الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

الهادي العبيدي، الأديب المصلح والصحفي الرائد

Share

شيعت الاوساط الثقافية والفنية والسياسية يوم الاربعاء السابع عشر من شهر افريل خمس وثمانين وتسعمائة والف جثمان الفقيد الراحل عميد الصحافة الاستاذ الهادى العبيدى . ونشرت جريدة الصباح كلمة لصاحب هذه الاسطر متضمنة خواطر عابرة وسريعة حول شخصية الهادى العبيدى ومدى الرزء الذى اصيبت به تونس فى فقدانها مثل هذا الرجل العصامى الذى قدم الكثير للصحافة والادب والفن والاجتماع . وانى اذ اباشر الكتابة مرة ثانية وبعد مرور أيام أخر شعرت خلالها بهدوء النفس والابتعاد قليلا عن الشعور بالالم الممض والحسرة اللاذعة فلكى أزيد للرجل حقه فى التعريف ولكى أوضح بعض الملامح وبعض الابعاد من حيث تكوينه وثقافته ومن حيث المؤثرات والعوامل التى جعلت من ذلك الاديب الكاتب رجلا ناجحا فى خلق مدرسة صحفية لها مريدوها وأتباعها ومناصروها وخلانها . .

ولد الفقيد بتونس العاصمة بنهج الطرودى زنقة الكاغذ رقم واحد يوم السابع والعشرين من شهر جانفى سنة 1911 ، وبعد أن اشتد عوده التحق بكتاب النهج المذكور بحى باب سعدون ثم بكتاب نهج باب الاقواس حيث انتقلت عائلته ، فحفظ القران الكريم ثم التحق بالمدرسة العرفانية الراجعة بالنظر للجمعية الخيرية الاسلامية ثم التحق بالتعليم الزيتونى حيث قضى فى الدراسة بعض سنوات اذ لم تسمح ظروفه المادية بمواصلة التعلم . ولنا ان نشير فى هذا الصدد الى تأثره بأستاذيه فى الابتدائى والثانوى وهما الشاذلى بن ضيف والعربى الماجرى .

يقول فى حديث له نشر بمجلة الندوة العدد السادس السنة الرابعة جوان  1956 :

((كنت منذ طفولتى حشعا ونهما الى درجة مفرطة فى المطالعة والتهام ما تصل اليه يدى من كتب التهاما قرأت المنفلوطى في البداية ثم عندما شببت لفت انتباهى أدباء المهجر وفى طليعتهم جبران والريحانى ونعيمة وأبو ماضى ، ثم الدكتور طه حسين والمازنى والعقاد وهيكل وطبقتهم )) .

اذن من خلال ما تقدم يمكن ان نلاحظ بأن الفقيد العبيدى قد أطل على مسرح الوجود منذ شبابه متأثرا بهؤلاء العمالقة فى الادب سواء منهم مقيم التعرف أو المهجرى وان تأثير اولئك فى مترجمنا وفى غيره ممن كان لهم السبق فى الميدان الادبى خلقا ودراسة ، بحثا ونقدا ، بين واضح فى مثل الشابى والحداد وكرباكة وخريف وغيرهم . واذا كان لرواد الادب فى الشرق والمهجر مذهب أو مدرسة الا ان الاستاذ الهادى العبيدى لا ينهج منهاجها ولا يؤمن الا بالادب الجوهر الصادق النزيه يقول :

((أما المذاهب الادبية فأنا لا أومن بها ولا أتاثر الا بالادب الصادق الصميم بقطع النظر على ما يخلعون عليه من أسماء كأسماء الازياء .))

وسوف نبسط فيما يلى بعض الملامح من حيث الوجهة الادبية الفنية التى غلبت فى البداية على مترجمنا شعرا وزجلا ثم الكتابة للمسرح ثم العودة الى الصحافة الى آخر رمق من حياته .

