منذ اختلف أقدم من نعرف من نقاد الادب أرسطو وأفلاطون حول دور الفن الادبي في الحياة والنقاد ما يزالون يبدئون ويعيدون في هذا الخلاف بأشكال مختلفة وصور متنوعة تلائم عصرهم ، وما يثور فيه من قضايا ولكن كما كان الفيلسوفان العظيمان حريصين على مفهوم الادب فكذلك كان كل ناقد له وزن حريصا في مثل هذا النقاش على مفهوم الادب ايضا . ان احدا من هؤلاء النقاد لم يقل في يوم من الايام ان الادب يجب ان يدعو الى فكرة معينة او ان يخدم غرضا محدودا خلقيا كان أم اجتماعيا أم سياسيا ، ذلك انه ليس الاديب والحق وحده هو الذي سيثور على هذا القيد لحريته وانما الادب نفسه ، اذا قبل الاديب ، سينحرف من حقيقته ؛ ان الادب وسيلة الى غاية ، وسيلة لها خصائصها التي يجب ان تتوفر فيها كاملة لتتحقق حقيقتها ولكن الادب بخصائصه يهيئ الانسان الى ان يفكر والى ان يعمل والى ان يؤثر في الحياة في نواح يعينها بطريقة بعينها ومن هنا كان التدخل من جانب الفلاسفة ثم المصلحين الدينيين والخلقيين والاجتماعيين والسياسيين ليملوا على الأدب ما يجب ان يفعل ، ولكن الادب الحر لم يعبأ في يوم من الايام بما يملى عليه ، وظل عمله كما يقول احد النقاد يقوي ملكة الخيال التي لولاها ما استطاع الانسان ان يكون فاضلا او نافعا . ذلك اننا لا نتصف بالفضيلة والنفع الا اذا تصورنا غيرنا الى جانبنا واحسسنا ان هذا الغير له علينا حقوق وجوده الى جانبنا ، وبهذا يكون تأثير الادب في الاخلاق والسياسة والاجتماع بل في كل فضيلة يرى المصلحون انها واجبة ان تكون تأثيرا غير مباشر .
وهذه قضية الوحدة العربية التي اجتمعنا في هذا المؤتمر من كل بلد عربي لنتدارسها ولنتبين ان الادب في ظلها له تاريخ طويل وقد اختلطت فيه طوال هذا الزمان بمفاهيم كثيرة واحداث اكثر وعبر الادب العربي عن هذا الاختلاط
تعبيرات مختلفة ووقف النقاد من تعبير الادب عن هذا المفهوم مواقف ارى انها ما زالت غامضة غير مفهومة ولا محدودة .
لقد اختلطت القومية العربية اول وجودها بمفهوم الاسلام ثم بمفهوم الوطن الجغرافي للعرب ثم بمفهوم الدولة الاسلامية ثم بمفهوم الثقافة الاسلامية حتى عادت في عصرنا الحديث في اواخر القرن الماضي واول هذا القرن تختلط بل تتعادى احيانا مع الرابطة الاسلامية مع ان منشأها الديني اوضح من ان ينكر ووقف الادب من كل هذه المفاهيم موقفا واحدا يتغنى بالاساس الثابت الجميل الذي يجمع بين الناس ويؤلف بينهم ويربط على مر العصور وكر الدهور يتغنى الامجاد القديمة ويبكي الحاضر ويرنو الى المستقبل .
ولكن هل اتضح مفهوم القومية العربية في هذا الادب إلى زمن الحرب العالمية الاولى ؟ ان النقاد لم يدرسوا فيما اعرف هذا الموضوع درسا كافيا ، وكان موقفهم موقف الشعراء او الكاتبين اي موقف المتأثر المنفعل .
والسبب في ذلك ان الناقد العربي الحديث لم يتصور بعد خطورة مهمته ، انها مهمة رائد الطريق ، انه لا ينمي ولكن يهيئ الجو للنماء فمهمته غربلة التراث الادبي كله قديمه وحديثه في ظل الميزان الجديد ميزان العصر الذي نعيش فيه ، لا ينفي ويثبت فأساس الخلود المشترك هام لا يقبل خلافا ولكن ليحور ويحرف بحيث يرى القديم في ضوء جديد وبحيث يسير الحديث في ركب الفن سرا منسقا مفهوما .
