الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

النقد والبحوث التاريخية

Share

تحتوى مادة (( نقد )) على معانى كثيرة مختلفة وتشهد بذلك القواميس كلسان العرب مثلا . غير انه من العسير علينا الوقوف على أقدمها زمنا ونشير بذلك الى المعنى الجوهرى الذى تولدت عنه تلك المعانى الكثيرة وتفرعت . انه عمل عسير لفقرنا لأداة تساعدنا ونعنى بذلك معجم تاريخ اللغة . فلا شك ان فقهاء اللغة العربية فى حاجة ملحة اليه كلما ارادوا الالمام بتاريخ مادة عربية والاحاطة بتطورها الحرفى والمعنوى عبر الزمن وبالظروف الحضرية التى حتمت ذلك التطور الامر الذى من شأنه أن ينير طريق البحث العلمى فى ميادين شتى .

اما إذا عدنا الى لسان العرب قصد النظر فى لفظة (( نقد )) ومعانيها رأينا ان لها علاقة متينة بالدراهم . فنقده الدرهم يعنى أعطاه إياه وانتقد الدراهم أخذها وقبضها على ان فعل نقد لا يحل دائما محل أعطى كما ان فعل انتقد لا يجوز استعماله دائما عوض أخذ او قبض . من ذلك تلمس متانة الروابط التى تصد بين مادة نقد والدراهم او ما كان يحل محل الدراهم . والنقد والتنقاد هو تمييز الدراهم وإخراج الزيف منها . فما هى العوامل التى ربطت بين مادة (( نقد )) والدراهم ؟

فلا شك ان اللفظة أقدم زمنا من الدراهم وهى ظاهرة حضرية لا تتعدى حدود القرن الثامن قبل المسيح وهو امر حديث بالنسبة للعصور الساحقة التى تنغمس فيها جذور اللغة العربية . اجل ان اقدم وثيقة مخطوطة عربية لا تتعدى حسب ما وصل اليه البحث فى هذا الميدان حدود القرن الرابع او الثالث بعد المسيح وهى نقيشة امرؤ القيس لكن ذلك لا يتضمن حداثة لغة العرب بل لدينا من المعطيات ما يجعلنا نعتقد بقدمها ومن فقهاء اللغات السامية من ابرز فى لغتنا عناصر تعود الى ما يسمونه باللغة السامية المشاعة le semitique commun اى تلك اللغة التى تولدت عنها اللغات السامية الاخرى وتفرعت كالأكادية وقد تخاطب بها الساميون فى وادى الرافدين والارمية والعبرية والفنيقية وغيرها . ذلك يجعلنا نفترض ان مادة عربية كنقد لها تاريخ عريق بل كانت قبل ان تكون الدراهم ومن ذلك نسستنتج ان معناها الجوهرى الاولى بعيد عن الدراهم . فما هو اذن هذا المعنى الجوهرى الاول ؟ انه عمل عسير يستوجب معرفة اللغة  العربية معرفة دقيقة وليست لنا هاته الكفاءة كما يستوجب معرفة بعض

اللغات السامية الاخرى حتى يتمكن الباحث من تعقب المادة ويقف على معانيها لدى اقدم الوثائق التى تحتويها وبالتعقب والمقارنة قد يستطيع الوقوف على معنى المادة الاصيل . ولئن نظرنا فى عنصر (( نقد )) وجدناه فى لغات سامية كالعبرية والسريانية ومعناه يشير الى حجم صغير جدا كفتيتة الخبز وقد اقر التوراة معنى الفتيتة (( سفر اليسع الآية الخامسة من الاصحاح التاسع )) . كما تستخدم مادة (( نقد )) العبرية للدلالة على ما نسميه بالقطرة عند الحديث عن الماء او المطر مثلا ومقال ايضا نقطة (( هذا وتجدر الاشارة إلى روابط تصل بين نقد ونقط . قلنا ان (( نقد )) فى العبرية تعنى شيئا حجمه صغير كفتيتة الخبز ونجد هذا المعنى فى قولك مثلا (( تنقطت الخبز )) اى اكلته نقطة نقطة اى شيئا فشيئا . هذا وما نسميه نقطة فى العربية يعبر عليه فى العبرية بلفظة اشتقت من مادة (( نقد )) كل ذلك يجملنا نثق بالعلاقة التى تصل بين المادتين الساميتين (( نقد )) و (( نقط )) وقد اقرت تلك العلاقة فى القاموس العبرى الذى اقامه وليام غيزينوس ( William Genius ) لكتب العهد القديم . من ذلك يبدو ان المادة تشر فى معناها الاولى الى حجم صغير كحبة الكرويا ويقال لها النقدة او كقطرة الماء او فتيتة الخبز او ما يبقى على القرطاس اذا نقدته بقلمك اى ضربته . وتلك هى النقطة وهى تشبه ما يبقيه منقار الطائر اذا نقد الجوزة .

