لا أخفى القارئ الكريم أننى تهيبت كثيرا وترددت طويلا قبل كتابة هذه الدراسة عن (( الواقعية فى رواية عائشة )) للاستاذ الفاضل البشير بن سلامه , ولعل السبب فى ذلك أن يكون راجعا الى تعدد اسهامات هذا الاديب الكبير فى النهضة الادبية والفكرية والثقافية المعاصرة فى تونس باعتباره معلما بارزا من معالم هذه النهضة المباركة التى بدأت تترعرع وتزدهر وتنمو وتثمر وتؤتى أكلها منذ الاستقلال ، فهو أديب لغوى وصحفى من الطراز الاول ومؤرخ ثبت ومترجم مدقق وكاتب اجتماعى ، ثم هو بعد ذلك كله مؤلف قصصى وكاتب روائى وضع روايته (( عائشة )) كجزء أول من رباعية (( العابرون )) وله تحت الطبع مجموعة من القصص بعنوان (( لوحات قصصية )) .
ومن هنا كان ترددى واجحامى الى أن صح منى العزم ونشطت الى كتابة هذه الدراسة عن تلك الرواية التى حظيت ببعض المقالات النقدية على صفحات مجلة (( الفكر )) .
والواقع من الامر أن هذه الرواية ما زالت فى حاجة الى دراسة نقدية متأنية باعتبارها علامة بارزة فى طريق الواقعية النقدية كتيار من التيارات الادبية المعروفة فى معالجة الفن الروائى . فهى تعتبر بحق نقلة هامة وأساسية فى تطور الرواية التونسية ، وضع فيها بن سلامه أساسا لبناء عالم روائى خاص به وقدم من خلالها تجربة روائية جديدة تختلف بلا شك عن عمل كتاب القصة السابقين .
ولا أعدو الحقيقة اذا قلت إن هذه الرواية صرخة تحد أطلقها البشير بن سلامة فى وجه ذلك المستشرق الكبير الذى ألقى محاضرة ذكر فيها أنه لا يمكن أن توجد الرواية التونسية الطويلة لاسباب كثيرة تتعلق بنفسية التونسى وتركيبه وبيئته كأنه خلق من طينة أخرى وأن غاية ما يمكن أن تجود به القريحة التونسية هو القصة القصيرة ، فجاء البشير بن سلامه ووضع هذه الرواية ردا على هذا المستشرق وتحديا لوجهة نظره .
ومع ايماننا بأن الاتجاهات الفنية والمدارس الادبية ليست فى حقيقة الامر والواقع الا مجرد تقسيمات نقدية وتصنيفات منهجية يقوم بها النقاد من أجل الدراسة والتحليل والنقد ، لان العمل الادبى بطبيعته الخلاقة يأبى أن يسك فى قوالب محددة او أن يصب فى انماط معينة ولا يمكن أن يخضع لهذه التصنيفات التى قد تتعسف فى بعض الاحيان ، اذ العمل الادبى الواحد قد يحتوى على العديد من الاتجاهات الادبية ، نقول : انه مع ايماننا بذلك الا أن القارئ لرواية (( عائشة )) لا يخطئ تلك النزعة الواقعية التى تسرى فى جميع أحداثها ومواقفها وتكاد تنتظم جميع أبوابها الاربعة (( باب العرش )) و (( باب الخضرة )) و (( باب السطح )) و (( باب الجنان )) ومن هنا كان اختيارنا للحديث عن الاتجاه الواقعى فى هذه الرواية .
على أننا قبل أن نمضى فى هذا الحديث قدما , نجد لزاما علينا أن نقدم بين يدى القارئ بكلمة عجلى عن الخلفية التاريخية للتيار الواقعى فى القصة التونسية بصفة عامة ، إيمانا منا بأن هذه الخلفية تساعدنا على توضيح هذا التيار فى رواية (( عائشة )) بصفة خاصة .
فنقول : إن الواقعية كمذهب أو تيار بدأت أساسا فى الفلسفة ثم تسربت الى الادب ، ويقصد بها تقليد الواقع وتقديم صورة تكاد تكون مطابقة له , فالاديب الواقعى يستقى مضمونه من الواقع المعاش بغض النظر عن احساساته الشخصية تجاه هذا المضمون ، لان مهمته تتركز فى تقديم هذا الواقع الى القارئ كما هو فى موضوعية وحياد تأمين .
