الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

النقد في اتجاهين

Share

يتجه النقد اتجاهين اتجاها ذوقيا واتجاها ثوريا ويتخذ له فى الاتجاهين قانونا

يبنى النقد الذوقى على اعتبارات تاريخية يقول عنها النقاد انفسهم انها سلفية ويقولون احيانا اخرى انها تقليدية متعارفة وهم فى هذا وذاك يقصدون مدلولا واحدا هو تقويض تلك الاعتبارات واستبدال المقاييس التي تولدت عنها بمقاييس جديدة ، او على الاقل بمقاييس معاصرة لان المقاييس الجديدة اليوم . ستصبح غدا مقاييس سلفية .

ويعرف النقاد هذه المقاييس بعد جدل طويل قد يكون مملا احيانا بانها تسليط للذوق الانسانى على الاثر الفنى كان ما كان ذلك الاثر وقد وضع النقاد فى القديم وهم يضعون كذلك حديثا حسب مشيئة جماعية قوانين لهذا النقد ، فكان من هذه الوجهة او تلك مقياسا عاما يرجع اليه فى تقييم الاثر .

وبهذه الاعتبارات كلها دخل النقد فى حلقة مفرغة وفى دائرة شكلية مفرطة ، ولكنه رغم كل هذا لا يسعنا الا ان نقول ان النقد مهما تباينت وجوهه ، وتفرعت مشاكله هو عمل ايجابى

ولكن احتكام الاراء وجريها وراء هذه النظرية او تلك عمل قاتل يخنق المواهب ويأسر الافكار ، ذلك نتيجة احتكام الانسان الى حكم غير نفسه واستماعه الى صوت لم يصرخ فى أعماقه . ولجوئه الى عين يقيس بها الاشياء غير عينه ووقوفه عند مستندات لم يشارك فى وضعها وتقنينها ، وانها لاسباب وجيهه وكفيلة بان تجعل الانسان يبتعد شيئا فشيئا عن نفسه ، والمرء الذى يبعد عن نفسه احرى ان يكون بعيدا عن الآخرين

ذلك ان رجوع الانسان الى نفسه يمكنه من الكشف عن آراء شخصية غير مستوردة مما حوله وكل رأى شخصى هو رأى جديد مهما وجد بينه وبين الاراء الاخرى من تشابه وتقارب

فالانسان يقول ما يقوله الآخرون ولكن لا يقوله على شاكلتهم لا ولا ينظر اليه من الزاوية التى نظروا اليه منها . ولاجل هذا كانت الاراء الشخصية أراء جديدة حتما .

ولكى يكون لنا ادب يجب ان يكون لكل راى شخصى حتى يتوفر للعمل الفنى النمو والتطور ، وحتى يعطي الانسان من حياته ومن تجاربه ما لم يعطه الآخرون ، وهنا فقط يأتى دور الانسان فى العمل الجماعى ، وهو دور يمكننا ان نسميه ( التكامل ) فكل انسان يكمل الآخرين . وتأتى تبعا لهذا المذاهب الفنية ، وتنشأ الفكر تنشئة عفوية بعد كل هذا العمل وتنبع الاراء وتتوالد فاذا نحن امام تيارات سياسية واقتصادية واجتماعية جديدة تطور نظرة الانسان الى الاشياء ، وتعمق اسلوبه فى التفكير ، لذلك اصبحت متطلبات المجتمعات المتحضرة عبر متطلبات المجتمعات القديمة . فكان لزاما على الفكر الانسانى ان يتخلى تبعا لهذا التطور ، عن مقاييسه الموروثة . وان يتخذ له مقاييس أخرى ، تكون مسايرة لعصره وموافقة لطموحه وكانت هذه هي اسباب ثورة الفكر الانسانى الجديد على الوضع الموروث . وهى الاسباب التى جعلت الفن يتخذ له شكلا آخر غير شكله القديم ويقيم تقييما آخر ، هذا اذا احبنا ان نعلل ثورة الفكر وتعليل ظهور فنون جديدة او فنون غير مألوفة

وكل فن غير مالوف يشق طريقه بصعوبه وبتأن ويعيش غريبا فى طفولته لا يجد العين التى تنظر اليه وتقبله ذلك لان الفن انفعال الانسان وهو الى ذلك تجاوب الانسان نفسه مع هذا الانفعال . ولقد عاش الناس عبر التاريخ الوانا من هذا التجاوب ومن هذه الانفعالات ، حتى تأصلت فى الطبع . واى شىء يمكنه أن يقاوم الطبع فى الانسان غير الصدمة لذلك وقف الناس أمام هذه التيارات الحديثة فى الفن وفى النقد والتقييم مواقف متغايرة

فمنهم من لم يقبل هذه الصدمة . ومنهم من اقرها . ومنهم من أخذ ينتظر مفعول الزمن ، لانه لابد من انتظار طويل لاقرار فنون جميلة وحديثة وقد جاء اليوم الذى ابصر فيه الانسان نتيجة الصدمة وأخذ يحس شيئا فشيئا بان هنالك عوالم جديدة تتفتح امامه وبان للحياة ابعادا قد لا يكون ادركها الفن الحديث ، ولكن يسير فى اعماقها البعيدة دون الوقوف عند حد ، فاذا النظرة السلفية فى تقييم الاشياء تدخل التاريخ ، واذا بعض من لا يعترفون للتاريخ ولا يسمحون له بان يلتفت الى الوراء ينظرون اليه نظرة استخفاف وازدراء ويحاسبون التاريخ ويصرخون فى وجهه لانه لم يولد من اول وهلة كبيرا اما من لم ينظر الى التاريخ هذه النظرة فانه نظر اليه بوصفه كائنا حيا لان التاريخ هو الانسان وكان لا بد للانسان من ان يقطع هذه المرحلة .