غير ان هذا لا يوقفنا على صلة النقد بالدراهم الامر الذى يحتم علينا متابعة البحث . والملاحظ ان مادة (( نقد )) لها مشتقات عديدة منها النقدة وهى الصغيرة من الغنم ويثبت لسان العرب ان النقد غنم صغار حجازية والنقاد راعيها وجاء فى حديث لعلى : ان مكاتبا لبنى أسد قال : جئت بنقد أجلبه الى المدينة . وقال علقمه : (( والمال صوف قرار يلعبون به على نقادته واف ومجلوم )) . وهنا تجدر الاشارة الى قيمة الحيوان فى الحضارات القديمة وخاصة فى بلاد تغلب فيها الارض القاحلة بل لس للارض قيمة حتى كانت تقدر الثروة بما يكسبه المرء من حيوان . بالحيوان تقدر الثروة وبالحيوان تقدر الاشياء الاخرى ولعل من يبحث فى الأدب العربى القديم قد يجد اصداء عن تجارة المقايضة عند العرب واستخدام الحيوان لضبط ثمن الاشاء المختلفة او بعبارة اخرى استخدام الحيوان كعملة للبيع والشراء . انى لم ابحث فى هذا الموضوع وهو يتطلب اطلاعا كبيرا مدققا على الادب الجاهلى القديم .

غير انه لدينا من الوثائق ما يثبت ان تلك الطريقة التجارية كان معمولا بها فى حضارات عديدة . فمما أتى فى إلياذة هومير ان امة وقع بيعها بأربعة ثيران واشترى احد ابطال الملحمة مجموعة من الاسلحة بتسعة ثيران فكان الثور اذن يقوم عند اليونان مقام العملة التجارية وفى اللغة الفرنسية الفاظ عديدة تعنى الدراهم وما يتعلق بها مثل pecunieux وهى صفة لمن له دراهم كثيرة وتنحدر تلك الالفاظ من عنصر لاتينى (( pecus )) يعنى القطيع من الحيوانات مما ينبئ باستعمال الحيوانات كعملة تجارية فى الحضارات الآزية العتيقة .

ولئن عمل العرب بهاته الطريقة التجارية البدائية فأى حيوان كانوا يستخدمون ؟ ان الناقة اشهر حيوان عندهم ومهر المرأة العربية عدد من النياق فهل كانت الناقة تقوم مقام العملة التجارية عندهم ؟ قد يكون ! غير ان ذلك لا يمنع نظريا قبائل العرب من استخدام عملية حيوانية اخرى كالنقد تلك الغنم الصغار الحجازية وقد اشتهرت بصوفها حتى قال الأصمعى : أجود الصوف صوف النقد . ولعل فى ذلك أصل العلاقة التى اشرنا اليها بين الدراهم ومادة نقد وقبل ان يقال نقده الدرهم لعلهم قالوا نقده فى معنى اعطاه تلك الغنم الصغار مقابل شئ آخر . على ان كلامنا هذا لا يتعدى حدود الافتراض اما النقد والتنقاد فى معنى تمييز الدراهم واخراج الزيف منها فالارجح ان هاتين اللفظتين تعودان الى مصدر آخر نلمسه فى قولك (( نقد الثمرة باصبعه )) لينظر فيها ويتناولها بالفحص كما يفعل الطير عندما ينقد الجوزة بمنقاده . ولعل الصرافين كانوا ينقدون الدراهم نقرأ بالاصابع او بأداة اخرى أجهلها . فسميت الدراهم اذن نقودا اما نسبة الى النقدة وهى الصغيرة من الغنم الحجازية . أو لعلها سميت نقودا لأن الصراف نقدها فأثبت قيمتها وحسنها ولعله كان ينقدها نقرا ويحكم لها او عليها حسب الصوت التى تحدثه عند القرع .

ذلك هو النقد بالنسبة للدراهم ويقال نقد الكلام اى اظهر ما به من العيوب والمحاسن ولكن هل قالوا نقد الكلام قياسا على نقد الدراهم ؟ ذلك ما يعسر علينا البت فيه . مع انه ينبغى الا ننسى ما قلناه فى المادة العبرية (( نقد )) وفى علاقتها المتينة بالمادة العربية نقط وقد استخدمت اللفظة العبرية (( نقد )) للدلالة على اشكال صغيرة مستديرة وضعها الربانيون فوق احرف التوراة او تحتها حتى يتمكن القارئ من تلاوة آيات الكتاب المقدس دون اى تحريف وقد سمى اولائك الربانيون (( نقدنيم )) لأنهم وضعوا النقط وضعوها حسب مفهومهم للنص وذلك بعد النظر والتأمل فيه .