وقد ظل هذا المفهوم للواقعية منذ أواخر القرن الثامن عشر وخلال التاسع عشر معيارا للنقد الادبى فى فرنسا ، فكل عمل يحكم عليه بالفشل اذا حاول الكاتب أن يقحم نفسه فيه أو يدخل اتجاهاته الشخصية ، لان مهمة الاديب الواقعى هى تصوير ما يرى من مناظر وشخصيات حوله ، وعليه معالجة الاحداث الجارية والمعاصرة والحديث عن التقاليد والعادات التى تؤثر فى سلوك الناس وتفكيرهم ، وعليه أيضا أن يرصد التفاصيل الدقيقة للشخصيات والمواقف
والاماكن مهما كانت تافهة أو ذات ارتباط واه بالخط الاساسى للعمل الادبى ، وعله أيضا أن يقدم نسخة مطابقة للهجات المحلية ولغة العامة ، ولا مانع من استعمال الاصلاحات التى يتداولها الناس فى حديثهم العادى أو تجرى على ألسنة بعض الطبقات فى المصانع و المتتاجر والاسواق والمصالح الحكومية والمحافل العلمية .
وتجدر الاشارة هنا الى أن المدرسة الطبيعية التى ظهرت منذ أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين ، وإن كانت تقترب من المدرسة الواقعية فى تصويرها للواقع المعاش ، الا أنها تختلف عنها فى أسلوب المعالجة ؛ فالمدرسة الطبيعية تهدف الى بلورة الواقع حتى يراه الناس فى ضوء جديد وليس كما هو فى الواقع التقليدى ، ومع ذلك كله فلا تكاد توجد حدود فاصلة بين المدرستين وخاصة بعد أن تطورت الواقعية على أيدى كبار الروائيين من أمثال فلوبير وارنولد بنيت والاخوان جونكو .
على أنه منذ النصف الاخير من القرن التاسع عشر انقسمت الواقعية الى واقعية نقدية وأخرى اشتراكية ، ويهمنا فى هذا الصدد الواقعية النقدية ، وهى واقعية تميل الى التشاؤم لان الشر بالنسبة اليها عنصر أساسى فى النفس البشرية , وهى ترى كل مهمتها فى الكشف عن حقيقة الطبيعة الطبيعة الطبيعة البشرية وتعريتها بكل عيوبها ونقائصها ، أما تغيير تلك الطبيعة أو اصلاحها ، فهذا ليس من اختصاص الاديب ، لان الفنان ليس مصلحا اجتماعيا يبحث عن حلول لمشاكل المجتمع , ولكنه يكشف الواقع ويعريه مهما كان مؤلما وقاسيا وقبيحا ، وهو لا يستمد مضامينه من حياة طبقة اجتماعية معينة أو شريحة من المجتمع بذاتها وانما يتناول - كما فعل بلزاك فى ملهاته الانسانية - كل الطبقات والبيئات والمستويات الاجتماعية والثقافية ، لان الواقعية النقدية تنظر الى المجتمع ككل .
ولقد ظهر الفن القصصى بأشكاله المتعددة وأنماطه المتعارف عليها فى وقت مبكر من الحياة التونسية الحديثة وساير نمو الاحداث وعبر بدرجات متفاوتة عن تطلعات الاجيال نحو تغيير الواقع والارتفاع به الى مستوى يكفل لها ممارسة حريتها المفقودة والعيش وفق أوضاع تخلو من قيود التقاليد وتواكب مبادرات الحياة العصرية وتشارك فى قضايا العصر الكبرى .
على أن أهم سمة تميز بها الفن القصصى التونسى فى هذه المرحلة المبكرة هو الاتجاه نحو الواقعية ، فحاول رواد القصة القصيرة فى تونس أن يلتزموا
بأصول الفن القصصى وأن يزاوجوا بينه وبين معطيات الواقع الاجتماعى والثقافى والسياسى للجتمع التونسى ، ومن هنا جاءت معظم آثارهم القصصية تمثل خصائص ومميزات المذهب الواقعى مع الاخذ بقدر أو بآخر بالتيار الطبيعى الذى انتهجه زولا وبلزاك ثم طوره شيخوف وفى دى موباسان الى تصور الحياة ونقد المجتمع من خلال تقديم شريحة حية من شرائح الواقع تعبر عن موقف يجابه الانسان فى حياته اليومية المعاشة .
يقول بن سالم فى مقال له عن الرواية القصصية : (( إن الرواية تعيش اليوم بفضل ما تحمله فى طياتها من صور الحياة اليومية )) . ومن هنا كان هذا القصص يحاول أن يتسم بمظهر الواقعية بذكر مدن تونسية معروفة وأسماء أماكن وشوارع مشهورة ويحرص الكتاب على تقديم قصصهم بين أيدى القراء على أنها (( قصة من قصص الحياة )) وغير ذلك من العبارات التى تشير الى مظهر الواقعية .
