الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

النقد والقومية العربية

Share

النقد والقومية العربية . . يخيل لى اننا حين نبحث فى الاسس التى ورثتها القومية العربية من التاريخ ، فاننا نستطيع ان نصير الى اتفاق عليها ، وان نوضح هذه الاسس بما لا يترك كثيرا من لبس او ابهام ، كذلك يخيل لى اننا حين نبحث القومية العربية الحديثة ، اعنى القومية العربية التحررية ، فاننا نستطيع فى كثير من اليسر ان نتفق على دقائق معناها السياسى ، ولا يشق علينا ان نستجلى دقائق معناها الاقتصادى ومعناها الاجتماعى .

على ان الصعوبة تعترضنا حقا حين نحاول ان نعين معنى القومية العربية فيما يتصل بالفنون والقيم الادبية . ذلك باننا حديثو عهد بهذه القضية ، واحسب اننا لهذا اجتمعنا فى ضيافة مصر اليوم ، مصر الجمهورية ، طليعة العرب الى منطلق الحرية والنور

ايها الاخوان الزملاء ما معنى ان ننقد نقدا ادبيا يكون حقا معبرا عن القومية العربية ؟ ما معنى ان ننشىء فنا قصصيا وفنا شعريا ، تتبلور فيه حقا خصائص القومية العربية ؟ يخيل لي ان ذلك هو السؤال

سؤال يثير اعتراضا كثيرا . فأول ما يقال لنا ان الناقد الحق انما ينقد بمقتضى مقاييس فنية هى انسانية مشتركة لا قومية ، وكذلك القاص والشاعر , اذا صدقا . فانهما انما يبدعان ادبا لا يعيان من امره سوى انه يعبر عن فكرهما وفنهما ، ولا يعنيهما ان تتبلور فيه خصائص قومية اولا تتبلور .

اقول : هذا اول ما يقال لنا . وليس الرد عليه بمعجز . فالمقاييس الفنية التى هى انسانية مشتركة لم تظهر فى مكان ما الا متأثرة بالروح القومي ، وبالشكل القومي ، في حدود زمن وبيئة .

وفي الوقت الذى يتصور فيه الناقد انه انما ينقد بمقتضى مقاييس فنية

انسانية مجردة ، فالواقع أنه انما ينقد بمقتضى مقاييس فنية قد تأثرت بقوم وبزمن وبيئة ، فهي انسانية ولكن من خلال بوتقة قومية . وكذلك القول في القاص والشاعر ، فلا بد لصنيعهما من ان تبرز فيه الخصائص القومية حتى ولو لم يعياها أو يقصدا اليها قصدا .

ولكن مثل هذا الرد ، على المعترضين لا يحل السؤال ، وانما يطوره من صيغة الى اخرى ، كيف السبيل ليصبح نقدنا الادبى نقدا معبرا حقا عن القومية العربية بعفوية من الناقد وشعور منه انه ما زال فى الصميم من مقاييس الفن والجمال الانسانية ؟ أجل ، كيف السبيل ليخرج القاص والشاعر ادبا تتبلور فيه الخصائص القومية العربية مع احساس كل من هذا القاص وهذا الشاعر انه انما يعبر عن نفسه لا اكثر ولا اقل .

أعود فأقول : كيف نستطيع ان نجعل من القومية العربية شيئا حاصلا من طبيعة العمل الادبى نفسه دون ان يكلف الاديب ذاته او فنه عنتا او قسرا ؟ يخيل لي ان هذا هو السؤال فيما يتصل بالنقد والقومية العربية ، بل فيما يتصل بالادب اطلاقا والقومية العربية .

والواقع انني ايها الاخوان الزملاء ، اطرح السؤال ثم لا ارى ان ما عندي يخولنى القطع فى الجواب .

