الفصل الاول - المنظر -
دهليز شبه مظلم خلو الا من فراشين حقيرين يجلس على كليهما سجينان هما حامد ومنصور ، حامد يبدو متوتر الاعصاب قلقا ؟ اما منصور فان الاستسلام واللامبالاة يغلبان عليه رغم الكآبة التى يتمرغ فيها ،
المشهد الاول حامد - منصور
منصور : ( متذكرا ) عما قليل يا حامد . . بعد لحظات ، او ساعة لا يهم . . انما فى هذا اليوم بالذات فى اشراقة شمس نهار اليوم ، وقبل غروبها ، اتدرى ماذا سيحدث ؟ حزر .
( يرفع حامد طرفه فى سهوم ))
سيحدث انقلاب فى حياتى ، فى حياتنا معا ، نعم انقلاب . . ومهول لكن بالنسبة الى أنا فقط اما بالنسبة اليك فالامر على العكس هل حزرت ؟
حامد : ( بحدة ) الا ليته لن يحدث
منصور : ( يقاطعه ) هس ، احمق ، وراسك لو لم يكن الامر يتعلق بك انت بالذات لرفعت اكفى الى السماء هاتفا آمين يارب العالمين
( يستطرد )
تصور كم هو مهول هذا الانقلاب ، فقد كنت اجد فيك الانيس الوحيد ، كنت صداى ، صدى لافكارى ، صدى لتصوراتى ، لاحلامي ، لالامي . صدى لحياتى كلها ، ولكن تصور انسانا بلا صدى . . انسانا وحده فى القفر ، مسكين . . يفكر فتبقى افكاره جامدة ، يتصور ويحلم ، فتبقى
تصوراته واحلامه لوحات باهتة وهياكل بلا روح . . مسكين . . يحب ولكن ماذا ؟ السراب ؛ حياته ساكنة رتيبة ، لا لون لها ولا طعم . تصور يا رفيقى ان ما تبقى لى من عمر ساقضية هكذا . . بلا صدى
( يزدرد ريقه )
حامد : ( يعبث بلحيته ) الامر مهول بالنسبة لى انا كذلك ، وساقاوم بكل ما فى وسعى حدوث هذا الانقلاب
منصور : ( يقاطعه ) اتعني انك ترفض ؟ كلا ، كلا ، ينبغى تجنب الحماقات انت مخطئ يا حامد احمق ، والا كيف تتسرب مثل هذه الافكار الى راسك ؟ ان امرءا مقبلا على الانعتاق والتحرر ، بعد ان كان محكوما عليه ألا يغادر مكانا معينا وألا يتجاوز نشاطه شيئا معينا ليس عليه الا ان يبتهج لانعتاقه وتحرازه . . وان لم يرقص اهتزازا لهما فاما انه يستبلهنا واما انه ابله ما قولك يا حامد اتستبلهني ام انت الابلة ان امرءا يا حامد . .
حامد : ( يقف منفجرا ) اى انعتاق اى تحرر ؟ انت مخطئ . . تتوهم ليس الا . . عليك ان تفرق بين الاشياء لقد صدر على حكم ابدى . انت تجهل هذا . .
منصور : ( يقف بدوره ) ابدى ؟ حكم ابدى ؟ من قال هذا ؟ ابدا لا ، ثق انك بعد لحظات ، بعد ساعة المهم فى هذا اليوم بالذات ، وعلى فرض انه ليس فى هذا اليوم . . فغدا . . او بعد غد او حتى بعد اسبوع لقد انتهت المدة وكفى . . واعتبارا من اليوم انت حر طليق . . تتصرف في حياتك وتمارس وجودك كما يحلو لك . . حر . . حر . . طليق . . طليق
( يمكث فترة يكرر الكلمتين )
حامد : ( يقترب منه ) اسمع ، الحكم ابدى . . نعم ابدى . . وليست المحكمة او المجتمع مصدريه انما هما فقط حاولا تجسيمه . . بمعنى تحديد الحكم الذى اصدرته على نفسى . . انه تحديد تقريبا لا غير ، وهو خاطئ ، والحقيقة اعرفها انا . . الحكم اصدرته على نفسى قبل ان تصدره المحكمة انه حكم ابدى . . بات . . لكن الكارثة التى لا استطيع تحملها ، ان الحكم الذى اصدرته بنفسى ينفذه غيرى . . غيرى الذى لا يعرف الحقيقة . . هذه الكارثة ، ينبغى ان تدرك يا زميلى ان السجن او الاشغال الشاقة او الاعدام ، ليست الا تنفيذا ماديا لقرار معنوى يصدره المرء على نفسه . . نعم تلك هى الحقيقة ، الحقيقة التى لا مراء فيها . .
( يتاخر بخطوات )
وانا ارفض ان تنحرف الاشياء عن طبيعتها . . القرار اتخذته بعد تجارب ، وهو واضح لا غبار عليه فينبغى ان ينفذ كما اردته ، وان لا يخرج عن طريقه المرسومة من قبلى . . وان كانت المحكمة جسمته وحددته ، فانه بوسعى ان اقول لها انت مخطئة ، مخطئة على الاطلاق
( يسقط على الفراش )
قانون الآخرين شىء وقانونى شىء آخر . . ان بينهما بونا شاسعا . . وعلى الآخرين ادراك ذلك
منصور : ( يربت على كتفه ) حامد انك تغيرت كثيرا ، انت لست حامد الذى اعرفه منذ عشرين سنة ، انما حامد آخر غير الذى كان يجلس الى جانبى قبل لحظات . . امريض انت يا زميلى ؟ اتشعر بشئ ؟ فقد كان المفروض ان تستقبل الانقلاب بسرور وابتهاج ، لانه حلم يتحقق طالما حلمت واحلم بة انا . . ان كابوسا جثم على حياتك طيلة عشرين سنة سيرفع عما قليل لقد كنت اعتقد انك تستبلهنى او انك ابله . . ولكن الامر ابعد ما يكون عن الاستبلاه والبلاهة . . قد تكون مريضا ؛ حامد اننى اخجل حين انادي بهذا الاسم ويخيل الى اننى لا اعرفك . .
حامد : ( حزينا ) صدقت فانا الآن حامد آخر غير الذى تعرفه مدة عشرين سنة . . اننى الآن حامد الذى ادرك ان الحكم الذى اصدره على نفسه ينحرف تنفيذه . . اجل حامد آخر جديد ، وقديم معا ، حامد ما قبل العشرين سنة ، وحامد ما بعد العشرين سنة . . كم تغبطني هذه الوحدة الحياتية .