ومنذ الثلاثينات حتى الاستقلال مر المجتمع التونسى بتطورات كبيرة وأحداث خطيرة فى السياسة والاجتماع والثقافة ، وعرف معنى القهر الاجتماعى وما يسببه من مظالم وما يوقعه من حيف لكثير من التونسيين الذين غادروا قراهم فى الريف ونزحوا الى المدن يبحثون عن لقمة العيش والعلاج فلم يجدوا الا العذاب والبؤس والبطالة وسكنى صفائح القصدير حول مشارف المدن .
وقد مكنت هذه الاوضاع الانسان التونسى من أن يعرف حقيقة الاستعمار فى أبشع صوره متجسدة فى استغلال المستعمر من ناحية والاستغلال الطبقى من ناحية أخرى ، وممالاة المستعمرين ووقوف عدد من التونسيين فى صف الاستعمار ومؤازرة نظامه ، ومن هنا اشتدت الحركة الوطنية وتعاظمت المقاومة فى السر والعن وأخذت تنتشر بين صفوف الشعب المقهور ، فانتظمت فئات منه فى مؤسسات ومنظمات اجتماعية واقتصادية وسياسية ونادى الطلبة بوضع أسس جديدة للتعليم وايجاد مناهج دراسية متطورة ، ودفع الطموح بكثير من الشباب التونسى الى الالتحاق بالجامعات الفرنسية ، كل هذه الاحداث والتطورات أحدثت تغييرا جذريا فى بيئة المجتمع التونسى وغيرت من طبيعة العلاقات التى كانت سائدة طبقاته ، وظهرت - نتيجة ذلك كله - أساليب حديدة فى التفكير ومعالجة القضايا المختلفة التى حتمتها مقتضيات الواقع المعاش .
وكان من الطبيعى أن تبرز أشكال جديدة فى التعبير الادبى لم يكن للجتمع التونسى سابق عهد بها كالقصة القصيرة والرواية التى تعالج المشاكل الاجتماعية والطبقية ، وكان محمود المسعدى رائد هذا الاتجاه المعبر عن قضايا المجتمع ومشكلاته ، ثم نشأ جيل من القصاصين عالجوا كتابة القصة وفق أصول فنية جديدة ذات مضامين فكرية واجتماعية جديدة أيضا ، تعبيرا عن المجتمع فى تحولاته وتطوره ، وانعكاسا لما كان يسوده من قيم قديمة وأخرى جديدة .
وبحصول تونس سنة 1956 على استقلالها بزعامة الوطنى المخلص الحبيب بورقيبة نما فن القصة نموا واضحا وأخذ بعض كتابه يحاولون مواكبه تطور المجتمع من ناحية ، والاخذ بالاساليب الجديدة من ناحية أخرى .
وكان لظهور مجلة (( الفكر )) سنة 1955 لصاحبها الاستاذ الاديب الكبير محمد مزالى منذ تباشير فجر الاستقلال أعمق الأثر فى ظهور جيل جديد من كتاب القصة والرواية التونسية ، حاولوا فيها أن يعبروا عن أدق الخلجات النفسية وأبعد الهموم اليومية وأعقد لمشكلات الاجتماعية والانسانية التى تعترض الانسان التونسى فى مسيرته نحو إعادة بناء حياته وتغيير أوضاعه ونشدان الحياة الكريمة فى ظل العدالة الاجتماعية ، نذكر منهم البشير خريف ومصطفى الفارسى وعبد المجيد عطية وعز الدين المدنى وعبد الواحد ابراهيم وأديبنا الاستاذ البشير بن سلامة .
هذه الخلفية التاريخية للتيار الواقعى فى القصة التونسية ، تقدم لنا تفسيرا لغلبة هذا التيار على رواية (( عائشة )) للبشير بن سلامة ، فهو يقول عن نفسه إنه : (( واحد ممن واكبوا الحركة الادبية التونسية فترة من الزمن ومارس الفن القصصى بقسط ضئيل وعرف شيئا من باطنه وظاهره )) .
ولقد تأثر البشير بن سلامه فى كتابة روايته بالبشير خريف تأثرا واضحا ، بل إنه يقول فى الندوة التى نظمها المركز الثقافى الدولى بالحمامات التابع لوزارة الشؤون الثقافية عن البشير خريف وأثره الادبى : (( إنى بدأت أكتب القصة بعد أن قرأت قصة البشير خريف الاولى والثانية وبعد أن نبذت تلك الفكرة التى سادت فى الادب التونسى والقائلة بأن حياة الناس فى تونس غير جديرة بأن تكتب وتكون مادة للادب والخلق " .