وقد استخدمت النقط فى العربية للتمييز بين الحروف المتشابهة الأشكال كالباء والتاء والثاء كما استخدمت النقط لتجسيم الحركات قبل ان ترتدى أشكالها الحالية . فمن أراد تنقيط كلمة وجب عليه التأمل فيها حتى يقف على معناها وعند ذلك يستطيع رسم النقط عليها . وسبق أن اشرنا الى معنى النقطة وهى الاثر الذى يبقى على القرطاس اذا نقدته برأس قلمك .

فالتنقيط هو النقد بذاته معنى ومادة وهو عمل يسعى من ورائه المرء الى وضع نقط تحت الحروف أو فوقها حتى يميز بينها وبين الالفاظ التى تتركب منها ويفهم المعانى المستكنة فيها وقد يؤدى ذلك العمل بالتالى الى اخراج محاسن الكلام وعيوبه . اليس ذلك ما نسميه بالنقد ؟ فالنقد اذن فهم قبل ان يكون حكما وقيل نقدا لانهم كانوا ينقدون الحروف بأقلامهم قصد تنقيطها . كما كانوا ينقدون الدراهم بأصابعهم او بأداة معينة قصد تعييرها .

أما اذا نظرنا الى النقد فى البحوث التاريخية وجدنا له مرحلتين ففى المرحلة الاولى يوجه المؤرخ الناقد اهتمامه نحو الوثائق من حيث هى ويتناولها بالبحث والفحص مستخدما كل ما لديه من وسائل علمية اخرى حتى يثبت تاريخية تلك الوثائق . فالمؤرخ الذى يبحث فى الحضارة البونيقية مثلا على ضوء وثائق عديدة مختلفة يجب عليه فى مرحلة اولى النظر فى جميع تلك الوثائق ليتثبت من صحتها ويتبين جليا تاريخيتها او يجب عليه بتعبير آخر أن يتناول الوثائق المتعلقة بأبحاثه وينقدها حتى يتمكن من ابراز الصحيح منها والأصيل ويترك جانبا كل وثيقة مزيفة .

ومشكلة الزيف عويصة متشعبة فى ميدان البحوث التاريخية والاثرية بالأخص . لقد انتشرت حركة الزيف فى القرن التاسع عشر واعترت ميدان الآثار حتى اصبحت الابحاث فى هذا الحقل مشكوكا فيها نظرا الى كثرة الوثائق المزيفة التى تخللت المجموعات الأصيلة . ففى السنوات الاخيرة شاع نبأ يتعلق بنقائش فنيقية كشف عنها الغطاء بالعالم الجديد الامر الذى قد ينبئ باكتشاف القارة الامريكية من طرف بنى كنعان قبل ميلاد عيسى بألف سنة . سقط ذلك النبأ كالصاعقة فى دنيا المؤرخين وسارع بعض من لا دراية لهم بالاساليب العلمية الحديثة فى الابحاث التاريخية وأمنوا بذلك النبأ الخطير إيمانا تسانده الوثائق حسب رأيهم فكانت الهفوة الكبرى لأن نقد تلك النقائش اى النظر فيها وفحصها فحصا علميا أسفر عن تجريدها من حقوق الوثائق التاريخية الفنيقية وحكم ان لا قيمة لها الا اذا اضيفت الى ما نعرفه فى الزيف عبر التاريخ .

من ذلك نفهم حرص المؤرخين على معرفة الظروف التى أحاطت عملية كشف الغطاء عن الوثائق الأثرية حتى اذا قدم لهم تمثال او نقيشة او تحفة فنية تراهم يبحثون عن كيف ومتى واين وقع العثور عليها وتراهم يشترطون الدقة والتفصيل عند الجواب مفتشين عما تكنه تفاصيل الجواب من وسائل تساعدهم على النقد الخارجى اى على تمييز الوثيقة وتعييرها . وتجدر الاشارة هنا الى تشابه عمل المؤرخ بعمل الصراف فهذا ينقد الوثائق والصراف ينقد الدراهم وكلاهما يعمل على التمييز والتعيير .

فالصراف ينقد الدراهم مستخدما وسائل فنية خاصة كالوزن والقرع . أما المؤرخ فتراه يفحص الوثيقة متسائلا هل تتناسب والظروف التى يدعى انها تنتمى اليها . فان قدم اليه تمثال وقيل انه ينتمى الى الحضارة الرومانية فى عهد الامبراطور سابتيميوس سيفاريوس ( Saptime Severe ) نظر لذلك التمثال فاحصا اياه من حيث طريقة نحته والادوات التى استخدمت فى صنعه . فان لم يجد شيئا يناقض ذلك الانتساب اعتبر التمثال وثيقة تاريخية يمكن استنطاقها عند دراسة الحضارة الرومانية فى ايام الامبراطور الافريقى الشهير .

