الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

--- الهذباء -----

Share

خيم السكون على قرية " الفوار " الواقعة على بعد خمسين كم من " المرازيق " بأقصى الجنوب

كان النسيم رطبا ساريا بين النخيل الممتدة على جوانب القرية التى تسكنها قبيلة " غريب " ، المتفرعة الى عروش منها " الغنائمة " و " العلاوة " و " والجراردة " و " الفضيليين " وهؤلاء يلقبون بأبناء الام " هندة" " بنت فضيل " ، ولية صالحة دفينة قرية " العوينة " قرب الصابرية .

كان " مرزوق " من عرش الفضيليين يعيش فى هاته البلدة . . توفى والده وهو طفل صغير لا يعرف من الحياة شيئا سوى الدعة والسرور . عاش مع أمه وعلى الشرير ، فكثيرا ما يتشاجر مع " مرزوق " فيشبعه ضرب بالعصا . . أما في الكتاب فكان لا يقدر حتى على الكلام لان سيدى " المدب" يحب " مرزوق " كثيرا لذكائه ، وفطنته ، وحفظه الجيد للقرآن . . ولكن " على " ابن عمه كان عكس ذلك ، عديم التربية ، ثقيل الروح ، وأحيانا ينهض المؤدب ثائرا ويود أن يقطعه اربا ، اربا لانه سبب التشويش والضوضاء . . فزاد حقده وبغضه " لمرزوق " لانه لم ينل ما ناله من حب وتقدير من طرف المؤدب . . انه يود أن يمحوه من الدنيا ليبقى وحده لا منافس له .

. . غادر " مرزوق " كوخه بعد رجوعه من الكتاب مضطرب الاعصاب شاردا تائها فى خيالاته وهواجسه . . خرج ليتمتع بالطبيعة الخلابة لعلها تروح عن نفسه ، فتزيل بعض همومه وتبعث فى نفسه الغبطة والسرور . هناك بعيدا عن الكوخ جلس تحت جذع نخلة كثيرة " العراجين " قوية هائلة . . وكانت الشمس تكاد تغوص فى أعماق الافق رائعة بأشعتها الذهبية الممزوجة بحمرة فكان لونها حالما هادئا جميلا وكانت السماء صافية الاديم سوى بعض سحابات شهباء تسير ببطء ، فتمثل أشكالا مختلفة . . ارسل " مرزوق " زفرات وتنهددات متوالية صادرة من أعماق . . أعماق نفسه . . وترك عينيه الواسعتين السوداوين الحالمتين ترسلان نظرات شاردة بين النخيل المتناثر فى كامل أنحاء الواحة . .

لم يطق المكوث هناك طويلا ولم يجد نهاية لهاته الافكار والهواجس التى تحوم في رأسه . . شتى الخواطر . . هل يقتل ابن عمه ؟ أيقتل نفسه ؟ .

أيهاجر ويبتعد عن هاته الارض بما فيها ومن فيها ؟ . . هل يقدر أن يبتعد عن أمه . . وقريته . .؟ نهض متثاقلا يجر رجليه جرا بين الرمال اللينة الرطبة ويدفع نفسه

بقوة للوصول الى الكوخ ولكنها تأبى ذلك . . انه يتمنى أن يتيه فى هاته الصحراء الشاسعة وبين هاتيك الهضاب ، والرمال المتموجة . . . انه لا يريد أن يرى الكوخ أبدا لانه ملجأ ابن عمه ذلك الجدار القائم بينه وبين سعادته وماذا سيفعل المسكين أمام هذا الحاجز القائم فى طريقه للحياة . . . لم يجد " مرزوق " غير الرجوع الى الكوخ ، هذا آخر ما قرره فى ذلك اليوم . . .

. . وكان الصباح ، صباحا أشرقت شمسه ساطعة فارسلت أشعتها الى داخل الكوخ حيث ينام " مرزوق " فوق " غرارة " نسجتها أمه أيام كان والده على قيد الحياة . . لذعته الشمس بحرارتها فنهض مذعورا . . ونار تتأجج فى أحشائه . . وبعد أن تهيأ قصد الكتاب وكان يسير فى الطريق ويلتفت يمنة ويسرة خوف أن يلتحق به ابن عمه " على " فيسرع فى مشيته ثم يقف ويلقى نظرة الى الوراء . . ولكن فى هاته المرة رأى خيال انسان . انسان يجرى ويسرع فى الجرى انه " على " الخبيث ، لقد التحق " بمرزوق" المسكين . .

