كلمة حكيمة قالها لى فى معرض الحديث عن بعض الشؤون الاجتماعية السائدة فى بلادنا - سعادة الادارى الحازم والأديب درسا ونفسا الاستاذ عبد الله السعد ، فدوت فى ارجاء القلب حينما استقبلتها الأذن الواعية ، شأن الكلمة التى تقع فى موقعها المفضل ، فتسير سير المثل ..
حقا ان النقد جرس ؛ انه ينبه الأفكار ، وبوقظ النفوس ، ويوجه الى الاصلاح ؛ ويرشد الى وجوه الخطأ والخطل ، والى مواقع الزلل والخطر ، وشأنه فى هذا شأن الجرس تماما .. تستعمله للتنبيه والايقاظ وللتوجيه والأرشاد ، والاستفادة من وجوه الحياة ، بما تتطلبه من جلب خير وتجنب ضير والأمة اذا بدأت سفنية الحياة فيها السير للأمام ، فلابدان تكون عالقة بها بعض الرواسب المنحجرة من بقايا عهود الجمود والخمود ، والركود ؛ وهذه الرواسب تعوق تقدمها ، وتؤود حيوبتها ، فاذا وجد الناقدون المصلحون المخلصون فدأبهم ان يدقوا لها اجراس النقد فاذا اصغى لهم باخلاص وعنى القائمون بامر السفينة بإزالة العوالق والعوائق المتكدسة ، فى داخل السفينة وفي سبيلها ، على ضوء ما سمعوه من اجراس النقد الموجه لهم يكونون قد شقوا لها طريق الرقى . ويكونون قد ازاحوا عن كاهلها الاثقال فنستأنف المسير على سلامة الله وتسير الى الأمام على بركة الله حتى تصل الى الهدف المنشود فى أمان واطمئنان .
وأغلب الناس يحبون الاصلاح من طبائعهم ، ويكرهون الافساد بطبائعهم ، ولكنهم لا يتمكنون من وضع الاصابع على مواقع الاصلاح المعينة ، ولا يستطيعون تحديد مواقع الخطل المعينة ، ما لم يكن هناك نقدة حصفاء
يدفون الأجراس بين ايديهم ، ليحددوا لهم اماكن الأصلاح ، ومواطن الخلل ، فيصلحون ما يحتاج الى اصلاح فى امورهم ويقومون ما فيه خلل فى شؤونهم وأغلب الناس نيام بالنسبة للحياة التى يراد لها ان تتدفق بالنهوض ، فاذا وجد المصلحون الناقدون كان اصلاحهم ونقدهم منصبا على الاوضاع الخاملة القائمة وعلى الاوضاع العاطلة السائدة، فيكون النقد اذن بمثابة الجرس يدق للتنبيه والايقاظ، حين يجب التنبيه والايقاظ .
وكما ان الجرس قد يحدث بعض الاحيان بعض ازعاج للسامعين الا انه على كل حال ميمون النتائج لهم ، فكذلك حال النقد الصالح المصلح إنه قد يحدث اضطرابا فى بعض ضعاف النفوس ، وقلقا لدى بعض خاملى العزائم ، ولدى بعض من يريدون ان تسير مركبة الحياة دائما فى الأوحال والمستنقعات والضحول ، حتى يدوم لهم الاصطياد فى الماء العكر ، الا انه مع ذلك سيأتى لا محالة بطيب الثمار للجميع ، وسيؤدى مهمة الجرس فى البعث والايقاظ على أحسن السبل واقوم الاسأليب .
النقد اذن جرس الحياة .. والنقد اذن نافع أى انفع . والنقد اذن دليل الحيوية وعلامة النجاح وآية الفلاح .. فلا نتضايق من النقد ، ولا نشمئز منه .. ولكن أى نقد هذا ؟ .. انه النقد البريىء النزبه الصافى من شوائب الغرض والهوى .. انه النقد الواعي ، الواسع الأفق . المبنى على الدراسة والخبرة والمعرفة ونشدان الأصلاح الحق وليس بالنقد المتهافت ، ولا بالنقد المغرض ولا بالنقد السئ الأسلوب والهدف ، الممجوح الموضوع الذى يفسد ولا يصلح ، وليس بالنقد الذى من شأنه الهدم والتقويض . ومن اهدافه الأساءة المحضة والتنكيل والتشهير . فان هذا اللون من النقد كله ضرر وكله خطر . وما دخل على امة الا ذاقت منه الامرين ، والا استنزف دماء حيويتها واستنفد طاقه نشاطها . وأوجد الخلاف ووسع هوته بين ابناء الدين الواحد والوطن الواحد ان هذا النقد هدام أزام ، انه كالعلم المر ، الخبيث الطعم والانتاج.. فلنتجاف عنه ما نسني لنا التجافى ، ولنتحامل على حاملى اشواكه اشد التحامل . لعلهم يقلعون عن نشر او بنته الفتاكة فى الامة فلا يزيدونها امراضا وارتباكا ، ولنحاول احلال النقد الصالح المصلح محله بكل الوسائل ، فذلك خير لحاضرنا وانقى ، واصلح لمستقبلنا وارقى .