والسبب التالي في نظري هو هجوم هذه النظريات الغريبة الكثيرة على عقول المثقفين منا ومحاولة تطبيق هذه النظريات ، قبل تفهمها وتعمقها وقد حال اختلاف اللغة دون هذا التفهم العميق ، على ادبنا العربي وهو ما يزال في طور البعث فاذا حركة التجديد تنحرف واذا بنا نتغنى ادبا انسانيا والشرق رازح تحت اثقال كل ما هو غير انساني وتبتسم حركة التجديد بتيار رومانسي عربي واضح والله يشهد انه ما كان في الشرق الممزق المنهوب الذي كانت تتجاوب عليه حفنة من القراصنة اي شيء يدعو الى التحليق في سماوات الحب والتعاطف الانساني واخذت حركة التجديد تنحرف انحرافا غربيا بحتا ، وخاصة عند المهجريين من شعراء اول هذا القرن .
ويقف النقد من كل هذا وقفة غريزية بحتة ، يقف ليدافع عن كيان الادب القديم في قوة جبارة ، ولكنها قوة بدائية . لقد احس وجوده فرأى ان اللغة العربية في فطر اللغة لا على انها المقوم الاساسي فى الوحدة العربية ، ولكن على انها اللغة المقدسة لغة الدين ولغة التراث القديم . ولم يكن للنقاد ولبعض الشعراء في هذا العصر من هذا المفزع الا قدسية الدين والقدم يحتميان فيهما للدفاع عن مقوم الوحدة العربية الاول .
لقد نزل باللغة العربية عاملان أساسيان : الفاظ اجنبية لابد ان تترجم او تنقل بشكل أو بآخر ، ولهجات محلية اخذت في اواخر عصور الجمود التركي تعبر وحدها للتعبيرات قوية عن مزاج شعب لا يمكن ان يستغني عن الفن , والفن الادبي بحكم تراثه وجنسه هو الصق الفنون نفس الشعب وأيسرها انتشارا , ووقف النقاد يدافعون عن اللغة الرفيعة لغة الادب .
لم يقل ناقد من نقاد هذا العصر ان لغة الادب بطبيعتها غير لغة الحياة اليومية ولم يناقش ناقد قضية الادب الذي تفهمه العامة من الفهم ايسمى ادبا امر ان الادب لا يمكن الا ان يكون مما لا تفهمه العامة . لم يناقش ناقد نظرية تولستوي على قدمها اليوم . وكانت حية ايامهم في ان ما لا يفهمه الشعب من فن يجب الا تنفق الحكومات في سبيل تشجيعه وان عباقرة الاجيال السالفة ليسوا شعراء لان الشعب لا يفهمهم . وانما دافع النقاد عن التراث القديم دفاعا شعريا لا نقديا وهذا التراث القديم موات منذ آخر القرن الماضي انه لا يصلح غذاء لعصر تغيرت فيه الاحوال . وهاجمت مدرسة التجديد الاولى في مصر وفي المهجر موضوعات الرثاء والمديح والغزل ودعت الى ادب خلعت عليه كل صفات الحيوية والجمال . ولكن الاهم من ذلك انها خلعت عليه صفة البعد او البرء من سيطرة التراث القديم وسلطان " قفا نبك " وتغزل النقاد في ابيات القدامى ، ولكن حركة الهجوم والدفاع لم تقم لها قائمة على درس او فحص يمكنان من رسم الطريق وتشوف المستقبل .
وورثت القصة بحكم ظروف وعوامل ليس هنا مكان سردها فكان لها في تحررها من النماذج القديمة تحررا شبه تام وتأثرها بتراث غربي متعدد متنفسا من اسلحة النقاد . انها في لغتها التي يجب ان تتجه نحو الوضوح لا الغموض الشعري ، وفي عدم اعتمادها على تراث القرون الا الشعبي الذي عافه النقاد جهلا بقيمته سبيلا عريضا لان تنمو بعيدا عن الهجمات .
لم تدل دولة الشعراء ولن تدول ، ولكنه افسح الطريق لفن يلائم حاجات العصر . فالشعر تعبير أدبي ، اذ انه الكلمة التي فك الشاعر قيود محدوديتها واتخذت من فك قيودها طاقة على الايحاء وقابلية للانسجام مع طاقات العلم الاخرى . هذه الكلمة لا تصلح اداة للقصة . ان القصة لابد فيها من الوضوح والشاعر لغموض ميدانه لا بد ان يعتمد على قيم فكرية ثابتة يلتقي فيها على السامع ليأخذ بيده من حيث يلتقيان فيحلقان معا . ولكن العصر الحديث الذي اختلطت فيه القيم وتضاربت واطل على الانسانية كلها شبح القلق وعدم الاستقرار والهول من سوء المصير في هذا العصر لا يمكن ان نجد القيم الثابثة التي يعتمد عليها الشعر كاساس ثابت ليؤثر بغموضه ، لا بد من ان يقوم بدور الفن الادبى في هذا العصر نوع آخر من الادب نوع يعتمد على الوضوح وعلى قابلية عرض المشاكل ، ووصف الاضطراب وتلمس السبيل .