لا شك ان القومية العربية التى نعنيها هى ظاهرة حديثة جدا ، انها جديدة ، تحررية تطورية ، اذا شئنا تعبيرا حسيا عنها فى مجال السياسة والاقتصاد والاجتماع مثلا فلن نجد افضل من هذا الخطاب الاخير الذى سمعناه لسيادة رئيس جمهورية مصر ، هى قومية عربية جديدة ، تحررية ، تطورية ، تمييزا لها مما قد يوجد من قومية عربية ، رجعية ، وا أسفاه ، جامدة ومتحجرة .

لذلك احتاجت هذه القومية العربية الجديدة التحررية الى تطوير نقد أدبي جديد متحرر ، يعبر عنها فى مجال انتاج الادب وفي مجالس تقييمه .

ولكن هل ترانا قلنا شيئا كثيرا عندما نقول هذا ؟ لا لعمري فالسؤال باق ، ما عسى ان يكون بالضبط هذا النقد الادبى الجديد المتحرر الذي يخدم قوميتنا العربية التحررية الجديدة ؟

اكرر عليكم القول ان ليس عندي ما يخولنى القطع في الجواب .

ولكني اعلم علم اليقين ان ذلك لن يكون ممكنا كل الامكان الا ان تتجاوز القومية العربية التحررية ، فى أنفسنا طور الشعارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، فتصبح الاخلاق الفاضلة ، المعرفة ، الحق . العدالة ، الموت ، القدر الخلود ، الفداء ، الالم ، الحب ، الحقد ، الجمال ، الدين ، الانسانية ، قيمة الشخص الانسانى ، هذه كلها ، وسواها مما يجرى مجراها ، ينبغى ان تكون فيها للقومية العربية فلسفة خاصة تستمد من القومية العربية نفسها فى ماضى التاريخ ، وتفيد من تجارب الشعوب العربية فى حاضرها ، كما تنتفع بتجارب الانسانية جميعها ، ثم تتسق فى فلسفة خاصة تجمع بين الوحدة والتنوع ، وترتسم فيها سمات القومية العربية الخاصة وتملأ أبعاد حياتنا ، عندئذ يمكننا ان نتحدث حديثا ادق واجدى عن هذا النقد الادبى ، المتحرر الجديد الذى تتطلبه القومية العربية التحررية الجديدة . ولم ؟ لاننا عندئذ نكون على بينة من هذه الفلسفة التى تصدر عنها قوميتنا العربية الجديدة التحررية .

ولكن ما بالنا نذهل ، أليس واجب النقد نفسه ان يسهم فى بلورة هذه الفلسفة الخاصة التى تستجيب لحاجات القومية العربية التحررية ؟ بلى

وهكذا نرى ان الامرين متشافعان متلازمان . كلما تقدمت القومية العربية التحررية في تجاربها وانتصاراتها ازدادت نظرتها الى الوجود وضوحا وتفصيلا واتساقا وغنى ، فازداد النقد مقدرة على السير بهدى وبصيرة فى تقييم الآثار الادبية وفي مطالبة الادباء بالاعمال الادبية التى تفتقر اليها وفى الآن نفسه ، كلما ازداد النقد مقدرة على السير بهدى وبصيرة فى تقييم الاعمال الادبية ازداد اثره فى توضيح الفلسفة الخاصة التى ترتكز اليها القومية العربية التحررية وفى زيادة غنى هذه الفلسفة وزيادة اتساقها وتطوير نظرتها باستمرار الى وجود متطور باستمرار . نخلص من هذا كله الى أنه من الخطر ، وقصر النظر ، ان نضع قواعد جازمة نرى عليها نقدنا الادبي الجديد ، وندعي لهذه القواعد انها تضمن للنقد أداء رسالته الواجبة فى خدمة القومية العربية التحررية .

يكفينا نقطة انطلاق ان ندرك ان النقد الادبي كما عرفناه فى الادب العربي القديم ، اصبح لا يفى بالغرض المقصود ، وان كان فيه الكثير مما نستضيء به وينبغي لنا ان نستبقيه ولا سيما ما اتصل منه بما اسميه عبقرية التعبير العربي .