فما هى هذه المقاييس الجديدة ؟ وما هو هذا الميزان الذي يوزن به الفكر ؟ واى معيار هو هذا الذى نقيم به الاشياء ؟ انا لا اعرف تحديدا واحدا لهذه المعايير ، ولكنني اعرف ان موجات عظيمة من الاستخذاء والخوف اخذت تجتاح الفكر

فالمرآة الحديثة التى سواها النقد كشفت للانسان سواته فأخذ يتوارى ويكاد يقتله الحياء ، انها مرآة ليست كالمرايا فهي لا تريك تقاطيع وجهك كما كانت المرايا القديمة ولكنها تريك ملامح تختفى وراء غضون الوجه وتجاعيده وحتى وراء النظرة المغلفة بضباب النفاق والكبرياء

وأخذ ظل الادباء المزيفين يتقلص لا ليموت هؤلاء الادباء بل ليبعثوا بعثا جديدا ، وليجدوا فى اعماقهم نفوسا حيه لها ابعاد كان عليهم ان يكشفوها فكسفوها .

ولو عرف الانسان يوما ان لا حدود لذاته لما انتهى قبل ان ينتهى ولملأ عينيه بكل ما تحويه السماء من نجوم ، والارض من اودية وجبال . الانسان اكبر من هذه الكائنات لان آفاقه لا حدود لها .

وبدأ الانسان يعرف نفسه ويكشف مجاهلها فاذا هو ينفض عنه غبار السنين ، واذا هو كائن ينبض حيوية ونشاطا

ولهذه الاعتبارات كلها أخذ يظهر لون جديد من الادب ، وطرق حديثة فى النقد . كان النقد فيما مضى من الزمن يعتمد النظرة الذوقية للاثر الفنى ، فاذا هو اليوم نظرة ثورية انقلابية ، ذلك لان النظرة الثورية يحتمها وضع اجتماعى وحضارى ، ولدته نظرة انسانية عنيفة

اما النظرة الذوقية التى لا تعتمد اساسا ثوريا فانها مهما تكن صادقة فانها تكون خاضعة للقواعد التى استنبطها علماء النقد ومتماشية مع مصطلحاتهم لان القواعد والمصطلحات فى كل فن من الفنون وفي كل فرع من فروعه هى وليدة الاثر الفنى . فالاثر الفنى له الاسبقية .

قد يخرج النقد عن دائرة هذه المصطلحات وتلك القواعد بقدر انحرافه عن الصدق وعن النظرة المجردة من الناقد ، لكن دون اعتماد على نية مسبقة ومبدأ مقرر ينطلق منه الفنان والناقد منه معا ان كل عمل نقدى لا تصحبه نية مسبقه خيرا كانت او شرا ثورية كانت او رجعية قد تنحرف بالناقد المخلص عن الجادة ، وتفرض عليه فى مواقفه تناقضا واضطرابا

وقد تجد من بين النقاد نقادا لا يعرفون الموقف الذي يقفونه ، ولا مرمى النقد الذى ينقدونه ، فهم يضيعون من متاهات النقد ، ولا يتبينون أهم ينقدون الاثر الفنى ، أم هم ينقدون صاحب الاثر وهذا ما يفسر ظهور تقلقل فى مادة النقد

للناقد عدسة او مجهر يسلطه على الاثر الفنى . فاذا لم يسلطه بصدق كانت كارثة النقد على النقد

ولقد رأيت نقادا يسلطون هذه العدسة حسب أهوائهم وحسب غايات محددة ، فيسلطون الاضواء على اثر فنى قد يكشف جانبا من جوانب شخص الاديب ويفسر مرحلة من حياته ، ويكشف عن تجربة من تجاربه الخاصة ولكن هذه الاضواء لا تسلط على كل آثار الاديب حتى يكون الحكم عليه او له قد استوفى جميع الجوانب التى لا بد من دراستها وبحثها

فلنفرض ان أديبا كتب أدبا هادفا ، وسجل أدبا شخصيا يكشف عن تجربة فردية ، فاى شئ نقوله للناقد الذى يحكم على الاديب من خلال تجربته الشخصية وتعمده اهمال ذلك الادب الهادف او ذلك الادب الذى له نزعة انسانية .

اننا نضطر اضطرارا الى الغاء هذا اللون من النقد ، والدعوة الى استبداله بنقد آخر بناء يثرى الادب ويكشف للاديب آفاقا جديدة

فالنقد ليس وشاية ، ولا هو توريط ، ولم يكن من غرض النقد تزييف الحقايق ومغالطة التاريخ فالتاريخ لا يزيف

فعلى النقد ان يسير سيره ، وعلى النفوس الكبيرة ان تحتمل هذا التجنى وان تعمل كما كانت جاهدة لخير الانسان وان تأخذ الثورة طريقها العادى الذى يفرضه طموح الانسان

اشترك في نشرتنا البريدية