ولئن لاحظ ان ذلك التمثال قد نحت حسب طرق وبأدوات لا وجود لها فى ذلك العصر وجب عليه طرحه من ملفه الخاص بالفترة التى ذكرنا .

لا شك ان الذين تعاطوا الزيف تجارة لم يترددوا فى خلق مخطوطات وتقديمها لمن كانت لهم هواية جمعها ودراستها ونشرها . لقد سمعت الاستاذ تيرييى Thiriet اكثر من مرة اثناء دروسه التى القاها بدار المعلمين بتونس يندد بالذين تعاطوا صناعة المخطوطات المتعلقة بتاريخ أوروبا فى القرون الوسطى ولقد عثر على كثير من الوثائق الرسمية والاجازات والشهادات المزيفة وقد تشترى تلك الوثائق المزيفة وتدمج فى المجموعات الأصيلة وقد ياتى المؤرخ ويستند عليها وعلى غيرها لضبط التاريخ وحل مشاكله الا انه يقدم عملا مسموما بعيدا عن الحقيقة التاريخية . وقد وقع بعض المؤرخين فى مآزق كهذه اذ قد يكون عسيرا على الباحث مهما كان صبره ودأبه فى العمل ان يميز الاصيل ويستند اليه ويقف على الزيف ويطرحه .

ومهما يكن من امر فمن واجب المؤرخ ان ينظر فى المخطوط قصد تعييره و الا يستنتج منه شيئا قبل التعبير فان كان صحيحا أصيلا أخذه بعين الاعتبار وان كان من الزيف ندد به حتى لا يقع احد المؤرخين فى الفخ . وان عسر عليه البت فى مخطوط ما تركه جانبا الى ان يصل الى حقيقة امره . ولعل ذلك مما يجعل تجارة المخطوطات تكاد ان تكون سرية . ولا شك ان الخبراء فى تعيير المخطوطات من الذين يخافهم المطففون .

فليس علينا ان نؤمن بقيمة مخطوط الا بعد تعييره كما ان قيمة المخطوط لا نتجسم فى محتواه بل تتجسم قبل شئ فى اصالته . وبعد اثبات الاصالة نتعدى الى المحتوى فنستنطقه ونستخدمه لحل المشاكل التاريخية التى تتصدى لنا .

ان الخبير يستخدم وسائل شتى لتعيير المخطوطات تختلف حسب الظروف ومصدر المخطوط وكنت أود ان يذكر لنا الاستاذ المنجد لما القى محاضرته المتعلقة بالمخطوطات العربية موقف الاختصاصى فى هذا الميدان ازاء مشكلة الزيف . فهل يتصدى لها الباحث ؟ وان كان ذلك فما هى الطرق التى ينبغى ان يتوخاها حتى يتقى شر المزيفين ؟

وما هى الوسائل التى تمكنه من تمييزها وإخراج الزيف منها ؟ .

فالمصادر الأدبية اذن تستوجب النقد قبل ان توسم بوسام الوثائق التاريخية . ومن الوثائق الأدبية الأصيلة ما يستوجب نقدا يسعى الناقد من ورائه الى تعيين الملف الذى ينبغى ادراجها فيه . فهذا شاعر رومانى تغنى بعليسه وبحذقها وبطولتها كما تغنى بحبنا لبطل طروادى يدعى اينيوس . هل يجوز ان نعتبر ملحمة فيرجيل كوثيقة تاريخية تساعدنا على فهم المشاكل المتعلقة بأولئك الذين أسسوا قرطاج ؟ وهل يمكن ان نعتبر لقاء عليسة

بابينوس حقيقة تاريخية ؟ ذلك ما يرمى اليه الناقد ايضا ! عملية يقوم بها الباحث قصد تميز ما أتى فى ملحمة فيرجيل وتعييره . فان كانت صالحة أدرجها فى مللفة قصد الاستنطاق والاسترشاد وان ثبت انها من باب الخيال وليس لها من التاريخ شئ طرحها .

وكثيرا ما تكون الحقائق التاريخية تحت طى حجاب كثيب ينسجه الشاعر قصد تلوين الاحداث بألوان بديعة مختلفة خلابة والشاعر لا يعبأ بالتاريخ اذا نتشى وقد يحتكى ذلك الحجاب تدريجيا مع مر الزمن خاصة إذا لم تسجل الاحداث التاريخية كتابيا الا قرونا بعد حدوثها .

