الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

النقد العربي والمناهج الأجنبية

Share

مر النقد العربي منذ القديم بمراحل عديدة واطوار مختلفة ، وارتبط ظهوره بمكانة الشعراء منذ العصر الجاهلى اذ كان للشعر دور كبير فى الدفاع عن القبلية وتمثيلها فى الاسواق التى كانت تعقد بالجزيرة العربية .

وكان النقد يتمثل فى آراء عفوية موجزة وفى احكام ذاتية تأثرية غالبا ما تكون بنت وقتها تتعلق ببيت او كلمة او صورة لكنها غير مدعمة بتبرير منطقى وتعليل عقلى .. وقد أورد هذه الآراء النقدية المختلفة ابن سلام الجمحى والحاحظ وابن قتيبة وغيرهم وساهم بعد ذلك الرواة والنحاة وفقهاء اللغة والمفسرون والادباء ومختلف المصنفين علماء البلاغة فى تركيز هذا الفن ونخص بالذكر منهم مؤلفى كتب الطبقات الذين ساهموا فى بلورة هذا الفن بتوزيع الشعراء والادباء توزيعا حغرافيا او زمانيا او دينيا وخاصة حسب الجودة والاتقان أو مختلف الاتجاهات الادبية .. ونلمس فى هذه التآليف حسا نقديا بارزا ومناهج أدبية مضبوطة ، اذ جمع أصحابها وبوبوا وفسروا وعلقوا ولاحظوا ..

ونرى النقد العربى منذ القرن الرابع الهجرى قد وصل الى اوجه بفضل المعارك النقدية التى قامت حول شعراء معينين ، والخصومات والموازنات العديدة والكشوف عن المساوىء والمحاسن لدى شعراء كابى تمام والبحترى والمتنبى ولم تكن هذه الوساطات خاصة بهؤلاء الشعراء وحدهم وانما كانت تجسيدا لطرق أدبية متطورة وتطبيقا لاصول فنية نقدية واضحة اذ ارتكزت على تحليل علمي ومقارنات دقيقة بين أبيات متماثلة أو صور بلاغية واحدة أو متشابهة اذ كانت هذه التآليف تخضع لقواعد ادبية منهجية امتزج فيها التفكير والتدبر والفهم بالتذوق والتأثر والاندفاع الذاتى واختلط البحث عن اللغة والدقائق الفنية بالتساؤلات عن المعنى والاغراض وتاثير بعضها فى بعض .

ونذكر من المؤلفين فى النقد قدامة بن جعفر الكاتب وكتابه (( نقد الشعر )) الذى تتجلى فيه نزعة نقدية تقوم أساسا على التمييز بين الجيد والردئ لكنها ترتبط ارتباطا وثيقا بعلم البلاغة بالرجوع الى اهمية المعنى فى الاصناف الكلامية المختلفة . ونلاحظ فى هذا الكتاب تخطيطا منطقيا وتصميما هندسيا يرجعان الى تائر قدامة بالمنطق اليونانى وصناعة الكتابة وولعه بتفكيك الكلام وتقسيمه الى اقسام . فنجد النقد عند قدامة ثم عند ابن وهب فى كتابه : (( نقد النثر أو كتاب البرهان في وجوه البيان )) ثم عند حازم القرطاجنى فى (( المناهج الادبية )) قد تأثر تاثرا بالغا بعلم المنطق وعلم الاخلاق والجدل الذى يهدف الى اقامة الحق بالبرهان والادلة ...

وينطلق الخط البيانى للنقد العربى انطلاقا باهرا لنراه بعد ذلك ينحط ويهوى الى اسفل الدركات بعد ازدهاره وارتفاعه الى اعلى القمم اذ بات النقد فى القرون الوسيطة بمفعول تدهور الفكر العربى ملتصقا بالمناقشات اللفظية وبنظرة ضيقة للادب والفن لا تتجاوز الشكل النحوى او الخطا العروضى وكان المثل الاعلى فى المقياس الادبى هو النمنمة اللفظية والتلاعب الشكلى بالجمل والكلمات .

