض الكتب " الذي يقوم به الاساتذة عبد العزيز قاسم ومحمد العربى عبد الرزاق وعبد العزيز الرياحي وجعفر ماجد وبرنامج " أضواء على قصيد " الذى يضطلع به عبد العزيز قاسم والندوة الادبية التى يعدها عبد المجيد بنجدو بعنوان " تيار الفكر المعاصر " لا عيب فيها جميعها إلا أنها تطوى بعد اذاعتها ولا تنشر على الناس فى المجلات والصحف إلا فى القليل النادر ، وهى - والحق يقال - خسارة على النقد الذى نحرص على انمائه واثرائه ونشره فى الاوساط الادبية .
والذى يلفت النظر فى هذه الحركة النقدية هو أن أغلب القائمين بها من كتبة النقد الذاتى التأثرى الذى لا يعتمد فيه الناقد على منهج معين بل يعتمد على ذوقه الشخصى وما يتركه العمل الادبى فى نفسه من أثر هذا المذهب فى النقد هو الغالب على نقادنا على اختلاف فى امزجتهم وتنوع فى ثقافتهم ؛ منهم من يفضله عن وعي واختيار ومنهم من يكتبه طبيعة واندفاعا مع ذوقه الخاص أما النقد الشيئى أو الموضوعي الذي يعتمد فيه على أصول ثابتة ومناهج مرعية أو يخضع فيه الناقد الاثر المنقود الى مقاييس مذهبية فقد اتجهت اليه الانظار منذ أن اتبعه الاساتذة الجامعيون الذين درسوا أصوله فى الجامعات الاروبية وبنوا عليهم أعمالهم التى تقدموا بها لنيل الدرجات العلمية .
ندوة عن النقد الادبى في تونس :
فى شهر أفريل الماضى نظمت أسرة الصفحة الادبية لجريدة العمل ندوة
تتركب من ثلة من النقاد تناولت بالبحث موضوع النقد الادبى فى تونس (51) وقد رأيت - اتماما للموضوع - أن ألخص ما دار فى هذه الندوة معتذرا عن عدم ايراد النقاش بلفظه مكتفيا بمضمونه فى الغالب طلبا للايجاز - وهذه أهم النقاط التى بحثت النقطة الاولى : أهمية النقد فى تطوير الحركة الادبية :
- الدكتور الجنحانى يعتقد أن حركة النقد الادبى عندنا فى حالة هزال وانها متأخرة نسبيا عن ميادين الانتاج الفكرى الاخرى .
- الأستاذ المطوى يقول انه ليس متشائما فى خصوص هزال النقد الادبى عندنا لأن بذوره موجودة . فبعد طغيان التقريظ أصبحنا ننظر الى الانتاج نظرة مساهمة فى عملية الانتاج أو البناء التى قام بها المؤلف . لكن النقد و ان بعد عن مرحلة التقريظ فانه ما يزال فى حاجة الى تركيز وتوجيه والى فهم حقيقي لوظيفة النقد .
- الاستاذ المهيرى يرى أن حركة النقد ضئيلة فى تونس ، وأن ضآلته مرتبطة بضآلة الانتاج نفسه لأن النقد هو وليد الانتاج الادبى ويمكن القول أن النقد لا يظهر إلا بعد تضخم الانتاج . ويضرب لذلك مثلا الامة الفرنسية التى ازدهر فيها النقد بعد أن أصبح لهذه الامة تراث أدبى ذو أهمية كبرى ولم يظهر فيها نقاد لهم قيمة وصيت إلا فى القرن الثامن عشر لأنهم وجدوا انتاجا وافرا غزيرا فتمكنوا من النظر فيه بالاضافة الى ما كان ينتج فى عصرهم .