ونمت القصة في الغرب وورثت عرش الشعر وكادت تخرجة من حرم الفن الادبي الى حين . ونمت عندنا القصة فنحن جزء من العالم المضطرب ، وان اختلفت أسباب الاضطراب ، واذا هذا النوع الادبي الجديد ينظر الى مشاكلنا ، ولكنه يبعد عن القومية العربية التي كان يتغنى بها الشعراء . وهنا ياتي دور النقد الدقيق ، دوره في ان يتبين الاسباب التي ادت الى ان تكون القصة العربية الحديثة رمانسية او مصورة لقطاعات واقعية من الحياة . او تاخذ بعض المشاكل الانسانية العامة الفلسفية احيانا لتعالج التفكير فيها سواء في المسرح او في الرواية .
هنا يأتي دور النقاد في درس هذا الواقع وتشوف المستقبل من خلاله ، وهنا ياتي تصوير الوحدة العربية وما يمكن ان يتفجر فيها من قضايا ادبية ومشاكل انسانية عربية تلون هذه الفلسفة وتميز هذا الواقع
ولنضرب مثلا بمأساة تلك الوحدة ، نكبة فلسطين ، لقد اخذ الشعراء يبكون الحال ثم يثورون معبرين عن اعمق اعماق الحيوية الدافقة ثم اخذوا يصورون بعض المواقف في شبه قصص واخيرا تدفق التأليف العلمي الذي احتاجت اليه القضية لتفهم في ميدانها العالمي . فأين كتاب النثر ، وكتاب القصة ، مثلا من هذه المأساة الجليلة في الحياة وفي الادب ؟ انها اول ناقوس خطر تنبه عليه العرب في العصر الحديث الى قوميتهم فهبوا ليتمسكوا بها وتوالت نواقيس الخطر ,
حرب التحرير في الجزائر ، وحرب الدفاع عن الحق في مصر في العام الماضى , واحداث اخرى اقل شأنا من الحرب وان تكن ابعد اثرا . كل هذه نواقيس خطر توقظ الشعور وتنبه القوم الى هذه الوحدة .
ان الوحدة العربية يجب ان يحدد مفهومها ، ويجب ان يملأ هذا المفهوم الدقيق طاقات لتكون لهذه الوحدة صورة حية متطورة في ادبنا المتطور الخالد على مر القرون . ان الشاعر يكفيه ان ينفعل بالمفهوم الغامض ، القوي لغموضه ليحركنا فنحلق معه . اما القاص فلا بد له من حركة وحوادث . وهذه الحركة ذهنية كانت ام مادية لابد لها من ان تكون مفعمة بطاقات الايحاء .
ان امكانيات الادب العربي الحديث اضخم مما صور النقاد الى اليوم . انه ادب عاش ستة عشر قرنا او تزيد واكتسب من كل هذه القرون آفاقا وحيوية وقوة وصمودا لايمكن لاي ادب ان يطاوله فيها . وهو يعتمد على تراث ادبي ولغوي وثقافي ضخم اكثره غير مدروس بل احيانا غير معروف . واذن فمهمة النقاد اضخم واوسع مما تظن ازاء الوحدة العربية .
لقد ادى الدارسون الناقدون كثيرا من فضل في النواحي الدراسية في النقد فدرسوا الادب العربي في كل عصوره درسا ما ودرسوا النصوص الادبية وحاولوا ان يغربلوا تراث النقد القديم . ولكن هذا الميدان من النقد يفتقر هو ايضا الى جهود لانه تراث قرون وقرون .
وبين هذه التيارات العالمية التي اردنا ام لم نرد ، نتأثر بها في الادب وبين هذا القديم الجبار يقف الناقد الحديث ليزن ويكشف ويصفي ويتشوف الطريق . واساس كل هذا شعور دافق بالروابط وبالوحدة التي توسع رقعة الدرس وتجعل دراسة الادب في اي قطر من الاقطار العريبة دراسة له في جميع الاقطار .
واخيرا ان يكن لهذا المؤتمر فوق فضل التلاقي الحبيب والاحساس الدافق ببهجة زيارة الاخوان ففضله في هذا الذي قلت في انه يلفت الانظار الى انفسنا لنتبين مكاننا في الادب من هذا الذي يحيط بنا وتجيش به صدورنا .
ان القومية العربية طاقة ادبية قبل ان تكون منفعة او سياسة . وهي واقع جبار قبل ان تكون اداة او وسيلة انها غريزة الدفاع عن النفس تستيقظ على الخطر فتوحي بالعمل والتضحية ولكنها توحي ايضا بالادب الحى الخالد .

