كانت له قطعة أرض ، قرب جدار المقبرة ، البناءات حولها تنتشر ، ويمتد انتشارها فى كل اتجاه . يطوق المقبرة ، ويقتحم جزءا منها . . فتدب الحياة فى القبور . . وتنبت المنازل ، فى اشكال هندسية متباينة ، وتتفتح فى حدائقها الازهار ، والرياحين . وتتسلق جدرانها ، أغصان الكروم ، والياسمين ...
غطى البناء كل ساحة فى المدينة ، الا أرضه ، بقيت وحدها فى العراء . جاء يتفقدها ، والأطفال يتقاذفون الكرة بأرجلهم ، فتفرقوا ، تاركين خلفهم الغبار . . يكلل شعر رأسه ، ويسقط على ثيابه . . ظل واقفا ، ينظر اليهم ، وهم يفرون الى منازلهم فى عبث واستنكار . . !
أخرج منديلة من جيب سرواله . . مرره على رأسه . . مسح به وجهه . . خطا خطوات بطيئة . . ثم فرش المنديل على صخرة ، وجلس .
أجال النظر فيما حوله . . منازل جيرانه ، شاهقة ، ملتصقة ببعضها . . تطوق أرضه . . جدرانها تمتص الهواء ؛ فتختنق انفاسه ، وتشتد ازمته , ويثقل رأسه ؛ فيحمله فى كفيه . .!
" جيرانك ، يودون شراءها . . ماذا تنتظر ؟ ! والى متى ونحن فى حرمان ، وشقاء ؟ الخبز للارض . . ! اللباس للارض . .! حتى الدواء للارض . . ماذا بقى لنا بعد الارض ؟ ! الارض لا تطعمنا . . نحن فى ضيق ، وشظف عيش . .! يكفى ما نحن فيه . . خلصنا يا رجل . . خلصنا من عناء لا طاقة لنا به . . !"
مسكينة زوجتى الغبية حتى هى تريدنى ان ابيع الارض..؟! للارض طعم خاص . . لم تذقه زوجتى . . الخبز ! صحيح ، لابد من الخبز . . ولكن ما طعمه ، بين جدران مشقوقة ، وتحت سقف مثقوب ٠٠ ؟ ! - طارق . . طارق . . يا طارق . .!
رفع رأسه . . فى نافذة جاره ، تنتصب امرأة بادنة . . تلوح بيدها . . تحرك رأسها . . تدعو ابنها للعودة سريعا الى المنزل . . تلح فى النداء . . وصوتها بتهدج ، وراسها يتحرك . . ينخفض . . يرتفع . . وهو يتابع حركة الرأس . . ! بتحسس الصخرة تحته . . الصخرة ثابتة فى مكانها . . والرأس تسرع حركته . . بتساقط شعره . . ينكشف جلده ! تبرز عظامه ! تشتد حركته .. وجيل اللحم ثابت في مكانه . . ترقص فوقه الجمجمة . . تثب . . تقفز . ترتطم بالنافذة تتدحرج الى أسفل . . تغوص فى الاسس . . العمال يحفرون الاسس ، يخرجون التراب ، فتخرج معه يد ، أو رجل ، أو رأس . ويحل محلها الاسمنت ، والحديد ، والحجارة . . ويكتمل البناء . . والمرأة الجبل ، ما تزال تلح فى النداء . . وما يزال هو ينظر اليها ، ويطبل النظر . . فتغلق النافذة وترتخى رأسه . .
شدت نظراته بالارض . . الهبت شمس الظهيرة رأسه . . جف حلقه . . ضاقت انفاسه . . تاقت نفسه لشمس أحر . . تلمظ طعما غريبا فى أسنانه . . التقط عودا ، وشرع يخطط على الارض خطوطا ، متوازية . متقاطعة . . منكسرة . . منحنية . .
الجدران ، أرجل قوية ، يشد بعضها بعضا ، السقف ، جماجم ، كبيرة ، وصغيرة ، نبيلة ، وحقيرة النوافذ ، أيد متشابهكة ، وأخرى متعانقة ، الممرات ، أضراس مرصوفة ، ومفاصل مبثوثة . . الابواب ....؟الابواب .....؟ .
توقف العود عن الحركة ، طرحه بعيدا ، وأخذ حفنة من التراب ، يسكبها فوق منزله . . علق التراب بكفه اليمنى . . عركه بكفه اليسرى , فلصق بها . .! بسيط كفيه . . أمعن النظر فيهما . . ذرات التراب تتحرك . . تزدحم . . يشتد تزاحمها . . تدور حول نفسها . . ثم تتعاظم فوق بعضها ، فى شكل هرمي, تنوء به الكف اليمنى . . ذرات ، صغيرة الحجم ، تسلل من تحت الهرم ، الى الكف اليسرى . . تسير ببطء ، مكونة سطحا منبسطا ، يتحرك فى اتجاه واحد ٠٠ !
اختل توازن الكفين ، ففصل ما بينهما ، وثارت ثائرة الهرم . . والسطح . .: الهرم : ما كان للسطح أن ينبسط ، حتى تفقد الذرات أصالتها ، وتجبر على السير فى اتجاه معاكس ، أحدث الزلزال بيننا . .!
السطح : ما كان للهرم أن يتجمع ، حتى تعجز الذرات عن الصمود اليه ، فلتكن كل ذرة هرما حتى يلتقي الجمعان . .! الهرم : الذرات فى أصل تكوينها ، تفاوت ، القوى منها يتسلق الضعيف. وبغير الضعيف ، لا يقام البناء ..! السطح : القوة فى انضمامها ، فى صعيد واحد ، لا فى تجمعها فوق بعضها البعض . .!
الهرم : هذا اختناق ! السطح : الاختناق فى قاعدة الهرم ؛ الهرم : الموت فى انبساط السطح ! السطح : الهرم نهم ! الهرم : السطح جفاف ! السطح : ؟ ! ؟ ! ؟ ! الهرم : ؟ ! ؟ ! ؟ !
تقلصت أصابعه ، تخنق الذرات فى كفيه . . تسحقها ؛ فتنقلت بين اصابعه ، متهاوية على السقف . . خر منزله . . انشطر الى نصفين . . رفسهما بقدمية . . هشم الايدى ، والارجل ، والجماجم وطفق يضرب كفه اليمنى ، بكفه اليسرى ، ضربات ، متوالية . . أوقفها منبه سيارة ، تبرز من المنعطف ، وتقف أمام منزل جاره . وترجل صاحبها ، والتفت الى الجالس على الصخرة . . ثم اتجه اليه مرحبا - أهلا بجارنا العزيز ! - ...........
- انى لم أرك منذ مدة ؟ ! - ............. وهم بالانصراف ، فامتدت يده اليه ، فأمسك بها . - كيف حالك ؟ ! ضغط الكف . . على الكف . . - مالك صامت ؟ اشتد ضغط الكف . . على الكف . . فتألمت أصابعها . .! - مالك ...؟!
التصق الجلد . . بالجلد . . وحك الجلد . . الجلد . . فاختنق الخاتم المذهبى فى الاصبع ، يمزق الجلد . . ينفذ الى العظام . . يختلط بالسائل الاحمر . . فينفصل ما بين الكفين . . وتعود كل كف لصاحبها . . ويعود صاحب السيارة الى منزله . . وينصرف صاحب الارض مسرعا ، ناسيا منديلة على الصخرة . .!