منصور : ( يحدث نفسه ) انسان حكم عليه بالاشغال الشاقة عشرين سنة تنتهى هذه العشرين سنة ، ويحل اجل اطلاق سراحه فيستاء لذلك ، من اى نوع هو هذا الانسان ؟ امن البله ام من المستبلهين يا ترى اننى بالرغم من انه حكم على بالاشغال الشاقة طيلة العمر ، اتترقب بلهفة واشتياق المترقب انتهاء هذا الاجل ، ولو اننى اعرف انه لا ينتهى الا بانتهاء عمرى . . امر عجيب فى الواقع . . يكاد العقل المسكين لا يفقه منه شيئا . . حامد يتحدث كما لو لم يكن مخطئا حين ارتكب ما ارتكب . . لكن يا ترى ما الذى ارتكبه . . انه لم يحدثني عنه قط
( يلتفت الى حامد )
حامد ، حامد ، يا زميلى ، انك لم تحدثني عن السبب الذى من اجله . . اعنى عما كان سببا فى التقائنا فى هذا المكان . . سالتك كم من مرة ولكن دون جدوى . . الم يحن الوقت بعد يا عزيزى لتفضى لى بالسبب الذى حدا بهم . . بالمحكمة حتى تصدر ضدك ؟
حامد : ( مواصلا حواره مع نفسه ) واحد مع واحد يساوى اثنين . . امر لا شك فيه . . ونصف واحد مع نصف واحد يساوى واحدا ، امر لا شك فيه ايضا . . فانا حينئذ اعى ما افكر . . وادرك ما يجول بخاطرى واتمتع بعقل سوى لا يمكن ان يتسرب الى الشك فى صحة احكامه . . انني اعى ما افعل وما اقول وما افكر . . عقلي الآن سليم تفكيره واضح مستقيم ، قال الآخرون ما قالوا وحكموا بما حكموا
منصور : ( بصوت مرتفع ) حامد اننى اتحدث معك . . اى معك انت اذ ليس هنا غيرنا ، اما أن اتحدث اليك واما ان تتحدث الى ، هذا هو المفروض . لقد كنت وما تزال صداى يا زميلى ، انا اعتبرك كذلك ، ولا يهمنى كيف تعتبرنى انت . . كل منا حر فى الواقع فى اعتبار زميله كما يبدو له
حامد : ( يرفع راسه ) ماذا تقول يا منصور ؟
منصور : اقول ، كنت اسالك عن السبب الذي جعلهم . . جعلك تلتقى بى هنا ؟
حامد : ( شاردا ) لانني وجدتك هنا . . السبب هو اننى وجدتك امامى فالتقيت بك . .
منصور : ( ملحا ) انما اقصد ، السبب الذى جعلك تاتي الى هنا ؟ لقد ساتك آلاف المرات ولكنك لم تجبني . . ان الذى وقع ، وقع وانتهى ، فلماذا نحاول كتمانه على بعضنا ؟ لقد قصصت عليك قصتى مئات المرات ولكنك ، لست ادرى لماذا تتجنب اطلاعى على قصتك ؟ اننى زميلك وبالاضافة الى ذلك سامكث ها هنا ، ويمكث معى سرك ايضا
( يتنهد من اعماقه )
بينما انت . . قد لا نلتقى ، بل اننا لن نلتقى ابدا . . فنحن الآن فى مفترق طريقين ، كلانا سياخذ طريقا ولئن كانت طريقك منعرجة ، فطريقى انا واضحة مستقيمة ، واننى الآن ارى نهايتها . . انها تمتد من هنا الى نهاية عمرى ، حين ينتهى عمرى ستنتهى طريقى يا رفيقى حامد . . اما انت فستاخذ طريقا تنعرج ثم تنعرج ، ومن ادراك ؟ طبعا لا تعرف نهايتها ، ولكن لا تعرف كذلك منعرجاتها ومعالمها . . ان كارثتى انا هى انثى اعرف طريقى من بدايتها الى نهايتها .
حامد : ( يحدث نفسه ) واحد مع واحد يساوى اثنين ، ونصف مع نصف يساوي واحدا ، هذا لا يكفي للتدليل على سلامة عقلي وصحة احكامه لانه شئ حفظته منذ الصغر ، ينبغى ان يكون هناك دليل آخر . . شى جديد ، صحيح استدل به على سلامة عقلي ، فما هو هذا الشئ ؟ ما
يكون يا تري ؟ حسنا انا هارب الآن كم من سنة ؛ عشرون سنة . وكم من يوم ؟ السنه فيها ثلاثمائة وخمسة وستون يوما ، بمعنى عشرون فى الثلاثمائة وخمسة وستين يساوى ستت آلاف وخمسمائة يوم ، يضاف اليها مثل هذا العدد من الليالي فيصير العدد ثلاثة عشرة الف يوم وليلة . . ايكفى هذا للتدليل على سلامة عقلي ؟ قد لا يكفي بل لا يكفي على الاطلاق ، لاننى احفظ سلفا طريقة الضرب والجمع . . حينئذ ما العمل ؟
( ينهض فجاة صارخا )
كيف يتسنى للمرء ان يستدل على سلامة عقله وصحة احكامه ؟ كيف ؛ فاننى فى حاجة اكيدة الى ذلك
منصور : ( ينهض منزعجا ) حامد ، عقلك به مس .
حامد : ( يقاطعه ) كيف عرفت ذلك ؟ فلعلنا نتوصل الى معرفة سلامة عقولنا بواسطة الآخرين
منصور : ( مترددا ) لانك ، لانك . .
حامد : ( يمسك بخناقه ) لاننى ماذا ؟ صارحنى انني في حاجة الى الصراحة . . صارحنى
منصور : لانك لا ترد على ومع ذلك تهذى تماما مثل المجانين
حامد : ( يدفعه ) اصحيح دليلك هذا ؟ امتاكد انت ؟ فكر ، انك تصدر حكما خطيرا فى قضية خطيرة
( يطرق قليلا )
لا يا منصور لا ، تسرعت كما لا ينبغي . . افرض اننى وجدتك يوما تتكلم وحدك ، وتاتى بحركات بهلوانية ، بيديك وراسك وحتى بقدميك ، ولما كلمتك لم ترد على ، هل احكم عليك بانك جننت ، لانك تفعل مثلما يفعل المجانين . . فانادى على الاسعاف لحملك الى المستشفى طبعا لا . ما رايك ؟
منصور : الآن تفكر كما لو كنت سليم العقل وتتمنطق كما لا يتمنطق المجانين . .
حامد : احكام الآخرين فى غير صحيحة ، انهم لا ينفذون إلى صلب الحقيقة . . هم يحكمون عليك حسب الظاهر فحسب ، تارة انت مجنون واخرى انت اعقل الورى . .
منصور : ( مبتهجا ) هم مخطئون اذن فى حكمهم على باننى مجرم ؟ لعلهم يدركون ذلك ذات يوم فيطلقوا سراحي . . آه لو يفعلون ذلك فكم اتوق الى الحرية . . لقد بعثت في نفسى املا يا حامد ، شكرا .
حامد : ( ضاحكا ) ليست المحكمة هى التى تحكم على الانسان ، بل هو الذى يجكم على نفسه ، فاسأل نفسك هل انت مخطئ فى حكمك ام لا ؟ اما انا فاننى ادرك اننى لست مخطئا حين اصدرت الحكم على نفسى بالخروج من الحياة . .
منصور : ( فرحا ) هم مخطئون ، مخطئون ، وانا ؟ انا ايضا مخطئ . قتلته لم اكن اهدف إلى الزج بنفسي في غياهب السجن . . انما الى تخفيف وطأة الحياة الشاقة على نفسي ، كنت فى حاجة اكيدة الى المال كانت لي رغبة جامحة في ان ارى نفسى يوما لابسا ممتلىء البطن ، لى ماوى وسيارة وزوجة وابناء مثل الآخرين . . آه ، لماذا لست انا ايضا كذلك ؛ ما الذى جنيتة على الحياة حتى تحكم على بالشقاوة طيلة العمر لست ادرى ما ذنبي ؟
( يتهدج صوته )
انا مخطئ وهم مخطئون يجب ان يعلموا ذلك . . يجب . . يجب . .
حامد : ( فى اشفاق ) انك على وشك البكاء . .