يقول العبيدى : (( عالجت قرض الشعر وأنا فى المدرسة الابتدائية وقد تلقيت أبجديته عن الاستاذ الحبيب جاء وحده مدرس الفرنسية يومئذ وهو شاعر موهوب ساخر لذع ظريف (1) .و كان أول مقطع نظمته فى هجاء أحد زملائى التلاميد دفاعا عن زميل آخر ، أما الزجل فعالجته بمناسبة تعبئة لاسطوانات جديدة للصديق البشر الرصايصى باسم شركته أم الحسن )) .

لقد زامل العبيدى فيمن زامل الاديب الساخر محمود بيرم التونسى وان من يلقى نظرة على ظروف الحياة الاجتماعية والسياسية التى رانت فى الثلث الاول

من هذا القرن يدرك تلك الرغبة الملحة فى ذينك الرجلين كي يخاطبا عقول الجماهير ووجدانها بلغة هى أقرب الى لغة التخاطب وانطلاقا من لغة الشعب الحقيقية التى تستمد من اصالته العريقة ومن كيانه الحق فكان بيرم بشعره العربى الفصيح وبأزجاله العامية التى سارت فى كل الاصقاع وكان العبيدى أيضا بتلك القصائد التى رددتها أجيال متعاقبة وهى بلسان الشعب بكل ما فيه من اعتزاز ونخوة للحفاظ على الذاتية والدفاع عنها ورغبة فى التمسك بجذور التراث حتى لا ينحل رباط العقد الذى يربط الماضى بالحاضر من أجل المستقبل . انهما صنوان متشابهان لولا الاول قد تفرغ لهذا النوع من الشعر الشبى كليا حيث أعلنها أحمد شوقى مدوية (( أنا لا أخشى على الشعب العربى طغيان أحد أو شىء الا بيرم وأدبه الشعبى )) . وانها لظروف كان الشعب العربى عامة متجذرا فى لغته اليومية نظرا لقلة انتشار التعليم فى كل مكان واذ نعود للعبيدى فلكى نسجل له هذا الميل الى الكتابة شعرا بالعامية فى محيط يفرض عليه أن يخاطب الشعب بلغة هى أقرب للفهم والافصاح عما يجيش بصدر قائلة كى يرشد ويوجه ويحرك سواكن النائمين الذين يغطون فى احلامهم بلا حراك . وانه لعذر مشفوع بما هو ملاحظ سابقا حتى ندرك مدى الرغبة فى التوجيه والتقويم والارشاد والاصلاح فبيرم بز غيره من فحول الشعراء بالعربية الفصحى والعبيدى أيضا كان له فى هذا الميدان صولة وجولة . وما وقوفه أمام جثمان الفقيد الراحل الطاهر الحداد بقصيد مطلعه :

قفوا حيوا لمجاهد والعميدا (2)             وصلوا فالنبوغ قضى شهدا

قفوا وابكوا الرجولة والمبادى                فذا معناهما أمسى لحيدا

الا دليل على طول باعه وشاعريته أيضا وبالمناسبة يقول فى آخر القصيد :