وتاتى المرحلة الاخيرة للنقد الادبى العربى منذ نشاة الطباعة والصحافة الادبية فقد تلقح النقد العربى بعوامل عديدة منها كثرة الملاحق الادبية للصحف وتعدد المجلات الثقافية الادبية التى ساعدت على ابراز اهمية النقد واشهار اعلام فى دنيا الادب بالاختصاص النقدى نذكر منهم على سبيل المثال المازنى والعقاد وطه حسين فى مصر والشابى ومحمد الحليوى وزين العابدين السنوسى بتونس .

لقد ارتبط النقد عضويا بالصحافة الادبية وتأثر بقوالبها شكلا ومضمونا فاتسعت افاقه بما دخله من افكار غربية جديدة ، فبعد ان كان المقياس الادبى هو التقليد والخضوع التام للاساليب العربية القديمة والاغراض المدح والهجاء وغيرهما صرنا نشاهد خليطا من النزعات ومزيجا من النظريات والاراء ناتجا عن هضم سئ لافكار نقدية مختلفة واحيانا متناقضة واردة من انكلترا أو فرنسا - فترى هؤلاء النقاد فى المشرق او المغرب يقتبسون الكثير من المدارس الغربية نابذين المناهج العربية القديمة بل ثائرين عليها بل كانت الثورة على الاسس النقدية العربية والاساليب النثرية والشعرية هو الطابع المميز لهذا النقد العربى المتاثر بالتيارات الواردة من الغرب ويتهم المازنى النقد العربى

القديم بالقصور والضيق والرداءة فيقول ( ص 201 من حصاد الهشيم الطبعة السابعة . مصر 1961 ) : (( لا ترى عليه ( النقد العربى ) طابع العقل وميسم التفكير كان يكتبها انسان وهبه الله عقلا وفهما وفؤادا ذكيا وذهنا يتفكر وقلبا بتدبر )) ويقول فى موطن آخر ( ص 217 من نفس الكتاب ) : (( فلا شك انهم ( العرب ) لم يكونوا من سعة الروح بحيث يفطنون الى جلالة الشعر ويدركون ماهيته وحقيقته وعظم وظيفة الشاعر والا كانوا انصرفوا عن هذه السخافات التى أولعوا بها ولتناولوا من الاغراض الشعرية ما هو اشرف من المدح وانبل من الهجاء )) .

وقد تهجم الشابى على الروح الادبية والخيال الشعرى عند العرب وحكم عليه مثلما حكم المازنى (( بضيق الروح والخطيرة والعجز عن التصرف )) ( ص 219 )

(( ويقول المازنى ايضا عن العرب متهما اياهم كذلك بفساد الذوق والشطط الفكرى ( ص 201 ) ))

(( كتاب العرب ومؤرخوهم قصروا فى ترجمة شعرائهم وكتابهم وعلمائهم وعظماء رجالهم بالمقارنة بكتاب الغرب ومورخيهم .. ))

وهكذا نكتشف نقطة البداية فى نقد هؤلاء ، والمازق الخطير الذى تردوا فيه وهو الثورة الجذرية على القديم ورفضه رفضا باتا مهما كانت قيمته ولئن كانوا يعتبرون طلائعيين فى عصرهم فانهم قد اساؤوا للنقد بقدر ما احسنوا اليه . اذ لا ننكر عليهم حيرتهم الفكرية وجهادهم الادبى رغم تقليدهم الاعمى للادب الغربى فى نظرياته واتجاهاته محتوى وشكلا ويلاحظ نفس هذا الامر الاستاذ الدسوقى فى كتابه : (( فى الادب الحديث )) ( ج 11 ص 206 ) فيرى ان هؤلاء النقاد (( تركوا تقليد الادب العربى ليقعوا فى تقليد أدب غربى وفى تقليد شاعر بعينه ودعوتهم كانت جريئة فيها كثير من القضاء على مقومات الادب العربى واللغة العربية ولقد حاولوا ان يوجدوا لهم انصارا من مصر وجهدوا فى استمالة المجددين فى الشعر من المصريين الخ ))