- الاستاذ الشملى لا يوافق الذين يتحدثون عن حركة النقد فى تونس - و كأنها لا عهد لها به من قبل فقد كانت فى تونس حركة نقد غزيرة مصاحبة ومواكبه لتلك الحركة الادبية النشطة التى ابتدأت من هذا القرن وتبلورت هى والحركة النقدية معا الى وفاة أبى القاسم الشابى ويكفى القاء نظرة على صحف ذلك الوقت للاقتناع بحيوية تلك الحركة وما أثير فيها من مشاكل أدبية و دار فيها من مناقشات بمناسبة ظهور كتب شبان قيل عنهم إنهم متنطعون . ويجب ألا ننسى مجلة " المباحث " التى كانت مجلة أدبية فى شكلها ومجلة كفاح فى جوهرها والتي نجد فيها أيضا نقدا متسما بسمة العاطفة المبالغ فيها .
- الاستاذ الميدانى بن صالح يرى أن المشكلة التى تعترض النقد الادبي فى تونس ليمكنه أن يطور الادب هى أن فنون الادب عامة قد دخلها التحديد ( الشعر - القصة - كتابه المقال ) لكن لم تقع أية محاولة لتخديد الاساليب والمفاهيم النقدية . وهذا ما يفسر البعد بين الانتاج الذي أصبح يواكب العصر وبين النقد الذى ما زال متشبثا بالمفاهيم القديمة للبلاغة وللمعانى
الجمالية كما يفهمها الزمخشرى والجرجانى والسكاكى . فلا بد من وضع أسس ومفاهيم جديدة للمعانى الجمالية والاساليب البلاغية والصور الفنية ، إذ بذلك نتمكن من بعث نقد جديد يتماشى مع النهضة الحاضرة فى بقية فنون الادب التى دخلها التجديد .
النقطة الثانية : مشاكل النقد الادبى بتونس :
- الاستاذ الشملى - اذا كان النقد هو قبل كل شئ محاولة اكتشاف لتجربة ذاتية يقوم بها الناقد لاستكشاف تجربة انسانية قام بها شخص ما وأودعها فى قالب فنى ( قصة - شعر - مسرحية - سمفونية ) فانه يجب الاعتراف بان النقد كثيرا ما يكون فى تونس منبثقا لا عن البحث عن التجربة الذاتية بحثا موضوعيا ولكنه غالبا ما يكون متأثرا بحقد شخصى أو صادرا عن ضغينة شخصية أو عن الانتماء الى كتلة ثقافية ما تريد تحطيم كتلة أخرى والعكس بالعكس .
- الاستاذ ابن حميدة - يرى أن من مشاكل النقد عندنا هي أولا انعدام النقد لا فى الميدان الادبى فحسب بل في كافة الميادين الثقافية والفنية كالنقد الموسيقى ونقد معارض الرسامين ونقد المحاضرين والممثلين وغير ذلك ثم هناك ظاهرة أخرى وهى هذه المقالات النقدية أو المنتهية الى النقد ينشرها أناس يتحدثون فيها عن الفراغ الادبى والافلاس وينكرون فيها على التونسيين الذين سبق لهم أن انتجوا شعرا ونثرا كل مقدرة أو كل قيمة لما انتجوه ويملأون الدنيا انكارا وتشاؤما ونداء حارا لتدارك تلك الحالة وملئ الفراغ بينما هم لم يكتبوا كتابا ولم ينتجوا شيئا يشاركون به فى ملء ذلك الفراغ . . .
النقطة الثالثة - ما هو موقفنا من النقد الصادر عن أقلام لا تنتمى الى عالم الانتاج الفكرى ؟
- الدكتور الجنحانى : إن النقد الذى نقرأه لحد الآن هو فى غالب الاحيان صادر عن أقلام لم تثبت اثباتا كافيا انتماءها الى عالم الانتاج الفكرى . فماذا يكون موقفنا من مثل هذا النقد أو من هؤلاء النقاد الذين يبدأون انتاجهم الادبى بنقد الآخرين وكأن هدفهم الوحيد محاولة تحطيم انتاج الآخرين دون ان يحاولوا أن ينتجوا انتاجا ذاتيا قبل التصدى الى النقد .