وقد يتجسم ذلك الحجاب الذى يسدل على الحقيقة التاريخية الصريحة فى اضافات وتفاصيل وصفية وظروف مكانية وزمانية كثيرا ما تعوق المؤرخ عن الوصول الى هدفه المرسوم . لذلك ينبغى ان يقف المؤرخ وقفة المحترز الحذر لا يستنطق نصا ولا يستند رواية الا بعد النظر فيها ونقدها نقدا يثبت صلوحيتها كوثيقة تاريخية او ينفيها . وتجدر الاشارة الى نسبية تلك الصلوحية . فهذا نص نرفض ان يكون وثيقة تاريخية فيما يتعلق بالبرابرة ولو تحدث عنهم على انه قد يجوز ان يندرج فى قائمة الوثائق التاريخية المتعلقة بالحضارة الرومانية . فما قاله فيرجيل عن عليسة وتأسيس قرطاج يمكن استغلاله والرجوع اليه لا عند البحث عن الحضارة البونيقية بل خاصة إذا اردنا دراسة الحضارة الرومانية فى القرن الاول بعد المسيح . لان النص يتحدث فى ظاهره على عليسة وقرطاج وقد انعكست فيه صورة الحضارة الرومانية فى القرن الاول بعد ميلاد عيسى . هذا ويذكر القرآن ان سيارة وجدت يوسف فى البئر فأخذته وشرته (( بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين )) - سورة يوسف آية عدد 20 - هل يمكن ان نعتمد هاته الآية ونقول ان القبائل السامية فى عهد يوسف كانت تعرف الدراهم ؟ ولئن فعلنا لوقعنا فى خطا تاريخى فادح لأن الدراهم من المظاهر الحضرية الحديثة جدا بالنسبة الى تاريخ يوسف ولكن تحدث القرآن عن الدراهم حتى يفهمه العربى اذاك وكانت الدنانير والدراهم اليونانية معمولا بها فى الجزيرة قبيل الاسلام . فالآية اذن لا تنبئنا الدراهم فى ايام يوسف بل هى وثيقة تاريخية بفضلها نعلم ان الدرهم كان معروفا فى الجزيرة العربية ايام الدعوى الاسلامية .

من ذلك نرى ان النقد فى مرحلته الاولى يهدف الى معرفة ظواهر الأمور وباطنها ونظرا لكثرة الملفات المتعلقة بدراسة الماضى فلا شك أن كل ما صنعته البشرية يبدها او بعقلها او بشعورها يمكن ادماجه فى ملف معين . ان المرحلة الاولى من النقد التاريخى تتضمن تعيير الوثيقة مهما كان نوعها حتى يمكن معرفة الملف الذى اليه تعود .

اما وقد اجتاز المؤرخ المرحلة الاولى من نقد ما لديه من وثائق وميزها ووضع قائمة المصادر التى ينبغى الرجوع اليها عند دراسة مسالة ما بقى له ان ينغمس

فى صميم الموضوع اى ان يعمل على بعث الماضى وقيامته ولكن كيف يجب على المؤرخ ان ينظر الى ما لديه من وثائق وشهادات عديدة مختلفة وقد تكون متناقضة أحيانا ؟ كيف يستطيع الخروج من هذه الأجمة الكثيفة ولا وجود فيها لسبيل يستطيع تتبعه حتى يصل الى الحقيقة التاريخية وليست لديه إبرة نمكنه من معرفة شماله وجنوبه وليس له منار ينير طريقة حتى لا ينزلق فى الخنادق والمستنقعات ؟

فغالبا ما نرى المؤرخ يقدم صورة عن الماضى اقتبسها من المصادر المختلفة التى عاد اليها وهى صورة لا نجدها فى اى مصدر من تلك المصادر بل قد نجد البعض منها فى كل المصادر . فلقد قدم لنا المؤرخ اذن صورة نسجها بالاستناد على وثائق كثيرة الامر الذى ينم عن اختيار المؤرخ وتلك هى المرحلة الثانية فى النقد التاريخى .

يطلع على هذه الوثيقة فيأخذ منها شيئا بعد الاختيار وينظر الى هاته التحفة فيلمس فيها ظاهرة من ظواهر الحضارة ويجعل منها عنصرا من عناصر اللوحة التى سيقدمها لنا عن الماضى الذى هو بصدد بعثه من جديد . ان عملية تفكيك الوثائق الى عناصرها الاولية واختيار البعض منها لرسم لوحة الماضى هى المرحلة الثانية فى النقد التاريخى . والخطر ان تطغى شخصية المؤرخ فى تفكيك الوثائق واختيار عناصر اللوحة والوانها .

ولئن كان ذلك لذهب بنا الشك الى الاحتراز وقد تكون اللوحة غير مخلصة للماضى الذى تحكيه .