أخى ان سامك السفهاء سوءا                   وكان زمانكم نذلا كنودا

فلا تحزن فذا التاريخ عدل                       سيمنح اسمكم منه الخلودا

وموت فى مبادئكم حياة                          تفيض على الدنى فجرا جديدا

خيالك خالد فى كل قلب                      وذكراكم ستغدو (!)لدينا(!) عيدا

وتوضيحا للعلاقة المتينة بين هذين الرجلين المصلحين نشير الى أن الصداقة كانت وثيقة بينهما رفقة أحمد الدرعى وعبد الرزاق كرباكة والشابى والسنوسى وبيرم وغيرهم ممن لم نذكر . وبالمناسبة نلاحظ الى ان العبيدى وقف الى جانب الحداد منذ الخصومة التى اشتعل أوار لهيبها بمناسبة صدور كتاب ((امرأتنا فى الشريعة والمجتمع )) يقول العبيدى فى مقال له بعنوان : للحقيقة والتاريخ ( 2 ) . لم يكد يصدر كتاب امرأتنا حتى كان الجو قد تم تسميمه ضده وشاعت الاقاويل التى لفقها خصوم الحداد على السنة الناس والعامة فاخذوا يرددونها دون أن يطلعوا على ما فى الكتاب وهنا تتجسم الجريمة التى اقترفت ضد الحق وازاء هذه الحملة الطاغية التى استخدم فيها الخصوم سلاح الدين ليستفزوا شعور المواطنين فى ذلك الحين ، ازاء ذلك قررنا نحن اصدقاء الحداد الذين نشاطره آراءه فى القضية اقامة حفل تكريم له بمناسبة صدور الكتاب حتى لا يهضم الفكر الاصلاحى فى تونس وحتى نرد الفعل فلا نترك الرأى العام نهبا فى أيدى أولئك الخصوم . وكان الحفل فى قاعة الكازينو البلدى بالبلفدار واجتمع عدد كبير من النخبة التونسية والقيت الخطب والقصائد فى تمجيد الطاهر الحداد وعمله البليغ رغم دعايات الخصوم ورغم ما بيتوه من الاعتداء على اشخاصنا عند ذهابنا الى الحفل حيث جمعوا عددا من الفلتاء ووزعوهم تحت أشجار حديقة البلفدار حتى اذا ما مر أحد فى طريقه الى الكازينو انقضوا عليه وعبثوا به ، ولكن الحفل تم على الوجه الذى أردناه وكتبت عنه صحف ذلك العصر حسب أهوائها وحسب اسهامها أو بعدها عن الجريمة كما كتبت الصحف فى الخارج .

الى أن يقول العبيدى : وذات مساء كنا جلوسا بمقهى القصبة فى الصائفة فاذا ببعضهم يتحكك بنا ويوجه لنا الشتائم ونعوت الكفر والالحاد بل ويحاول الاعتداء المادى علينا ، واذا بجمع من أصدقائنا يتصدون لهم ويعملون فيهم ضربا ولكما وتتطاير كراسى المقهى لتبلغ ثكنة القصبة وتدور معركة حامية الى أن يتدخل الجند الفرنسى المرابط بالثكنة ليوقف المعركة . . ))

هذه عينة مادية من مناصرة العبيدى للحداد وللفكر الحر النزيه ، ووقوف المترجم له بجانب الحق الى النهاية ، ولنا أن نشير بأن العبيدى كان من الرواد

الاول الذين طرقوا موضوع المرأة فى أوساط العشرينات بجريدة الصواب التى كان يديرها الاستاذ محمد الجعايبى وكانت له أيضا مساهمات ملاحظة فى ميدان الادب حيث دعا الى التجديد والنظر اليه بمنظار العصر والواقعية والابتعاد عن التقليد الذى لا غاية من ورائه ولا هدف.

وعودة الى مراحل حياة هذا الصحفى الاديب لنشير الى أنه منذ البداية كان عصاميا فى حياته وما كانت مبارحته التعليم الا نتيجة ضغوط مادية قاهرة حيث أحس بأن الاسرة في أشد الحاجة اليه وقد توفى والده وهو فى الخامسة من عمره فشعر بوجوب ولوج معترك الحياة والاخذ من معينها الذى لا ينضب مادة وفكرا ، خلقا وابداعا واستقر به الامر فى سن السادسة عشرة من عمره وهو فى عز الشباب وفورته بالعمل فى احدى المطابع يقول :