كذلك لابد من الاقرار ان النقد الادبي ، كما عرفته الحقبة الاخيرة من عصر الاحياء والنهضة ، يشكو نقصا بارزا . فهذا النقد يغلب عليه حين يتناول الآثار الحديثة ان يتأثر بعلاقة شخصية ، او يتأثر بمجرد شعارات تعجبه يجدها مرددة فى الاثر الادبى ترديدا ساذجا فجا ، او يتأثر بمقاييس منقولة نقلا آليا عن محاولات النقد الغربي . الا انه على كل حال قليلا يصدر عن تلك الفلسفة الخاصة التى تتبلور فيها سمات القومية العربية التحررية الجديدة . وكذلك شأن هذا النقد فيما يتصل بتقييم تراثنا الادبى القديم . فترى الناقد يدرس فيه البيئة الزمنية والمكانية التى نشيء فيها الاثر الادبى ، ثم ينتهى الى تقييمه بمقتضى مقاييس قديمة او مقاييس مستوردة ، غير انه قليلا ، يصدر فى هذا التقييم عن تلك الفلسفة الخاصة التى تتبلور فيها سمات القومية العربية التحررية الجديدة ، والتي بها نستطيع ان نحو عملية التقييم للتراث القديم الى عملية استصفاء لما فى هذا التراث من صحة فكرية او روعة جمالية تغذينا اليوم وتعيننا على ان نؤصل قوميتنا العربية التحررية الجديدة فتصبح ، لا انقطاعا ، بل اتصالا وتجددا ونموا .

وهنا سآذن لنفسي ان اعرض لبضعة آراء اصبحت تأخذ بها مناهج النقد الحديث عندنا كلها او بعضها .

من هذه الآراء مثلا ، ان العمل الادبى محض فن ، يريدون بذلك انه لا اخلاقي .

ومن هذه الآراء ايضا ان الشعر العربى مفتقر الى ثورة تعصف بقالبه القديم . فتتناوله بالتبديل من حيث القالب اى الوزن والقافية ومن حيث التعبير .

ومن هذه الآراء ايضا ان كل هذا الشعر الذى انفق فيه الشعراء جهدهم يمدحون غيرهم او ذاتهم يعظمون او يتعظمون ، لا خير فيه قط ، فحقه الاطراح

ومن هذه الآراء ان الشعر القديم تعوزه الوحدة في القصيدة ، فلنجتهد فى شعرنا الحديث ان نراعى شروط الوحدة فى مجمل العمل الشعرى ، فتكون القصيدة وحدة لا مجموعة أبيات تكتفى من الرابط بوحدة القالب اي الوزن والقافية .

ومن هذه الآراء ايضا ان مقياس قيمة الشعر ان يطيق الترجمة دون ان يفقد وقعه السحرى .

ومن هذه الآراء ايضا ان اللغة العربية اليوم تعاني انقساما وتباعدا بين صورتها

الفصحى الاصلية ، وصورها العامية فى الاقطار العربية . وما دامت الصور العامية هي لغة الشعب وما دمنا نكتب للشعب فلنستعمل في الاداء الادبي صور اللغة التى يفهمها الشعب اى الصور العامية .

ومن هذه الاراء ايضا ان الادب العربى القديم انما يدرس من خلال اثر الشعوب التى اشترك ابناؤها فى انتاجه ، فاذا تناولنا بالدرس كاتبا كابن المقفع او شاعرا كابن الرومى ، ووجدنا خصائص مميزة لهذين الاديبين فخير ما نعلل به لهذه الخصائص ان ابن المقفع فارسى المنبت وابن الرومى يونانيه .

ومن هذه الآراء ايضا تجاوز اهمية الموضوع في العمل الادبي تجاوزا يفهم منه ان اختيار الموضوع المتصل بالحياة مباشرة لا قيمة له وانما القيمة للاخراج الفني ، للاداء .

