الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "المنهل"

الهجرة

Share

الحديث عن الهجرة طويل شائق ولذيذ مستملح والقول فيها طويل ماتع مديد . والنظرة اليها كمبدأ وكوسيلة من وسائل الكفاح يرد عادية الظلم ويحد من سطوة الجور والطغيان هذه النظرة تجفل الهجرة خطوة ايجابية لا مندوحة عن التقدم بها كلما دعت الظروف والملابسات وحفز اليها الواقع .

وأول من شق الطريق اليها وغدت بعده سنة للسالكين وهدفا للداعين والمصلحين امام الحنفاء وأبو الأنبياء خليل الله ابراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم بعد أن كاد له الكائدون وابتلى فى ذات الله وافتتن فى ايمانه وعقيدته فثبت ثبات البطل الباسل لم تفت فى عضده العواصف الهوج حتى تحطمت عند صخرة ثباته جميع قوى الشر وبطل كيد الكائدين . فاتخذ طريق الهجرة الى الله من بين القوم الظالمين ونزح من العراق الى حران ومكث فيها ما شاء الله ان يمكث ثم استأنف هجرته الى مصر ومنها الى فلسطين بلد الانبياء والارض التي باركها رب العزة حيث يقول فى محكم كتابه العزيز : ( ونجيناه ولوطاً الى الارض التى باركنا فيها للعالمين ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما : ( ستكون هجرة بعد هجرة فخيار اهل الارض الزمهم مهاجر إبراهيم ) أخرجه أبو داود . أى ستكرر الهجرة الى ديار الاسلام ، وأفضل هجرة وأفضل مهاجرين هم أولئك الذين يغزون يهود ويستخلصون من بين ايديهم ومن سلطانهم المتداعى ؛ فلسطين.. وفى ذلك البشارة من طرف خفى الى نصرة المسلمين وسحق القوم الظالمين : اليهود

وأشياعهم كما صحت بذلك الاخبار فيما يتعلق بمستقبل فلسطين وتشريد اليهود منها فى أخريات الزمن ، و كل آت قريب : وما نصر المسلمين لو صلحت منهم النية وصدق العزم ورجعوا الى الله - ما نصرهم على الله بعزيز ( ولينصرن الله من ينصره ان الله لقوى عزيز )

وهاجر ايضاً مع خليل الله ابراهيم ؛ ابن عمه لوط عليه السلام .. هاجر من بابل فى العراق إلى الأردن وكانت فلسطين والاردن وسوريا آنذاك شيئاً واحداً ؛ لم تكن مفصولة بحواجز سياسية تفصلها عن بعضها وتجعل لكل قطعة منها مسعى مخصوصاً قال تعالى فى قصة هجرة لوط بعد قصة ابراهيم : ( فآمن له لوط وقال انى مهاجر الى ربى انه هو العزيز الحكيم ) وقال تعالى فى آية أخرى : ( ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التى كانت تعمل الخبائث انهم كانوا قوم سوء فاسقين وأدخلناه فى رحمتنا انه كان من الصالحين )

وهاجر موسى رسول رب العالمين ببنى إسرائيل من مصر ومن وجه الظلم وعنجهية فرعون وجبروته محاولا الوصول الى الارض المقدسة .

وهاجر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر رسول الله من مكة الى ارض الحبشة مرتين فراراً بدينهم من الاضطهاد والظلم واعتصاما بالله ربهم واحتجاجا على ظلم الظلمة وطغيان المتجبرين .

وهاجر رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم من مكة الى المدينة المنورة إذ تنكر له قومه وبيتوا قتله والقضاء على دينه وشيعته . فهى إذن - وأعنى الهجرة - سبيل السالكين وطريق العارفين وهدف الداعين وقد كتب لها الخلود لانها كما أسلفت وسيلة من وسائل الكفاح الايجابى لا معدى عنه ، ولأنها مبدأ ، والمبادى شأن فى النفوس إذ نجد منها التجاوب الصادق الحميد .