إذن فمن وراء هذه الخلفية ، كانت غلبة النزعة الواقعية على رواية (( عائشة )) , بل إن البشير بن سلامة يؤكد لنا أن الواقعية هي المذهب الذى يجب أن ينتهج فى كتابة القصة التونسية ويقول بكل وضوح : (( إن القصة التونسية الحقيقية لا يمكن أن تكون فى مادتها الا الواقع الذى يعيشه الناس فى البيئة التونسية والا الاحداث اليومية البسيطة التى يمكن للمبدع أن يسمو بها ويجعلها فى مستوى الفن الرفيع ، فلا الرواية التاريخية ولا الذهنية قدرتا على أن تعبرا التعبير الواضح عن البيئة التونسية الخصوصية وأن تحتوى على الابعاد التى عرفتها القصة الواقعية التونسية )) .
نعود فنقول : ان هذه الخصائص والمميزات للواقعية النقدية نجدها أبرز ما تكون وضوحا وظهورا فى رواية (( عائشه )) , فلم يكتب بن سلامه تلك الرواية من فراغ ولم تكن أحداثها وشخصياتها من نسج الخيال بالرغم من أنه يقول فى مقدمتها : (( إن اشخاص الرواية ووقائعها من صنع الخيال وكل شبه بأشخاص واقعيين إنما هو من محض الصدفة )) ، وإنما كان البشير أمينا الى حد كبير فى روايته للتيار الواقعى بكل مميزاته وخصائصه وسماته ، وبكل حلاوته مرارته وأحزانه وأفراحه وآلامه وآماله وخيره وشره وجماله وقبحه ، فهو يصور لنا فى تلك الرواية العلاقات الاجتماعية فى مختلف توتراتها وتحولاتها بين حشرجات اوت وأتراحه وتهويات الحب وأفراحه .
على أن الشير بن سلامه - على ما يبدو - كان أثناء كتابة الرواية الرواية يلبس منظارا قاتما فرأى كل شئ وكل شخص قد غلفته ظلال قاتمة حتى اننا لا نكاد نلمح شعاعا مضيئا يتخلل جوانب لوحاته التى رسمها لنا عن شخصيات الرواية أحداثها ، فأشخاص الرواية كما يقول فى مقدمتها : (( يتحركون فى الحياة والموت والسفر والاقامة والشقاء والسعادة واللذة والألم ، هم عابرو حياة . . . لذلك أردت تسجيل لقطات من عبورهم )) .
حقيقة لقد عاد بن سلامه فى روايته الى الاحوال التى كانت تعيشها تونس فى النصف الاول من هذا القرن العشرين وهو قرن ملئ بالمتناقضات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، وكانت البلاد حينذاك تئن تحت السيطرة الاستعمارية من جهة وترزح تحت وطأة حكم البايات من بقايا العثمانية من جهة أخرى ، كل هذا صحيح ولكن كثيرا ما تساءلت بينى وبين نفسى أثناء قراءة الرواية - وقد قرأتها أكثر من مرة - هل حقيقة كان المجتمع التونسى فى زمن وقوع أحداث تلك الرواية وفى ظل الاستعمار الفرنسى وحكم البايات
وعملاء الاستعمار وطبقة المستغلين بهذه الصورة التى رسمها وقدمها لنا البشير بن سلامة ؟ .
نعود بعد هذا التطواف الى رواية (( عائشة )) فنقول : إنها كما ذكر مؤلفها الجزء الاول من رباعية بعنوان (( العابرون )) وهى بذلك تذكرنا بثلاثية نجيب محفوظ ورباعية لورانس داريل الروائى الايرلندى الذى عاش فى مصر أهم فترة من فترات حياته الادبية ابان الحرب العالمية الثانية وكتب خلالها رباعيته الشهرة (( رباعية الاسكندرية )) التى رفعته الى مصاف الاعلام المعاصرين فى الرواية الانجيزية .
وقد آثر بن سلامه فى هذه الحلقة الاولى من رباعيته أن يبدأ القصة بنهايتها وهو ما يعرف عند نقاد الادب القصصى بالبناء الدائرى أى أن يبدأ الكاتب بنهاية القصة ثم يمضى فى سرد أحداثها ويرجع الى الوراء سنين عديدة ثم يعود مرة أخرى الى النهاية ، فأول ما بدأت به الرواية بدأت بوفاة (( عائشة )) ثم يستحضر علي أحد شخصيات الرواية - فى رجوع الى الماضى - تفاصيل القصة ، وفى الختام يعود الى الحاضر فيجد نفسه فى مشهد جنازة (( عائشة )) رفيقة صباه ، فنقطة البدء فى الرواية كما يقول محمد كمال المداينى : هى ذاتها نقطة النهاية فى شكل دائرى ، كان البشير بن سلامة يريد من خلال هذا البناء الدائرى أن يؤكد لنا على معنى يجول بخاطره يتمثل فى مأساة الموت واستسلام الانسان لنهايته المحتومة وقدره المكتوب .
هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى فقد لجأ البشير بن سلامه فى هذه الرواية الى أسلوب السرد مع تطعيمه ببعض الحوار ، ولم يشأ أن يترك الاحداث تنمو بالتدريج نموا طبيعيا ، وفى اعتقادنا انه لو فعل ذلك لاستغرقت القصة أضعاف أضعاف حجمها ، فهو يخبرنا بوقوع الحدث وربما يفاجئنا به ولا يعمد الى ترك الحدث ينمو ويتطور كما فعل نجيب محفوظ فى ثلاثيته ، ومن هنا يتولد عند القارئ احساس بأن أحداث القصة تجرى سريعة متلاحقة تلاحقا تلهث وراءه الانفاس ، ومن هنا أيضا يشعر القارئ بالانتقالات المفاجئة المباغتة من حدث الى آخر حتى ان صفحة واحدة من الرواية تضم من الاحداث ما لو تركت تنمو وتتطور لاستغرقت عشرات الصفحات ، فمثلا زواج (( عائشة )) وزفافها الى خالد واكتشافه انها ليست بكرا ثم إصابته بالشلل وفقدان (( عائشة )) عقلها ، كل هذه الاحداث الجسام مع تعددها ومواقفها الدرامية العنيفة لم تستغرق من الرواية أكثر من عشر صفحات .
إن القارئ لأية قصة أو رواية بصفة عامة يتوقع دائما أن ينشأ الحدث وأن ينطور مع غيره من الأحداث تطورا طبيعيا بحيث يكون الحدث السابق مقدمة لما يليه من احداث ويكون الحدث اللاحق نتيجة طبيعية لما سبقه من احداث وهكذا ، كأنما أحداث القصة أو الرواية سسلة مترابطة الحلقات تسلمه إحداها الى ما قبلها ويفضى آخرها الى أولها عبر حلقات محكمة متسلسلة مترابطة .
لم يؤثر المؤلف إذن أن يتبع هذه الطريقة وإنما عمد الى أسلوب السرد ، فاذا أراد أن يقول لنا : إن فلانا من شخصيات الرواية شخص وصولى انتهازى أو ضعسف الشخصية ، فانه قد يصفه لنا بهذه الاوصاف المباشرة التقريرية أو يجعله هو يتحدث عن نفسه بهذه الاوصاف ، لا أن يروى لنا من مسلكه وتصرفاته ما يجعلنا ندرك ونستنتج انه رجل وصولى انتهازى أو أنه شخص ضعيف الشخصية .
ومن هنا يشعر القارئ من ناحية أخرى بذلك الاسلوب التقريرى فى العديد من أحداث الرواية ومواقفها وصفات شخصياتها وأخلاقهم وتصرفاتهم , فعادل يقول للطاهر مثلا فى صيغة تقريرية مباشرة :
- أنا يا طاهر ضحية المجتمع الذى أضاع قيمه الانسانية ولم يقدر على الايمان يقيم هؤلاء الاجانب الذين يحكموننا اليوم . . . أنا غير قادر على أن أحب كما يحب أجدادى ولا أن اؤمن إيمانهم ولا أن أجاهد سياسيا جهادهم ولا أن أكون أديبا مثلهم . . . أنا الذبذبة بعينها والخذلان المجسم .
أو أن يقول له أيضا :
- سيرتى سبة فى جبين هذا المجتمع المنافق الخنوع الذليل . . . مجتمع العبيد لا الاحرار . . . مجتمع العبودية المركبة ؛ عبودية نظام الحماية ونظام الباى ونظام العصبية ونظام الأبوة .
وواضح من هذين المثلين - وغيرهما كثير فى الرواية - أن المؤلف يريد أن يصل الى غابته من أقرب الطرق وأقصر السبل وذلك عن طريق استعمال الاسلوب التقريرى المباشر ، ومما لا شك فيه أن انتهاج هذا الاسلوب يعيب الفن القصصى كما هو متعارف عليه ، وهو ما أخذ على محمود تيمور القصصى
المصرى فى بعض أقاصيصه حيث عمد الى إضفاء بعض الصفات المباشرة على بعض شخوص قصصه ومسلكه وتصرفاتهم دون أن يدع القارئ يستنتج بنفسه من أحداث القصة تلك الصفات .