(( لما فارقت الدرس بالجامع فى سنة 1927 بدافع الفقر والحاجة الى المال فكرت فى أن التحق باحدى المطابع العربية لا تعلم صناعة تكون فيما بعد مصدر رزق لى ثم ـــ وهو المهم ـــ لاطلع على مهنة الصحافة وكيف تصنع هذه الصحف التى أقرؤها ، وفى المطبعة الاهلية بنهج الديوان (4) . بدأت اتعرف على المطبعة ثم على الصحافة وكيف تصنع وهناك التقيت بأستاذى المنعم المبرور عميد الصحافة العربية الاستاذ محمد الجعايبى صاحب جريدة الصواب(5)  الزاهرة وبالاستاذ حسين الجزيرى صاحب النديم (6) وبالشيخ البشير الخنفى صاحب حريدة : لسان الشعب(7)  سعادتى بذلك لا توصف وبعد زمن قصير ثارت فى صدرى هوايتى القديمة للصحافة فتجرأت وفاتحت الاستاذ الجعايبى برغبتى الملحة فى التمرن على الكتابة فى الصحافة فقابلنى بكل لطف وتشجيع وكان قبوله ذاك حافزا لى على الدخول فى التجربة بمحاولة تحرير بعض المواضيع الاجتماعية وبعد ان اشار العبيدى الى ما كتبه حول قضية اصلاح التعليم بجامع الزيتونة وتحرير المرأة قال :

(( وقد مارست الصحافة فى جميع فنونها وأبوابها منذ ذلك العهد حتى اليوم : مصححا ـــ محررا ـــ ناقدا فنيا ، وأديبا ، سكرتيرا للتحرير ، مديرا لبعض

صحف ، رئيس تحرير ، ومارست كل هذا فى الصحف الاسبوعية واليومية ، والمجلات والنشرات الدورية  . . وقد عشت الحركة الوطنية والحركة النقابية من ذلك العهد وعاصرت تطوراتها حتى اليوم . . )) (8) .

هذا ولنا أن نشير الى بعض الصحف التى باشرفيها التحرير مثل الزمان التى أصدرها محمد بنيس سنة 1929 .

والسرور : أصدرها على الدوعاجى 1355 ـــ 1936 . السردوك : أصدرها الشاذلى الفهرى 1340ـــ1921 . الوطن : اصدرها محمد بن فضيلة ـــ 1355ـــ 1936 . الزهرة : أصدرها عبد الرحمان الصنادلى 1307ـــ 1890 . مجلة الثريا لنور الدين بن محمود 1363ـــ 1943 . وأخيرا جريدة الاسبوع لابن محمود أيضا 1365ـــ 1945 .

أما جريدتا الصريح ( 1949 ) والفرززو 1955 اللتان أصدرهما مترجمنا ذاته فانهما لم يعمرا طويلا نظرا لعسر الامكانيات المادية وصعوبة مواجهة مصاريف الطباعة .

وهكذا يبدو جليا ما كان لهذا الرجل من باع فى ميدان الصحافة وما أولاها من اهتمام كلى وتفرغ وهيام الى حد بعيد .

أما جريدة الصباح التى أصدرها السيد الحبيب شيخ روحه سنة 1370 ه 1951م فقد أعطاها عصارة تجاربه من حين تأسيسها وفد ترأس تحريرها الى أوائل الثمانينات حتى أقعده المرض وأعجزه عن الكتابة وقد كان فارسها الذى لا يقارع وبطلها بدون منازع واتخذ فى أسلوبه الدقيق المعبر منحى الاختصار وعدم التطويل ومن كتاباته الموحية المعبرة قوله :

(( لسنا ملومين فى شىء اذا نحن ركبنا مركبا خشنا فى سبيل تحقيق سيادتنا الكاملة )) .

وقوله : (( الاخذمن الثقافات الحية لا يعنى عجزا عن الابداع )) الى آخر الامثلة على هذا النسق والمنوال .

ان العبيدى من الصحفيين القلائل الذين تفرغوا لمهنتهم وأعطوها كل الوقت وكل الجهد والبذل والعطاء وقد ملأ الفراغ الصحفى الذى عاشته بلادنا منذ مطلع الخمسينات واضحى يمثل مدرسة قائمة الذات فى منهاجها وأصولها وسبلها الحدى الذى لا يفتح مجال التسيب والمركب السهل ووسم جريدة الصباح بسمة الجدية التى مازالت تتصف بها ونرجو الابقاء عليها ومواصلة المسيرة على الدرب الذى سطره لها منشئها الاول وعميدها ، وانى لاذكر ان أحد رفاق الدراسة بمعهد ابن خلدون فى أواخر الخمسينات وحين التهيؤ لاجتياز مناظرة الجزء الثانى من شهادة التحصيل يشترى جريدة الصباح يوميا ولا يتخلف عنها أبدا وكنا كزملاء نعيب عليه ترك الدرس والمذاكرة الى قراءة الصحيفة فى ادمان عجيب فكان يجيب فى براءه عفوية : ان سانحة صباح الخير تغنينى عن قراءة الكتب وبفضلها تحسن اسلوبى وتحريرى وسأجتاز الامتحان بدون صعوبة .