وما اريد ايها الاخوان الزملاء ان امضي فى استقصاء هذه الآراء . حسبنا منها ما قد ذكرناه .

. ولكنى اتساءل فيما يتعلق بالرأى الذى يفك العمل الادبي عن العمل الاخلاقي ، كيف يمكننا مع نظرة كهذه النظرة ان ننشئ ادبا عربيا يخدم القومية العربية ؟ او ليس من البدهى ان القومية العربية فى حاجة الى تنشئة جيل متين الخلق ، يتحلى قادته بالرحمة وبالزهد فى المغنى الشخصي ، ويتحلى بنوه بشجاعة في النضال ، وبالمسؤلية والدأب في العمل ؟ وكيف نربي هذا الجيل ان لم يكن الادب من وسائلنا ؛ فأدبنا اذن حكم فيه ان يكون خلقيا . وفنيته يجب ان تتجلى في متعته وفي بعده عن الوعظ ، لا فى معارضته للاخلاق السليمة ، او في محايدته لها . انى اتساءل أمن الضرورى ان تكون النماذج البشرية التى يدور عليها ادبنا هي دائما ازواج يخونون زوجاتهم ، او زوجات يخن ازواجهن , او ابناء يعشقون نساء آبائهم ، او مراهقين ومراهقات تحرقهم الرغبات الجنسية او مثقفون منطوون على انفسهم ينسجون ويحلون خيوط احلامهم واوهامهم في فراغ ، او متعطلين ندغدغ بتصوير قذرهم وبؤسهم شعور الشفقة فى نفوسنا ونكتفى بأن نشمت بمجتمع انتجهم . اين هي فى ادبنا صورة النماذج البشرية الإيجابية البناءة اجتماعيا وقوميا ، وبالتالى انسانيا ؟ أين هي فى ادبنا صورة الفلاح المحيي الارض والمهندس المبدع والعامل الخلاق ، والجندي المناضل ، والطالب

المهموم بمصير قومه ، والحاكم الذائب فى سعادة شعبه ، ورب الاسرة المنجب للوطن أثمن ما فيه فتيانه وفتياته ، اين هى صورة هؤلاء جميعا في ادبنا ؟ اين هو نقد الشخصيات السلبية المناقضة لهؤلاء ؟

واما فيما يتعلق بإحداث صورة في القالب الشعري العربى ، وتحرير هذا القالب من ضغطه وضيقه فنحن من الراضين المرحبين ، بشرط ان يبقى الشعر شعرا ، ولست افهم بالشعر وزنا واحدا ، تلتزم بتفاعيله التامة او ببعض هذه التفاعيل ، كلا ولا نفهم بالشعر قافية واحدة . بل لسنا نفهم به حتى وزنا او قافية وانما نفهم به تعبيرا مكثفا ، نفهم به قولا مشحونا تنقلب فيه الكلمة الى فعل , قولا قد حشدت فيه الطاقة حشدا ، بحيث تجيش في نفس القاريء او السامع قوة فوق ما يجيشه الكلام العادى . ونعتقد ان الشعر العربى له من هذه الصفة حظ خاص ، ونريد ان تبقى له هذه الصفة . يقول ابو تمام :

هم الفتى في الارض اغصان المنى

غرست وليست كل حين تورق

فهذا تعبير شعري بنفسه وسواء اتم له وزن ام لم يتم ، وسواء اقامت له قافية ام لم تقم ، وقد نقول : يبذل الفتى المساعى فمنها ما ينجح به ومنها ما يخفق فيه ، وهو معنى كلام ابى تمام بالضبط . ولكنه ليس يشعر . واحتجاجنا بان الشعب يفهمنا اذ قلنا له : يبذل الفتى المساعى فينجح ببعضها ويخفق ببعضها وقد لا يفهمنا اذا خاطبناه بكلام ابى تمام ، ليس باحتجاج مقبول لان الآثار الفنية من شأنها ان تستدعي اعدادا خاصا لفهمها . ونحن مطالبون بان نهيء للشعب هذا الاعداد الخاص ، اننا لا نريد ان يبقى شعبنا على حالته . بل ان رسالة القومية العربية التحررية تدور على هذا المحور بالذات ، وهي ان لا يبقى شعبنا على حالته بل يرتفع في مستواه الثقافي والمادى . وسنجد فيه عند ذاك من القدرة على ادراك اسرار الجمال فى التعبير الرفيع ما يدهشنا ويحملنا على طلب الاستغفار لانفسنا لاننا قللنا من مواهب الشعب .