على أن هذا لا يقلل بطبيعة الحال من قدر رواية (( عائشة )) فقد زخرت بالعديد من المواقف والاحداث الحية التى تتحدث عن نفسها بنفسها ، فقد أظهر الكاتب مثلا بطريقة غير مباشرة أن الطبقة الثرية القريبة من فرنسا والباى لم تلعب دورا فى مقاومة الاستعمار ولم يكن لها أى تأثير ايجابى على الحركة القومية ، ويمكننا أن نلحظ هذا من خلال غربة الطاهر الذى كاد ينزلق الى درك هذه الطبقة ويصبح مثلها .
كذلك صور لنا المؤلف ذلك العذاب الذى تعيشه النفس الانسانية التى لا تعرف الراحة والهدوء فى واقع اجتماعى تهزه الحروب والاضطرابات الاجتماعية السياسية وتطحنه الصراعات العرقية والطبقية ، واستطاع أن يرصد لنا حركة المجتمع التونسى سواء فى المدينة أو الريف ، وان يبرز لنا مؤشرات التحول فى هذا المجتمع ؛ ففى المدينة يصف لنا البشير الحياة اليومية للتجار والفقراء والباعة المتجولين والاسواق وهى تعج بالمشترين والبائعين ويصف لنا الحى أو البيت أو القصر وصفا دقيقا يشعرنا كأننا نعيش فى هذا الحى أو هذا البيت أو ذلك القصر .
فالمكان ووصفه والاحساس به يعد من العناصر الملازمة فى روايات الروائيين الواقعيين ، ولعل الروائى الانجليزى (( دانيال ديفو )) مؤلف (( روبنسون كروزو )) أن يكون أول كاتب انجليزى وضع رواية بأكملها وكأنما حدثت فى محيط حقيقى ملموس بحيث يجعلنا نشعر بالارتباط الوثيق بالبيئة وبالمكان ، ثم سار ((ريتشارد سون )) خطوات أبعد فى هذا الاتجاه ، وتذكرنا بعض الصور فى روايته (( كلاريسا )) بمهارة بلزاك فى جعل مكان الرواية قوة نافذة فعالة وجزءا أساسيا من البناء الهيكلى للرواية ، اذ يبدو قصر (( هارلو )) فى كلاريسا كما لو كان نموذجا حقيقيا مخيفا لبيئة خلقية وضيعة ، كذلك فعل البشير بن سلامه عندما تحدث عن قصر (( الفريك مصطفى )) وما يدور بين جدرانه وجعلنا نحس بهذا القصر كأننا نعيش فيه .
كذلك صور لنا فى روايته حياة الطلبة الوافدين من المدن والقرى التونسية على جامع الزيتونة طلبا للعلم وصور لنا حياتهم اليومية ومساكنهم ودراستهم وأوضاعهم العائلية .
ولم يغفل المؤلف الحديث عن الاستعمار الفرنسى وما فعله فى الوطن وأبناء الوطن ، وهو فى حديثه هذا يكتفى بالاشارة العابرة واللمحة الخاطفة لتفسير توضيح تصرفات بعض شخصيات هذا الاستعمار أو إلقاء الضوء على بعض الممارسات التعسفية الجائرة للمستعمرين وحلفائهم من الارستقراطية والرجعية
كذلك تحدث فى روايته عن التفاوت الطبقى الذى كان يعيشه المجتمع التونسى ، وحاول أن يصوره لنا بالحديث عن الارستقراطية التونسية المتحالفة مع القوى الاستعمارية والرجعية وبالحديث عن البرجوازية الصغيرة المثقفة الوافدة على تونس من المدن والقرى وما تحمله كل طبقة نحو الاخرى من كراهية وحقد ، ومن هنا يرز لنا المؤلف التناقضات بين هذه الطبقات ويجسد الصراع الخفى والظاهر الدائر بينها .
كل هذا تناوله البشير بن سلامة فى روايته وعبر عنه بواقعية صادقة وإن كانت قاسية ومريرة ومؤلمة أحيانا .