منصور : ( باكيا ) ان طريقى غير ملتوية . . ونهايتها تبدو لى الآن . . حين انتهى انا . .
حامد : ( حانقا ) انا بلا طريق . . بلا بداية . . لا اعرف اين اتجه الى الامام ام الى الخلف ام الى اليسار ام الى اليمين ؟ بلا بداية بلا نهاية . مأساة . . كارثة ( يفتح الباب فيدخل السجان ، تلتف نحوه كالعادة الانظار )
المشهد الثاني حامد - منصور - السجان
منصور : ( فزعا ) ها قد جاء ليفرقنا . . رباه . .
السجان : امستيقظان انتما ؟ حسنا ، حامد يجب ان تمكث انت هنا اليوم ، لن تخرج للعمل ، لانك . .
حامد : ( لزميله ) يا للانحراف . .
منصور : ( ساهما ) السجان اقسى يد للحكومة ، وابشعها . ( يلتفت الى حامد )
تهاني الحارة يا زميلى ، لن تلتقى ابدا بعد اليوم . . نحن الآن فى مفترق طرق . .
السجان : ( لمنصور ) وانت ؟ استعد ، لقد تاخرت عن العمل .
منصور : ( متوسلا ) الا تتصور اننى لن اخرج ذات يوم للعمل مثل حامد ؛ الا يخطر ببالك اننى . ؟ . ساستريح فى يوم من الايام ؟
السجان : طبعا ، اتصور ذلك ، ويخطر ببالى دائما انك ستستريح
منصور : ( مبتهجا ) احقا تقول ؟
السجان : كلنا ذائق للموت ، حين ينتهى عمرك ينتهى اجل الحكم عليك
منصور : ( مفاجئا () يا للشقاوة ، يا للكارثة ، هكذا ؟ انت ايضا تعرف طريقى وهم ايضا الآخرون يعرفون ذلك ؟ انها كارثة ، ماساة فاجعة ، رباه
حامد : ( يخاطب نفسه ) سيرتفع القرار اذن ؟ سيفسخ الحكم ؛ الحكم الذي اصدرته على نفسى ينفذه الآخرون ، ويحددونه مثلما يشاؤون . . لم اكن اهدف الى ذلك ، لم تكن ارادتى متعلقة كذلك ، ما دخل الآخرين فى شؤونى ؟ يالحياة . . ابدا ارفض ، ينبغي ان يعرفوا الحقيقة . لقد اخرجت نفسى من الحياة وانتهى الامر ، فكيف اعود اليها بعد ان رفضنا بعضنا بعضا ؟ كلا مستحيل ، لن اعود
السجان : ( ماسكا بمنصور ) قم ، انهض ، انسيت ، انك . . ام تتناسي ؟ اما انت يا حامد فستمكث هنا تهانى الحارة على كل حال
منصور : ( متاسفا ) حامد ، انك لم تقل إلى عن السبب . . اهكذا ؟ نفترق دون ان اعلم السبب الذى جعلنا نلتقى . . عشرون سنة كاملة لم اتمكن فيها من معرفة القصة . . شئ مؤسف
حامد : ( مفاجئا ) ماذا ؟ قصتى ؟ هل لى قصة ؟ اننى لم افعل شيئا فى الحياة يستحق ان يكون قصة . . لا شئ هناك يذكر ، يستحق ان يذكر
منصور : عجبا ، عجبا ، فلماذا اتوا بك الى هنا اذن ؟ لا بد ان هناك قصة طويلة ام قصيرة ، رديئة ام جيدة ، المهم ان هناك قصة
السجان : ( يركل منصور ) كررت اكثر من مرة ان الوقت حان حان ، ايخيل اليك انك انهيت سجنك ام تراجعت ؟
منصور : ( متوسلا ) ارجوك لحظة فقط ( يفتح الباب فيدخل مدير السجن وبيده اوراق )
المشهد الثالث حامد - منصور - السجان - مدير السجن
السجان : ( منتفضا ) المدير ، المدير . . للمرة الاولى يحضر الى هنا بنفسه . . قوما ، استعدا لتحيته
( يستعد حامد ومنصور كانهما جنديان )
المدير : حامد ، تهانى ، ( مشيرا بيده ) اجلسا .
حامد : لماذا ؟
المدير : ( مداعبا ) الا تعرف لماذا ؟ يبدو انك اخطات فى الحساب ، معذور فالمدة طويلة . . عشرون سنة كاملة
حامد : ( متجاهلا ) اى حساب
المدير : ( ضاحكا ) انك تتجاهل ، حتى لا تبدى فرحتك . . بالعكس يجب ان تفرح . .
( يجلس على المقعد الذى قدمه اليه السجان )
منصور : ( يخاطب نفسه ) سامكث وحدى . . انسان بلا صدى . . رباه . . انها ماساة . . انسان بلا صدى
حامد : ( بصوت خافت ) الا يمكن ان يخرج هذا ( يشير الى منصور ) بدلا منى
منصور : ماذا ؟
المدير : الم اقل انك تتجاهل حتى لا تسيل فرحتك دفعة واحدة
السجان : انه شديد الاكتئاب يا سيدى
حامد : ارجوك ، تفهمنى يا سيدى ، اننى اتكلم بجد جاد فيما اقول
المدير : ( فى صرامة ) اجننت فى آخر لحظة ؟
حامد : ( لنفسه ) اعقلي سليم ؟ لقد بدأوا يتهموننى بالجنون
المدير : لنذهب الى المكتب اولا
منصور : ( يخاطب حامد ) لن اعرف السبب . . انها قساوة
السجان : ( لمنصور ) هيا الى العمل ( يلتفت الى حامد )
حامد : اننى جاد يا حضرة المدير ، ارجو ان تفهمني ، فليخرج زميلى منصور بدلا منى . . فهو يتوق بشدة الى الحرية بالرغم من انه يعرف انه لن يراها . اما انا فاننى افضل البقاء هنا . . بل انني قررت البقاء هنا صدقنى ، صدقونى ، ثق بى ، ثقوا بى ، اننى ادرك ما انا مقدم عليه وما اقدمت عليه منذ عشرين سنة . . صحيح انكم تتعجبون من امرى ، انسان تعاد اليه الحرية فيرفضها ؟ ولكنى ارفضها لانني اعرف انه لا معنى لها ، ساخرج من السجن ، لكى افعل ماذا ؟ انني لست ارغب في فعل اي شئ ، فقدت حاسة الحياة ، نعم ، كل ما سافعله اعتقد سلفا انه لا جدوى من ورائه ، اننى افضل الانعزال عن الحياة وقد قررت واصدرت الحكم على نفسى . . كلا الحياة هى التى رفضت بقائى فيها . . فى الواقع رفضنا بعضنا معا انا والحياة . . كلانا
منصور : ( للمدير ) انا مخطئ والمحكمة مخطئة ايضا .
المدير : ( شارد الذهن ) انه لا يعقل
حامد : اجل لا يعقل
منصور : نحن الآن فى مفترق الطرق وكلانا يبغض الطريق المعينة له .