وأما فيما يتعلق بشعر المدح والفخر فانني لا أرانا على صواب حين ننفي الخير ، نفيا . وسبب خطئنا اننا قد اخذنا فى تقييمه تارة بهذا الذى نسميه صدقا تاريخيا ، وطورا بهذا الذى نسميه لياقات صالونية . قد يكون المتنبي كاذبا في التصوير التاريخي ساعة نقول لسيف الدولة :

الجيش جيشك غير انك جيشه  في قلبه ويمينه وشماله

الجيش جيشك غير انك جيشه   في قلبه ويمينه وشماله

ترد الطعان المر عن فرسانه     وتكافح الابطال عن ابطاله

كل يريد رجاله لحياته       يا من يريد حياته لرجاله

قد يكون المتنبي كاذبا او صادقا في تصويره هذا . وليكن كاذبا او صادقا ذلك هم المؤرخين . فاما نحن فنعتبر ان ابا الطيب قد قال هذا القول فى شخصية اسطورية ، كتلك التى تعقد عليها الملاحم ، وقد جلا بهذا الكلام صفة من صفات الزعامة الحق : التضحية ، الايثار الفداء ، ونحن احوج ما نكون الى هذه الصفة البطولية في الزعامة . ففي قول المتنبي اذن ، غذاء لنا فنحن نحبه ، ونحن نغذى به ناشئتنا ، وليحتج الصدق التاريخي حتى تبح حنجرته .

كذلك ربما كان عمرو بن كلثوم فى عرفنا قد خرق اصول اللياقات الصالونية حين قال لعمرو بن هند :

بأي مشيئة عمرو بن هند    تطيع بنا الوشاة وتزدرينا

تهددنا واوعدنا رويدا     متى كنا لامك مقتوينا

ولكنى أرثى للهزال في مدارك اولئك الذين لا يرون في هذا الشعر سوى رجل يتبجح بما يخرق اصول اللياقة . ماذا ؟ ألا ترون معي ان هنا صوت انسان عربي ، اوصوت انسان انسان اذا شئتم يتحدى ملكا يعتبر الناس عبيد امه ؛ ونحو احوج ما نكون الى مثل هذه الروح الابية نغذى بها قوميتنا . فنحن اذن نحفظ هذا الشعر ونتشبع به ونترك اللياقات الرخوة لرجال من جفصين .

واما فيما يتعلق بالوحدة فى القصيدة فاننا نوجب رعاية هذا الشرط فى شعرنا الحديث شرط ان لا يفهم به ان القصيدة ينبغي لها ان تكون كالمقالة فالقصيدة شيء والمقالة شيء آخر ، وحين لا يفي الشعر بأكثر من المقالة فليعف الشاعر نفسه من عناء النظم . ووحدة السياق لا تبرر حتى فى ادق اجراء العمل الشعري ان ندخل كلاما ميتا بحجة انه جزء من كل او قطعة فى بناء . وقد اخذت على أحد شعرائنا المعاصرين ممن اتتبعهم لاني احبهم واحب مغامراتهم في تجارب الشعر الحديث ، اخذت عليه قوله : وشربت شايا في الطريق . وزعمت انها كالكلام الميت . ولم يقنعني ان يكون شرب هذا الشاي قسما من تلك التجربة الشعرية التي عبر عنها الشاعر الصديق . ولم يقنعني ان لا حق لي باجتزاء