ومن مظاهر الواقعية التى أخذ بن سلامة بها نفسه موضوع الهجرة من الريف الى العاصمة ، فالباحث فى الادب القصصى التونسى فى الفترة الواقعة بن الاستقلال وأواخر الستينات يلاحظ أن هذا الادب يدور جميعه فى تونس العاصمة وفى الاحياء الشعبية منها بصفة خاصة مما يؤكد أن معظم الاشخاص فى هذا القصص يتبعون حركة مكانية متماثلة ، فينطلقون من الريف لستقروا فى حى من الاحياء الشعبية العتيقة أو الحديثة ثم يلقون بأنفسهم فى خضم المدينة العصرية للقيام بعمل أو البحث عن عمل مع كل ما يتبع ذلك من شعور بالغربة والاغتراب والضياع أحيانا فى شوارع المدينة الكبيرة
وموضوع الهجرة من الريف الى المدينة موضوع طرقه العديد من الباحثين الاجتماعيين وتناوله المؤلفون القصصيون من أمثال : العروسى المطوى ومحيى الدين بن خليفة وعبد القادر بن الشيخ وغيرهم ، فكل هؤلاء المؤلفين تناولوا هذا الموضوع باعتباره واقعا عاشه التونسون فى حقبة من حياتهم وباعتباره أيضا مشكلة من مشاكل العالم المعاصر . ولم يختلف البشير بن سلامه عن هؤلاء القصاصين فى تناول هذا الموضوع . والشواهد على ذلك فى رواية (( عائشة )) حاضرة ، فالطاهر يغادر القرية متبرما بها متشوقا الى ما يقصه الناس عن تونس وعن الدراسة فى جامع الزيتونة وما يرونه عن القصور
الجميلة المنبثة حول العاصمة والحدائق والمقاهى والملاهى ، ويغرى الطاهر ابن عمه عبد الله بالنزوح هو الآخر من قريته الى تونس ويتعجب كيف صبر على الحياة فى هذه القرية ، ولكن البطل فى الرواية لم يستطع أن يتأقلم مع المجتمع المدنى الجديد ولم يستطع أن يتكيف مع تقاليده وأعرافه وقيمه فنجده يعود أدراجه الى قريته .
من المظاهر البارزة للتيار الواقعى فى روايته (( عائشة )) ، ما زخرت به من الاشارة إلى التراث الريفى والمدائن والتقاليد والعادات وأنواع الملابس الوطنية والاطعمة التونسية وبعض المعتقدات الشعبية التى تجمع بين الريف والحضر ، وهى معتقدات متأصلة فى عامة التونسيين ضاربه بجذورها فى أعمق أعماق وجدانهم .
وغنى عن البيان أن الحديث عن تلك المعتقدات الشعبية قد سبق اليه أغلب الروائيين الواقعيين من كتاب القصة فى الشرق والغرب ولم يختلف الروائيون التونسيون عن زملائهم فى هذا المضمار ، اعتبارا بأن الحديث عن تلك المعتقدات الشعبية تأكيد للواقعية التونسية واظهار للروح التونسية وابراز لمعالم البيئة المعاشة ، فالبشير بن سلامه ينتمى نفسه الى قرية من القرى التونسية ، ولا شك فى أنه قد وقف على كثير من تقاليد تلك البيئة الريفية التى نشأ فى أحضانها وعرف من عاداتها وتقاليدها فى أفراحها وأحزانها الشئ الكثير ، كما وقف على حالة الفلاح وبؤسه وكفاحه المرير فى سبيل لقمة العيش ، ومن هنا فان البشير عندما كتب عن تلك المعتقدات والتقاليد إنما كتب عن دراية وعلم وخبرة ومعايشة .
ولعل حديثه عن مقدمات زفاف (( عائشه )) الى خالد وما حدث فى هذه المناسبة من غناء ورقص وزغاريد ودخول العروس فى (( الحجبه )) وخوفها الشديد من عادة (( الوجء )) الذى يحمله العريس من (( الخيايط )) و (( المناجر )) يقدمه على معبد فحولته ، وما يحمله أهل العريس من (( الخيايط )) و (( المناجر )) و (( الفوطات )) و (( الفاكهة )) و (( الخرفان )) و (( الطيور )) و (( الدجاج )) واستسلام (( عائشه )) الى (( الحنانه )) وأكلها (( المستعجله )) ليكثر لحمها وشحمها ، واحتحابها عن نور الشمس حتى تكون بشرتها بيضاء ناصعة , وحضور أهل العريس بجمل (( الريحانه )) و (( سلسلة الخله )) وكيسين من القمح وتخضيب العروس يديها وقدميها بالحناء فى (( ليلة السرقة )) ثم فى (( ليلة الحنة الصغيرة )) وغناء الماشطات والصبايا وما يصحب كل هذا من
الرقص والزغاريد وارتداء العروسين الملابس التقليدية فوق الرأس والرقبه واليدين وغير ذلك من الطقوس ، نقول : لعل حديث البشير عن هذه التقاليد والمراسم أن يكون قطعة حية وصورة نابضة أصدق ما تكون واقعية لما يحدث فى هذه المناسبة .