المدير : القانون لا يسمح يا حامد ، وحتى لو كان يسلم بان يخرج سجين بدل اخر فلا يليق بالمرء ان يجازف بحريته ، استعد هدوءك وفكر مليا فى الامر ، انها لحظات تضيق فيها نفس الانسان حين يبدو له ان الحياة ضيقة ، ولكن اللحظات تزول ، الافضل ان يستقبل المرء الحياة بنفس ملؤا التفاؤل ، حتى يتغلب على مصاعبها ، ما تزال ابدا هناك فرص امام الانسان الى آخر لحظة ، والمستقبل يعسر التكهن به ، ربما تسعد فى آخر عمرك ، فتنسى ما عانيته فى اوله ان اهم ما لدى الانسان هو النسيان
حامد : ( فى حذر ) تحدثني كما لو كان ( انا ) هو الذى يحدثني ، لكن ( انا ) مات قتلته ، ابعدته عن الوجود ، طرحته من الحساب ، وكل ما ارجوه ان لا تعاكسنى ، انك فى الواقع يا سيدى المدير ، تعاكس امرا مقضيا ان المحكمة حين اصدرت حكمها على لم يصدها احد عن تنفيذه ، لانها تراه عادلا ، وانا كذلك ، لقد اصدرت حكما ، واريد ان ينفذ ، وان لا يصدنى احد عن تنفيذه . . ثم لماذا القانون لا يسمح بان يخرج سجين بدل آخر ؟ فأمامنا انا وزميلى طريقان ، طريق الحياة وطريق العدم ، هو يريد الاولى وانا ارفضها ، انا اريد الثانية وهو يرفضها ، اليس في وسع القانون ان يتكيف مع الحياة ؟ مع الذين يطبق عليهم ؟ ارجوك . . ارجوك اتوسل اليك .
المدير : ( متاسفا ) القانون لا يسمح ، لا يعقل ابدا ، لا يعقل ، وبقطع النظر ، عن القانون ، من يضمن لى انك لن تندم بعد خروج زميلك بلحظات ، تصور جيدا ما انت فرضت علينا ان نفكر فيه ، انه لمفزع حقا ، وخطا فى خطا
منصور : ( يخاطب السجان ) الا تعرف ما الذى ارتكبه حامد ؟
السجان : ( ناسيا العمل ) يقال انه ارتكب جريمة قتل
منصور : جريمة قتل مثلى ، تماما ؟ لماذا اذن هو يخرج وانا لا ؟
( يلتفت الى حامد )
حامد ، حامد ، انت ايضا قتلت ؟ جريمتنا واحدة ، يا للسعادة
حامد : ( منفعلا ) ارجوا ألا تستعمل لفظة الجريمة ، اننى لست مثلك ، اصطلاحات الآخرين ، دعها للآخرين المجرم هو الذى يندم عما ارتكبه وانا لست نادما ، لاننى لم اخطئ
منصور : ( للمدير ) انا مخطئى وهم ايضا مخطئون . ون نعم ، نعم ، تلك هى الحقيقة . . الحقيقة هى الخطأ دائما
السجان : ( متذكرا ) انهض للعمل يا منصور ، لا تضطرني إلى تسجيل انك رفضت العمل ، انت تعرف العقاب
المدير : ( ساهما ) هيا معى يا حامد الى المكتب
منصور : ( فى ضراعة ) الى مواصلة الطريق ، يا للكارثة ، طريقى التى لا تنتهى الا بانتهاء عمرى ،
حامد : البيت هناك وسيلة اخرى يا حضرة المدير ، استطيع ألا اغادر بها السجن
المدير : تصور انك ستخرج الى الحياة حرا طليقا ، استعمل عقلك قليلا .
منصور : ( متحمسا ) نعم نعم ، الحياة ، هنالك ، حيث يسعى الانسان باستمرار إلى ما يرضيه حيث المسكن الحر ، والعمل الحر ، والنوم الحر ، والتفكير الحر ، هنالك حيث الزوجة ، حيث الابناء ، حيث الدفء حيث الناس حيث الصدى ، لقد خلقت لامارس الحياة ، فلماذا امنع من ذلك ؟ ان لى نصيبا فى الحياة ، ينبغى ان اناله . ( تدخل فتاة جميلة جدا ، هى سميرة ابنة المدير )
المشهد الرابع نفس الاشخاص - وسميرة
سميرة : ( وهى مقبلة ) ابى ابى ، اينك ، لقد بحثت عنك كثيرا ( تفاجا بمنظر حامد ، وهو يمسك راسه بكلتا يديه ، فتقترب رويدا رويدا )
حامد : ( بصوت اجش ) اجل اننى اتصور الحياة ، لقد كنت فيها ، ورفضتها مثلما رفضتنى ، انه ليس فيها ماله جدوى . .
سميرة : ( ممتعضة ) كيف تقول انه ليس فيها ما يجدى ؛
حامد : ( يتاملها ) هكذا رأيتها ، هكذا مارستها
المدير : كيف مارستها يا ترى ؟
منصور : قص علينا ، يا حامد
السجان : ( ينظر الى المدير ) يابى ان يذهب الى العمل ، أأسجله رافضا ؟
المدير : دعه اليوم .
حامد : ( فى شبه غيبوبة ) ساقص عليكم ، افهمونى جيدا ، هنالك في الحياة ، حيث كنت قبل عشرين سنة . .
( ينصت اليه الجميع بانتباه واشتياق )
ستار الفصل الثاني
المنظر : غرفة ضيقة بها سرير قديم واثاث مهلهل ، وآخر جديد ، وعدة حقائب ، فوقها اوراق ومجلات وكتب يتناثر عليها الغبار ، ومنضدة صغيرة عليها قشور برتقال ، واعقاب سقاير ومذياع صغير مهشم من بعض النواحي ، حامد يجلس على السرير تقابله نفسه فى المرآة ، التى امامه ، يمسك مسدسا بيديه ويبدو عليه التاثر والانفعال ، بينما يحدث نفسه متصورا انه شخصان ، هو وآخر يسميه ( انا ) :
المشهد حامد - انا
حامد : اتعرف ما الذى أتت مقدم عليه ؟ طبعا تعرف ايها الرقيب الفضولى ( ينظر الى المسدس )
طلقة واحدة ، اثنتان ان اقتضى الامر . . شئ من الالم . . ثم لا شئ . . عملية بسيطة جدا . . لا تستغرق اكثر من ثوان .
انا : ( ضاحكا ) بمعنى الانتحار ؟ لا استبعد ان تفكر فى مثل هذا . . وليست هذه هى المرة الاولى
( يقهقه )
تقول انك مصمم مائة فى المائة ، وتستعد لاطلاق النار ، ثم تودع الحياة ثم لا شئ ، لن تطلق النار ، ان فراق الحياة شىء صعب ، الحياة يا حامد رغم اتعابها جميلة وجذابة . .
حامد : ( غاضبا ) اسمع يا آنا لا إسمح لك ابدا ، بان تهزأ بى ، صحيح اننى كم من مرة حاولت الانتحار ، ولكنك كنت كالشيطان تصدنى عن ذلك ، كنت تعرض على في كل مرة برنامجا ، وفكرة ، وكنت باستمرار استمع إلى نصائحك ، واطبق ما تقترحة ، ولكن لها قدر انتهت الشعبة بالهارب ، وبان بالكاشف الفشل ، الفشل الذريع عدم الاستحقاق
انا : ( يقاطعه ) لم تكن تنفذ البرامج كما اسطرها لك ، كنت تتدخل فتفسدها ، اتعترف بهذا ؟ لقد تعودت التخاذل اوعلى الاصح عدم المجابهة . . كنت تخوننى يا حامد . .