على - مانى قتل ماعتش تمشى للكتاب . . والا ماكش سامع اكلامي . . اسمع انكلم فيك رانى . . ارجع فيسع واقضى لمك آش تحب ! انت ما كش أهل للعلم أنت من سراح البل والغنم . .

مرزوق - يا خى العلم امحبس عليك انت والا شنو . . . على - أسكت ! . . أسكت خير ما نفهمك قدرك تو . . .

لم يسكت " مرزوق " بل أخذ يدافع عن نفسه بكامل قواه وهرب متجها نحو الكتاب ، ولكن التحق به " على " وأخرج عصاه من تحت " برنسه" وأخذ يضربه ضربا شديدا لا رحمة ولا شفقة فيه . . وصادفت احدى الضربات ذقنه . . فأدمته وبعد عراك عنيف نهض " مرزوق " منهوك القوى . . ورجع الى أمه حزينا كئيبا . . .

وكانت " حليمة " تحمى " الطابونة " بسرعة وفجأة سمعت حثيث أقدام وراء الكوخ فرفعت رأسها بشجاعة وجرأة فرأت " مرزوق " آتيا من بعيد . . توالت دقات قلبها وأسرعت فى مشيتها نحوه . . .

حليمة - آش بيك " مرزوق " آش عملولك اولاد الحرام ؟ . . مرزوق - على ولد عمى ضربني وما خلانش نمشى للكتاب . .

حليمة - أصبر ما صبرك ربى يا " مرزوق " يا ولدى لكان بوك حى ما يجرلكش هذا . . انوصيك يا وليدى من ولد عمك راه أكبر منك وآش يقولوا الناس كيف يسمعوا بيكم متخاصمين .

داوته أمه حين وصوله الى الكوخ وأخذه النوم من شدة التعب والالم وبعد أن أتمت " حليمة " تحضير الخبز أعطته قطعة وملأت له مشربا باللبن فأعاد نشاطه . . وحان قدوم على ٠٠

قام " مرزوق " يتعثر فى خطاه ليطلق سراح الشياه المربوطة وراء الكوخ . . ساق غنمه الى أن وصل قرب غابة " سيدى غانم " وهناك انطلقت شويهاته تأكل العشب ، وتتمرغ فوق التراب تحت رعايته .

جلس الفتى فوق ربوة عالية تطل على " دوار " قريب . . فمرت بخياله ذكريات الماضى القريب ذكريات الطفولة العذبة البريئة ايام كان يأتى مع بعض اولاد الجيران ليلعبوا الغميض وكان عمره اذ ذاك حوالى التاسعة . . ولكن لم يتذكر منهم سوى الهذباء بنت " سى عامر " كانت الهذباء تعيش حياة هادئة سعيدة تحت ظل والديها وقد كانت طفلة ، صغيرة جميلة مهذبة تحب اللعب والمرح . . فتخرج مع اولاد الجيران للعب ولا تعود الى البيت الا بعد وقت طويل . . . ولكن سعادتها لم تدم ماتت أمها وتركتها كطائر فقد جناحية تعانى الذل والتعاسة من جور زوجة أبيها . . كانت تسجنها فى البيت وتمنعها من اللعب مع الاطفال . . .

مرت الايام متوالية وكبرت " الهذباء " وصارت فتاة كاعبا ممشوقة القوام سمراء ، جميلة بعينيها الشهلاوين الواسعتين يشع منهما بريق ينم عن ذكاء وفطنة ، وقد انسدلت ظفائرها سوداء كالظلام على كتفيها . . فزادتها روعة وجمالا ، فنالت الاعجاب بجمالها ودمائة أخلاقها . . ولكن معاملة زوجة أبيها كانت قاسية أشد القساوة ، تأمرها بملء الماء عشرات المرات فى اليوم من العين القريبة وتتركها تقوم باعمال المنزل وحدها . . . ثقل عبء الحياة على كاهل " الهذباء " وصارت تعيش فى حيرة تفكر فى مصيرها مع هاته القاسية . . .