ومن الذين ذهب بهم الشك شوطا كبيرا فى هذا الميدان يجدر ان نذكر المؤرخ الفرنسى ch . v. Langlo's فكان يخاف الانحراف عن الحقيقة التاريخية ولو بقيد أنملة ودفعه ذلك الخوف الى الاكتفاء بعرض الوثائق التاريخية الخطيرة ويأبى أن بضيف لها شيئا كالحكم على محتواها اوله بل يغالى فى الاحتراز والتحرى حتى يأبى طريق الاستنتاج ذلك لانه يخاف ان تطغى شخصيته على شهادات الذين عاشوا احداث الماضى فيبرزها حسب نظرته لا حسب نظرة الذين شاركوا فى سبكها وعاشوها بدنيا وفكريا . لقد صنف فان Langlois اربعة كتب عن الحياة فى فرنسا فى القرون الوسطى ، وحاول جهده ان لا تؤثر شخصيته على الوثيقة ولا تدخل عليها اى تغيير فهو يقدمها مع انه يبقى بعيدا عنها .

فى مصنفاته الاربعة التى ذكرناها نراه يسند الكلمة الى الادباء والمفكرين وغيرهم من الذين تركوا شيئا تنعكس فيه صورة فرنسا فى القرون الوسطى وعلى القارئ حسب رايه ان يربط بين الامور وان يتمم بعضها ببعض ويوفق بينها وللقارئ يعود حق الاستنتاج .

الا ان هاته الطريقة العلمية الموضوعية تنطوى على خطر عظيم وهو العبث بالوثائق التاريخية وعدم الجدية فى استنطاقها ورسم لوحة الماضى بعد اختيار

عناصرها من مختلف الوثائق التى ثبتت اصالتها . لان القارئ قد لا تكون له الكفاءة فى اقتباس الحقيقة التاريخية من الوثائق التى قدمت له . وليس لكل قارئ ان يصل الى معرفة فرنسا فى القرون الوسطى من خلال ما قدمه له المؤرخ Langlois . ولئن فعل لأخطأ وانحرف عن الحقيقة التاريخية فتكون الطامة  الكبرى . ولا شك ان عبء المسؤولية فى ذلك يعود على المؤرخ فيصبح احترازه وتجرده هفوة إزاء التاريخ وقد تسبب انكماشه امام الوثائق وحرصه على الموضوعية فى تلويث التاريخ . ان استعاء المؤرخ فى ظرف ينبغى تحمل المسؤولية والاقدام على الاستنتاج لينم عن عدم الثقة بعقل الانسان كما ينم عن كفر بالتاريخ .

والى جانب الذين يغالون فى التحرى والاحتراز ويقفون وقفة الاستعفاء امام الوثائق التاريخية نجد من يغالى فى تشريح الوثائق وتحليلها والحكم على محتواها أو له حتى يبتعد عن الحقيقة التاريخية بطغيان شخصيته على الوثائق عند الشرح والتحليل . فمن المؤرخين من ينظر الى الماضى بمنظار الحاضر اعتقادا منه ان التاريخ يعيد نفسه وهذا خطأ فادح قد يتسبب فى قلب الأمور رأسا على عقب اذ فى الحقيقة لا يعد التاريخ نفسه والأحداث تتولد عن ظروف خاصة توجد وتتطور أثناء وجودها . كما ان الحدث التاريخى يحدث بصفة ديناميكية اى يحدث ويتطور ويتلون بألوان مختلفة أثناء حدوثه حتى انه من العسير أن نقف على كل العوامل التى تعمل فيه وتلونه بألوانها . هذا وقد عبر الفيلسوف اليونانى ديموقريط ( Democrite ) عن تطور الظروف وعن استحالة توفرها أكثر من مرة قائلا : لا يستطيع المرء السباحة مرتين فى نهر واحد . ذلك ان النهر يتغير مع مر الزمن فتسبح فيه مرة دون اخرى . وقد يبدو لك انه فى الامكان الغوص فيه ثانية لكنك تغوص عند ذلك فى نهر تغير واديه وتغيرت مياهه حتى اصبح نهرا آخر .

ومثل الظروف التاريخية كمثل نهر ديموقريط . لذلك ينبغى ان ننظر اليها من حيث ذاتيتها اعتقادا منا انها وحيدة فى ذاتها ليس فى الوجود ما يماثلها تماما رغم الظواهر المضللة . فالنظرة التاريخية العلمية هى نظرة تؤمن بذاتية الامور وبحيويتها .