حامد : ( متحديا ) يا انا يا ايها التعس الجاهل . . كيف تريدني ، ان انفذ البرامح التي تصممها ؟ اتحسبني آلة . . ام صخرة ؟ ٠ ؟ اننى شخص انسان مثل كل الناس ، عندى القوة عندى الضعف . عندى التردد انسان اعتيادى مثل كل الناس . . ثم ان هناك الحياة الصعبة ، القاسية . . التآفهة ، السطحية العميقة معا ، المعوجة المنحرف ( يهم ان يبكى )
انا : ( ساخر ) حسنا ، انت الآن مصمم على الانتحار ، على مغادرة الحياة ؟ .
حامد : ( متوسلا ) اجل اجل ، مصمم على ذلك . . ان الانتحار انبل طريقة تتبعها الانسان ، انه يا انا لا يكلف الا الم لحظات ، بينما الحياة تكلف الى العمر كله . . لماذا تريدنا ان نبقى يا انا . ما الذى يغريك اي شئ يجذبك الى هذا البقاء العفن ؟ لا شئ يا انا سوى الاستسلام الاستسلام لعواصف الحياة تقذفك حيث تشاء . . نعم مصمم على الانتحار ، لانني عندما اقارن بين العدم والبقاء ، اجد الاول افضل واهون على النفس ، بآلاضافة الى ان طريق العدم ايسر وآمن من طريق البقاء ان هناك بونا شاسعا بين الم لحظة والم العمر كله يا انا . .
انا : ( متاثرا ) ما ابشعن المنظار الذى تتراءى تك الحياة من خلاله ، وما اتفهنه فى نفس الوقت . . انت لا ترى من الحياة الا الجانب المظلم القاسى ، لانك لم تاخذ بعد سوى طريق مظلم قاسية . . ولكنك لا ينبغى ان تتناسى انه مثلما هناك فى الحياة جانب مظلم ، هناك جانب حر مشرق ، وكما يوجد فى الحياة الشقاء توجد السعادة ، واليوم ليس هو بالامس ، كما انه ليس بالغد ، قليلا من الصبر والتجلد فقط يا حامد . . ثم تستقبل حياة اخرى ، ازهر واسعد ، وافضل ، وتاكد ان الصراع فى الحياة وحده لذة ليس بعده من لذة ، لمن يحسنه ويتذوقه ، ان قبلة من فتأة بعد جهد وبذل ، خير الف مرة من قبلة لا تسعى اليها ولا تجرى وراءها ، ان ركوضك وراء قبلة انبل من منحك اياها مجانا .
حامد : ( فى ثورة ) يا انا لا تعد على ما كررته المرار العديدة ، انك باستمرار تحاول اغرائى بهذه التوافه ولئن خضعت اليك فى السابق ، فلن تنطلى على مثل هذه الترهات مرة اخرى . . ثم ان هناك فرقا بيني وبينك ، انت تقول حين تحصل على قبلة بعد جهد وعناء ، ما الذنها ، بينما اقول انها شىء تافه لا معنى له فلماذا اشقي من اجلها هذا الشقاء . . انه ليس مفروض على ان اشقى ، وهذه نقطة الخلاف بيني وبينك ، لماذا اشقى فى سبيل السعادة ؟ لماذا اشقى ؟ اننى ارفض الشقاء واطلب مناقشته . . وباختصار لن تستطيع ان تصدنى هذه المرة عن الانتهاء ، يا انا .
( ينهض ثم يجلس )
حججك واهية ، جدا يا انا . . فكف عن ازعاجي .
انا : ( مقهقها ) لو كنت تدرى كم هى واهية حججك ايضا لخجلت من نفسك والقيت المسدس بعيدا عنك
حامد : لقد قلت لك ان هناك فرقا كبيرا بيني وبينك . . ليس حامد انا ولا انا حامدا .
انا : ( فى صرامة ) يا حامد ان الانسان مثل السفينة في عرض البحر إن كأن ربانها ماهرا صارما ، نجت من العواصف ، وان كان جهولا متخاذلا غرقت او حطمتها الزوابع الغضاب ، حامد انت سفينة . . انت شيء قابل للنجاة وللغرق فاختر بين ان تقود نفسك فتغرق ، او ان اقودك فتنجو .
حامد : انت يا انا تريد ان اكون عسكريا ، مرتديا خوذتى الجافة وحذائى
الخشن ، باستمرار لا اتحمل ذلك يا انا ، كن مطمئنا الى اننى لا ولن اتحمله
( يصمت برهة )
ليس مفروضا على ان احيا كذلك ابدا .
انا : لكن المفروض ان تتحمل مسؤولية وجودك
حامد : ( باصرار ) العن وجودى ، ابدا ليست لى مسؤولية على وجودى ، لاننى لم استشرحين صمم على ايجادى ، وهل طلبت من احد ان يكون الى وجود ؟ هل وافقت على ان اكون موجودا ؟ بالطبع لا . . لا . . ومن اوجدني يتحمل مسؤولية وجودى ، وما دام هو متجاهلا ذلك فاننى بدورى ارفض القيام بما ليس من اختصاصاتى ، اتفهم يا انا ؟
( ينظر الى المسدس )
انا : ( متسائلا ) والنأس كلهم والآخرون . لماذا استمروا منذ آلاف القرون ؟ لماذا لم ينهوا وجودهم ؟
حامد : لا يهمني الناس ، لا يهمنى آدم ، فقد انتهيت الى حقيقة مزعجة . . كل الناس لا تروق لهم الحياة وكلهم يتالمون فيها ، ولكن جرى العرف من آدم الى اليوم الى يوم القيامة على ما يبدو ان يستسلم الجميع الى تيارات الحياة . . ويقين ان الانسان الاول آدم ، قارن بين الحياة والعدم فوجد ان العدم افضل ، ولكن بما انه حي يتخبط فى الحياة ويتمرغ فيها فانه استطاع ان يجد مبررا لاستمراره لقد توهم يا انا ان هنالك يوما آخر ، يخلد فيه ويجد فيه كل ما فقده فى الحياة ، ما الجنة والنار يا أنا الا اليوم البشر المحقق والغد المجهول الجميل المنتظر ، ذلك هو الجانب المشرق والجانب المظلم اللذان تتحدث عنهما . . الظلام محقق ولكن الاشراق محتمل فقط
( ينهض منفعلا حانقا )
زيف ، زيف ، ما يتوهمون تبرير يائس لا اساس له من الواقعية ( يوجه المسدس الى صدره )
انا : ( بصوت مرتفع ) حامد ، حامد ، لا تفعل ، انتظر ، انتظر ، انأشدك ان تقنعنى اولا .
حامد : ( ينظر الى المسدس ) الم تقتنع بعد يا انا ؟ حسنا ، قل لى ماذا فى هذه الحياة يجذبك الى المكوث فيها ؟ صارحنى .
انا : ( بصوت منخفض ) الانتحار جبن ، انه فرار من المسؤولية . . هذه حقيقة
حامد : ( يجلس ) لقد قلت لك يا انا ان مصطلحات الاخرين لا معنى لها عندى وان ما كررته على عشرات المرات ينبغي ان لا تعيده ، يقولون ان الانتحار جبن مع انه فى نظرى شجاعة ، ان تحمل ما لا يسرنا ولا يرضينا هو الجبن بعينه ، هناك المان ، الم يستمر باستمرار العمر ، والم يستمر لحظات فقط ، وهناك فارق بينهما ، هو ان الاول لا احد مسؤول عنه ، عكس الثانى الذى هو نتيجة لما ترتكبه يد الانسان ، ذلك هو الفارق ، فاختر يا انا ،
( يذهب ويجئ فى الغرفة )
يا انا ايها الفارض على نفسه الحياة العسكرية ، اننى حينما افكر هكذا وانتهى الى هذه النتائج واطبق النظريات التى اعتقد الالف فى الالف انها صحيحة ، واجد الادلة على ذلك ، انما اكون مخلصا لنفسي وفيا لها .