افاق " مرزوق " من غيبوبته وقد علت وجهه ابتسامة هادئة فرحا بطفولته المرحة . . وارسل زفرة حارة أسفا لفواتها ومرورها بدون أن يشعر . . ونظر متأملا بيوت الشعر المتفرقة هنا وهناك . . اين تسكن الهذباء يا ترى ؟ . . أفى احدى هاته البيوت أم بعيدا ؟ . . ليتنى ألتقى بها فتقاسمنى همومى وتخفف من آلامى كما أعهدها لينة الطبع فاضلة الاخلاق . .

انتفض " مرزوق " ونهض مسرعا لان شوبهاته قد بعدت عنه . . أخذ عصاه واتجه نحو كوخه مطرقا مفكرا فى شتى أموره . . . .

ووصل مع غروب الشمس فوجد أمه تشعل المصباح لتضعه فى ركن الكوخ ، فربط الشويهات فى " القريشة " ثم تعشى مع أمه تحت نور القمر وقد أسدل الظلام أجنحته على الكون . . سكون أخرس يملأ الارجاء فلا يسمع فى بعض الاحيان سوى صوت الرياح يتخلل الاغصان ، وحثيث أقدام المارة يبتعد شيئا فشيئا الى أن يتلاشى . . ويتلاشى .

وانقضى الليل وأتى فجر جديد . . تأخر " مرزوق " فى نومه وبعد وقت طويل ذهب الى الكتاب . . ولم يعترضه احد . . جلس حيث أنتهى به المجلس . . ولم يره على الذى يجلس فى الصف الاول . . وكان التلاميذ ممسكين بألواحهم القرآنية منهمكين فى السرد ، وقد جلس المؤدب وسطهم فكأنه أمير فوق عرشه وبيده عصاه الطويلة يهز بها مرة بعد أخرى على رأس أحد الاولاد ليفيق من غفوته أو ليصلح غلطته . .

وأنتهى الوقت سريعا وخرج " مرزوق " يجرى . . ويجرى بكامل قواه وذهب " على " مع أصدقائه يتجول خارج الكتاب قرب الواحات القريب من " الفوار " . . .

وصل " مرزوق " كوخه منهوك القوى والحزن يملأ أعماق نفسه . . لقد سئم هاته الحياة المضطرية وهذا الجو المكفهر وقرر ان يتخلص منهما . وبأى صفة كانت . . . أفكار شتى تراوده . . واخيرا وجد الحل لجميع مشاكله عندما وضع يده تحت ذقنه يتحسس أثر الجرح . . . فتذكر ذلك اليوم عندما ضربه " على " بعصاه . . . فأدماه . . وأحس بلهيب نار تشتعل فى كيانه لا . . ! لا . . ! سيكافح ويتحمل جميع المشاق لا لشىء سوى العلم الذى من اجله تحمل الاهانة والضرب والخصام . . فجمع لوازمه للسفر وأخذ بعض الكتب ليدرسها فى عامه الاول " كمتن ابن عاشر " في الفقه و " متن الاجرومية " فى النحو ، وكانت هاته المتون تدرس بامعان في زمانه ، وقد حرضته أمه على ان يحمل معه بعض الزاد لمدة السفر . .

. . أفاق " مرزوق " على صوت حمار " عم مبروك " أمام الكوخ . . ان " عم مبروك " يذهب كل يوم " خميس " الى سوق " المرازيق " لجلب بعض حاجياته . . ودع ، امه دامع العينين واجما ، مذهولا . . سار الحمار فى طريقه لا يلوى على شىء . . وما زالت عينا " مرزوق " تتلفتان الى شبح أمه يتضاءل شيئا فشيئا الى أن يغطيه ضباب الفجر . . . القى نظرة أخيرة على قريته الحبيبة وهو يبتعد . . ويبتعد

كانت الشمس تميل الى الغروب بأشعتها المنبعثة فى الافق حمراء كلهيب نار متأججة ، عندما وصلا الى " دوز " ذهب عم " مبروك " الى السوق وأخذ " مرزوق " يبحث عن سيارة اجرة تحمله الى " قابس " ارسل زفرة وهو يعتدل فى جلسته فى المقعد الامامى وأخذت السيارة تطوى الارض طيا . .