ومن المؤرخين من يدرس التاريخ دون ان يتخلى عن اختياراته الشخصية كالمعتقدات مثلا حتى يدفع به ذلك الى تشويه الحقيقة كأولئك الذين آمنوا بنظرية الاجناس البشرية الصريحة وبتفوق الجنس الآرى على الجنس السامى مثلا . تغلغل فيهم ذلك الاعتقاد حتى تلونت به دراساتهم وتلوثت به الحقيقة التاريخية . وكلما تناولوا الحضارات السامية بالبحث حاولوا جهدهم اظهار نقاط الضعف فيها وقد يجعلون من القوة ضعفا عن وعى او غير وعى والاثم فى الوجهين سواء . ذلك ما تتميز به نظرة غالب المؤرخين طيلة القرن التاسع عشر واوائل هذا القرن . شعرت اذاك القارة الأوربية بقوتها وضعف من يمثل الشعوب السامية فى نظرها فقالت بعقمهم فى ميادين الخلق والابتكار . وانكرت عليهم

كل مساهمة فى تشييد صرح الحضارة البشرية . فكان كفرا بالتاريخ وجريمة ازاء الحاضر .

قدموا لنا لوحة لا تصور لنا الماضى فى شىء بل تحكى معتقدات الذين رسموها ونظرياتهم الضالة العقيمة وقد ابرزت البحوث العلمية خطأها وعقمها مع ان بعض المؤرخين ما انفكوا متشبثين بها كالذين كتبوا تاريخ بلادنا القديم . كلها تحدثوا عن الأفارقة تبجحوا بابراز مواطن الضعف كذبا وبهتانا ومنهم من غالى فى الحكم عليهم حتى اكد انه من المستحيل ان تتكون دولة مستقلة فى شمال افريقيا بل مصير هاته الرقعة من الارض ان ترزح تحت نير الاستعمار . لقد أقام صرح هاته النظرية الاستعمارية المؤرخ الفرنسي Gauthier وقد واكبه كثير من المؤرخين الفرنسيين ايام الاستعمار . لا فائدة فى الاجابة على هاته النظرية العدوانية وحاضرنا يجيب ويرد عليها بقساوة .

ومما يؤسف اليه أن بعض الذين ساندوا هاته الافكار التى كان الاستعمار يرتاح لها ويغذيها ما انفكوا يعتبرون من ذوى القول الفصل فى تاريخ بلادنا القديم وما انفكوا يسيطرون على الابحاث التاريخية فيها بكل ما لديهم من دعاية وجاه فى الجامعات الباريسية الامر الذى قد لا ييسر تصفية التاريخ مما انتابه من تشويه وتلويث . فمتى يمكن لشباب تونس ان يدرس تاريخ بلاده من خلال ابحاث تونسيه بحتة ؟ تلك قضية من قضايا تخليص البلدان الحديثة العهد بالحرية والاستقلال من رواسب الاستعمار ولعلها من اعسر القضايا واكثرها تشعبا .

ومنهم من لا يحتفى بالبحث عن الماضى بل ينظر اليه ويحكم له او عليه حسب مقاييسه الشخصية اخذها عن الوسط الذى يعيش فيه فهذا مؤرخ يتحدث عن الديانة البونيقية فيشهر بالبونيقيين لأنهم تعاطوا القرابين البشرية . وكلما اشار اليها الا ونعتها بالتوحش والقساوة اى حكم هذا المؤرخ عليها بالمقاييس التى نستخدمها حاليا عند الحكم . غير ان تلك النظرة النقدية تبدو لنا خاطئة مناقضة للتاريخ وقوانين البحث فيه . ان المرغوب من المؤرخ فى هذا الصدد هو الوقوف على ديانة البونيقيين والوقوف على ما كان يخالج قلب المؤمن اليونيقى عندما يقرب ابنه اى اعز ما لديه فى الدنيا الى آلهة المدينة . فان استطاع ضبط تفاصيل الديانة البونيقية وضبط نظرة البونيقى نحو الآلهة والكون ومعرفة العوامل التى بعثت تلك العقيدة للوجود كان قد افلح وبلغ الهدف وانجز العمل الذى يرجى من وراء بحوثه . اما بالحكم للاشياء او عليها فهو ينحرف عن سبيل التاريخ ويشوه الحقيقة التاريخية . اذ الغاية فى البحث عن الماضى هو بعثه بحذافره بأحداثه ونظرة الذين عاشوا تلك الاحداث . وليس لنا ان نحكم عليها أولها حسب مقاييسنا الشخصية العصرية .

ان النقد فى هذا المستوى لا يعنى الحكم بل هو عمل فكرى أساسه الوثائق

الاصلية وهدفه فهم الماضى والعوامل التى سبكته . لان النقد فهم قبل ان يكون حكما .