والهجرة دين وعقيدة ومن ذلك كان لها ثبات الاديان ورسوخ العقائد لا تضمحل فكرتها أو يتلاشى ظلها ما دام فى الدنيا حافز من ظلم الظمة وجور الجائرين

وما برح بين الخليفة صلف وتجبر وعجرفة وكبرياء وطغيان وصد عن سبيل الله وكفر والحاد بالله . ولهذا كان النكير شديدا على من تخلف من المسلمين فى الصدر الاول عن اللحاق برسول الله والهجرة اليه ورضي بالاستخداماء والضعة بين صفوف المشركين وكانت نقمة الله بهم عظيمة حيث توعدهم بسوء العقبى فقال عز من قائل : ( ان الذين توفاهم الملائكة ظالمى انفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين فى الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا الا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفواً غفورا )

وإذن ما دام الأمر كذلك أى ما دامت الهجرة هى طريق الوصول الى الله وهى الدين والعقيدة اللذان باركهما الله فلزام على كل مسلم ان يهاجر ؛ ولزام على كل مبتغى الفلاح والنحاح ان يسير الى الله يحدوه الشوق الى ترسم الهدى الراشد والسنن القويم فى مجال الهجرة اللاحب . ولقائل ان يقول : وكيف يكون ذلك وقد اسقط نبى الرحمة الهجرة بقوله : ( لاهجرة بعد الفتح لكن جهاد ونية ) ؟ أجل ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ان دانت له الجزيرة ودخل الناس فى دين الله افواجا وفتح الله عليه مكة اسقط الهجرة بالمعنى المعروف فى عهده حيث لم يعد ثمة حافز للهجرة اليه فى المدينة ولكنه لم يسقطه فى حق كل من كانت له ظروف مشابهة لظروف المسلمين فى صدر الاسلام بمعنى انه لم يك فى وضع يسمح له بعبادة الله وتأدية شعائر الاسلام فى أمن دون محاسبة أو اضطهاد وهو ما يفصح عنه قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من من مغربها ) فعلى هذا الفريق مِنْ مَنْ منى بالفتنة فى دينه والاضطهاد فى حريته ان يهاجر الى الله فى بلد يأمن فيها ويتمكن من عبادة ربه كما يجب ويرضى . أما من أمن من الافتتان وكان فى منعة وفى بيئة اسلامية ومجتمع صالح فالهجرة بالنسبة اليه هجرة معنوية ليس فيها هجر للوطن والاحبة وليس فيها نقلة وارتحال وتكبد متاعب وتحمل

مصاعب - هى هجرة من طراز آخر يجد بها المهاجر متعة القلب وراحة الضمير وسكون النفس وحسن المنقلب والمصير ، هى هجرة الى الله بالتجافى عن الآثام ايا كان نوعها ، والحد من نزوات النفس وحظوظ الشيطان والتواءات الباطل ثم بانتحاء مسلك الخير والتكمل والاتجاه صوب مثل عليا يتم بها الصقل والتهذيب الروحى والنفسى معاً ويشمل ذلك جملة من الفضائل مجتمعة فى قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه )

ذلك ان اللسان واليد ابرز الجوارح للبطش والاستطالة ووسيلتا هدم وتجن على الغير . فالكذب وقول الزور والغيبة والنميمة وما الى ذلك من القواصم كل ذلك طريقه اللسان وله الفعالية المطلقة فيه ؛ والبطش بكل الوانه يرفعه سفك الدم الحرام ويخفضه الصفع واشارة الهزء والسخرية كل ذلك واضرابه طريقه اليد وعليها إثم الجناية فيه وبالسلامة من شرورهما أعني اللسان واليد يسلم للمسلم إسلامه مما لعله ان يعلق به من أوضار المعصية وتبعات الذنوب . ثم فى الشطر الآخر من الحديث شمول لناحية السلب العام تجاه كل محرم وازاء كل فحش وخنى سواء كان أداة ذلك اللسان أو اليد أو غيرهما من الجوارح يوضحه قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( كتب على ابن آدم حظه من الزنى فهو مدرك ذلك . العين تزنى وزناها النظر ؛ والأذن تزنى وزناها السمع ) وعدد جملة اشياء نسب اليها المعصية ثم قال : ( والفرج يصدق ذلك أو يكذبه ) واذن فالهجرة الى الله فريضة محتومة قائمة أبداً الى قيام الساعة لا تنقطع ما دام فى النفوس نزوع الى الخير وتوقان الى الفضائل ورغبة صادقة فى تأثر هدى الصالحين والوصول الى مدارج السالكين سدد الله الخطى .

اشترك في نشرتنا البريدية