هذه الشطرة الواحدة من بناء شعري بكامله . فقد اضطر المتنبي ان يقول ان جيش سيف الدولة الزاحف للقاء البيزنطيين بلغ بلدة سروج في الصباح الباكر . على انه لم يرض الا ان يعبر عن معناه بهذا النحو المبتكر :

فلم تتم سروج فتح ناظرها    الا وجيشك في جفنيه مزدحم

فكان شاعرا . وأما فيما يتعلق باتخاذ الترجمة معيارا لقيمة الشعر ، نترجمه ثم نرى حصيلة ما يكون فى ايدينا منه فحسبى ان اطالب اصحاب هذا المذهب ان يدلونا على اثر شعري واحد فى آداب الامم قد امكنت ترجمته وحفظ عليه رونقه وسحره . وقد عرض الجاحظ لهذا النحو من التحكم فى الشعر ، فلم يترك مجالا لقائل حين قال ان الشعر اذا حول سقط موضع التعجب . ونحن حين نريد اخضاع الشعر لهذا المقياس ، مقياس ما يبقى منه اذا ترجم ألسنا نسيء الى عبقرية التعبير باللسان العربي ، ولكل لسان عبقريته في التعبير ، وهذا القرآن على أنه ليس بشعر كمألوف الشعر . فلنتخذ لنا منه الآية مثلا : ( ان الملوك اذا دخلوا قرية افسدوها وجعلوا أعزة اهلها اذلة وكذلك يفعلون . ) ثم فلنتعتبر اي روعة اكتسبتها الآية حين وقفت عند منعطفها الاخير ، وكذلك يفعلون ثم فلنعتبر اي طاقة تعبيرية تفقدها الآية اذا رحنا نقول : ان الملوك اذا دخلوا قرية افسدوها وجعلوا اعزة أهلها اذلة ، وهذا دأب الملوك فى كل زمان ومكان . فاذا كانت الآية قد فقدت هذا القدر من طاقتها التعبيرية بمجرد تحويل بعضها من اللسان الى اللسان نفسه ، فإنى لا ارى كيف نستطيع ان نسلم باتخاذ الترجمة من لسان الى آخر مقياسا لتقييم الشعر او تقييم حتى الآثار الادبية عامة .

واما فيما يتعلق بالمفاضلة بين العامية والفصحى ، فاننا نقول ان القومية العربية ينبغى لها فى الاداء الادبى ان تؤثر الفصحى ، فهى لغتنا القومية العربية الجامعة ، لا لغة إلاها ، والذين يدعون للعاميات هم الذين يريدون فصم عروة حيوية من عرى وحدة القومية العربية . وما احسبنا نريد ان نمشى فى ركاب هؤلاء . والاحتجاج بأن الشعب لا يفهم الفصحى ذريعة ينبغي لنا ان نقضى عليها ونستطيع ان نقضى عليها بتعليم الشعوب العربية لغتها الفصحى الجامعة ، واننا لن نستطيع ان نبنى قوميتنا العربية الجامعة اذا اذنا بأن تصبح العاميات وسيلة الاداء الادبي . ومن كان يرى فى الفصحى نقصا فعليه ان ينتظر حتى يستكمل بناء

القومية العربية الجامعة ، ثم يدعوا الى لغة عربية عامية شرط ان تكون واحدة . وحدة اللغة هذا هو المهم ، فلا قومية بلا وحدة فى اللغة .

واما فيما يتعلق برد خصائص الادباء الى اصلهم الجنسي قبل الاستعراب , فاننا نقبله حين يقبله العلم وحين لا يراد به شعوبية ترمي الى جحد فضل العرب بتجريدهم من كل من جمعت قافلة أدبهم فى عصور تاريخهم . والعلم حين ندرس اديبين كابن المقفع وابن الرومي مثلا ، يثبت انهما مدينان في خصائصهما لهذا العصر العباسي الذى كان بحسناته وسيئاته مرحلة من المراحل في تاريخ الادب العربي . ولا تكفى فارسية ابن المقفع ولا يونانية ابن الرومي لتفسير عبقريتهما ، وانما يستطاع تفسير عبقريتهما فى حدود هذا العصر العباسى الذى تلاقت فيه تيارات متعددة من عربية وفارسية ويونانية وهندية واسلامية ومسيحية ومجوسية وغيرها ، وتفاعلت لتؤلف الثقافة العباسية العربية .