تلك حقيقة ينبغى ان تنير طريقنا فى ميادين البحث جميعها وفى ميدان التاريخ بخاصة . عنق المانى عن بعض الكتب التى تتعلق بتاريخ الفن فقال : انه يود رسالة فى تاريخ الفن لا وجود فيها للفظة (( جميل )) ذلك ان تلك اللفظة وما شابهها تعرب عن حكم شخصى والمؤرخ ناقد ليس الا . فان تناول بحثا فى تاريخ الفن اليونانى او البابلى فليس له ان يعرب عن شعوره الخاص تجاه ذلك الفن بل عليه ان يبحث عما كان يخالج نفس الذى نحت التمثال او نظم مكعبات الفسيفساء ونسق الوانها ، فالمظاهر الفنية فى نظر المؤرخ طريقة تمكنه من الوقوف على اسرار الحضارة البشرية . وقبل ان ينظر فى جمال الشئ او قبحه ينبغى ان يقف على العوامل التى جعلته ينشأ كما ينشأ . ذلك هو النقد الحقيقى

اما اذا اراد الحكم على مظاهر الحياة الفنية او لها فى حضارة ما وجب عليه ان يحكم استنادا على مقايس تلك الحضارة ويكون قد أخطأ خطأ عظيما اذا استخدم عند الحكم مقايسه الشخصية او مقاييس حضارة اخرى . نحن نلمس هذا الخطأ من مؤلفات المؤرخين الذين كتبوا عن الحضارة البونيقية وفنها . نظر الاستاذ جيلبار بكار الى ما ابقته لنا قرطاج من تحف ولو كانت ضئيلة لما اصاب مدينة عليسة من حرق ونهب ودمار . وبعد نظرة سريعة افصح المؤرخ بكار ( Picard ) عن حكمه القاسى تجاه المدينة وحضارتها حيث يقول بعجز البونيقيين فى الحقل الفنى وحكم بقوله : ان التحف التى نجدها بقرطاج تنقسم الى قسمين فبعضها يرتدى قيمة فنية وهو من الواردات وبعضها ينم عن العجز والرداءة وهو من صنع اليد البونيقية .

انه لحكم ظالم ينم عن سوء فهم بل هى نظرة خلت من روح النقد التاريخى النزيه . فعوض ان يصدر هذا الحكم كان عليه بادئ ذى بدء ان ينظر الى ما بقى لنا عن الحضارة البونيقية والظروف القاسية التى سلطت على قرطاج ايام الحرب الثالثة . ولئن فعل لما تجرأ على اصدار ذلك الحكم . هذا وعوض ان يحاول فهم الاشاء أسرع الاستاذ بكار بالحكم عليها وكان متشبعا بالحضارة اليونانية الرومانية متشيعا لها ومتعصبا لمقاييسها . فكانت نظرته نحو التراث البونيقى نظرة من خلال منظار يونانى رومانى الأمر الذى يحرمه النقد التاريخى النزيه أجل ان الفن البونيقى خاصة والفنون الشرقية عامة لا تحتذى قوانين الطبيعة بل قد تعاكسها . ولم يقصد الفن البونيقى محاكاة الطبيعة وان اقتبس بعض عناصره منها . من ذلك نرى ان الهدف فى دراسة الفن البونيقى مثلا ليس فى الحكم عليه او له حسب مقاييس لا صلة لها بالعالم البونيقى بل الهدف هو الوقوف على العوامل التى جعلت البونيقيين ينحتون صورا بأشكال معينة والوقوف على يسعون اليه من وراء ذلك . اما الحكم فلا ينبغى ان يكون من حيث ما نسميه

جمالا او قبحا بل يكون فى مدى التناسق والانسجام بين مطاهر ذلك الفن والاهداف التى يرمقها .

فان كان الهدف من زخرفة نصب التوفات هو التعبير عما يخالج قلب الذى يقرب ابنه الى ربه وتمكن النحات فعلا من التعبير عن ذلك بواسطة تلك الزخرفة وجب علينا إذ ذاك ان نعترف بقيمتها الفنية وتكون قد حكمنا استنادا الى مقاييس تؤمن بها الحضارة البوليقية ونكون قد قمنا بنقد الفن البونيقى نقدا تاريخيا نزيها .

هكذا يتبين لنا ان النقد فى البحوث التاريخية يكون فى مرحلتين ففى المرحلة الاولى تهدف نظرته النقدية الى اثبات الوثيقة او طرحها من ملف المسالة التى هو بصدد حلها والمرحلة الثانية تتجسم فى فهم محتوى الوثائق قبل الحكم لها او عليها مع ان ذلك الحكم ينبغى ان يستخدم مقاييس تؤمن بها الحضارة التى هو بصدد دراستها وبعث ماضيها للوجود الامر الذى يحتم عليه فهم تلك الحضارة فهما عميقا يوقف على مقاييس الحكم المستكنة فيها . ومن ذلك تتبين أن النقد فهم قبل ان يكون حكما .

اشترك في نشرتنا البريدية