انا : ( يقوقه ) حامد الفيلسوف المسكين . . ما رايك فيما يربط الانسان بهذه الحياة ؟
حامد : ( يجلس ) لنتصارح ، ان ما يربط الانسان بهذه الحياة ليس الا بطنه اى نعم بطنه ، البطون هى الرابط الوحيد بين الانسان والانسان وكذلك بين الانسان والحياة ، فمن البطن يستمد البقاء وطاقتها ، ومن البقاء ينطلق الى ما تمتلىء به البطن ، وكما ذكرت لك يا انا ما فلسفة البقاء الا مفاضلة بين الم تكسبه ايدينا والمكسبه يد مجهولة خفية لا تتاثر للومنا ،
( يقلب المسدس فى يده )
بغض الطرف عما فى أغانى وموسيقى وشعر الانسان ، واعترافات كل احد من آدم الى يومنا ، ما الذى يربط انسانا لا يقتات الا من التسول والصدقات ، اما لانه ضرير او غير ذلك ، ما الذى يربطه بالحياة ما الذي يجعله لا لشىء الا للعيش ؟ ؟ يا انا يا ايها التعس ، لن تستطيع اقناعى مهما حاولت بان البقاء افضل من العدم كما لا يستطيع احد ان يقنعني بذلك ، وان رايتنى اؤجل الارتحال ، فليس لذلك معنى سوى الجبم وخيانة النفس ، سوى حمل مسؤولية الم وشقاء البقاء على يد مجهولة
( صمت عميق ، ونظر باهت الى المسدس)
انا : ( يبتسم فى خبث ) لقد سمحت لك يا حامد بتجاهل صلب الموضوع اكثر مما يجب ، وتأذن اتحداك ان تلجه وان تتكلم فيه معى بصراحة
حامد : اتحداك ايضا ، لنخض فيه ، انك تعلمه ولكنك تتجاهله ، قصد ازعاجى ، هيا لنخض فيه
انا : ( ضاحكا ) ما الذى يجعلك تقر العزم على وقف استمرارك بقطع النظر ، عن كل ما ذكرت ، ما الذى جد ، ما اساسه من الواقعية والعمق ، وما هى نسبة تاثيره فى الحياة
حامد : ( متبرما ) انا يا انا ، انك تعذبنى بتجاهلك هذا المستمر ، انت يا انا تعرف كل شئ
انا : نعم الامر كذلك ، ولكنك كنت قبل حين ذكرت ان حامدا ليس هو انا وان انا ليس هو حامدا ، الا تنكر هذا ؟
حامد : اعترف بذلك ، اسمعني حينئذ ، انتبه الى جيدا ، انصت الى مليا ، ان الثقة منعدمة في هذه الحياة وكذلك الاخلاص ، والوفاء شىء لا اساس له ، المودة ليست الا وليدة المصالح ، الحب ، الحب ذلك الرابط المقدس - كما يقول الجميع - ليس الا كذبا وبهتانا ، وهروا باز من الحياة بطريقة نذلة التجارب تثبت هذا يا انا ، وليس الا رابط واحد ، هو البطن هو . .
انا : كفى ، كفى ، يالها من طريقة ناجحة فى الابتعاد عن صلب الموضوع ، يا حامد تتبعها ، كم انت تخشى من مجابهة الواقع ، تريد ان ترغمنى على الاعتراف لك بان الانتحار افضل من اى شىء آخر ، بطريقة ملتوية جدا
( فترة صمت )
ما الذى صدمك اخيرا ، فجعلك هكذا . . صارحنى يا حامد
حامد : الصراحة هي انبل شئ . وساصارحك ، استمع الى ، الحكاية تتعلق بالفشل بالخيبة ، فى التوفيق بين هذه الحياة وبين ما نعتقده ونحيا من اجل الاعتقاد انه صحيح سليم ، . . هى ، يا انا .
انا : نعم هي ، ما بالها ، قل إلى عن وجهة نظرك . . تكلم
حامد : ( خجلا ) صفية ، آخر دليل على عدم صلوحية الحياة . . صفية يا انا
انا : نعم هي صفية ، الحبيبة ، ثم ماذا ؟
حامد : ( مترددا ) تعرف كل شىء ، تدرك كل شىء ، كانت هى ، صفية ،
الجاذبية الوحيدة المرآة التى تتراءى لى من خلالها السعادة . . لكن لا فائدة فى اعادة كل ما نعرف . .
انا : جابه الواقع بصراحة ، ودعك من السفسطة يا حامد
حامد : لقد كشفت لى عن الدليل على ان الانسان . .
انا : ( يقاطعه ) كيف .
حامد : كم تؤلمنى بتجاهلك هذا . . ارجو ان تفهم فقط ان الحياة وما فيها وهم وزيف وكفى
انا : عجبا .
حامد : اتهزأ ؟ انك تعرفني جيدا يا انا ، فلماذا كل هذا التجاهل :
انا : وانت تعرفني ايضا ، لكنك تريد ان تفرض على آراءك ، مع انك تدرك ان ذلك صعب جدا .
( فترة صمت )
حامد : ( مندفعا ) قلت لك هى نعم هى ، تلك الثمن كنت اعتقد انها الملاك الطاهر ، تلك التى لولاها لما استمر بقائى بعد ، لقد كنت صممت على الانتحار منذ سنتين لكن عدلت عن ذلك لما وحدتها لما التقينا يا انا . كنت اومن بلا جدوى الحياة ولكن استمر فيها من اجلها . . من اجل الحب ومودة القلوب ، والاخلاص المتبادل ، كنت اعتقد ان الانسان يستطيع ان يتغلب على قساوة الحياة وآلامها ، بقلبه ، وان قلبه ما وجد الا لذلك ، ولكن يا لها من كارثة مهولة . . انكشف ان كل ذلك ليس الا محاولة انسانية فاشلة ، وان الانسان لا يستطيع ان يتغلب على نفسه التى منها الحياة فيغير طباعه . . لقد جبل على القساوة مثل الحياة . . بل انه هو الذى يمنحها اياها ويضفيها عليها . . وجبل على المكر والنفاق والخبث والكذب والجبن . . لا اخال يا انا ذلك الا نتيجة للبطون ايضا . . اصل البلاء . . وان عسر الحصول على ما يملأ البطون منذ البدء ما جعل الانسآن يتعلم المكر والقساوة ، وكل ما يشمله التحيل . .
( ينهض محدقا فى المسدس )
الحب الذى لم يكن الا للتخفيف من وطاة الحياة ، هو ايضا مصدر من مصادر الالم فى الحياة كل ما فى الحياة من خيوط يجرى فيها التيار الكهربائى .
( يرفع بصره فيبدو له انا واضعا يديه فى خص به فى لامبالاة تامة )
انا : ( مبتسما ) لقد ابتعدت عن صلب الموضوع ؛
حامد : ( جادا ) كلا ، كلا ، لم ابتعد عنه قيد انملة ، فان لم استمد فلسفتى مما المسه فى الحياة فمن اى شىء استمدها ، ؟ ، امما يلمسه الاخرون ؟ الاخرون الذين فقدت ثقتى بهم على الاطلاق
انا : ( يقترب منه ) كنا نتحدث عن صفية ؟
حامد : آه ، يا انا ، اننى اخجل من التلفظ بهذا الاسم وكم يقشعر جسدى وتدب الكراهية الى قلبى حين اسمع هذا الاسم . . انها خطيئة تسير على الارض برجليها . .