ولا نستغرب نحن هذه النزعة من النقد الادبى العربى فى الثلث الاول من هذا القرن ذلك لان هؤلاء النقاد قد انكبوا على الاداب الاجنبية يكرعون منها كرعا فكان المازنى (( يقرأ مع الشعر نقد الشعر وتاريخ الادب فى كتب النقاد الممتازين والمؤرخين الماثورين واحبهم اليه هازليت وأرنولد ماكولى وسيسبرى وطائفة من كتاب المقالة الادبية والعجالة النقدية الاجتماعية أمثال لى هنت

وشارزلمب وسويفت وادييسون ، واحب الروائيين اليه نخبة من فحول الرواية كوالترسكوت وديكنز وتوكرى وكنجزلى )) ( انظر العقاد مقدمة ديوانه بعد الاعاصير ) .

واقبل العقاد كذلك على مثل هذه المؤلفات ينهل منها نهلا وظهرت فى كتاباته اسماء هؤلاء وغيرهم مثل ماكس نوردو ولمبروز لسنغ ونيتشه وقد بدا العقاد بقراءة الادب الانكليزى قبل سنة 1903 وهو بعد تلميذ بالمدرسة الابتدائية باسوان اما طه حسين فقد أقبل على الادب الفرنسى والنقاد الفرنسيين اقبالا ومكنه حضوره فى مونبولية بفرنسا سنة 1914 من دراسة اللغة الفرنسية وعلم النفس والادب الفرنسى والتاريخ الحديث ومكنه كذلك حضوره بباريس سنة 1915 من دراسة اليونانية واللاتينية والتاريخين اليونانى والرومانى والتاريخ الحديث ودراسة علم الاجتماع على يدى اميل دور كايم الذى حضر تحت اشرافه رسالة عن الفلسفة الاجتماعية عند ابن خلدون وحضر خاصة دروس الاستاذ لا نسون فى الادب الفرنسى ودروس ليفى برول عن ديكارت ، ومنهجه .

اما الشابى فلم يكن يتقن الفرنسية فانكب على المترجمات الواردة من المشرق والتى نجد صداها وذكرا لها واستشهادا بها فى محاضرته (( الخيال الشعرى عند العرب )) ، ونلاحظ ان تونس فى عهد الشابى قد ازدهرت فيها الحركة الثقافية والأدبية والنقدية ازدهار كبيرا بفضل انتشار الصحف والمجلات وكثرة الشعراء والادباء المجددين وكانت الحركة النقدية نشيطة ذات وجهين مسايرة لحركة المشرق من جهة واتصال مباشر بينابيع الثقافة الفرنسية عن طريق المطالعة ( نذكر الحليوى مثلا وهو يمثل الوجهين .. )

ولعله يحسن ان نلاحظ ان حياة هؤلاء النقاد قد تميزت بالشقاء والمعاناة والكفاح وقد دفعتهم وضعيتهم الاليمة ومنزلتهم البشرية المكبوتة اجتماعيا وسياسيا الى الالتجاء الى عيون الادب والنقد الغربيين يستقون منها غذاء فنيا وأدبيا ثم الى الركون من جهة اخرى الى شعراء وأدباء عرب قدامى عانوا فى حياتهم مثلما عانوا هم فنرى العقاد والمازنى يحللان نفسية ابن الرومى وكانهما وجدا به صدى لنفسيهما ونرى طه حسين يلتجئ الى المعرى يكتشف فيه ذاته وهم قد بالغوا فى الاقباس الاعمى من النظريات النقدية الغريبة اقتباسا لعله لا يتماشى مع التراث الادبى العربى ولا يطابق وضع الانسان العربى ولا يخدم مصيره لذلك نتساءل عن مدى تأثيرهم فى الاجيال الناقدة اللاحقة ؟..

فطه حسين طبق اراء غربية غريبة على القرآن والشعر الجاهلى سرعان ما تخلى عن بعضهامتراجعا وذلك عندما اصطدم بواقع المجتمع العربى المسلم ..

وهو يطبق كذلك بغرابة نفس الطريقة عن ابن خلدون ومقدمته فى أطروحته فى علم الاجتماع المذكورة آنفا .