وقيل أن نختتم هذه الدراسة عن الواقعية فى رواية (( عائشه )) ينبغى لنا أن نشير إلى مظهر هام من مظاهر هذه الواقعية ، ذلك هو استعمال المؤلف لبعض الالفاظ العامية سواء فى السرد أو الحوار .
فيما يلفت النظر فى لغة القصة أو الرواية التونسية بصفة عامة أن العامية تسربت اليها بشكل واضح وخاصة منذ الاستقلال الوطنى ، ولعل السبب فى ذلك أن يكون راجعا الى توهم بعض الكتاب أن الشخصية التونسية لها من الملامح الاجتماعية والثقافية واللغوية ما يميزها عن غيرها من الشخصيات الاخرى ، ومن هنا وقر فى اذهان هؤلاء الكتاب أن استعمال العامية فى الحوار أو السرد يحقق روح الشخصية التونسية بقدر ما يحقق مقتضيات الفن القصصى .
والواقع من الامر أن فترة ما بعد الاستقلال وما صاحبها من ظهور مشاكل اجتماعية حديدة ونشوء تيارات أدبية وثقافية جديدة كذلك قد حتمت استعمال العامية لتصوير حياة الشعب الاجتماعية ما تزخر به من قيم وتقاليد وأعراف ومشكلات كبيرة أو صغيرة .
فكتب البشير خريف ومحمد الصالح الجابرى ومحمد العروسى المطوى قصصا وروايات استعملوا فيها اللغة الدارجة إمعانا فى الواقعية وتحقيقا للشخصية التونسية وابرازا للذاتية التونسية ، فكتب البشير خريف انتاجه القصصى الاول (( حبك دربانى )) أو (( إفلاس )) باللغة العامة ، فأثارت موجة من الجدل والنقاش ، ثم أردفها بعلمه الثانى (( برق الليل )) ، ثم نهج غيره من كتاب القصة نفس النهج تقليدا واحتذاء .
ومن هنا نستطيع أن نقول بكثير من لاطمئنان إن أنصار العامية يرون فى سيادتها تحقيقا لما يدعو اليه المذهب الواقعى من ضرورة الاتصال العميق
والوثيق بالواقع والتعبير عنه بنفس اللغة التى يتحدث بها أبناؤه ، ويجدون فى الحوار بالعامية حيوية وتأثيرا ربما لا توفره الفصحى بما يوهم القارئ بأن أحداث القصة أو الرواية قد وقعت بالفعل .
وقد سبق أن المحنا الى أن من مميزات التيار الواقعى أن يستعمل الاديب لغة العامة ويستخدم الاصطلاحات التى يتحدث بها الناس فى كلامهم العادى ، على أن أهم ما يوجه الى استعمال العامية فى كتابة القصة أو الرواية من انتقاد ، هو أن اللغة العامية ليست واحدة فى جميع الاقطار العربية ، فالعامية المصرية مثلا غير العامية التونسية ، وهذه غير العامية العراقية أو السورية أو اللبنانية أو السعودية وهكذا ، فالقارئ التونسى قد يفهم عامية بشير خريف ولكن بقية القراء في الشرق العربى والمغرب قد يستغلق عليهم فهم تلك العامية ، بل إن البعض يقولون : إن كثيرا من حوار خريف فى رواية (( الدقلة فى عراجينها )) لا يكاد يفهمه كثيرون من ابناء تونس أنفسهم لانها لهجة الجريد المختلفة اختلافا تاما عن لهجات الحواضر التونسية .
ولعل هذا ان يكون السبب فى أن البشير بن سلامه ذيل روايته بفهرس للالفاظ العامية التى وردت بالرواية ومعناها باللغة العربية .
على أنه مما لا شك فيه ان للعامية صلة وثيقة بالواقع وبما يتناوله الناس فى حياتهم اليومية ، واستعمال الكاتب القصصى أو الروائى لها - كما فعل ديستوفسكى فى روايته (( ذكريات من بيت الأموات )) - يضفى على عمله الفني نكهة خاصة ولونا محليا وروحا مميزا وصدقا فى التعبير وحيوية فى الحركة ولكن بشرط أن يكون استعماله لها بقدر وذكاء ومقدرة وهو ما وفق اليه البشير فى روايته الى حد كبير .
وبعد . . .
فهذه بعض مظاهر التيار الواقعى الذى يسرى فى رواية (( عائشه )) للاستاذ البشير بن سلامه ، نرجو أن نكون قد وفقنا الى ابراز بعض معالمه ، كما نرجو من أديبنا الكبير أن ينجز وعده باستكمال حلقات رباعيته . والله ولى التوفيق .
رابح لطفى جمعه ( القاهرة )