- الاستاذ المهيرى : لا أدرى هل أنه يمكن أن يشترط فى الناقد أن يكون منتجا أم لا لو اشترطنا ذلك فاننا نخاف أن لا يكون لنا نقاد . . . لانهم متى نقدوا قيل لهم لماذا لا تنتجون . . . ينبغى ألا نطالب الناقد وألا نجيبه دائما وأبدا بانه يجب أن ينتج قبل أن يتصدى للناقد . فالناقد فى حقيقة الامر صاحب وضعية محرجة . هو انسان يبحث عن القيم وربما يعكر الجو بالنسبة للمنتجين . لهذا يجب ان نترقب وننتظر وان نقبل وجود نقاد ليسوا شعراء و لا قصاصين يستطيعون أن تكون لهم المقاييس والقدرة على ابراز قيمة ما يكتبه الآخرون .
النقطة الرابعة - هل يشترط فى الناقد أن يكون منتجا أو يكون قد أنتج من قبل أن يتصدى للنقد ؟
- الاستاذ المهيرى : إن المثل الاعلى الذى نصبو اليه هو ان يكون الناقد فى نفس الوقت منتجا وناقدا معا حتى يجرب صعوبة الخلق الادبى ويكون نقده على ضوء هذه الصعوبة وهذه التجارب ، وحتى بشعر بتلك التجارب من الداخل ويحيا القيم التى يقيس الأثر الأدبى على ضوئها ولكن اذا لم يوجد هذا النوع فلا يمكن أن يقيد وجود الناقد وأن نشترط فيه الانتاج قبل ذلك والا يجب عليه أن يسكت الى أن يكتب قصة أو ينشر ديوان شعر .
- الاستاد الشملى : اعتقد انه يستحسن أن يكون الناقد منتجا فى نفس الوقت ولكن هذا ليس شرطا أساسيا فان النقد قد يكون فى حد ذاته انتاجا هاما جدا ويمكن أن تبنى شهرة الانسان على أنه ناقد لكن بشرط أن يكون ضليعا فى الثقافة لا صاحب ثقافة سريعة ولا بد أن يكون ضليعا في لغته أى ليس من أصحاب الاقلام الهزيلة وأخيرا لا بد أن يكون موضوعيا ما وسعته الموضوعية فى النقد .
خاتمة ورجاء :
كنا نود أن نتعرض فى هذه الكلمة الى جوانب أخري تمت إلى موضوع النقد بصلة ما مثل الالتزام فى الادب التى طال فيها الاخذ والرد عندنا وكان لكل صاحب قلم رأيه فيها ومثل مسألة الشعر الحديث أو ما يسمى بالشعر الحر وقضايا الشعر بصفه عامة وهى كثيرة ومنزلة الكاتب في المجتمع ومسؤووليته وغايته ووسائله ولمن يكتب الأديب وماذا نطلب الى الادب فقد كتب كتابنا فى كل هذه المسائل وابدوا فيها آراءهم ولكن هذا الحديث طال فوجب انهاؤه .
ورجاؤنا أن يكون هذا العدد الخاص من مجلة " الفكر " فاتحة عهد جديد لفن النقد ببلدنا فيحظى بعناية الجميع ؛ فترصد له جائزة سنوية على غرار الجوائز المرصدة للقصة والشعر والرواية وتخصص مجلاتنا وصحفنا الادبية ناقدا يفحص الانتاج الادبى فحصا جديا لا يقتصر على العرض والتعريف والمطالعة كما هو الشأن فى الوقت الحاضر ، ويتصدى له ثلة من أدبائنا الكبار ويحصرون انتاجهم فيه ويوجهون جهودهم اليه وحده فلعل كل ذلك يدفع بفن النقد الى الأمام حتى يلاحق نهضة فنون الأدب الأخرى كما لاحظ ذلك أغلب من تكلموا عن حركة النقد بتونس .