ودعا شعراء المهجر ونقاده من جهتهم الى التحرر من تقاليد الأدب العربى مبنى ومعنى ودعوا الى ان الحياة والادب توامان لا ينفصلان وثاروا ثورة عنيفة مما دعا جبران الى ان يصرخ (( لكم لغتكم ولى لغتى )) واعتمد العقاد والمازنى الخلفيات التاريخية والجنسية والبيئية وتصوير البواطن النفسانية ويمكن ان نرجع النظريات المقتبسة من المدارس العربية الى خمس نزعات مزجوا بينها والتزموها كلها وهى :

1) تفسير الاثر الادبى بالجنس والوراثة  2) تفسير الاثر الادبى بالبيئة والفترة التاريخية 3) تفسير الاثر الادبى بالمنهج النفسانى وبالتحليل الباطنى 4) تفسير الاثر الادبى بالاعتماد على النص وحده 5) النقد التاريخى الخارجى

وانه لمن السهل ان نضرب الامثلة لهذه النزعات التى يمكن ان نجد اثرها فى اثر واحد ويمكن ان نكتفى بمثال واحد وحتى بفصل واحد للدلالة على هذا الاتباع الاعمى بدون اختيار ولا انتقاء وسنحيل على كتاب حصاد الهشيم (( للمازنى وخاصة على فصله عن ابن الرومى مع الاشارة إلى وجود نفس هذه الاراء عند غيره من النقاد ))

1 / تفسير الأثر الادبى بالجنس والوراثة

يرى المازنى ان الجنس عامل فعال فى نبوغ اى اديب فيفسر بهذا الرأى نبوغ ابن الرومى فتؤديه هذه النظرية الى الادعاء بان المنزلة الاولى فى الشعر والنثر العربيين كانت لقوم ينتهى بنسبهم الى غير العرب من مثل بشار ومروان ابن أبى حفصة وابن الرومى ومهيار الديلمى وابن المقفع وابن العميد والخوارزمى والهمذانى ويتدرج المازنى إلى فكرة خطيرة عنصرية وهى ان الشعوب الآرية افطن لمفاتن الطبيعة وجلالة النفس الانسانية وجمال الحق والفضيلة .

ويرى المازنى ان للوراثة اثرا لا يستهان به فى تركيب الجسم واستعداد العقل لذلك ورث ابن الرومي وهو الارى الاصل (؟) الفارسى اليونانى كثيرا من شمائل قومه وصفاتهم وهو فى نظر المازنى اقرب الى شعراء الغرب وبهم اشبه ( ص 220 ) اذ انه (( لم يكن عربيا ولا شبيها بالعرب )) ( ص 238 ) ويرى اذن ( ص 241 ) ان رومية ابن الرومى هى مفتاح شعره ونفسه ولا سبيل إلى فهمه وتقديره بغير الالتفات اليها والتنبيه الى ذكرها .

2 / تاثير البيئة والفترة التاريخية فى الاثر الادبى

يقول المازنى ( ص 210 ) بان العظيم لا يظهر الا اذا كانت الحاجة اليه ماسة والافتقار إلى مثله شديدا وانه لو لم تلد آمنة محمدا لولدته غيرها من نساء العرب ، ولو لم يهرب شكسبير من بلده الى لندن لنبع من غيره مثل هذا الشعر الذى يقرا له اليوم .

ويفسر المازنى كل اثر ادبى بحاجة العصر اليه اذ العصر يخلق الاديب الفنان ويقتضى العبقرى الفذ ويطبق المازنى هذه النظرية على ابن الرومى ذاته فيقول ( ص 38 ) : ان ذلك ما انتاب الشاعر فى أواخر الحرب فى ابان الحوادث المصرية الاولى من الشك والغيظ اللذين رجا عنده كل قواعد الرأى وشوها كل حالات الوجود الانسانى فأقر عنده ( أى العقاد ) ان الحياة كما قال سليمان الحكيم بعد تجربتها : قبض ريح وباطل الاباطيل ...

ان ذلك ما انتاب الشاعر فى اواخر الحرب فى ابان الحوادث المصرية الاولى من الشك والغيظ الذين رجا عنده كل قواعد الراى وشوها كل حالات الوجود الانسانى فوقر عنده ( ابن العقاد ) ان الحياة كما قال سليمان الحكيم بعد تجربتها قبص ربح وباطل الاباطيل ...