هذا وان سر وعظمة فقيدنا تكمن فى تواضعه واقباله على العمل بدون غرور أو كبرياء ، وبدون حب تظاهر وتبجح وقد امضى عديد السنوات لا يمضى الا باسم مستعار فتارة باسم هدى أو يقظان وطورا باسم فتى المسرح أو رمزا بالاحرف مثل : ه ـــ ع وما ذاك الا نتيجة ما فى جوانح الرجل من رغبة لاعتبار الاعلام النزيه الصريح الصادق هو الغاية وهو المبتغى وليس حبا فى الظهور بالاسماء والالقاب .

ومن متناقضات هذه الشخصية انه بقدر حدة مزاجه وغضبه السريع وانفعاله المفاجىء وجديته المتناهية فانه فى اوساط الفن والتمثيل ذو صدر رحب وسعة بال ومرح وحبور وقد جالسته أواخر الخمسينات رفقة المرحومين على الجندوبى والتجانى الحداد فكنت أتعجب من هذا الانقلاب المفاجىء فى التعامل الانسانى وهذا الاقبال على الحياة بكل ما فيها من شوق وحنين وحب وطرب لها .

وبالمناسبة نذكر ما كان لهذا الرجل من باع فى ميدان المسرح وقد ألف واقتبس من ذلك رواية (( عبد المؤمن بن علي )) فازت بالجائزة الاولى التى رصدتها جمعية الاتحاد المسرحى لموسم سنتى 1939-1940 وترجم رواية (( سالومى ))بالاشتراك مع الاستاذ البشير المتهنى ، أما المسرحيات المقتبسة فنذكر منها : ضاع صوابي ـــ ولد اشكون ها المغبون ـــ الغيرة تذهب الشيرة ـــ وهذه نالت نجاحا كبيرا . . هذا ولم يكتف العبيدى بالكتابة بل اهتم بالتمثيل وساهم به شخصيا كما أدار فرقة تمثيلية بالاذاعة وانتج مجموعة من البرامج الاذاعية ذات الصبغة الادبية .

يقول عن هو ايته للمسرح : هو ايتى الثانية ( بعد الصحافة ) التى نشأت معى هى حب المسرح ويعود تاريخها الى المدرسة الابتدائية حيث كنت مفتونا بالتمثيل وكنت أعمد فى أوقات الفراغ بالمدرسة ـــ وقد عشت فيها نصف بيات ـــ الى جمع عدد من زملائى التلامذة واوزع عليهم أدوار مسرحية (( صلاح الدين الايوبى )) لنجيب الحداد واشرع فى تمرينهم عليها مع الاحتفاظ لنفسى بدور صلاح الدين . . )) .

وبقيت الهواية متمكنة فيه فانضم الى فرقة فضيلة ختمى ثم المستقبل التمثيلى ، ثم التمثيل العربى ، فجمعية المسرح ، ثم أنشأ جمعية الاتحاد المسرحى ثم جمعية تونس المسرحية . وهكذا نلاحظ بأن مترجمنا ادرك الغاية من هذا الفن النبيل فن التمثيل واتخاذه وسيلة للنهوض بالامة والوطن والحفاظ على لغة الضاد والدفاع عن الثقافة العربية عموما وصد المستعمر لرغبته فى طمس معالم القومية والذاتية العربية هذا ولا بأس أن نشير فى هذا الصدد لما كان أيضا من تأثير صاحب جريدة الصواب الاستاذ محمد الجعايبى على مترجما وقد ألف أول مسرحية بعنوان (( عبد الحميد بين جدران يلدز )) والتى مثلت فى مطلع هذا القرن .