خيم صمت عميق فلا يسمع سوى هدير محرك السيارة ، و " مرزوق " ينظر من النافذة الى الاراضى الشاسعة والنخيل الممتد على الجانبين وكأن أشباح المستقبل تتراءى له فى الافق البعيد . .

وقفت السارة أمام نزل محطة " قابس " وبسط السائق يده يطلب أجرته . . ثم أطبقها على بضعة دريهمات . .

تحقق مرزوق من ابتعاده عن قريته عندما ذهبت السيارة فى حالها . . وكأنها هي السبب في ذلك . . وقف مفكرا فوق الرصيف ثم أتجة نحو الفرع الزيتوني . . وهناك استقبله المدير بكامل الفرح والسرور لما كان يمتاز به أبناء القرى من جد وذكاء ، وقوة عزيمة لمواصلة تعلمهم بالمدن خارج قراهم . . .

تحصل على اعانة من الكلية ككل تلميذ فقير فزاده ذلك نشاطا ومثابرة . اندمج في جو التلمذة بكل احساساته وجوارحه ونال الحب والتقدير من كل الاصدقاء . . وكالعادة تجمع الساحة وقت الراحة كل التلاميذ من كل الطبقات . . وكثيرا ما يقع نقاش حاد بينهم حول استاذ الرياضيات وأسلوبه في حل المشاكل ، وأستاذ الفقه الذى يكثر من الحديث التافه وقت الدرس . فيشتد احمرار وجه " مرزوق " حينذاك ويأخذ فى الدفاع عن أستاذه ويتعصب له . . لانه يحبه . . ويحبه كثيرا لما يمتاز به من أخلاق كريمه ومعاشرة لينة وفضائل جبلية . . اشتدت العلاقة بينه وبين أستاذه . . عاش الامسيات الشيقة فى منزل أستاذه يتجاذب معه أطراف الحديث فى كل المواضيع وحتى عن حياته الخاصة . . عظم شأن " مرزوق " بين أساتذته لنشاطه ومثابرته على العمل . .

مرت الاعوام متوالية سريعة وكان النجاح حليفه فى كل اعماله ، وبدأ يشعر بالسعادة . . . وبالامل . .

لقد كانت زيارات الاهل لابنائهم فى المدرسة لها تأثير عميق فى نفسه . . كل شئ يذكره أمه . . وقربته وشويهاته ويتملكه الحنين اليها . . وما أسعد يوم رجوعه اليها كانت الطبيعة فى أبهى حللها شمس مشرقة . . سماء صافية الاديم . . وطال العناق حين لاقت عيناه عينى أمة الحبيبة . . واغرورقت عيونهما بدموع الفرح . . وما أشد شوق مرزوق لامه . . لحنانها . ولعطفها . . كان يحدثها عن كل شئ . . كل ما مر به من أحداث . . وصعوبات وأفراح . . وفي الصباح كان " مرزوق " يسير فى الطريق المنحدرة المؤدية إلى بعض الدكاكين التى تجمع شيوخ الحى يتسامرون فى كل مساء ويتحدثون عن كل الاخبار والاحداث القديمة منها والحديثة . .

ان علامات الاستفهام تعلو وجوههم في ذلك الصباح . . خبر سئ تتقاذفه الافواه . . دنا " مرزوق " من المجلس وبعد سلام طويل وسؤال وجواب عما شاهده في حياة المدن قال أحدهم :

- اسمعت يا " مرزوق " بالغريبة ؟ . . - لا ما أسمعت بشئ ؟ . . آش ثم ياخى ؟ . .

- ما هى " الهذباء " بنت سى عامر أختفت ما بين الليل والنهار . . . علت وجه " مرزوق " دهشة كبرى وكان اسم " الهذباء " له وقع كبير في نفسه ورفع عينيه متطلعا الى الافاق البعيدة بنظرة شاردة . . قال أحد أقربائها وكان من بين الجالسين :

- هذا عار وما بعده عار بنتنا تهرب ما بين ايدينا احنا ما عندناش بنات تهرب . . أحنا العرب الى نحافظوا على عرضنا وشرفنا اتجينا طفلة اطيحلنا قيمتنا بين العروش والقبائل . . . .!