3 / النقد النفسانى

اننا نجد تعابير كثيرة من لغة علم النفس فى كامل النصوص النقدية للمازنى والعقاد خاصة مثل كلمات الانا والحالات النفسية الواعية الخ اذا اعتمد هذان الناقدان خاصة المنهج النفسى فى دراسة بعض الشخصيات واغرقا فى التحليلات النفسية والابانة عن الطبيعة البشرية عند بعض الاشخاص وتصوير

بعض المظاهر الشاذة فى النفس كالنرجسية والاشتهاء الذاتى والتوثير الذاتى ولوازم التشخيص والعرض الخ ...

وقد تتبع المازنى اطوار حياة ابن الرومى وبين ان اختلال جهازه العصبى عامل مهم لتفسير شعره فيمثل ابن الرومى فى نظره نموذجا للعقد النفسية وفقدان التوازن والاضطراب العصبى واختلال الحواس يقول عنه ( ص 249 ) : (( لم تسلم اعصابه : توازنها مختل مضطرب ، جهازه العصبى كان غير منتظم ويدل على ذلك موت ابنائه الثلاثة ومراثيه لهم وكان احساسه بالجنس حادا وكان متطيرا )) والغريب ان المازنى يطبق المنهج النفسانى على القدامى مع وعيه العميق بانه يصعب (( على الناقد الذى تأخر به الزمن أن يجرى احكام ما يأخذ من آراء فى الادب عامة والشعر خاصة على قوم طوتهم الايام بخيرهم وشرهم وتغيرت الدنيا بعدهم )) ص 264

4 / الاعتماد على شعر الشاعر او النص الادبى

قد اعتمد المازنى وكذلك العقاد هذا المبدا النقدى ايضا لاستخراج الصورة الادبية الكاملة للشاعر او الاديب من خلال النص وحده وفى هذا الصدد نجد وحدة الاثر الادبى تحتل مكانة مهمة فى هذا المنهج اذ فى الانتاج الكامل لاديب ما هو الذى يمكن من استيفاء صورة كاملة صادقة عن هذه الشخصية وبيئتها وعصرها . ونرى العقاد يهتم بصورة خاصة بالنفسيات والحياة الباطنة يستنتجها من النص وقراءة لمقدمة كتاب (( حياة ابن الرومى )) كما تؤخذ من معارضة اخباره على شعره ( ط بيروت 1970 ط 1 ) تبين هذا المنهج المطبق على الادب العربى اذ يرى العقاد ان كل شعر او ادب انما هو صورة لنفس صاحبه وان كل ديوان او اثر ادبى هو ترجمة ذاتية بحتة ..

5 / النقد التاريخى المنهجى :

نجد المازنى ينقد فى دراسته للمتنبى مصادر بحثه ويمحص مختلف الروايات الواردة عنه ويبين اسباب وهن بعضها ويستخدم طريقة الشك فى اشهر القصص التى جاءت عنه مشهرة ببخله ( ص 151 ) نلاحظ اذن ان هؤلاء النقاد قد مزجوا بين نظريات مختلفة وآراء تبدو احيانا متناقضة ولم يتتلمذوا لمدرسة واحدة فجاء مذهبهم النقدى باهتا لقيطا من تيارات متعددة .

الا اننا رغم هذه الملاحظة نعتقد انهم كانوا علامة هامة فى تطور النقد الادبى العربى من النصف الاول من القرن العشرين ولا جدال فى انهم قد حددوا النقد واحيوه بعامل ثقافتهم الواسعة ولاطلاعهم العميق ولتكوينهم المتين وكانت فى نقدهم رغم المآخذ العديدة التى يعاب بها طرافة ومسحة خاصة تدلان على وعى للعصر ومتطلباته وفطنة لدور النقد وحقيقته وأهميته وتأثيره فى الحياة الفكرية الحضارية العامة ..

لكنهم كانوا بحكم ملابساتهم الخاصة وبمفعول ظروفهم الاجتماعية والسياسية والمرحلة التاريخية التى مروا بها قاصرين كل القصور عن خلق منهج ادبى عربى اصيل خاص بهم .