ومن نشاط العبيدى الدائب اشرافه على تنظيم أول اذاعة عربية بتونس فى الثلاثينات وكان ذلك فى المحطة المحلية المعروفة باسم (( مذياع تونس )) وكان اول من اسمع التونسيين تلاوة القرآن الكريم واول من ابتكر مدفع الافطار فى رمضان ، كل هذا قبل انشاء المحطة الرسمية للاذاعة التى التحق بها فيما بعد كمحاضر وكمخرج للتمثيليات ثم سكرتيرا فى ادارة القسم العربى وقد كثر نشاطه ـــ رفقة زميله المرحوم عثمان الكعاك ـــ كان مترجمنا صديقا وفيا لكل رفقائه وخلانه وكان يتأثر لفقدانهم فلا يتأخر عن تأبينهم والاشادة بما قدموا وعملوا وضحوا ، ولكم كان تأثره واضحا وألمه ممضا حين فقدان أحد رفاق الشباب وأعنى به الشاعر الاديب جمال الدين بوسنينة(8) . فقد كان أول المؤبنين له فى كلمة أحتفظ بنسخة منها كاملة قالها العبيدى حين موراة جمال

الدين التراب ويشير فى ثناياها الى خسارة تونس لا فى جمال الدين فقط . ل وأيضا فى رفيقين عزيزين هما عبد الرزاق كرباكة (9) وعبد الرحمن الكعاك.

بقول العبيدى : (( وأنت أيتها الخضراء العزيزة هذا ثالث ثلاثة من ابنائك الابرار ونبغانك الاخيار تنكبين فيهم فى أيام معدودات حتى لكأن الدهر يجاريك فى عتو وضغينة فيقتطف بين الحين والحين أنضر زهراتك واشهى ثمراتك حسدا منه .

أى جمال الدين أخى : مالك اليوم تشيح عنا بوجهك ويضيق بحياتنا صدرك فتفر هاربا منها فى سرعة وعجلة دون ان تودعنا شأنك كلما هممت بالرحيل أفضلت عن محبتنا لقاء صديقيك عبد الرزاق كرباكة وعبد الرحمان الكعاك فبادرت اليهما وتركتنا ـــ بعدكم ـــ لدنيانا نقاسى أهوالها . . وننوء بحمل أثقالها . . هنيئا لك ولصاحبيك نومكم المطمئن ومقركم الآمن وطوبى لكم وحسن مآب )) .

وانظر معى فى هذا الجواب عن سؤال طرح عليه حول الشباب الطامح للأدب والفن والسياسة يقول :

(( ان اغلى ما اقدمه للشباب الصاعد من نصح هو أن يتحلى بالنزاهة والجرأة فى تفكيره وعمله وان يحافظ على صفات الرجولة فلا يكون امعة وان لا يمل الكفاح فى سبيل استقلاله الذاتى وتكوين شخصيته وان لا يتخاذل امام العقبات والمشاكل التى قد تعرض له فلا ورد بدون اشواك )) (10) .

وهكذا كانت حياة العبيدى صراعا من أجل تحقيق الهوية الوطنية واستقلال أمة كبلتها قيود الظلم والبطش والعدوان ، وان تحديد ملامح هذه الشخصية يعسر القيام به فى مجال مقتضب وانه على ناشئتنا من ذوى العزائم الصادقة أن يعطوا لهذا الرجل بعض الحق والواجب لاستكناه سر الحزم والعزم والتضحية والفداء من أجل أمته وبلاده وشكرا لسعى وزارة الثقافة قصد جمع تراث هذا المصلح الاديب ونشره حتى تعم الفائدة الجميع فنكون بذلك قد وفينا للرجل حقه حيا وميتا ولله الامر من قبل ومن بعد .

اشترك في نشرتنا البريدية