فقال الاخر : - بالسيف باش تهرب بعد هاك العركة بينها وبين عيلة بوها . . وقال أحدهم :

- اسمعناها أمس اتعييط وتبكى . . والله مسكينة بنية متربية وعاقلة . . طال النقاش ولم ينته الى حل مرضى . . كل يختلف أسبابا لفرار " الهدباء" وفى الحقيقة لقد ذهبت لزيارة امها . . بكت طويلا فوق قبرها . . ولم ترجع الى المنزل الا بعد وقت طويل ولاجل هذا وقعت في شجار عنيف مع زوجة أبيها . . لم تطق حياة التعاسة والشقاء مع هاته الشريرة الشمطاء ، وفرت بدون أن تشعر لتتخلص من هذا العذاب اللانهائي . . لم تختف مع عشيق كما يزعم البعض . . ولكن لهدف أسمى لتبدأ حياة أفضل ، . . وأسعد . .

. . وكانت الخلجات شتى عندما رجع " مرزوق " الى أمه ، اذ هاته الحادثة أثارته وجعلته يفكر . . ويفكر بدون نهاية . .

لم يبق طويلا فى حيه ورجع الى قابس . . الى معهده . . واصدقائه . . واساتذته . . وبالاخص أبيه الروحى . . لقد استقبله أستاذه في منزله بكامل الفرح والابتهاج . . وفى أثناء السهرة لاحظ على محيا " مرزوق " الحيرة . . والتفكير وكانت الحيرة الكبرى عندما نادى أستاذه

- الهذباء - يا الهذباء - نعم - قهيوة عيش بنتى.. !

وأرسل الاستاذ زفرة حارة وتنهدات عميقة شفقا على حال " الهذباء " . . ونظر الى " مرزوق " فاذا به فى غيبوبة وعلامات الاستغراب تلوح على وجهه . . انه يريد أن يتكلم . . أن يسأل عن قصة هاته الفتاة . . هل هي هذباء " الفوار " يا ترى . . ؟ . . ولكن لم أتت الى هنا الى هذا المنزل بالذات ؟ . . ان هذا الاسم لا يعرفه أهل المدن كمدينة " قابس " . . ولكن . . ولكن من تكون هاته الهذباء ... ؟ انه يحب هذا الاسم من أمد بعيد . . يحبه من كل قلبه ووجدانه ان له مأساة مثله .. .

...  وفجأة دخلت الهذباء تحمل فنجانى القهوة فتلاقت النظرات وتوالت دقات قلبها . ..

حقا انها تشبه " الهذباء " تماما . . . نفس الملامح والنظرات . أواه أهذبائي أنا أم هذباء غيرى ؟ . . ولكن ما لها تنظر الى هكذا كأنها تعرفني . . . انها تود أن تكلمنى . . أن تسألنى من اين أتيت ؟ والى أين أذهب . . ؟ .

... وأخيرا علم "مرزوق" ما يتعلق " بالهذباء " قص عليه ذلك أستاذه ابراهيم . .

كانت والدتها من فتيات المدن جمعها القدر مع شاب من شبان " الفوار " عاشت معه هناك حياة هادئة . . الى أن وافاها الاجل . . ولم تتحمل الهذباء حياة الذل ففرت الى خالها الاستاذ " ابراهيم " فرت من العذاب وأتته لعلها تجد سلواها وسعادتها . . وحقا لم تجد الا المعاملة الحسنة واللطف من طرف زوجته . . فازداد حب " مرزوق " لها وتفانى فى حبها حبا شرد فكره . ليس له فى دنياه غير " الهذباء " ، " الهذباء " بنت الواحة . . والغدير . " الهذباء " الجميلة السمراء . . .

ومرت الايام كلمح البصر . . ونجح " مرزوق " فى جميع امتحاناته فغمرت قلبه الفرحة الكبرى . . فرحة النجاح . . وما أعظمها من فرحة . لم يعد هناك بون شاسع بينه وبين سعادته الحقة . . بين هدفه المنشود .

اشترك في نشرتنا البريدية