انا : ( يحتضنه ) اجلس يا حامد ، تشجع وقص على كل شىء ، حدد بالضبط ما يؤلمك
حامد : ( يجلس ) باختصار ، لقد خانتنى ، خانت وعودها وعهودها ، تنكرت لى ، اعدمتنى قبل اسبوع ان اهلها يعتزمون تزويجها ، فوعدتها باننى ساتتقدم لخطبتها ، بعد ان اجمع شيئا من المال ، وافترقنا على هذا الاتفاق ، لكن يا انا لم ارها منذ ذلك اليوم الا امس ، طيلة اسبوع ابحث عنها وامر بدارها ، وامس ، امس فقط ، آه ، اننى اريد ان انتحر ما الفائدة من اعادة ما فات . . دعنى يا انا
( يوشك ان يبكى )
انا : حسنا ، وجدتها . .
حامد : اى وجدتها ، ابصرتها داخلة الى مقهى مع شاب ، فدخلت اثرهما ، وهناك جلست قربهما ، لكن من حيث لا يرياننى ، كان الشاب هو صديق توفيق ، وزميلى فى العمل ، تصور الخيانة ، كانا يتحدثان عنى ، قال لها هازئا ، مسكين حامد ، ترى لو يرانا ، ماذا سيكون موقفه فقالت له . . آه يا انا ، اسمع ما قالت له ، الخائنة ، اتوسل اليك ان لا تحدثني عنه مرة اخرى ، فاننى لم اكن احبه فى وقت من الاوقات .
( ينهض متنهدا )
اخرجت المسدس وصوبته نحوهما ، ومكثت لحظات افكر ، ثم عدلت عن قتلهما ، وفي تلك اللحظة كان كاتما فتح امامى صندوق حديدى طالما تطلعت إلى ما بداخله ، فرايت وجه الحياة الحقيقى . . جثة عفنة نتنة ، آه يا انا ، بصقت ، ثم اعدت المسدس الى جيبى ، ولما خرجا اقتفيت اثرهما ، إلى ان افترقا ، فالتحقت بها هى ، اوقفتها ، ماذا تتصور موقفها يا انا ؟
( يبصق )
ما ان ابصرتنى حتى اسرعت نحوى . . تركتها تقبلنى ، وتعانقني لست ادرى لماذا ، لعله تشف فى محسن ، او لعله تخاذل ، او لعله تجاهل وكفى ؟
( فترة صمت )
قالت ، فى تودد ومسكنة انها كانت مريضة ، وبالمستشفى ، وكم تاقت الى رؤيتى ، كدت اصدقها يا انا ، ومرة اخرى عاهدتنى على ان تحيا من اجلى ، ، ابصق يا انا ابصق . . العن الحياة ، العنها من جثة عفنة نتنة . . العن الانسان ، الحياة . .
( يوجه المسدس الى قلبه )
الحياة لا تستحق الاستمرار فيها ، كما لا استحق الاستمرار فيها لاننى عرفت كنهها
( فترة صمت )
آه لو يعرف الناس لماذا يحبون ؟ لو يدركون ذلك ؟ سيدركون ذات يوم . . ولكن متى ؟ لقد طال عماؤهم
( يرفع بصره ليقابله انا باسما )
انا : ( يقاطعه ) حامد اياك ان تفعل ، لا تطلق النار ، فما يزال دورى في الكلام . . لقد بالغت فى وصف الحياة . . لا ، لا تطلق النار ، انتظر
( يثب نحوه )
حامد : ( فى برودة ) انا ، هان ما لديك ، انه دورك ودعنى اريح نفسى
انا : ( يجلسه ) هكذا ، لمجرد صدمة عاطفية ، لمجرد خيانة اكتشفتها لمجرد دناءة شخص واحد . ترتكب نحو نفسك ، جرما كبيرا ، لماذا تعاقب نفسك ما دامت لم تات ما يعاقب عليه ؟
حامد : ( يقاطعه ) كلا يا انا ليس لمجرد صدمة عاطفية كما تزعم ، او لمجرد خيانة شخص او دناءته اصمم على انهاء وجودى ، فوراء تلك الصدمة والخيانة والدناءة تكمن حقيقة الحياة ، يا انا قلب الانسان هو القلعة الوحيدة التى يواجه منها الحياة ، فاذا احتلت تلك القلعة اين مفر الانسان من الحياة من اين يستطيع مواجهتها ومجابهتها ؟ لا شك يا انا انه ليس في وسع الانسان الا الاستسلام للحياة ، لاحتلالها البشع الفظيع ، او الخروج منها . . وهكذا افضل الخروج على الاستسلام
( فترة صمت )
انا : ( شاردا ) لماذا ؟
حامد : لاننى لا اطيق ذلك . . لانه بشع فظيع
انا : حامد ، ان هذه اللحظات التى تعيشها فقط هى التى تصور لك الحياة هكذا ، اسمع ، اقترح تاجيل الانتحار الى ساعة اخرى
حامد : ( في اصرار ) يستحيل . . لانه لا داعى لذلك
( يصوب المسدس الى قلبه
انا هل انهيت ما لديك ؟ ان كان ذلك فساطلق النار ؟ .
انا : ( مبتسما ) لم انه بعد
حامد : اعتدك اقتراح جديد ؟ .
انا : اقتراحات ، برامج متنوعة . .
حامد : اجديدة هى ؟ ليست مثل البرامج التى فشلت ؟
انا : ( فى حزم ) ضع المسدس جانبا
( يتناول المسدس من يده ويلقى به على السرير )
سلم الى القيادة لمدة شهر ، وستري كيف احول الحياة التى تبدو لك صحراء قاحلة جرداء ، إلى واحة جميلة غناء . . المسألة يا حامد مسأله قيادة . .
حامد : ( ضاحكا ) لقد سبق ان قدمت هذا الاقتراح ، يا لذاكرتك ، انسيت اننى اكدت لك باننى لا اطيق ولو لحظة واحدة الحياة العسكرية ، لاننى اقتنع الاقتناع المطلق بان ذلك ليس مفروضا على . . لا اوافق على هذا الاقتراح ، باختصار .
انا : اتعرف ماذا سافعل
حامد : لا يهمنى ذلك ،
أنا : ( في خبث ) ستتحول الحياة الى واحة غناء وارفة الظلال
حامد : ( متهكما ) هكذا ؟ بكل بساطة تحقق ما لم تحققه الاجيال الانسانية على اختلاف انواعها ؟ اى سحار انت ؟ يا انا ؟
( يقهقه )
تتحدى الواقع ولا ريب : مجنون انت يا انا . . لا بد ان كل انا مجنون . والا لما استمر الانسان فى البقاء . .
( يتناول المسدس )
لن تنطلى على هذه الترهات . . لن انخدع ابدا
انا : الم اقل لك لدى اقتراحات لا اقتراح واحد ؟ انتظر ، لا تفكر في اطلاق النار . .
حامد : انت تعبث بى يا انا ، تحاول اغرائى ، انك تخوننى . .