لقد تجاوز عصرنا مناهجهم النقدية الخليطة والمضطربة تجاوزا كليا ( انظر النقد الاخلاقى عند المازنى لرواية غادة الكاميليا ص 90 يقول : لسنا ممن يوافقونه ( دوماس ) على فكرته التى بثها فيها وانشأها لاجلها ولا ممن يحمدون هذا النوع من الحب الذى يذوى النفس ويعصف بالرجولة وينسب المرء فرائض الحياة (( ونلاحظ خطر هذه الرواية على الاخلاق يقول ص 90 )) ان هوى ارمان ليس فيه شئ مما يعجب الرجولة ويقع فى محل القلب ذى القوة )) .. ونتساءل اليوم عن حقيقة النقد ودور الناقد فى مجتمعاتنا الجديدة فهناك من يقول ان النقد فى بلادنا كسيح مشلول وهناك من يقول انه اهوج مافون واخرون يرون النقد فى بلادنا مصابا بداء التعصب والتحامل لا يكشف الا الاخطاء الخ ..

ولتسمحوا لى ان اتقدم ببعض الاراء عن النقد والناقد التى استقيتها من تجربتى كناقد للخصائص النظرية للنقد ودوره الفعال فى المجتمع والحياة الثقافية عامة ..

فالناقد هو الذ يستطيع ان يدرك ما تاتى به الاثار الجديدة من جديد ويحس بالتطور الفنى الذى يتضمنه المولود الجديد فيقيمه متلقيا هذه النسمات العليلة التى تهب من صفحاته وسطوره متفطنا اليها شاعرا بها مكتشفا عنها متجاوبا معها التجاوب العميق ، ويشعر بمعاناة الاديب الخلاق النفسيه والتجربة الفنية اللتين كانتا الغرض والحافز والغاية .

والناقد هو الاذن التى تعرف كيف تنصت الى ارتعاشات النفس والى النغمات الجميلة الاخاذة التى يعزفها قلم الاديب الفنان فيدرك بذلك دور الاديب

ويعى الوظيفة الانسانية والاجتماعية التى يقوم بها ويفهم رسالته التى ترمى إلى توسيق مدارك الفكر وارهاف المشاعر والترويح عن النفس وتهذيب الحواس والتبصير بالواقع الزمنى ومشاكل المجتمع الجوهرية الانسانية .

والناقد هو الذى ينزل الاثر الفنى منزلته الفنية اللائقة به محللا اياه موضحا مؤولا له اى اياه الى سر انبعاث ووجوده .

وهو اذن امتداد للكاتب فيكون خلاقا من نوع خالص وبدونه لا يمكن للادب ان تحلو له الحياة ... فهو ضرورى بمثابة الماء والهواء والطعام لكل فم ...

فالنص يبقى لغزا حتى يحله الناقد ويكشف عن سره فنرى الناقد بالمرصاد لكل منتوج ادبى او فكرى او فنى جديد يحلل ويضعه موضعه وسط التيارات الادبية والاتجاهات الفنية والمدارس الاسلوبية والنزعات اللغوية المختلفة وخاصة الخصائص الانسانية الروحية والوجودية او العاطفية البحتة ..

فولادة اثر أدبى جديد شعرا كان أم قصة مسرحية كان أم أى نص فنى اخر من شانها ان تعتبر حدثا هاما وخطيرا فى حياتنا الفكرية والادبية بل فى حياة الفكر واللغة والادب والفن بل اكثر من ذلك فى حياتنا العامة بوجوهها كلها .. أليست غاية الادب الانسان وروحه الانسان ودوافعه الانسان ؟ واذا لم تكن للادب هذه المعانى الانسانية السامية بات خاليا من أى قيمة ومن أى بعد ادبى تاريخي مصيرى ..

لذلك ينزل الناقد الاثر الفنى الادبى منزلته الاجتماعية والانسانية فى المجتمع وفى اللغة التى لولاها لما كان المنتوج الفنى ، كما ينزله فى الامة بماضيها العريق وبحاضرها الملىء بالطموح الى حياة أفضل وأمجد .

اشترك في نشرتنا البريدية