واما فيما يتعلق بتهوين خطر الموضوع فى قيمة العمل الادبي ، ووقف الاهمية كلها على الاخراج والاداء ، فرأى لا يرضاه مذهب فى النقد يراد به خدمة القومية العربية . لسنا نريد التضييق على الاديب العربي فيما قد يؤثر من موضوعات . ولكننا جميعا نذكر قصة زنطيب امرأة سقراط ونضحك . يروى ان المسكين حين حكم عليه بشرب السم جعلت امرأته تصيح به : يقتلونك ولم تشتر لي القبقاب الذى وعدتني به . اننا على يقيننا ان القومية العربية لا يمكن قتلها قتل سقراط بالسم ولا بغير السم ، لا نزال نطالب الاديب العربي بأن لا يقف موقف زنطيب ، فلا يكون له هم سوى القبقاب بينما تشغل قومه وتشغل الدنيا احداث جسام حاسمة فى تقرير المصائر . ان الموضوع فى الادب هو دليل رصانة التجربة التى يتمرس بها الاديب ، أهى تجربة عنته شخصيا ولها معني بالقياس الى حياة أمته . أم هي تجربة فرد منطو على ذاته . لقد لوحظ يبق ان ادبنا العربى القديم والحديث تكثر فيه تجارب الافراد المنطوين على ذواتهم ، فلا بأس بأن يخرج أديبنا العربى من " شرنقته " كما يقول مفكرنا وفناننا الخالد عمر فاخوري .

أيها الاخوان الزملاء ترون ان هذا الذي استطعنا ان ننتهي عنده في غرض النقد والقومية العربية

جد يسير واذا كان لي أن أؤكد على شىء ، فهو ان القومية العربية في حاجة الى فلسفة حياة تحياها ، ونظرة شاملة الى الوجود . ومن واجب الناقد العربى ان يساهم في رسم هذه الفلسفة القومية العربية التحررية المتطورة ليستطيع على ضوئها ان يقوم ادبنا القديم والحديث تقويما فنيا وفكريا وخلقيا فى مصلحة قوميتنا النامية .

وشيء آخر اريد ان اؤكد عليه ان عملنا كله يبقى لنخبة ضيقة المدار ، ما لم نحمله الى الشعب وندخله فى وعى الشعب ، شرط ان لا نتخذ من مستوى الشعب وهو فى حالة راهنة معينة ذريعة لانتاج ادب ركيك . فلنكتب للشعب اذن نقدا كأدق ما نستطيع النقد ، لننتج له ادبا كأرفع ما تبلغ اليه طاقتنا فى انتاج الادب ، فان لم يفهم الشعب اليوم فهم غدا . وان لم يفهم بنفسه اعانه على الفهم هؤلاء الوسطاء الذين نسميهم النقاد ، وان استعذتم منهم بالله في احيان ! فاما اذا آثرنا ان نتجه الى الشعب بكتابة نعلم ان الجمال يعوزها في الشكل والمضمون فلنؤمن ان نصيب ادبنا ونقدنا بقاء موقت ، لان الشعب سرعان ما يتجاوز الدور الذي يجد به متاعا وغذاء فى آثارنا .

اني لارحم الاثر الادبي الذي يستطيع القاريء ان يستنزف ما فيه بقراءته مرة واحدة . ينبغي في الاثر الادبي الرفيع ان يصدق فيه قول ابن الرومي في وحيه : اهي شيء لا تسأم العين منه    ام لها كل ساعة تجديد ؟

اشترك في نشرتنا البريدية