انا : كلا ، ابدا ، انما احاول ان اقنعك ان انزع عنك المنظار التعس الذي تنظر إلى الحياة من خلاله . . فهى ليست جثة عفنة نتنة كما تدعى
حامد : لقد اكتشقت كل ذلك بنفسى ، لقد وقفت عليه ولمسته بيدي وليس لى ذنب ان لم المس الا هذا . اما ما تقول فمجرد افكار شيطانية مجرد الفاظ معسولة لن اقتنع بغير الحقيقة يا انا ، والحقيقة ما اقول ما اقصه عليك من التجارب ، لا ما تتصور انت وتتوهمه . .
انا : انت فى حالة يرثى لها . بالغة الخطورة ، لانك خالفت سنة الحياة انت الآن يا حامد واقف تتامل فى الحياة ، والويل لمن توقف عن المسير لأن كل شئ يسير ، الافلاك ، الرياح ، الانسان ، الافكار ، الزمان ، ومن سنن السير السرعة وعدم الالتفات الى الخلف او الى الاجناب ، السير وكفى اما انت يا حامد ، فانك الان متوقف ، جامد ، بل الكارثة العظمى هى انك حدت عن الطريق انك تحاول الهروب ، فاقمت حواجز حولك لا استطيع ازاحتها
جاهد : ( يعبث بالمسدس ) انا ؟ ماذا تقول يا انا ؟ لا اكاد افهمك السير ؟ ما معنى ذلك ، الى اين تسير الرياح والافلاك ، والانسان ، والى اين كنت اسير ؟
( برهة صمت )
لماذا السير . .
انا : ( يقاطعه ) لماذا هذا التساؤل ؟ سر وكفى ، فمن ادراك انك ستفاجا في طريقك بكل ما يسرك
حامد : اى طريق ؟
انا : ( ياخذ المسدس ويلقيه ) انت فى حالة خطيرة تجعلني اشك في نجاح فى رفع الحواجز من حولك
حامد : ( ينهض ) الحواجز تقيمها انت ، لماذا ترهب النهاية ؟ انها هينة ، وبسيطة ، طلقة ، اثنتان ان اقتضى الامر شئ من الالم ، ثم راحة ابدية هذا الامر لا يستدعى كثيرا من التفكير ، وبكل بساطة تتوصل يا انا الى وجاهة هذه الفكرة ، تساءل هكذا : ما تقضى من العمر ليس فيه الا الالم ، وما تبقى منه كل الدلائل تثبت انه سينقضى كذلك ، اذن ليس فى الحياة الا الالم ، فلماذا لا اضع حدا لهذا الالم المستمر بالم لحظات فقط ؟ . او قل يا انا ان لم تقتننع بكل هذا الطريق التى اسير فيها شائكة ، ولست ادرى لماذا يتحتم على ان اسير فيها ؟ اننى تعبت من المسير وساستريح ،
( يجلس ، فترة صمت ، يتناول المسدس (
انا : ابتعدنا يا حامدا كثيرا عن الموضوع ، لنعد الى امر صفية ، حسنا انت ترى انها ارتكبت نحوك انما قل بصراحة انها صفعتك ليكن ذلك . لكن اصفعها انت بدورك ، اختر فتاة جميلة ، اجمل من صفية بكثير وضع يدك في يدها ، او طوق خصرها بذراعك ، ثم مر بها امام صفية وآنذاك سترى كم هي مؤلمة هذه الصفعة ، استعمل معها سلاحها ، وان سالتك فيما بعد اكد لها انك لم تخنها مثلما خانتك ، وانك صريح غير منافق او مداهن . . ستضرب عشرة عصافير بحجرة واحدة يا حامد . .
حامد : ( مطرقا * اقتراح آخر ، صفية تستحق الكى ، ساكويها قبل ان اغادر الحياة فكرة رائعة
انا : ( ينزع منه المسدس ) ولن يفوتك الوقت على الانتحار ، ربما تعدل عنه مرة واحدة
حامد : ( ينهض ) فتاة جميلة . .
انا : ( يقاطعه ) اجمل من صفية بكثير ، شعر ناعم ذهبى ، عينان زرقاوان كالبحر ، خدان متوردان ، بشرة بيضاء فى احمرار ، انف دقيق لطيف شفتان عذبتان رقيقتان ، عنق طويل ، خصر دقيق ، قامة هيفاء ، اينك منها يا صفية ، ستبدين امامها ، مأذا ؟ انك غير اهل للحب بل لا تستحقين حتى نظرة واحدة
حامد : ( يجلس ) نتيجة لخيانتها لى ، ستندم ولا ريب ، لكن دون ان ينفعها الندم
( يعيد المسدس الى جيبه )
ساكون آنذاك قد تجاوزتها ، تكون فى الارض واكون فى السماء انا : ( فرحا ) الا ترى انها فكرة رائعة ، ان فى الحياة اشياء كثيرة تجذبنا الى البقاء . .
حامد : نعم تغرينا ، اشياء مغرية . . كالاطفال . . كاللعب . .
( ينتفض )
لكن يا انا اين سأجد هذه الفتاة التى تتحدث عنها آه كانك نسيت المجتمع الذي نحن فيه . . ايه يا انا حلم لذيذ لو يتحقق ، ساقضى عشر سنوات فى الجرى وراء هذه الفتاة ، بل وراء اى فتاة اخرى ، لقد كان العثور على صفية يا أنا بمثابة معجزة . . بل معجزة
( يقهقه ويخرج المسدس )
يا له من فخ نصبته لى يا انا ، انك ساحر ماهر بارع ، لكن ،
انا : باطل ما تتهمنى به يا حامد ، لا اجهل الحواجز المقامة بين الفتى والفتاة كما لا أجهل صعوبة تحقيق الفكرة التى اقترحتها عليك ، انما انت تسرعت ، انك دائما هكذا ، عوض ان تضع تصميما مدققا تدرس كافة جوانبه ، تصميما يتكيف مع الحياة ومقتضياتها ، عوض ذلك تتبعثر عواطفك ، ويسبقك خيالك وتمد يديك فى فوضى وعبث ، ارجو ان تعيد المسدس الى جيبك
حامد : ( يعيد المسدس ) كم انت ماهر
انا : ( متجاهلا ) حسنا ، اخترت الفتاة ، ورميت حمالك ، ونصبت شباكك فلم تفلح واعدت المحاولة مع غيرها ، فكانت النتيجة كالاولى الخيبة وصدك عن تحقيق الاتصال بها اما صرامة ذويها او خحلها او خجلك انت ، هناك طريق اخرى ، سهلة واضحة ، الخادم العجوز ، انها طيبة اعرف كيف تسوى الامر معا . . افهمت ؛ .
حامد : ( فرحا راقصا ) فكرة رائعة رائعة ، يالها من فكرة ، وياله من اقتراح ، حسنا ، حسنا ، ساطلب منها ذلك
( يصفقق )
ولو اقتضى الامر ، ان اقول لها اننى انوى الزواج . . مهما كان الامر ، مهما كان الثمن . .
انا : ( يقاطعه ) اياك ان تتلفظ بالزواج ، حاذر . .
حامد : ( يرقص غير مبال به ) ليتأجل الانتحار ، لتتاجل النهاية ، عاشت الحياة ولو مؤقتا . غدا ساكلم الخادم ، شكرا لك يا انا الف شكر
انا : ( مداعبا ) لقد اغريتك ، عاش الاغراء
ستار
( البقية فى الاعداد القادمة )

